شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ألف هضبة

هويّات من حجر، عالم سائل، ومستقبل عصيّ على الإمساك

فوز لولا على بولسونارو في البرازيل...وما هو أبعد

صورة للأخبار
سيلفيو أفيلا / وكالة الصحافة الفرنسية. صورة: سيلفيو أفيلا / وكالة الصحافة الفرنسية
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 27, 2026 - 08:26

لا شكّ في أنّ الإغراء كبير برؤية انتصار الرئيس المنتهية ولايته، لولا دا سيلفا، يوم الأحد في 25 تشرين الأول، بمثابة كبح للموجة القومية التي تجتاح جزءاً من أميركا اللاتينية.

لكن حذارِ الانسياق وراء الصور الوردية الجاهزة.

فالرئيس المنتهية ولايته لم يفز إلا بنسبة 51.79% من الأصوات الصحيحة، فيما حصد منافسه فلافيو بولسونارو، الوريث السياسي لوالده جايير، الرئيس السابق الذي أصبح رمزاً لليمين المتطرّف، 48.21% من الأصوات.

وهكذا، قرّر نحو ستين مليون ناخب مواصلة تأييد مرشّح شديد المحافظة، على الرغم من السقوط القضائي المدوي لوالده.

لقد فاز لولا، ولا شكّ في أنّ انتصاره أطلق زفرة ارتياح عميقة لدى فئة كاملة من “المعتدلين” الذين باتوا يشعرون بأنّ التطرّف يطوّقهم من كل جانب.

لكن ينبغي ألّا نخدع أنفسنا: فالبولسوناروية، بكل ما تمثّله، خرجت هي الأخرى منتصرة.

ومن هذه الزاوية، تكمن أهمية الحالة البرازيلية في أنّها تطرح بوضوح الإشكالية المجتمعية التي يواجهها العالم بأسره اليوم، بعيداً من الحسابات الرقمية البحتة للأصوات، ومن تعداد الانتصارات والهزائم السياسية والانتخابية. ذلك أنّ العولمة، بما حملته من وعود حول “حوار الثقافات” وإلغاء الحدود، لم تُنشئ شبكة عابرة للحدود من المعتدلين، بل أنجبت هيدرا ليرنا هويّاتية متعدّدة الرؤوس والأشكال.

القرية الكونية وهيدرا الهويّات

فالعولمة كانت تحمل في أحشائها ما هو أبعد بكثير من برنامج اقتصادي. وكان يُفترض أن يؤدّي انسياب السلع والأشخاص والأفكار إلى تحرير المجتمعات تدريجياً من أسر انتماءاتها القديمة، وأن يفضي اتّساع الآفاق الفردية، إن لم يكن إلى تقارب الثقافات، فعلى الأقل إلى تعلّم فنّ العيش المشترك.

هيهات.

أكانت تلك سذاجة جيل طفرة المواليد، الموروثة من أحلام عالم ما بعد يالطا وبريتون وودز؟

ليس تماماً أيضاً.

ليس المقصود أنّ الانفتاح لم يحقّق شيئاً. فذلك حكم لا يخلو من إجحاف. لقد انتُزعت حرّيات، وأُنجزت إصلاحات، وتحقّقت أشكال من التمازج الثقافي والبشري، ونشأت شبكات تضامن عابرة للحدود الوطنية. وهذا أمر لا جدال فيه.

غير أنّ الترابط المادي بين المجتمعات لم يُنتج “وعياً كوكبياً”، ولم يُفضِ، من باب أولى، إلى إدراك أنّ العيش المشترك، وما يستلزمه من ثقافة تضامن وتعاطف، هما وحدهما الكفيلان بتمكين البشرية من مواجهة الكوارث الكبرى التي تلوح في الأفق. فالأفراد يتشاركون اليوم الدوائر المالية نفسها، والشبكات الرقمية ذاتها، وباتوا يتقاسمون أيضاً المخاوف المناخية والصحّية نفسها، من دون أن يكون هذا التعرّض المتبادل كافياً لبناء عالم يمكن العيش فيه سياسياً على نحو مشترك. ولعلّ الخطأ كان في افتراض أنّ محو بعض المسافات المادية سيؤدّي بالضرورة إلى زوال المسافات الرمزية.

من دافوس إلى أنقاض مانهاتن

لقد أثارت “الرأسمالية المتوحّشة” لنخب دافوس، منذ مطلع العقد الأول من الألفية الثالثة، ردّ فعل أولياً على التوسّع المنهجي لمسار العولمة، تمثّل في انتفاضة “معذّبي الأرض”، وفي حركة العولمة البديلة التي اتّخذت من بورتو أليغري رمزاً لمقاومة اجتماعية انطلقت من الهوامش، وقادها أولئك الذين تركتهم دينامية العولمة خلفها.

لكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحد.

فالعولمة، إذ سعت إلى تسطيح الاختلافات باسم ثقافة الأسواق، ولّدت أيضاً، بحكم الدينامية المحاكاتية، شكلاً آخر من عودة المكبوت: نزعة هويّاتية متلبّسة بالسلطوية، بعدما كان هذا النمط من الظواهر قد شهد تراجعاً ملحوظاً في مطلع القرن. ويمكن، من دون مبالغة كبيرة، اعتبار أنّ هجمات الحادي عشر من أيلول، التي نفّذها أحد أكثر التفرّعات دموية ورجعية بين “معذّبي” العولمة هؤلاء، سدّدت الضربة القاضية إلى مسار العولمة.

فانهيار البرجين التوأمين شكّل، بمعنى من المعاني، نهاية تاريخ ما سُمّي “نهاية التاريخ”، بعدما تعرّض أحد أبرز رموز “القرية الكونية”، أي حرّية التنقّل، إلى قيود عميقة، بل إلى تقويض شبه كامل، بفعل عولمة… الإرهاب.

غرق اليقين ووحوش العالم السائل

ولعلّ أمين معلوف كان أكثر من شخّص هذا الانحدار نفاذاً إلى جوهره. ففي عام 1998، جاء كتابه “الهويّات القاتلة” بمثابة ردّ إنساني، ابن مرحلته، على أطروحة “صدام الحضارات” الهنتنغتونية. ثمّ مضى معلوف، ببصيرته النافذة، إلى إصدار “اختلال العالم” (2009)، و”غرق الحضارات” (2019)، و”متاهة الضائعين” (2023). وتكفي العناوين وحدها لاختزال هول السقوط: أزمة، وغرق، وتيه. أمّا كتابه الأخير، “قرن تحوّلنا”، الذي صدر قبل أيام معدودة، فيبدو أقرب إلى تحذير من فتح الختم الأخير الذي يسبق نهاية العالم…

نبوءة!

فالحداثة تفرض على الفرد قابلية دائمة للتنقّل والتكيّف وإعادة ابتكار ذاته. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّ هذه الحرّية تُعاش بوصفها تحرّراً، أو أنّ التقدّم يُنظر إليه باعتباره غاية مطلقة. وإلّا، فكيف يمكن تفسير تلك الهستيريا الجماعية الارتيابية التي تغذّي نظريات المؤامرة، من الحركات المناهضة للقاحات إلى التشكيك في قوانين الطبيعة نفسها، والتي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي خلال العقد الماضي انتشار الوباء؟ كأنّ المنحنى الصاعد للتقدّم العلمي بات يقابله، بالاندفاع نفسه، “توأمه الشرير”: التشكيك في النزعة العلموية، في أكثر صور هذا التشكيك قطيعية وكاريكاتورية.

وليس في ذلك ما يدعو إلى كبير الاستغراب. فشبكات الحماية الاجتماعية تزداد هشاشة، وأطر الوساطة الجماعية تتآكل، حتى لم يعد المستقبل يحمل شيئاً من وعد الحياة، وبدا انزياح السحر عن العالم وقد بلغ مداه، فاتحاً الطريق الملكي أمام العدمية المطلقة، على ما تشير إليه المحلّلة النفسية الفرنسية اللبنانية دينا جرمانوس بيسون… فوق أنقاض ما كان يُفترض أن يكون إنسانية متكاملة…

ومن أنقاض المرجعيات السياسية والاجتماعية تنبعث انتماءات ذات صلابة حجرية، تستحضر على نحو مقلق تلك “الوحوش” الغرامشية الكامنة في عتمة المرحلة الفاصلة بين عالم يحتضر وآخر يتعذّر عليه أن يولد. إنّها إحدى مفارقات ما أطلق عليه زيغمونت باومان “الحداثة السائلة”.

طهرانية الأسوار ومرايا جيرار

كان البابا فرنسيس شاهداً على موجة سالفيني في إيطاليا بين عامَي 2018 و2019، فسارع إلى التحذير من العودة المشؤومة لشتى النزعات العقائدية المؤدلجة، تلك الـ”إيزمات” (ismes-) التي لا تنتهي.

