شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

فؤاد شهاب: الإنصاف المتأخّر لرئيس كبير

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم أنطوان منسى
نُشر أغسطس 18, 2026 - 12:59

في وقت تعيد فيه وسائل التواصل الاجتماعي اكتشاف ما تميّز به فؤاد شهاب من تواضعٍ ونزاهة، تتداعى إلى خاطري ذكرى شخصية تبعث في النفس سيرة رئيس سعى إلى إحلال الدولة محلّ الإقطاع، ولم ينصفه لبنان إلا بعد رحيله.

 

فمنذ أيام، شاع تداول صور الرئيس فؤاد شهاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يُحيّي روّادُها تواضعه ونزاهته وإخلاصه لمفهوم الدولة.

 

وفي إحدى تلك الصور، يظهر مشاركاً في مطلع ستينيات القرن الماضي، بقداس أقيم على نية العذراء مريم في باحة مزار سيدة لبنان في حريصا المشرف على خليج جونية. وتستحضر هذه الصورة في نفسي ذكرى شخصية مؤثّرة جداً.

 

كنت يومئذٍ فتىً يافعاً من تلامذة القسم الداخلي في مدرسة "الرسل" بجونية، وأُنشد ضمن جوقة المدرسة التي أحيت القداس بقيادة أستاذ اللغة الفرنسية السيد لبكي. وكان الرئيس شهاب يقف على بُعد أمتار قليلة منا.

 

لا أزال أذكر ما خالجني حينها من مشاعر الاعتزاز وأنا أقف على مقربة من رئيس الجمهورية اللبنانية. غير أن ما ترسّخ في ذاكرتي قبل كل شيء هو صورة رجل يعكس حضوره الوقار والبساطة والتواضع الشديد.

 

لقد كان فؤاد شهاب، بلا أدنى شك، أحد أعظم رؤساء لبنان. رجلٌ جمع بين الاستقامة والضمير الحي والزهد، استعان بأهل الكفاءة، وكان شديد التعلق بمفهوم الدولة والخدمة العامة.

 

إلا أنه لم ينل في حياته ما يستحقه من الفهم والتقدير، فشأنه في ذلك شأن رجالات الوطن الكبار الذين لا يدرك الناس عظم قدرهم إلا بعد الرحيل.

 

فمنذ انتخابه رئيساً في أعقاب أزمة عام 1958، أخذ على عاتقه العبور بلبنان من قبضة المصالح الضيقة والزبائنية والإقطاع السياسي إلى رحاب دولة فعلية تقوم على مؤسسات حديثة.

 

في عهده، تطوّرت الإدارة العامة، وتكرّست هيبة الدولة، وعاش اللبنانيون في ظل أمن واستقرار ندرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قيمتهما الحقيقية. أما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، فقد أُديرت بحزمٍ وفرضت احترامها وهيبتها.

 

ولا شك في أن بعض ممارسات تلك المرحلة، ولا سيما ما نُسب إلى "المكتب الثاني"، أثارت انتقادات وسجالات واسعة. غير أن تلك المآخذ لا تُلغي حجم العمل المؤسساتي الذي تحقّق؛ إذ كان فؤاد شهاب يرمي إلى إعلاء سلطة الدولة فوق سلطة العائلات والزبائنيات. لم يكن يطمح إلى ممارسة السلطة لذاته، بل إقامة إدارة قادرة على خدمة المواطنين كافة.

 

في ذلك الحين، كانت جونية، حيث كانت مدرستي الداخلية، أشبه ببلدة كبيرة يغلب عليها الهدوء؛ مدينة ساحلية صغيرة تقيم فيها عائلاتها القديمة في منازل متناثرة على طول الشاطئ. وكان افتتاح سينما "فينيسيا" عام 1963، ومن ثم سينما "بريزيدانس" في الكسليك، بمثابة حدثين بارزين في المنطقة. ورافقت هذه المساحات الثقافية الجديدة النهضةَ التي بدأت قبل سنوات مع افتتاح "كازينو لبنان".

 

كان المشهد مختلفا كل الاختلاف عما نعرفه اليوم؛ فالجبال المحيطة بجونية، حتى أعالي حريصا، كانت تكسوها الخضرة و لم يكن العمران قد طالها بعد.

 

وخلال ولايته، منح فؤاد شهاب جونية زخماً جديداً، وكان له دور أساسي في تحديث كسروان؛ فشُقّت شبكات الطرق، وتطورت البنية التحتية، وانخرطت المنطقة في مسار التحديث الذي شهده لبنان. ومن هنا، يكتسب إنجازه في نظري أهمية استثنائية.

 

ومع اقتراب نهاية ولايته، أراد عدد كبير من النواب إتاحة التمديد له في رئاسة الجمهورية، إلا أن فؤاد شهاب رفض هذا الطرح، وغادر السلطة فور انقضاء ولايته الدستورية.

 

ومع ذلك، قوبل فؤاد شهاب من قطاع واسع من أهالي كسروان بجحود يصعب فهمه؛ إذ أسفرت الانتخابات النيابية عن سقوط جميع مرشحي اللائحة التي كان يدعمها في المنطقة.

 

يا لَها من مفارقة حزينة؛ فالرجل الذي قدّم لكسروان الكثير، لم يَنَل في حياته التقدير الذي يستحقه.

 

تكشف حالة الجحود هذه، للأسف، ثابتاً من ثوابت حياتنا الوطنية: إننا نحارب رجال الدولة الكبار في حياتهم، ثم نحتفي بهم بعد أن يعجزوا عن سماعنا أو خدمة وطنهم.

 

فخصوم الأمس يتحولون أحياناً إلى معجبين بعد رحيلهم، ومن عرقلوا مسيرتهم يعودون ليدّعوا إرثهم؛ فنُحوّل إلى رموزٍ أولئك الذين رفضنا الاستماع إليهم حين كانوا قادرين على العمل.

 

في لبنان، يبدو أن تكريم الكبار لا يأتي إلا بعد غيابهم؛ يوم لا يعود الخصوم يخشونهم، ويغدو بالإمكان الاحتفاء بإنجازاتهم من دون الإضرار بالمصالح القائمة.

 

لم يكن فؤاد شهاب بحاجة إلى التمجيد أو إلى المديح المفرط؛ فنزاهته، وتواضعه، وحسه بالواجب، والمؤسسات التي ساهم في إرسائها، كلها تتكلم عنه. وهو يظل رمزاً لجمهورية ذات كرامة، منظمة، وفي خدمة مواطنيها.

 

فالأمة التي تنسى تاريخها، وتتنكر لمؤسسيها، وترفض الاتعاظ من الماضي، تحكم على نفسها بتكرار الأخطاء ذاتها. ولذا، حان الوقت لممارسة فعل الذاكرة بفعلٍ؛ لا لتأليه مرحلةٍ أو إنكار السجالات التي رافقتها، بل لإحقاق الحق لمن حاولوا بصدق بناء الدولة وإعلاء المصلحة الوطنية فوق المآرب الشخصية.

 

إن ذاكرة فؤاد شهاب يجب ألا تقتصر على إشادات متأخرة أو منشورات عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل ينبغي أن تدعونا إلى التفكير في لبنان الذي أضعناه، وقبل كل شيء، في لبنان الذي نريد إعادة بنائه.

 

إن التكريم الحقيقي لفؤاد شهاب لا يكون بمجرد إحياء ذكراه بعد رحيله، بل يستدعي استعادة نزاهته، وتواضعه، وحسه بالدولة، ومفهومه الصارم للخدمة العامة. وبهذا الشرط وحده، تتحول الذاكرة إلى قوة في خدمة إعادة بناء الجمهورية وصون الوطن اللبناني.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل