شعار Levant Time
العودة إلى المقال
قراءة هادئة

حصر السلاح: قراءة من زاوية أخرى!

صورة للأخبار
صورة ربيع ضاهر/ا ف ب
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 24, 2026 - 02:43

غالباً ما تشكل المصالح السياسيّة أغرب التقاطعات، وبعض تلك التقاطعات تكون غير منطقية لدرجة يصعب فهمها أو استيعابها، ولكنها كذلك حقاً. بين كيفيّة ممارسة السياسة وليس كيفيّة فهمها نظريّاً تقع الاختلاف الكبرى. ولعل هذا ما يفسّر الكثير من الظواهر التي نشهدها في لبنان راهناً.

لقد انتقل لبنان في غضون أقل عقدين من بلد حرر أرضه من أحد أقوى الجيوش في المنطقة وأكثرها دموية دون قيد أو شرط، ودون إتفاقيّة سلام، لا بل حتى دون إتفاقيّة ترتيبات أمنيّة، إلى دولة احتلت خمس تلال فيها، ثم دولة احتلت فيها نحو 60 قرية، جُرفت منازلها بالكامل، وهجّر بشكل شبه تام أكثر من مائتي ألف مواطن، لا تبدو عودتهم قريبة أو متاحة في المدى المنظور.

الاحتلال الإسرائيلي يطالب بنزع سلاح حزب الله، تحت عنوان حماية الحدود الشماليّة، والحزب يرفض تحت عنوان أنه طالما هناك أرض محتلة (لربما لما كانت كذلك لولا الانخراط في حروب الإسناد) لطالما تبرز الحاجة لمقاومة الاحتلال (وهذا صحيح نظرياً بطبيعة الحال). وهنا، يتقاطع الطرفان، ولو كانا على طرفي نقيض!

على عكس ما تدّعي، لا ترغب إسرائيل حقاً بنزع سلاح حزب الله أو بتسليمه للدولة اللبنانيّة لأن ذلك سوف يجعل مشروعها لإقامة منطقة عازلة ودائمة في جنوب لبنان مسألة غير ممكنة وغير مبررة، وهو سوف ينزع الذرائع منها لتحقيق هذا الهدف الذي باشرت به عملانياً من خلال الخطوات الميدانيّة التي تقوم بها يومياً: هدم البيوت، التجريف، شق الطرقات، التحضير لإقامة مراكز ونقاط عسكريّة، وبطبيعة الحال رفض الانسحاب ورفض عودة الأهالي والسكان.

كما أن حزب الله، رغم معرفته بتغيّر كل الظروف السياسيّة والعسكريّة منذ حربه الأخيرة عام 2006 وتحقيقه "النصر الإلهي" يومذاك، ومن أبرزها سقوط نظام بشار الأسد، واغتيال كبار قادة الحزب، وكبار قادة طهران، وسقوط معادلة الردع، والتفوّق الإسرائيلي الاستخباري (البيجر) والعسكري؛ إلا أنه لا زال يصّر على الاحتفاظ بسلاحه رغم عدم تمكنه من مواجهة إسرائيل منذ وقف الحرب الأخيرة وهي التي واصلت الانتهاكات اليومية واستهداف كوادره دون انقطاع.

وبين هذا وذاك، تقف الدولة اللبنانيّة عاجزة عن تأدية دورها والقيام بوظيفتها الأساسيّة المتمثلة بحصر السلاح مع الأجهزة العسكريّة والأمنيّة الرسميّة. فهي تخشى الصدام مع حزب الله حفاظاً على السلم الأهلي، وبطبيعة الحال لن تصطدم مع الجيش الإسرائيلي بالنظر لتفاوت القوة العسكريّة بشكل كبير.

إن استمرار ضعف الدولة المركزيّة يفيد إسرائيل التي لا تبحث عن شركاء في كل سياساتها بل عن أتباع، وفي تاريخها الحديث العشرات من الأمثلة التي أصرت فيها على إضعاف من يدعو للسلام أو الاستقرار، وآخرها دعوة وزير الأمن الإسرائيلي بن غفير إلى فكفكة السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة وحلها بالكامل، رغم الإصرار الدائم من قبلها على الحلول السلميّة وإنهاء الصراع عبر المفاوضات. ولعل في ذلك عبرة لبعض المهرولين للتطبيع و"السلام" في لبنان ويستعجلون الخطوات نحو كذلك وصولاً للتلويح بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل!

إن قيام الدولة المركزيّة اللبنانيّة القويّة وامتلاكها حصراً السلاح وضبطها للحدود الجنوبيّة من شأنه أن ينزع الذرائع التي تسوقها إسرائيل بأنها تحت التهديد الدائم في الشمال، وأن مستوطناتها في تلك المناطق معرّضة بصورة متواصلة للخطر. ومعلوم كم أن إسرائيل بحاجة دائمة للحروب لإستدامة مشروعها الاستيطاني والكولونيالي الذي تسعى لتوسيعه نحو لبنان، وكيف أن خطوات من هذا النوع من شأنها أن تعطّل هذا المشروع.

أما تعثّر قيام الدولة في الداخل، فإنه لا يضير حزب الله، لأنه يجعل المطالبة بجمع السلاح غير قابل للتطبيق، ويتيح له الاستمرار في رسم أجندته الخاصة بالتوافق مع طهران، من دون الأخذ بالضرورة المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة (إن لم يكن على نقيضها تماماً).

يبقى الكلام ضرورياً عن الدور الأميركي في هذا المجال بحيث أن اهتمامات واشنطن قد تتراجع تدريجياً بالملف اللبناني مع دخوله في حالة من المراوحة السلبيّة، ومع عدم تحقيق أي تقدّم ملموس يتيح للرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاخرة به أمام الرأي العام العالمي والأميركي. من الواضح أن إسرائيل لا تريد أن تتعزز العلاقات اللبنانيّة- الأميركيّة الرسميّة ليس لأنها تخشى على موقعها المدلل في المعادلة الأميركيّة الداخليّة والخارجيّة، بل لأنها- بطبيعتها- تريد الاحتفاظ بحصريّة تفوقها في المنطقة- وهو ما لا ينافسها عليه لبنان بامكانياته المحدودة وانهياراته المتتالية، بل بكونه النموذج الوحيد القادر على تقديم نفسه بشكل مختلف خصوصاً من ناحية تعدديته وتنوعه. 

وإذا كان من المسلّم به أن لا أحد سوى واشنطن تستطيع أن تمارس الضغط (غير المطلق على كل حال) على إسرائيل، فهذا لا يلغي أن على لبنان أن يحشد كل الدعم الدولي الممكن لتأييد قضيته ولبناء رأي عام دولي مساعد يبقيها حيّة لأنها قتلها يكون بجعلها أسيرة المراوحة الراهنة مع تفوق إسرائيلي في القصف والتجريف والهدم والتهجير.

من هنا، قد تبدو مسألة حصر السلاح بيد الدولة أعمق بكثير مما قد يظن البعض وهو ما يحتّم حواراً جديداً لربما يبدأ بين بيروت وطهران بمواكبة سعودية وتغطية أميركيّة.

 

مقالات ذات صلة
عرض الكل

إحذروا الفدراليّة في لبنان!

بقلم رامي الريّس
نُشر أكتوبر 17, 2026 - 20:35
تم التحديث أكتوبر 20, 2026 - 20:26

المأزق اللبناني يتطلب مقاربات جديدة

بقلم رامي الريّس
نُشر أكتوبر 4, 2026 - 22:29
تم التحديث أكتوبر 8, 2026 - 22:39

عن النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران

بقلم رامي الريّس
نُشر سبتمبر 24, 2026 - 11:34
تم التحديث سبتمبر 29, 2026 - 01:34

التشظي اللبناني الداخلي يفاقم المخاطر

بقلم رامي الريّس
نُشر سبتمبر 14, 2026 - 14:22
تم التحديث سبتمبر 20, 2026 - 01:06

لبنان: خطوط النار في الداخل والخارج

بقلم رامي الريّس
نُشر أغسطس 17, 2026 - 18:36
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 12:56

المزيد من رامي الريّس

عرض الكل

المزيد في قراءة هادئة

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل