


مع اختتام مهمة صندوق النقد الدولي في بيروت، وفيما يستعدّ لبنان لاتّخاذ قرارات حاسمة بشأن إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومصير الودائع، يقف البلد اليوم عند منعطف مصيري.
في نيسان 2025، كنتُ أصف الاتفاق الذي يسعى إليه لبنان مع الصندوق بأنه "أغلى تأشيرة دخول في العالم". واليوم، وبعد الزيارة الأخيرة لبعثة الصندوق إلى بيروت، بات هذا التعبير يكتسب معنى أكثر وضوحاً.
كان الاتفاق المبدئي الذي أُبرم مع صندوق النقد في نيسان 2022 ينصّ على تقديم قرض بقيمة ثلاث مليارات دولار تقريباً. لكن هذا الدعم اشترط تنفيذ لبنان للإصلاحات المطلوبة أولاً، وموافقة إدارة الصندوق الرسمية عليه. وكان من المفترض أن يُشكل هذا الاتفاق، قبل كل شيء، شهادة ثقة ومصداقية تتيح للبنان استقطاب تمويلات عربية ودولية أكبر بكثير لاحقاً.
والهدف مشروع تماماً. غير أن السؤال الأهم يبقى قائماً: ما هو الثمن الحقيقي لهذه التأشيرة، ومن سيتحمل فاتورتها؟
فإذا كانت الثلاثة مليارات دولار ستفتح أمام لبنان أبواب التمويل الدولي، ولكن على حساب تبخّر عشرات مليارات الدولارات من أموال المودعين، فسيكون لبنان قد حصل فعلاً على أغلى تأشيرة في تاريخه.
إن الخلاصة التي أصدرها صندوق النقد في ختام زيارته للبنان بين 15 و18 أيلول 2026 تضع اليوم عنصراً أساسياً في صلب هذا النقاش.
فقد شدد الصندوق على ضرورة احترام تراتبية الدائنين، وعلى المبدأ القاضي بألا يتحمل المودعون أي خسائر قبل المساهمين والدائنين الثانويين.
إنه مبدأ جوهري.
لكن السؤال الأساسي يبقى بلا جواب:
أين التمويل؟
فمهما كانت قانون إعادة هيكلة المصارف دقيقاً ومحترفاً، فلن يستطيع وحده أن يخلق عشرات مليارات الدولارات اللازمة لردّ الودائع.
يمكننا إعادة هيكلة المصارف، وتوزيع المسؤوليات، وتحديد المصارف القادرة على الاستمرار، وتنظيم تصفية المؤسسات المتعثرة أو معالجتها بشكل منظم عند الضرورة. غير أنه قبل أي عملية تصفية، يجب دراسة وضع كل مصرف على حدة، وفقاً للأصول القانونية وتحت سقف احترام حقوق جميع الأطراف المعنية.
ويبقى السؤال الذي نتهرب من الإجابة عليه منذ سنوات:
من سيُموّل ردّ الودائع؟
الدولة؟
أم مصرف لبنان؟
أم المصارف ومساهموها؟
أم إيرادات الدولة المستقبلية أو بعض أصولها؟
أم مزيج عادل ومدروس يجمع بين كل هذه المصادر؟
هنا يكمن صلب المشكلة الحقيقية.
والصندوق نفسه يشترط أن يتوافق أي نظام لاستعادة الودائع مع استمرارية القطاع المصرفي في المستقبل، ومع قدرة الدين العام على الاحتمال.
بمعنى آخر، لم يعد كافياً توزيع الخسارة على الورق، بل بات مطلوباً إرساء آلية تمويل حقيقية، تكون قابلة للتصديق والتنفيذ.
لا يمكن للدولة اللبنانية أن تكون غائبة عن هذه المعادلة. فمسؤولياتها ومسؤوليات مصرف لبنان يجب أن تُدرس وفقاً لأحكام قانون النقد والتسجيل، ولا سيما المادة 113 منه، التي ينبغي تطبيقها وتفسيرها ضمن الإطار القانوني والمؤسساتي المختص.
فعلى مدار عقود، اتخذت الحكومات المتعاقبة القرارات المتعلقة بالإنفاق العام، وأقرتها أو أطّرتها مؤسسات الدولة، ونُفذت عبر الآليات الرسمية. ومن غير الممكن اليوم البحث عن حل مستدام للأزمة مع تجاهل هذا المسار التاريخي برمته.
وثمة أمر آخر يستحق التوقف عنده بخصوصية: لقد انتهت زيارة أيلول من دون الإعلان عن اتفاق تمويل جديد مع صندوق النقد.
لكن المباحثات لا تزال مستمرة.
وهذا يعني أن لبنان ما زال يملك فرصة للدفاع عن حل متوازن: إعادة هيكلة قطاعه المصرفي، وتحديد مسؤوليات المساهمين حين يفرض القانون ذلك، واستعادة الثقة، والحفاظ على قدرات الدولة المستقبلية، والأهم من ذلك، حماية حقوق المودعين المشروعة قدر الإمكان.
صحيح أن صندوق النقد يستطيع أن يمنح لبنان "تأشيرة دخول" تتيح له استعادة مكانه داخل المجتمع المالي الدولي.
غير أن ثمن هذه التأشيرة لا يمكن أن يكون تبخّر ودائع اللبنانيين.
فقبل مطالبة المودعين بدفع الفاتورة، لا بد من تحديد المسؤوليات، وإحصاء الموارد المتاحة، وتقديم خطة جدية وموثوقة للبنانيين لاستعادة أموالهم في نهاية المطاف.
إذ لا يمكن لأي بلد أن يعيد بناء نظامه المصرفي عبر التضحية بثقة من وضعوا مدخراتهم بين يديه.