فالمشكلة ليست في الأمّة أو الدين أو الذاكرة الجماعية بحدّ ذاتها، إذ يمكن لهذه جميعاً، تبعاً لميول الأفراد وانتماءاتهم، أن تشكّل معالم اهتداء في عالم تائه. لكن دلالتها السياسية تتبدّل عندما تُناط بها رسالة خلاصية، تتكفّل بحماية الفرد أو الجماعة من عالم بات عصيّاً على الفهم والإدراك، ومصدراً دائماً للقلق.

عندئذٍ، يبدأ الفخّ بالانغلاق تدريجياً، إذ تكفّ الهوية عن تحديد ما ننتمي إليه، لتصبح عنواناً لما ينبغي لنا أن ندافع عن أنفسنا في مواجهته. وتتحوّل الحدود الثقافية، التي كان من الممكن أن تنظّم اللقاء بقدر ما ترسم الاختلاف، إلى خطوط ريبة، بل إلى معابر للاحتقار والشيطنة والإقصاء؛ وهكذا تنقلب الحاجة المشروعة إلى الاستمرارية مطلباً بالتجانس القسري.

وبدل المحاكاة العولمية العابرة للحدود، بما تولّده من عنف هويّاتي، والقائمة على المساواة في إطار تنوّع منفتح على طريقة إعلانات “بينيتون”، تطرح النزعة الهويّاتية السلطوية تجانساً محاكاتياً قائماً على الأسوار والانغلاق. وكأنّه، إذا ما دفعنا الصورة إلى أقصى حدود الكاريكاتور، لا بدّ من التخلّص من تلك “الآفة” المسماة الاتحاد الأوروبي، والعودة إلى أوروبا المفتّتة التي سبقت صلح وستفاليا… بما نعرفه جميعاً من نتائج. وما أروع هذا العصر الذهبي المزعوم!

والأسوأ أنّ إحدى بقايا الثقافة العولمية قد تطرّفت بدورها في اتجاه هويّاتي معكوس، تجسّده “الووكية”. ولا شكّ في أنّ رينيه جيرار كان سيستمتع بتأمّل التروس الجهنمية لهذه الدوّامة المحاكاتية…

وبطبيعة الحال، سيكون من التعسّف اختزال تجارب متباينة إلى هذا الحدّ في آلية واحدة، من القومية الهندوسية في هند ناريندرا مودي، إلى التداخل بين الدين والسيادة في تركيا، وإعادة تشكّل التيارات السيادوية الأوروبية، والأنظمة العسكرية في منطقة الساحل الأفريقي، وصولاً إلى الانبعاث الصاخب والمَرَضي للطائفية اللبنانية في حقبة ما بعد 14 آذار.

ولا معنى لمثل هذه المقارنة إلّا بقدر ما تسمح بتبيّن، خلف تلك الاختلافات، جملة من الأسئلة الملحّة التي لا تكفّ عن الترحال بين المجتمعات: من الذي لا يزال يحمينا؟ من يتكلّم باسمنا؟ وماذا بقي لنا من القدرة على تقرير ما يحدث لنا؟

شبح الدولة وأوهام العودة إلى النظام

لكن الإجابة لا تكمن في الهواجس الثقافية وحدها. ففي البرازيل، تتقاطع قضايا الأمن العام وغلاء المعيشة والتفاوتات التاريخية وانعدام الثقة بالنخب داخل كتل انتخابية تعجز التصنيفات المريحة لليسار واليمين عن الإحاطة بها. حتى التشخيص نفسه أصبح سائلاً…

فالشبكات الدينية قد توفّر أشكالاً ملموسة من التضامن حيث لا تعود الدولة تُستشعر إلّا كحضور شبحي؛ كما أنّ الحنين إلى نظام متخيّل، يبدو في الأذهان ملاذاً للراحة والطمأنينة بلا عناء، قد يغري مواطنين لا تشكّل الهوية، بالمعنى الدقيق للكلمة، همّهم الأول، بقدر ما يشغلهم شعور يومي بالهشاشة وانعدام الأمان.

ومن هنا، سيكون من الخطأ اختزال البولسوناروية، في رمزيتها، إلى مجرّد نزعة رجعية واحدة. وبالمثل، فإنّ اعتبار انتصار لولا دليلاً على اكتمال مصالحة اجتماعية لا يعدو كونه أقرب إلى أمنية ساذجة منه إلى قراءة واقعية.

