


أنقرة العثمانية الجديدة تحرّك بيادقها في بلاد الشام !وليس قصفٌ إسرائيليّ لقاعدة أبو الظهور الجوية في 18 آب/أغسطس الماضي، أو للضاحية الدمشقية بعد عشرة أيام، ناهيك عن التهديدات شبه المبطّنة الصادرة عن تل أبيب، كفيلاً بوقف التقدّم التركي باتجاه الجنوب الجغرافي وعلى امتداد ‘بحر سورية ‘ (1)
وسيكون توم بارّاك، سفير الولايات المتحدة في تركيا ومبعوثها الخاص إلى دمشق، أمام مهمة شاقة الآن، بعدما بدأت تتبلور منافسة استراتيجية بين الأتراك والإسرائيليين، قد تقوم على الأراضي السورية، وقريباً اللبنانية، باعتبارهما الساحة الرئيسية للتنافس، بل للمواجهة. وعلى واشنطن، وقد أخذت علماً بانحسار النفوذ الإيراني، أن تفكر في إقامة آلية لـ«فضّ الاشتباك» بين حليفيها، الدولة العبرية وجمهورية أتاتورك، ما دام كلاهما يسعى إلى ملء الفراغ السحيق الذي خلّفه وراءه الملالي الإيرانيون المنهكون!
حنين إلى أوروبا
لما كنا بلغنا ما نحن فيه اليوم، لو لم يرَ مجلس الاتحاد الأوروبي في حزيران/يونيو 2019 أن مفاوضات الانضمام مع أنقرة «وصلت إلى طريق مسدود». ذلك أن تركيا، مدفوعة بشيء من الحنين، لطالما حلمت بمصير أوروبي.
وفي مناسبتين، حاصرت جيوش السلطان فيينا، عامي 1529 و1683. وللتذكير، وقبل أن يجعل السلطنة القسطنطينية عاصمتها، كانت قد اتخذت من أدرنة (أدريانوبل) في تراقيا الشرقية مقراً لها.
ولنضف إلى ذلك أن الجمهورية التركية، بعد الحرب العالمية الأولى، وقد تقلّصت إلى حجم دولة-أمة، كانت قوة إقليمية لا يستهان بها، وقد حدّثت نفسها من دون أن تنزع عنها إسلامها. أفهل كان ذلك هو السبب الذي جعل الاتحاد الأوروبي يصدّ عنها الباب؟ لقد خلصت السلطات التركية إلى أن أوروبا تريد أن تبقى «نادياً مسيحياً حصراً». وعندها، وللاختصار، لم يعد أمامها سوى التوسع شرقاً في المجال التركي اللسان، وجنوباً في المجال العربي اللسان. وها نحن هنا!
حلف السيف والدين
والحال أن «التركي الكبير»، كما كانوا يسمّونه في الزمن الذي كان فيه يُرعب آل هابسبورغ، ليس وافداً جديداً إلى مسرح الشرق الأدنى. فعلى مدى أربعة قرون، كانت بلاد الشام جزءاً من إمبراطوريته، وكانت هويتها ذات الغالبية السنية تهيئها بصورة طبيعية لقبول سلطة السلطان-الخليفة، ذاك الملقب «بظلّ الله على الأرض» (2).
ولنتذكّر أن العثمانيين أسقطوا الحكم المملوكي وفتحوا سورية عام1516. وفي أواخر أيلول/سبتمبر من العام نفسه، سقطت دمشق، وأقيمت صلاة الجمعة أخيراً في الجامع الكبير باسم السلطان سليم. وفي الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، وقد اكتسب هذا الأخير الشرعية الإسلامية طالما توجها بأمجاد الإنتصار. وفي اليوم التالي دخل هذا الأخير عاصمة الأمويين دخول الفاتحين.
وكان عنصران قد رسّخا سلطته وحملا «الرعايا» في بلاد الشام، كما في سائر أنحاء الإمبراطورية، على الإذعان له: الانتصار العسكري والاشتراك في العقيدة الدينية نفسها. وبعبارة أخرى، كانت تلك «تحالف السيف والدين»، كما في ظلّ النظام القديم في فرنسا، وكما في إسبانيا في عهد فرانكو والبرتغال في عهد سالازار.
فلا يأتينّنا أحد ليقول إن العقليات قد تغيّرت منذ ذلك الحين! فمتى نعترف أخيراً بأن الرافعتين نفسيهما هما اللتان حملتا أحمد الشرع إلى سدة الحكم العليا على ضفاف بردى: الانتصار في الميدان، واعتناقه الدين الحنيف الصارم؟
اتفاقات سايكس ـ بيكو مجدداً
لكن لنعد نحو قرن إلى الوراء، ولنضف أن السوريين، قبل الحرب العالمية الأولى وأثناءها، لم يكونوا يسعون إلى الانفصال عن الأناضول؛ بل كانوا سيتقبلون قدراً من اللامركزية تُعترف فيه بتطلعاتهم الثقافية، وتُعتمد فيه اللغة العربية في الإدارة العامة.
وكانوا ليرحّبوا بملكية مزدوجة على غرار الدولة النمساوية ـ المجرية، لولا السياسة القاسية، وغالباً الوحشية، التي انتهجها جمال باشا خلال سنوات الحرب.
والواقع أن الذي وضع حداً للاحتلال العثماني عام 1918 لم يكن انتفاضة محلية (3)، ولا حتى الأعداد الزهيدة من القوات العربية التابعة للأمير فيصل، بل بالأحرى التقدم الظافر لقوات الحلفاء، وفي مقدمتها القوات البريطانية.
ثم، ابتداءً من عهد الانتداب، أخذت القومية العربية بالتبلور، فطوّرت خصوصياتها ومزاجها الخاص. لكن الذي أدى بصورة خاصة إلى مزيد من تفكيك الروابط التي امتدت لأربعة قرون بين العالم التركي اللسان والعالم العربي اللسان، كان إلغاء الخلافة عام 1924، إلى جانب العلمنة القسرية، وهما علامتا النظام الأتاتوركي الفارقتان.
وبعد ذلك، لعب حزب البعث على وتر العداء بين العرب والأتراك، رغبةً في ترسيخ سلطته، ولم يكن ضمّ لواء الإسكندرون عام 1939 ليساعد على المصالحة بين الشعبين.
الحذر من الحماس المفاجئ
كل هذا لأقول إن الخلاف السوري ـ التركي، إذا ما استمر، يمكن حله في مناخ من الأخوة الدينية. فتركيا أردوغان، التي ترفع بفخر لواء انتمائها إلى الإسلام، مرحّب بها في سورية التي اضطهد فيها الحكم البعثي، على مدى خمسين عاماً، بصورة منهجية، الأكثرية السنية، وكمّم أفواه كبار رجال الدين فيها.
والآن، بعدما انسحبت إيران والاتحاد الروسي من دون أن يطلبا مقابلاً، يُفترض أن تكون تركيا موضع ترحيب. بل إن المعلومات تفيد بأن شباناً سوريين في سن القتال قد لا يترددون في الانضمام إلى صفوف قوات أنقرة، في حال دخلت هذه الأخيرة في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
فمئة عام من القومية العربية المتشددة ربما لم تمحُ أربعة قرون من العثمانية، ولم تطمس ألف عام من التضامن الديني!
ملاحظة: على تركيا أن تحذر من الحماسة السورية تجاهها! ولتتذكر المصير الذي لقيه جمال عبد الناصر. ففي عام 1958، أقامت له دمشق احتفالاً عظيماً عند إعلان الجمهورية العربية المتحدة. ثم، في عام 1961، وقّع الانفصال!
1 ـ تاريخياً، تعني عبارة «بحر سورية» أو Mare Syriacum باللاتينية الجزء الشرقي من البحر المتوسط الواقع قبالة الساحل السوري ـ اللبناني.
2 ـ لقب مستعار من لقب الباسيليوس البيزنطي، عند سقوط القسطنطينية عام 1453.
3 ـ في سورية، ورغم تدهور ظروف المعيشة خلال الحرب العالمية الأولى، لم تُسجَّل لا اضطرابات ذات شأن، ولا انتفاضة، ولا فتنة ضد التركي. بل إن الضباط والمثقفين وكبار البرجوازيين الذين انضموا إلى الأمير فيصل كانوا يُوصمون في بعض الأحيان بالخيانة والارتداد في المراكز الحضرية الكبرى، مثل حلب وحمص، وحماة، ودمشق، وغيرها.