شعار Levant Time
العودة إلى مقاطع الفيديو
ريبورتاج

جنوب لبنان: «نورج» تراهن على التنمية لمواجهة النزوح

صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 25, 2026 - 15:58

مع اقتراب فصل الشتاء، يواجه سكان القرى التي لا تزال مأهولة في منطقة الحرب في جنوب لبنان العزلة والصعوبات الاقتصادية وهشاشة الخدمات. ومن خلال مشاريع تنموية طويلة الأمد، تعمل جمعية نَوْرَج على تعزيز تشبّث أبناء الجنوب بأرضهم.


يمتد الطريق متعرّجًا بلا نهاية، وتحيط به أشجار صنوبر فتية لا تحجب بساتين الزيتون، بأشجارها الفتية أو التي تعود إلى مئات السنين، ولا أحراج الصنوبر المستحدثة. فمنذ سنوات، باتت جهود إعادة التشجير وتطوير زراعة الزيتون ملموسة على تلال هذا الجزء من جنوب لبنان. ومن حاصبيا إلى مرجعيون، تمتد الحقول على مدّ النظر. وتحت أشجار الزيتون، بُسطت أغطية لجمع الثمار، فيما ينهمك رجال ونساء في قطافها. ويفضّل آخرون انتظار بضع زخات إضافية من المطر، إذ يرون أن الزيتون، حين يرتوي أكثر، يعطي زيتًا أفضل عند عصره على البارد.

لكن وراء هذا المشهد الذي يبدو طبيعيًا، يختبئ واقع آخر. ففي القرى التي لا تزال مأهولة في المنطقة الحدودية، قلبت الحرب كل شيء رأسًا على عقب: التنقّل والنشاط الاقتصادي والتعليم والحصول على الرعاية الصحية. وباتت الحياة هناك كفاحًا يوميًا.

في ساحة دير ميماس الصغيرة، على بعد بضعة كيلومترات من بلدة جديدة مرجعيون، تجمّع عدد من الأهالي في صباح أحد أيام تشرين الأول حول تانيا جروان، رئيسة المجلس البلدي للقرية التي تواجه التلة الصخرية التي تتربّع عليها قلعة الشقيف بشموخ. وقد حضروا لاستقبال رئيس جمعية نَوْرَج، فؤاد أبو ناضر، الذي اختار أن يبدأ من دير ميماس جولة شملت بلدات برج الملوك والقليعة ومرجعيون وكوكبا. وتضمّن البرنامج الاطّلاع على احتياجات الأهالي مع اقتراب الشتاء، وافتتاح مساحة لتقديم الطعام في كوكبا، موّلتها جمعيته بالكامل.

ويأتي هذا المشروع ضمن مجموعة من الأنشطة التي تنفّذها جمعية نَوْرَج في مجالات متعددة، بهدف تحقيق تنمية مستدامة لا غنى عنها للحدّ من النزوح من الأرياف، ولا سيما نزوح المسيحيين.

وفي مختلف محطات الجولة، تتكرّر الهواجس نفسها في أحاديث الأهالي، الذين يعرضون أمام ضيفهم مخاوفهم من الشتاء وصعوباتهم الاقتصادية. ولا يخفون إحباطهم أيضًا، إذ يأسف كثيرون لضعف حضور الدولة في المنطقة، في وقت تحتاج فيه بعض الخدمات الأساسية إلى التعزيز. ولم تسلم الأحزاب السياسية من الانتقادات، رغم تجذّرها في هذه البلدات.

ويستحوذ الملف الاستشفائي على جانب من هذه المخاوف. فالمستشفيان الحكوميان الوحيدان في المنطقة، في مرجعيون وحاصبيا، لا يملكان الإمكانات الكافية للتعامل مع الحالات المعقّدة. ويضطر المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متقدّمة إلى الانتقال إلى جب جنين أو زحلة في البقاع، في رحلة قد تستغرق ساعة ونصف الساعة للوصول إلى الأولى، ونحو ساعتين للوصول إلى الثانية.

وتُضاف إلى ذلك التحديات الاقتصادية، التي باتت لا تقلّ وطأة عن التحديات الأمنية.

قد يخيّل للزائر، في تلك الساعة من النهار، أن القرى التي شملتها الجولة قد استيقظت لتوّها، لكن النشاط الاقتصادي فيها متوقّف في الواقع منذ أشهر. فقد جعلت الحرب همّها الوحيد البقاء. ويتجلّى قلق الأهالي الملموس في أسئلة يطرحونها: «كيف سنؤمّن المازوت للأهالي مع الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات؟» و«كيف سنتمكّن من تدفئة المدارس؟» و«هل تدركون أن الذهاب إلى صيدا لإنجاز معاملاتنا، الذي كان يستغرق ساعة واحدة، بات يستغرق اليوم أربع ساعات بسبب الطرق الالتفافية؟»

لم تُطرح مسألة الرحيل في أي وقت. فالمغادرة ليست خيارًا بالنسبة إليهم، بل على العكس. منذ بداية الحرب في عام 2024، اختاروا البقاء وما زالوا متمسكين بقرارهم. فالقليعة، على سبيل المثال، لا تزال تضم اليوم نحو ألفَي نسمة.


«لسنا كسالى»

صحيح أن عائلات غادرت لأسباب مهنية، أو من أجل تعليم أبنائها، أو بسبب انعدام الأمن والعزلة التي تفاقمت مع قطع الطرق أو تحويل مساراتها. لكن الغالبية اختارت البقاء. تقول تانيا جروان: «لا نريد أن نكون معزولين. نريد أن نبقى مرتبطين بالدولة، ونطالبها بأن تكون إلى جانبنا. كنا نتمنى أن يكون في البلدة مخفر للدرك». نبرتها هادئة وحازمة، نبرة امرأة تعرف جيدًا ما تريد وعازمة على إيصال صوتها. وتؤكد: «نأمل أن يكون موسم الزيتون جيدًا، لكن المشكلات هائلة ونحن على أبواب الشتاء. نحتاج إلى مبادرات تساعد أهالي القرى على البقاء. لسنا كسالى. نحتاج إلى مبادرات».

وتتلاقى كلمات فؤاد أبو ناضر مع ما تقوله. فكلام تانيا جروان يمسّ صميم عمل جمعية نَوْرَج، التي أسسها عام 2010، وجوهر رسالتها. وقد أخذت الجمعية على عاتقها تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الطرفية، من خلال إطلاق مبادرات ودعم أخرى من شأنها تحسين الظروف المعيشية للسكان. ويشمل عملها التعليم والرعاية الصحية والتوظيف والزراعة والسياحة البيئية، بما يعزز التفاعل بين مختلف المجتمعات المستفيدة.

عندما اندلعت الحرب في سوريا، تدخلت الجمعية في بلدات من عكار وفي القاع، حيث امتدت تداعيات النزاع. ودفعتها الحرب بين إسرائيل وحزب الله إلى تكثيف عملها منذ عام 2024 في القرى المسيحية في جنوب لبنان.

ويكمن الرهان في تمكين السكان من البقاء في بلداتهم، عبر إقامة أنشطة اقتصادية وتوفير خدمات تندرج ضمن رؤية تنموية تتطلع إلى المستقبل. وهو طموح بدأ يتجسد بالفعل في عدد من المشاريع.

ويندرج افتتاح مطعم «سيدة حرمون» في كوكبا في هذا الإطار تحديدًا. فهو يوفر فرص عمل لمجموعة من السكان، وإن كانت محدودة، لكن أهميته تكمن في إبقاء الأمل حيًا بإمكان استئناف النشاط الاقتصادي في منطقة تعج بالناس في الظروف العادية. وقد شدد فؤاد أبو ناضر على هذه النقطة في كلمته، مشيرًا إلى أن المطعم الجديد في كوكبا سيكون بذلك ملتقى لجميع قرى المنطقة.

وشدد فؤاد أبو ناضر على أنه أول مشروع تنموي يُطلق «تحت القصف»، موضحًا أنه لا يمكن انتظار عودة الأمور إلى طبيعتها قبل التحرك. وقال لـ«ليفانت تايم» إن الفكرة هي إطلاق أنشطة قابلة للاستمرار، حتى في أصعب الظروف.

وليس مطعم «سيدة حرمون» سوى أول مشروع ضمن سلسلة مشاريع أخرى مقررة لتحقيق الهدف نفسه، وهو تعزيز الصمود الاجتماعي والاقتصادي. وفي كل قرية يزورها، يعرض فؤاد أبو ناضر ما هو مخطط له في المرحلة الثانية: إعادة تشغيل تعاونية بلدة دبل الحدودية، الواقعة ضمن «الخط الأصفر»، عبر إعادة تكوين قطيع الأبقار لديها بعدما خسرت عددًا كبيرًا منها خلال الحرب، بما يتيح لها استعادة قدرتها على إنتاج الحليب. وهي مبادرة بالغة الأهمية في ظل الغموض الذي يكتنف مآلات النزاع العسكري.

وثمة مشروع ثانٍ لجمعية نَوْرَج،الذي لا يزال حاليًا في مرحلته التحضيرية، من شأنه أن يمنح دفعة اقتصادية مهمة لجميع قرى المنطقة. ويتمثل في إنشاء مصنع لإنتاج قوالب وقود من نوى الزيتون المطحونة وغيرها من مخلفات قطاف الزيتون، لتحل محل الحطب في التدفئة. وهي مبادرة ذات أثر إيجابي مؤكد على المستويين البيئي والاجتماعي والاقتصادي.


دعم متين للمدارس

بالنسبة إلى فؤاد أبو ناضر، تتمثل الأولوية في توفير مقومات راسخة تتيح للأهالي البقاء في قراهم. وقد خاطبهم في كوكبا قائلًا: «لولاكم لفقدت هذه الأرض وجهها ولما بقي لها وجود»، في إشارة إلى المصير المحزن للبلدات المجاورة التي اضطر سكانها إلى النزوح.

وهكذا، بات إنعاش العجلة الاقتصادية المحلية ضروريًا بقدر إبقاء المدارس مفتوحة والمستشفيات عاملة، ولو بالحد الأدنى. ويحذّر الأهالي: «إذا أُغلقت المدارس، فستضطر العائلات إلى الرحيل».

ولتجنّب هذا الخطر، تمكّنت نورج العام الماضي من تغطية الرسوم المدرسية لـ١٣٤٧ تلميذًا لم يكن أهلهم قادرين على تسديدها كاملة، بفضل حملة لجمع التبرعات نفّذتها مع شركائها اللبنانيين والأجانب. ولم يقتصر هدف هذه الخطوة على تخفيف الأعباء عن الأهالي الذين فقدوا مصادر دخلهم الثابتة منذ اندلاع الحرب، بل شمل أيضًا تمكين المؤسسات التعليمية من دفع رواتب معلّميها، للحؤول دون رحيلهم بدورهم.


وتتكرر المشكلة نفسها هذا العام، وقد بدأ فؤاد أبو ناضر بالفعل التفكير في سبل مساعدة المؤسسات التعليمية الخاصة الثماني، ولا سيما بعدما اطّلع على الصعوبات التي تواجهها. وقد عرض مسؤولو مدرستين هذه الصعوبات بإسهاب خلال اجتماع موسّع في مقر بلدية مرجعيون. وتختصر مسؤولة مدرسة راهبات القلبين الأقدسين في مرجعيون، الأخت هيام حرب، الرهان بكلمات قليلة، فتقول: «نحرص على إبقاء أبوابنا مفتوحة لأن الحياة في المنطقة مرتبطة بوجودنا. وإذا أغلقناها، فستضطر العائلات إلى الرحيل بدورها»، مشيرة إلى أن عددًا «مقبولًا» من التلاميذ عاد هذا العام إلى مقاعد الدراسة. وتضيف الأخت هيام حرب: «كما نركّز أكثر على التربية على المواطنة، لتعزيز التمسّك بالأرض».

النشاط الاقتصادي والمدارس والمستشفيات، ثلاث ركائز لا غنى عنها لسكان اختاروا «الصمود» في وجه حرب فُرضت عليهم. وتبذل نورج كل جهودها في هذا المجال.

أما ملف المستشفيات فأكثر تعقيدًا بكثير، إذ تقع مسؤوليته أساسًا على عاتق الدولة. لكن الجمعية، الحريصة على المساعدة في حدود إمكاناتها، والتي نفّذت عام ٢٠١٦ تدخلات طارئة في ١٦ قرية حدودية في جنوب لبنان، تدرس حاليًا فكرتين: تأمينًا صحيًا بتكلفة مخفّضة مخصّصًا حصرًا لأهالي المنطقة، وطرقًا آمنة تنهي معاناة الرحلات التي تستغرق أربع ساعات.

وتخوض الجمعية معركتها على جبهات عدة لترسيخ بقاء اللبنانيين في أرضهم، ولذلك لا تقتصر أنشطتها على القرى المسيحية.

وخلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، أطلقت ودعمت أكثر من ١٠٠ مشروع في مختلف أنحاء لبنان، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق الطرفية وللأحياء الأشد فقرًا في المدن على حد سواء.

وفي السياق نفسه، أقامت شراكات، منها شراكة مع مؤسسة الفرح الاجتماعية، أطلقت معها مشروعًا نموذجيًا بعنوان سوا («معًا»)، في إطار تعاون درزي مسيحي يهدف إلى «إرساء شبكات أمان بين الطوائف تقوم على مصالح اجتماعية واقتصادية مشتركة». ويتضمن مشروع سوا مشاريع تنموية، ولا سيما في قرى الشوف وعاليه وبعبدا وراشيا وحاصبيا.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

عن أهمية الحلم والكلام لدى شعب الواييو (2/2)

بقلم ماكسيم بلوفينيه
نُشر سبتمبر 3, 2026 - 13:54
تم التحديث سبتمبر 14, 2026 - 19:59

المزيد من تيلدا أبو رزق

عرض الكل

المزيد في ريبورتاج

عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
صورة للأخبار
شاهد الآن
شاهد الآن
20s
صورة للأخبار
شاهد الآن
شاهد الآن
0s

الأحدث من Levant Time

عرض الكل