ومن الطبيعي أن تتبادر إلى الذهن فرنسا، العالقة بين الهويّاتية الجليدية لمارين لوبن والعلمانوية الشعبوية لجان لوك ميلانشون، أو الولايات المتحدة، التي تحوّلت إلى مسرح يومي للتهريج والاستعراضات الهزلية لديماغوجية ترامب القيصرية والإمبريالية.

الآلهة القديمة على أعتاب الطوفان

إنّ جائحة ما بعد كوفيد ليست مجرّد ظاهرة موازية للديمقراطية، أو مناهضة لها، أو حتى سابقة عليها. إنّها انعكاس لقلق وجودي أشدّ عمقاً يعتمل في مجتمعات تستشعر أنّ حقبة كاملة قد انقضت بلا رجعة، فيما تنبثق آلهة اصطناعية جديدة باتت بالفعل ضرورية للفرد، لا تنفصل عن تكوين هويته، بحكم التآزر القائم بينهما، في انتظار اللحظة التي تتفوّق فيها الأداة على سيّدها، أو تلك التي تبدأ فيها ملامح حروب المناخ المقبلة بالظهور.

وأمام هذا كلّه، تبدو الانقسامات السياسية للقرن الحادي والعشرين مثيرة للسخرية، وقد تجاوزها الزمن تماماً.

فالخيار المطروح، على المدى المتوسّط، هو بين مجتمع ذكي ومنفتح ومُصلَح ومتحرّر، يواكب التقدّم، وبين عالم كابوسي على غرار ما تصوّره أفلام “ترميناتور 2” و”ماتريكس” و”ماد ماكس”.

لقد بات من الملحّ إعادة التفكير في مفهومَي الشرعية والسلطة، لأنّ ما يتغيّر ليس بُنى السلطة وحدها، بل الإطار الذي تُمارَس فيه السلطة نفسه.

وهذا ما أدركه طلاب المدارس الثانوية الفرنسية بالفطرة، بعيداً من مثيري الشغب وأولئك الذين يسعون، كما يحدث في كل حركة جماهيرية، إلى التسلّل بين الحشود ومصادرة رسالتها وتحريفها. لقد أدركوه لأنّه لم يعد أمامهم خيار آخر.

نعم، لقد فاز لولا في الانتخابات البرازيلية، لكنّه يمثّل بقاء ماضٍ هشّ يحاول، بشقّ الأنفس، أن يشقّ لنفسه طريقاً متعثّراً نحو مستقبل غامض، في مواجهة بولسونارو، ذلك الخاسر “القوي” الذي يمثّل مستقبلاً لا يملك أن يعد بشيء سوى العودة إلى أغلال الماضي القاتمة.

ولكن، لعلّ انتصارات آل بولسونارو، وفيلدرز، وفيكو، وفايدل، وكروبالا، وزيغموند، وميلي، وبوكيلي، وأوربان، ولوبن، ومودي، وإردوغان، وبن غفير، ونتنياهو، وسموتريتش، وميلوني، وترامب، وأمثالهم في هذا العالم، أو أبناء عمومتهم «النيميتيّين»، من ميلانشون وفاغنكنشت ودياز وآرسي وبوتين وغيرهم، ليست سوى ضرورة لتعجيل احتضار هذا العالم الهرم، المتصدّع، بل المتكسّر من كل جانب.

ولعلّها تفضي، بعد الطوفان، إلى صحوة ضمير حقيقية تفتح الطريق أمام ثقافة للتعاطف الإنساني، ذات روح ديمقراطية متجدّدة، ومنقذة، ووحدها قادرة على صناعة المستقبل. تلك الثقافة التي نادى بها، قبل رحيله بأشهر قليلة، رجل استشرافي كان اسمه سمير فرنجية.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

فرنسا: جيل يُضحّى به… باسم ماذا؟

بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر أكتوبر 17, 2026 - 23:54
تم التحديث أكتوبر 22, 2026 - 21:04

مُحَمَّد حُسَيْن شَمْس الدِّين — العامل من أجل "لُبْنَانَ آخَر"

بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر مايو 16, 2026 - 11:11
تم التحديث سبتمبر 4, 2026 - 04:41

ريمون إدّه، في مديح "الهزيمة"

بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر مايو 14, 2026 - 03:29
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 13:10

تمزّقات

بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر مايو 8, 2026 - 21:28
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 15:06

عدوٌّ نافع، عدوٌّ حقيقي

بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر مايو 5, 2026 - 17:29
تم التحديث سبتمبر 3, 2026 - 09:45

المزيد من ميشال حاجي جورجيو

عرض الكل

المزيد في ألف هضبة

عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل