شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

"لا انصياع بعد اليوم"، شعارُ الإسلام السني!

صورة للأخبار
بيروت 1970. صائب سلام، وياسر عرفات، وبيار الجميّل، وكمال جنبلاط يحضرون حدثاً عاماً: الهدوء الذي سبق عاصفة الحرب الأهلية. (أ ف ب، صورة ملوَّنة بالذكاء الاصطناعي)
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر أغسطس 22, 2026 - 13:26

وجد السنّة أنفسهم وحيدين إلى حدّ بعيد عندما غادر ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، بأسلحتهم وعتادهم، على متن سفن فرنسية متجهة إلى تونس. كان ذلك في 30 آب/أغسطس 1982؛ وكان بشير الجميّل قد انتُخب رئيساً للجمهورية، فيما كان الجيش الإسرائيلي يستعد لدخول بيروت الغربية.

ومع رحيل أبو عمار وقواته التي كانت قد أسهمت في تأجيج الحرب الأهلية والطائفية اللبنانية، طُويت صفحة من تاريخ البلاد. وأمام هذا الواقع، عبّر الرئيس تقي الدين الصلح، رجل الدولة المحنّك والمراقب الدقيق، بمرارة قائلاً: «تفانى المسلمون حتى فنوا» (1).

وكان يقصد بذلك السنّة اللبنانيين، وتحديداً أبناء التجمعات المدينية، الذين احتضنوا القضايا العربية إلى حدّ أنهم وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف مهزومين، بل وأدركوا أيضاً إلى أي مدى باتت السلطة تفلت من أيديهم!

وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة، نشرت صحيفة السفير تحقيقاً توثيقياً على حلقات حمل عنوان: «الضاحية، ربع الوطن» (2).

وكان ذلك بمثابة جرس إنذار ينبئ بقرب دخول الطائفة الشيعية، التي كانت مهمّشة في السابق، بقوة إلى الساحة اللبنانية.

ولم يكن هذا التطور ليخلو من إثارة مخاوف مشروعة لدى البيروتيين الأصليين.

فالطائفة الشيعية الاثنا عشرية كانت في طريقها بالفعل إلى الحلول محل الطائفة السنّية بوصفها اللاعب المسلم الأول على الساحة السياسية. ومع اندلاع انتفاضة شباط/فبراير 1984 بقيادة حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، لم يتردد الصحافي المخضرم سركيس نعوم في إطلاق كلام بدا يومها استشرافياً. فقد كان يردد أمام من يشاء الاستماع إليه في أروقة صحيفة النهار أن لبنان دخل «العصر الشيعي»، بعدما خرجت بيروت الغربية عن سلطة أمين الجميّل!

ومنذ ذلك الحين، أخذ نفوذ السنّية السياسية يتقلص على امتداد سنوات الثمانينيات.

وفقد هذا التيار زمام المبادرة لمصلحة فرع آخر من الإسلام، فرع كان يُعدّ أقل حضوراً، لكنه راح يطالب بحقوقه في المحافل السياسية كما في ساحات القتال.

وحتى وصول رفيق الحريري إلى السلطة اعتباراً من عام 1992، وما شكّله من انفراج، لم يكن كافياً لإعادة البريق إلى جماعة يعود نفوذها السياسي إلى عهدي المماليك والعثمانيين.

الأنقاض و«إعادة الضبط»

بقية القصة معروفة: فبعد أن حشدتها إيران وشحنتها عقائدياً، ونظّمتها حركة أمل وحزب الله، ودعمها النظام العلوي القائم في دمشق، فرضت الطائفة الشيعية نفسها، ولا بد من الإقرار بذلك، في مواجهة سائر مكونات الفسيفساء اللبنانية.

لكنها، وقد استبدّ بها الغرور الذي لا يستثني أحداً، اعتقدت أنها قادرة على اللعب في ملعب الكبار. ومن بين الأخطاء التي ارتكبتها، أنها عادت الولايات المتحدة كما إسرائيل، وتدخلت عسكرياً في الحرب الأهلية السورية: خطآن قاتلان كانا سيقودانها مباشرة إلى خسائر فادحة ويغرقانها في صراعات لا أفق لها.

ذلك أن حزب الله، ذراعها المسلحة الموجّهة من طهران، اعتقد أنه قادر، من خلال دعمه بشار الأسد، على الحفاظ على هيمنته على كتل سنّية مستنزفة أو عاجزة عن التوافق!

