


“طوبى لفاعلي السلام”.
ربما لا توجد عبارة تختصر حاجة لبنان اليوم أكثر من هذه العبارة التي حملها البابا لاون الرابع عشر في زيارته إلى لبنان، وجعل منها رسالة أساسية إلى اللبنانيين. وقد جاءت زيارته في بلد أنهكته الحروب والأزمات والانقسامات، ليضع السلام في قلب الخطاب اللبناني، لا بوصفه استسلاماً أو تنازلاً، بل بوصفه فعلاً ومسؤولية ومشروعاً للمستقبل.
لكن المفارقة اللبنانية تكمن في أننا، نحن الذين عشنا الحروب أكثر من غيرنا، أصبحنا أحياناً نخاف من كلمة السلام نفسها.
لماذا؟
لماذا يحتاج اللبناني إلى تبرير دعوته إلى السلام؟ ولماذا يشعر البعض أن مجرد استخدام هذه الكلمة يمكن أن يضعه في موقع الاتهام، وكأنه تخلى عن حقوقه أو قبل بالاستسلام أو أراد التطبيع أو تنازل عن القضية؟
هل أصبح السلام في لبنان تهمة؟
هذه الأسئلة ليست لغوية. إنها تكشف مشكلة عميقة في الثقافة السياسية اللبنانية.
لقد عاش لبنان عقوداً من الحروب. حرب أهلية، احتلالات، اجتياحات، اعتداءات، اغتيالات، نزاعات داخلية، وصراعات إقليمية تحولت إلى أزمات لبنانية. وفي كل مرة كان اللبنانيون يدفعون الثمن: قتلى وجرحى، تهجير، دمار، انهيار اقتصادي، هجرة، وانقسام اجتماعي.
ومع ذلك، لم نتعلم بعد أن الحرب ليست قدراً لبنانياً.
ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف السلام.
السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلام الاستسلام، ولا سلام الإذعان، ولا سلاماً مفروضاً من الخارج.
إنه السلام اللبناني.
والسلام اللبناني يبدأ من فكرة بسيطة: أن يكون لبنان صاحب قراره.
أن تكون الدولة هي التي تقرر الحرب والسلم.
أن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة.
أن يكون الجيش اللبناني هو المؤسسة التي تحمي الحدود والسيادة.
أن يكون القانون فوق الجميع.
وأن لا يكون لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.
فالسلام لا يعني أن نتخلى عن حقوقنا. بل يعني أن نبحث عن حماية هذه الحقوق بالوسائل التي تحفظ لبنان وشعبه، لا بالوسائل التي تجعل من لبنان مرة أخرى أرضاً للحرب.
السلام ليس ضعفاً.
بل قد يكون أصعب أشكال القوة.
فمن السهل أن تطلق النار، ومن السهل أن تعلن الحرب، ومن السهل أن ترفع شعارات الانتصار. لكن الأصعب هو أن تمنع الحرب عندما تكون قادراً على إشعالها، وأن تختار التفاوض عندما يكون التفاوض أكثر فائدة لشعبك، وأن تستخدم الدبلوماسية والقانون والعلاقات الدولية لحماية بلدك.
ولهذا فإن السلام لا يتناقض مع السيادة.
على العكس، السلام الحقيقي هو نتيجة السيادة.
الدولة ذات السيادة هي التي تقرر متى تحارب ومتى تفاوض، وهي التي تتحدث باسم شعبها، وهي التي تدافع عن حدودها، وهي التي توقع الاتفاقات وتتحمل مسؤولية تنفيذها.
أما عندما تتعدد مراكز القرار، يصبح السلام نفسه مستحيلاً.
ولا يمكن أن يكون هناك سلام دائم فيما توجد في البلد قوى قادرة على اتخاذ قرار الحرب خارج المؤسسات الدستورية.
وهنا لا يتعلق الأمر بطائفة دون أخرى، ولا بمذهب دون آخر.
المشكلة ليست في الشيعة، ولا في السنّة، ولا في المسيحيين، ولا في الدروز.
المشكلة في منطق الطوائف عندما يتحول إلى بديل عن الدولة.
لبنان لا يحتاج إلى طوائف مسلحة كي تحمي بعضها بعضاً. لبنان يحتاج إلى دولة تحمي الجميع.
فالشيعي يجب ألا يحتاج إلى حزب كي يشعر بالأمان، والمسيحي يجب ألا يحتاج إلى حماية خارجية، والسنّي يجب ألا يبحث عن قوة إقليمية تسنده، والدرزي يجب ألا يخاف على وجوده.
الدولة هي الضمانة.
وهنا يصبح السلام الداخلي شرطاً للسلام الخارجي.
لا يمكن أن نتحدث عن السلام مع العالم فيما اللبنانيون أنفسهم يعيشون في حالة خوف متبادل.
السلام اللبناني يعني أن ننتقل من منطق الجماعات إلى منطق المواطن.
أن يشعر اللبناني أن حقوقه محفوظة لأنه مواطن، وليس لأنه ينتمي إلى طائفة أو حزب أو منطقة أو محور.
ولهذا، فإن تطبيق الدستور ليس مسألة تقنية. إنه جزء من مشروع السلام.
الدستور يحدد المؤسسات والصلاحيات والعلاقات بين السلطات. والمشكلة اللبنانية ليست دائماً في غياب النصوص، بل في عدم تطبيقها، وفي استبدال الدولة بمنظومة من المحاصصة السياسية والطائفية.
لا يمكن بناء السلام على المحاصصة.
السلام يحتاج إلى دولة قانون.
والدولة تحتاج إلى قضاء مستقل، ومؤسسات فعالة، ومحاسبة، ومساواة بين المواطنين.
لكن السلام لا يقتصر على السياسة والأمن.
هناك سلام اجتماعي واقتصادي.
ما معنى أن يتوقف إطلاق النار إذا بقي اللبناني بلا عمل؟
ما معنى الأمن إذا كان الشاب اللبناني مضطراً إلى الهجرة؟
ما معنى الاستقرار إذا كان الفقر يزداد، والدولة عاجزة، والاقتصاد منهاراً؟
السلام هو أيضاً أن يستطيع اللبناني أن يعيش بكرامة.
أن يجد مدرسة وجامعة ومستشفى.
أن يجد فرصة عمل.
أن يستطيع بناء بيت وتأسيس عائلة.
أن يشعر أن مستقبله موجود في لبنان، لا في مطار بيروت.
لذلك، فإن السلام ليس مجرد غياب الحرب.
السلام هو وجود الحياة.
وهنا تصبح عبارة البابا «طوبى لفاعلي السلام» أكثر عمقاً.
فهو لم يقل: طوبى للذين ينتظرون السلام.
قال: فاعلي السلام.
أي أولئك الذين يصنعونه.
وهذه مسؤولية اللبنانيين قبل أن تكون مسؤولية المجتمع الدولي.
نحن لا نستطيع أن نطلب من العالم أن يصنع لنا السلام بينما نرفض نحن أن نكون جزءاً من صناعته.
السلام يحتاج إلى قرار لبناني.
يحتاج إلى دولة.
يحتاج إلى حوار.
يحتاج إلى شجاعة سياسية.
ويحتاج قبل كل شيء إلى تغيير في الثقافة السياسية التي جعلت من الحرب بطولة، ومن التسوية خيانة، ومن التفاوض ضعفاً، ومن السلام تنازلاً.
علينا أن نعيد الاعتبار إلى فكرة التفاوض.
فالتفاوض ليس خيانة.
الدبلوماسية ليست استسلاماً.
والبحث عن تسوية تحفظ مصالح لبنان ليس تنازلاً عن لبنان.
الدول لا تحمي مصالحها فقط بالسلاح. تحميها أيضاً بالقانون، وبالقوة الدبلوماسية، وبالاقتصاد، وبالتحالفات، وبالمؤسسات، وبقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع العالم.
واللبنان الذي نريده يجب ألا يكون تابعاً لأي محور.
لا لإيران.
ولا لإسرائيل.
ولا للولايات المتحدة.
ولا لأي قوة إقليمية أو دولية.
بل للبنان أولاً.
وهذا هو معنى السيادة.
أن تكون علاقات لبنان مع الآخرين قائمة على المصلحة اللبنانية، لا على التبعية.
أن يكون لبنان جسراً لا ساحة.
دولة لا ورقة.
وطناً لا منصة.
وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للسلام اللبناني.
سلام لا يلغي الخلافات، لكنه يمنع تحويلها إلى حروب.
سلام لا يطلب من اللبنانيين أن يتخلوا عن ذاكرتهم، لكنه يرفض أن تتحول الذاكرة إلى وقود لحرب جديدة.
سلام لا ينسى الشهداء، لكنه لا يرسل أبناءهم إلى موت جديد.
سلام لا يتجاهل الاحتلال أو الاعتداء، لكنه يضع مصلحة لبنان وشعبه في المقدمة.
ولذلك، يجب أن نتوقف عن الخوف من كلمة السلام.
بل ربما يجب أن نخاف من شيء آخر: أن تصبح الحرب أمراً طبيعياً في حياتنا، وأن يصبح الحديث عن السلام أمراً مشبوهاً.
أي وطن يريد أن يبقى أسير الحرب؟
أي شعب يريد أن يعيش أبناؤه في انتظار الحرب المقبلة؟
وأي دولة يمكن أن تبني اقتصاداً ومستقبلاً فيما قرار الحرب ليس محصوراً فيها؟
لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: كيف ننتصر في الحرب؟
إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نمنع الحرب؟
ومن سؤال: من الأقوى؟
إلى سؤال: كيف تصبح الدولة أقوى من الجميع؟
ومن سؤال: من يحمي طائفتنا؟
إلى سؤال: كيف تحمي الدولة كل اللبنانيين؟
هذه ليست أسئلة استسلام.
إنها أسئلة بناء وطن.
ولذلك، فإن السلام الذي يحتاجه لبنان ليس سلاماً بين اللبنانيين وإسرائيل فقط، ولا بين لبنان وسوريا، ولا بين لبنان وأي دولة أخرى.
إنه قبل كل شيء سلام اللبناني مع اللبناني، وسلام المواطن مع الدولة، وسلام الدولة مع نفسها، وسلام لبنان مع محيطه والعالم.
السلام هو أن يتوقف لبنان عن أن يكون ساحة.
وأن يصبح دولة.
السلام هو أن يعود القرار إلى المؤسسات.
السلام هو أن يصبح السلاح حصراً في يد الدولة.
السلام هو أن يصبح الدستور مرجعاً لا شعاراً.
السلام هو أن تصبح المواطنة أقوى من الطائفة.
السلام هو أن تصبح التنمية أقوى من الحرب.
السلام هو أن يصبح مستقبل أبنائنا أهم من انتصاراتنا الماضية.
وفي النهاية، ربما لا ينبغي أن نخجل من كلمة “السلام”.
بل يجب أن نفتخر بها.
لأن من يطلب السلام لا يطلب الموت أقل، بل يطلب الحياة أكثر.
ومن يريد السلام لا يتخلى عن وطنه، بل يريد أن يحميه من أن يتحول إلى ساحة دائمة للصراعات.
ومن يصنع السلام ليس ضعيفاً.
بل هو الذي يمتلك شجاعة كسر دائرة العنف.
لقد قال البابا: “طوبى لفاعلي السلام”.
ولبنان، الذي عرف الحرب أكثر مما عرف السلام، يحتاج اليوم إلى أن يحوّل هذه العبارة من شعار ديني إلى مشروع وطني.
مشروع يقول بوضوح:
نريد لبنان دولةً لا ساحة، وسيادةً لا تبعية، ومواطنةً لا محاصصة، وتنميةً لا دماراً، وسلاماً لا حرباً.
فربما تكون أعظم مقاومة يمكن أن نخوضها اليوم هي مقاومة تحويل لبنان إلى ساحة حرب.
وربما يكون أعظم انتصار للبنانيين هو ألا يضطر أبناؤهم إلى خوض الحرب المقبلة.
طوبى للبنان إذا أصبح صانعاً للسلام، لا ضحيةً دائمة للحروب.