وحده زعيم كاريزماتي من طراز جمال عبد الناصر كان قادراً على توحيد هذه الكتل وشحذ هممها وإخراجها من سباتها. غير أن هذا البطل القادر على إحداث «إعادة ضبط» سياسية تأخر في الظهور. ولوقت طويل، ظلت «السفيانية» (3)، أو السنّية السياسية، تنحني أمام العاصفة في انتظار أيام أفضل.

«السفيانية» والصعود إلى القوة

لكن القدر يحمل لنا أحياناً مفاجآت جميلة، وقد يقلب أكثر الأنظمة رسوخاً. وهكذا تخلّص الشعب السوري من المغتصب بشار الأسد، لكنه، للأسف، احتفظ بضغينة عميقة تجاه الذين اعتدوا عليه آتين من لبنان أو إيران.

فهؤلاء، المنتمون إلى الفلك الشيعي، وفي طليعتهم حزب الله، كانوا قد انخرطوا عسكرياً في مختلف جبهات الحرب الأهلية. وكانت النتيجة أن دمشق الأموية بدت، في المخيال السوري، وكأنها قد دُنّست، وأن الدماء التي أُريقت باتت تستدعي الثأر. وهذه الرغبة في الانتقام، أو منطق العين بالعين، ستسمّم لوقت طويل العلاقات بين الشيعية اللبنانية والسنّية في العمق السوري.

لكن، في هذه الأثناء، فإن البيت السنّي، الذي استعاد فجأة شيئاً من قوته بعد سقوط بشار، بات يرفض أن يتحمل في لبنان الإهانات التي كان يتعرض لها يومياً ما دامت سلالة الأسد العلوية متربعة على عرش دمشق.

ولن يُسمح بعد اليوم بأي تعدٍّ على حصته المحفوظة في الإدارة العامة أو في أجهزة الدولة.

وهكذا بدأت «السفيانية» تعيد بناء نفسها ببطء، بل وبصعوبة، فيما كانت إيران ووكلاؤها منشغلين في جبهات أخرى، يخوضون الحروب ضد الأميركيين والإسرائيليين.

لكن هذه الصحوة السنّية لم تكن تعني أن رئيس مجلس الوزراء لدينا سيتمكن، من دون عراقيل، من استعادة زمام المبادرة الحكومية! إذ كانت معركة صامتة تُخاض عند كل استحقاق سياسي لفرض وجهة نظر على أخرى.

وماذا عن الفرضية المصرية؟

وإذا باتفاق دفاعي يُبرم في مكة في 7 آب/أغسطس الماضي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان. وقد رأى البعض فيه «ناتو سنّياً» لمواجهة إسرائيل كما إيران. ولا شك في أن ذلك كان مطمئناً بالنسبة إلى «السفيانية»، إلا أن لاعباً رئيسياً ظل غائباً عن المشهد، وهو مصر!

فلو انضم بلد النيل إلى تحالف مكة، لكانت مساهمته لا تُنكر: فهو يمتلك أكبر جيش عربي، وسيضيف إلى التحالف ثقله الدبلوماسي وعمقه الاستراتيجي وشرعيته العربية.

كما سيشكّل عامل توازن، حتى إن البعض يقول منذ الآن إن انضمامه إلى هذا التحالف «سيحول دون أن يصبح الأخير معادياً لإيران بصورة علنية».

ومن يدري! في كل الأحوال، ستشكّل مصر ثقلاً موازناً لتركيا التي جعلت سوريا تدور في فلكها. وأخيراً وليس آخراً، فإن وضعها الجديد سيثير بالتأكيد تساؤلات في تل أبيب، في وقت تتدهور فيه علاقاتها مع أنقرة.

أما بالنسبة إلى لبنان، فإن انخراطاً مصرياً أكبر في عملية إعادة التوازن الإقليمي لن يؤدي إلا إلى تعزيز موقع رئيس مجلس الوزراء لدينا والسلطة التنفيذية عموماً.

غير أن دور القاهرة الأبرز سيكون في كبح النزعات الانتقامية لدى السوريين تجاه طائفة لبنانية تورطت ميليشياتها في حرب أهلية لم تكن تعنيها.

وبالنسبة إلينا، هنا تحديداً يمكن للقاهرة أن تصبح عنصراً لا غنى عنه للحفاظ على سلمنا الأهلي!

1) «تفانى المسلمون حتى فنوا».

2) أي بمعنى واضح: «الضاحية الجنوبية الشيعية تمثل ربع الوطن». وكانت الرسالة في غاية الوضوح: بات من الضروري أخذها في الحسبان!

3) تشير «السفيانية» السياسية إلى معاوية بن أبي سفيان، مؤسس الدولة الأموية في دمشق.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل