شعار Levant Time

رأي

من انتصر؟ ومن خسر؟ لا أحد يعلم، ولم نعد نعلم!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يونيو 27, 2026 - 13:24

في أعقاب حرب حزيران/يونيو المشؤومة عام 1967، المعروفة بحرب الأيام الستة، كان على الدول العربية أن تواجه حقيقة مريرة: فقد خسرت مصر قطاع غزة وسيناء، وخسرت المملكة الهاشمية القدس والضفة الغربية، فيما انسحبت سوريا على نحوٍ مخزٍ من الجولان. غير أن حزب البعث الحاكم في دمشق، رافضًا تحمّل مسؤولية هزيمة تاريخية، أوحى بأن الإسرائيليين لم يحققوا النصر ما داموا لم ينجحوا في إسقاط نظامه. فطالما بقي النظام صامدًا، لا يحق لتل أبيب أن تدّعي الانتصار! وقد شكّل هذا الإنكار سابقةً تكرّرت كلما مُني العرب بنكسة جديدة. وها هو الأمين العام لحزب الله، رافعًا سقف خطابه رغم التراجع، يعلن عشية إحياء مراسم عاشوراء انتصار «حزب الله» على «المؤامرة التي حيكت من قبل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، والتي وفّرت لها الدولة اللبنانية الغطاء». فلا يفتقر إلى الجرأة من ينسب إلى نفسه أمجاد النصر في الوقت الذي يواصل فيه الجيش الإسرائيلي التوغّل التدريجي في الجنوب وإفراغه من سكانه. إنها محاولة لحفظ ماء الوجه أما دونالد ترامب، فكيف يبدو بهذه الدرجة من الابتهاج؟ يرى نيكولا بافيريز في صحيفة لو فيغارو الباريسية أن البروتوكول الموقّع في فرساي من قبل الرئيس الأمريكي يحمل أوجه شبه عديدة مع معاهدة عام 1919 التي أنهت الحرب العالمية الأولى وكرّست «سلامًا زائفًا ومجرد تعليق للأعمال العدائية». وانطلاقًا من ذلك، خلص الكاتب إلى الحكم التالي: «إن بروتوكول فرساي يكرّس الانهيار الاستراتيجي الذي اختتم حرب إيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل وملَكيات الخليج وأوروبا وحلفاء أمريكا الآسيويين». إلّا أنّه يجدر الحذر من النزعة المعادية لأمريكا التي تطبع بعض وسائل الإعلام الفرنسية، والإصغاء إلى ما يقوله توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز، وهي صحيفة لا تُعرف بتساهلها مع الإدارة الأمريكية الحالية. يقول فريدمان إن قادة إسرائيل وإيران وحزب الله وحماس والولايات المتحدة يشتركون في أمر واحد: لا أحد منهم يرغب في تشكيل لجنة تحقيق لتقييم أدائه وسلوكه خلال آخر صراع في الشرق الأوسط! فمن انتصر إذن؟ ومن خسر؟ أليس من المبكر جدًا طرح هذا السؤال أو الإجابة عنه؟ قد لا يكون «محور الشر» أو «محور الخير» قد كسب معركةً بعينها، لكنه لم يخسر الحرب بالضرورة. فالحروب لا تُقاس بجولاتها الأولى، بل بنتائجها النهائية. ومن المرجح أن يستمر الصراع الكامن بشكل أو بآخر، وتحت ذريعة أو أخرى، مع بقاء لبنان ساحةً للتجارب وتصفية الحسابات. فك الارتباط بإيران بأي ثمن إن لبناننا، الذي أصبح أكثر من أي وقت مضى كيس ملاكمة تتقاذفه أطراف النزاع، يتعرّض منذ مطلع آذار/مارس لحرب جديدة بين إسرائيل وحزب الله. وقد تكبّد أضرارًا تُقدَّر بأكثر من مليار دولار، فيما دُمّر بالكامل نحو 11 ألف مبنى في الجنوب. هذا فضلًا عن آلاف القتلى والجرحى والنازحين. غير أن الأخطر من ذلك، وهو ما يدعو إليه نعيم قاسم، والذي يتمثل في الإبقاء على الربط بين وقف إطلاق النار في لبنان ووقف إطلاق النار الذي تمّ بين إيران والولايات المتحدة. إن جعل الجبهتين مترابطتين على هذا النحو من شأنه أن يضحّي بالقضية اللبنانية على مذبح المصالح الإيرانية خلال المفاوضات الجارية في برغنشتوك بسويسرا. بينما يحتاج لبنان، للخروج من محنته، أن يبقى ساحة عمليات مستقلة تخضع لظروفه الخاصة وشروطه الذاتية. فإن أصبح وقف القتال في الجنوب رهين تفاهم بين طهران وواشنطن، فإن ذلك يعني عمليًا نهاية سيادتنا الوطنية، وهذا قد يؤسس لوصاية فارسية على الدولة اللبنانية أشد ضررًا وخطورة من الوصايةالسورية في عهد سلالة الأسد. وهذا تحديدًا ما ينتظره نعيم قاسم ليعلن انتصاره بأعلى صوته. غير أن ذلك، إن حصل، سيكون انتصارًا لإيران لا للبنان.

لبنان أولًا…
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر
يونيو 27, 2026 - 09:15

تكشف الأزمات الكبرى حقيقة بسيطة: لا يصمد وطن إذا بقيت الولاءات التي تعلو عليه أقوى من الانتماء إليه. فالدول التي تنجح في تجاوز محنها هي تلك التي تجعل الهوية الوطنية المظلة التي تجمع جميع مواطنيها، على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية والثقافية. فالوطن ليس إلغاءً للتنوع، بل الإطار الذي يحميه. هذا الدرس بدا واضحًا في التحولات الأخيرة داخل إيران، حيث ارتفع منسوب الخطاب القومي والوطني ليضم فئات كانت تُعد حتى الأمس خارج دائرة الولاء السياسي. فالسلطات أدركت أن التحديات الوجودية تفرض توسيع دائرة الانتماء، لأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بتماسك السلطة، بل أيضًا بقدرتها على احتضان المجتمع بكل مكوناته. أما في لبنان، فما زلنا نواجه المعضلة نفسها: هل تكون الأولوية للطائفة، أم للحزب، أم للمحور الإقليمي، أم للدولة؟ وقد أعاد توقيع إعلان النوايا الأخير بين لبنان واسرائيل برعاية أميركية، وما أثاره من انقسام داخلي، التذكير بأن المشكلة ليست فقط في مضمون أي اتفاق، بل في غياب إطار وطني جامع تُناقش فيه الخيارات المصيرية قبل أن تتحول إلى موضع انقسام. ليس المطلوب أن يتخلى أي فريق عن قناعاته أو هواجسه، ولا أن تُفرض خيارات بالأكثرية أو بالقوة. لكن المطلوب أن يصبح شعار “لبنان أولًا” قاعدة سياسية وأخلاقية يلتقي حولها الجميع. وهذا يقتضي إطلاق حوار وطني صريح حول القضايا الخلافية، من الاستراتيجية الدفاعية إلى العلاقات الخارجية، بحيث تُصنع القرارات داخل المؤسسات الدستورية لا في ساحات التجاذب الإقليمي أو على موائد التفاوض الخارجية. فالسلام الحقيقي يبدأ من الداخل، والسيادة تبدأ بوحدة القرار، والاستقرار لا يصنعه اتفاق خارجي إذا بقي اللبنانيون مختلفين على مفهوم الدولة نفسها. عندما يصبح لبنان أولًا، لا يعود الاختلاف تهديدًا، بل يصبح مصدر قوة، لأن الجميع يختلفون تحت سقف وطن واحد، ودولة واحدة، ومستقبل واحد.

قراءة في التخلي عن مشروع الطائرة القتالية الفرنسية-الألمانية
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
يونيو 22, 2026 - 20:33

يعرض مقال روجيه بر كه «عاصفة في السماء الأوروبية» – Levant Time، 13 حزيران 2026 – الأسباب المطروحة للتخلي عن مشروع نظام القتال الجوي المستقبلي SCAF. ويقدّم هذا المقال إضاءة خاصة على العلاقات الفرنسية-الألمانية كما يراها كثيرون في فرنسا، كما يسلّط الضوء على هذا التخلي المؤسف. وفي ما يلي بعض المقتطفات اللافتة من مقدمة المقال المشار إليه: «لقد أعاد فشل البرنامج فوراً إطلاق الانتقادات الموجّهة إلى شركة داسو أفياسيون ورئيسها التنفيذي إريك ترابييه. ففي بعض الأوساط السياسية الألمانية والأوروبية، يُقدَّم رئيس الشركة الفرنسية على أنه أحد أبرز المسؤولين عن هذا الانسداد. ويتهمه منتقدوه بأنه دافع عن رؤية شديدة الطابع الوطني للبرنامج، لا تتوافق مع منطق التعاون الأوروبي. ومنذ سنوات عدة، يكرّر إريك ترابييه أن المشكلة ليست أوروبية بل صناعية. وبرأيه، لا يمكن تصميم طائرة قتالية عبر اللجوء إلى تسويات دائمة بين عدة شركات وعدة دول. ومنطقه بسيط: لا يجوز فصل المسؤولية عن السلطة. فإذا كان مُصنّع ما مكلّفاً بتطوير الطائرة الرئيسية، فعليه أيضاً أن يملك سلطة القرار المناسبة. منذ بداية البرنامج، تتواجه رؤيتان لمفهوم أوروبا الدفاعية. الأولى، وغالباً ما تُربط ببرلين وبالمؤسسات الأوروبية، تعطي الأولوية لتقاسم الكفاءات، والتكامل الصناعي، وتوحيد التقنيات. أما فرنسا، فتطالب بطائرة قادرة على العمل انطلاقاً من حاملات الطائرات، والمشاركة في المكوّن الجوي من قوة الردع النووي الفرنسية. ولا تشارك ألمانيا أياً من هذه القيود. أما إسبانيا، فتسعى قبل كل شيء إلى الحفاظ على مكانتها داخل الصناعة الجوية الأوروبية». تعرض هذه المقتطفات بوضوح تام رؤيتين متعارضتين: فداسو Dassault، التي لا تطالب بالإدارة والسيطرة على التصميم إلا في جزء واحد من البرنامج، تسعى بوضوح إلى فرض انسجام مفاهيمي وصناعي يضمن إنتاج طائرة عالية الأداء، وإنجازها وتصنيعها لمصلحة القوات الجوية، وكذلك البحرية بالنسبة إلى فرنسا، بسرعة وبكلفة ستكون حتماً أكثر اعتدالاً مما ستكون عليه كلفة نموذج صُمّم وفق قيود وتعديلات متعددة، قد يرفض بعضها هذا الشريك أو ذاك بحجة أنه غير معني بها، مثل الخصائص المرتبطة بحمل سلاح نووي أو الهبوط على حاملة طائرات، وهي أمور تخص فرنسا وحدها، كما كان الجميع يعلم منذ البداية. إن قراءة هذه المقتطفات وحدها تكشف ذروة سوء الفهم بين وجهتي النظر. فبرلين، وأوروبا من خلفها، تفضّلان تقاسم الكفاءات، والتكامل الصناعي، وتوحيد التقنيات. أما داسو، فتفضّل الفاعلية وكفاءتها الخاصة المرتبطة بالخبرة، في ما يتعلق بالطائرة ذاتها، وبها وحدها؛ كما تحافظ على خبرتها الفنية. لذلك، لا بد من بعض التذكير لتفسير ما يختبئ خلف تباين وجهتي النظر الفرنسية والألمانية. وفي الواقع، هو خلاف. في السيرة اللافتة لتاليران، يشرح جان أوريو بدقة ما لا يزال يثقل حتى يومنا هذا على علاقة جيدة وتفاهم كامل بين البلدين. في مؤتمر فيينا عام 1815، بعد سقوط الإمبراطور نابليون، «ك انت بروسيا تطالب باستمرار بساكسونيا ومنطقة الراين ولوكسمبورغ وبلجيكا؛ ودعمت إنكلترا مطالبها في نقطة واحدة: منطقة الراين. وقد فعلت ذلك خصوصاً لوضع آلة حرب على الحدود الفرنسية (…) لقد أُسقط نابليون باسم الأمن الأوروبي. وأُعطيت منطقة الراين لبروسيا، فدُمّر الأمن الأوروبي لقرن ونصف قرن (…) وهكذا وجدت فرنسا نفسها تحت مراقبة مهدِّدة من جيش متمركز بصورة دائمة على بعد 220 كيلومتراً من باريس، على حدود مفتوحة. لقد نُصبت على عتبتنا أمة ثملة بالحقد منذ يينا. إنكلترا (…) أقامت مجاناً شرطيّاً رهيباً على نهر الراين. ونحن نعرف ما تلا ذلك: بسمارك، سادوفا، سيدان، ضم الألزاس واللورين، حرب 1914، هتلر. أوروبا المغتالة ». ولا تزال النتائج تُلمس حتى اليوم، بما في ذلك في الشرق الأدنى: فبعد هتلر، ينبغي أن نضيف أنه، لمحو الشعور بالذنب المرتبط بالمحرقة، أُنشئت دولة يهودية على أرض كانت مأهولة أصلاً. ولبنان شاهد على ذلك، وضحية له. لا يلطّف جان أوريو عباراته – واختيار الكلمات يثبت ذلك – عندما يتحدث عن أمة ثملة بالحقد منذ يينا. وبصيغة أكثر اعتدالاً، أليست درجة معينة من النفور الألماني من الفرنسيين اليوم امتداداً بعيداً لما بعد يينا، بسبب تمثيل فرنسا عند توقيع الاستسلام غير المشروط للقوات المسلحة الألمانية، الذي أنهى الحرب العالمية الثانية في أوروبا، في 7 أيار 1945؟ في عام 1962، دعا ديغول أديناور إلى حضور قداس في كاتدرائية ريمس، وهي مدينة ترمز إلى الصراعات الفرنسية-الألمانية، لإظهار الإرادة في طي صفحة الحروب الماضية، وترسيخ المصالحة بصورة دائمة، وجعل التعاون الفرنسي-الألماني محركاً للبناء الأوروبي. وفي 22 أيلول 1984، خلال إحياء ذكرى معركة فردان، وقف ميتران وكول ممسكين بأيدي بعضهما البعض أمام عظام ضحايا دومون، في مشهد رمزي اختير لترسيخ المصالحة الأوروبية، وتعميق الاندماج الأوروبي، وتثبيت السلام في أوروبا. في هاتين المناسبتين، كان الرئيسان الفرنسيان محرّكين لمصالحة صادقة ونهائية. فقد بنى ديغول وأديناور المصالحة؛ وعمّقها ميتران وكول لجعل الثنائي الفرنسي-الألماني محرك أوروبا. فلماذا إذاً هذا الفتور الملموس؟ اليوم، إذا كانت فرنسا لا تزال تتحدث عن «الثنائي الفرنسي-الألماني»، فإن هذا التعبير لم يعد مستخدماً في ألمانيا. إن إنشاء اليورو، الذي كان غير مؤاتٍ إلى هذا الحد لفرنسا في مبادلاتها التجارية، وتفكيك الصناعة الفرنسية الذي ساهمت ألمانيا في تنظيمه جزئياً، والتخلي الأحادي عن الطاقة النووية من جانب السيدة ميركل، بما وضع فرنسا في قفص الاتهام أمام محكمة البيئيين الألمان والفرنسيين، وخيارات تحديد كلفة الكهرباء في أوروبا* المطبّقة في فرنسا، كل ذلك يشكّل دليلاً على عداء تجاه الفرنسيين من جانب أولئك الذين نصنّفهم في خانة «أصدقائنا». لكن الشعوب لا تملك أصدقاء، بل شركاء، وأحياناً حلفاء، ما دام التحالف قائماً! يفرض السياسيون الفرنسيون على فرنسا اندماجاً قسرياً ومتسارعاً في أوروبا؛ أما الألمان، ألا يتموضعون هم غالباً من أجل أوروبا ألمانية؟ لا شك في أنه من المبكر جداً إعلان داسو – وبالتالي فرنسا – مذنبة! المستقبل سيقول أي طائرات ستشتري ألمانيا. هل ستكون إف-35؟** *إن ربط تحديد سعر الكهرباء بسعر الغاز يضر بفرنسا ذات الطابع النووي في إنتاج الطاقة. ويُقال إن هذه الآلية وُضعت لتسهيل الانتقال الطاقوي عبر إدماج مزيد من الطاقات المتجددة. فالألمان يعتبرون أن الطاقة النووية لا تنتمي إلى مجال الطاقة المتجددة، لكنهم عوّضوا إلغاء الطاقة النووية جزئياً بمحطات تعمل بالفحم! **وذلك لاستكمال أسطولها المؤلف من 35 طائرة طُلبت على عجل عام 2022، ويُفترض أن تدخل الخدمة عام 2028.

أيّ حقيقة يحاول نعيم قاسم إخفاءها؟
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يونيو 20, 2026 - 13:31

في كل مرة يواجه فيها حزب الله أزمة سياسية أو عسكرية أو شعبية، يعود قادته إلى القاموس نفسه: المقاومة، الانتصار، السيادة، ورفض الوصاية. كلمات كبيرة تحمل شحنة عاطفية عالية، لكنها تصبح أقل قدرة على إقناع اللبنانيين كلما اتسعت الهوة بين الخطاب والواقع. في كلمته الأخيرة، قال الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم إن الحزب التزم باتفاق الطائف والدستور اللبناني، وإن سلاحه موجّه إلى إسرائيل، وإنه يواجه مشاريع التبعية والوصاية الخارجية. كلام يبدو متماسكاً للوهلة الأولى، لكنه ينهار عند أول مواجهة مع الوقائع. فالسياسة ليست ما يقال على المنابر، بل ما يُمارس على الأرض. والوقائع التي عاشها اللبنانيون خلال العقود الماضية لا تشبه الرواية التي قدمها قاسم، بل تكاد تكون نقيضها بالكامل. إذا كان حزب الله ملتزماً باتفاق الطائف، فكيف يمكن تفسير استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة بعد أكثر من ثلاثة عقود على توقيع الاتفاق؟ اتفاق الطائف لم يكن مجرد تسوية سياسية لإنهاء الحرب الأهلية، بل كان مشروعاً لبناء دولة. جوهر هذا المشروع بسيط وواضح: دولة واحدة، جيش واحد، وسلطة واحدة تحتكر السلاح والقرار الأمني والعسكري. فهل تحقق ذلك؟ الجواب يعرفه اللبنانيون جميعاً. لقد نشأت في لبنان خلال العقود الماضية سلطة موازية للدولة. سلطة تملك السلاح والقرار والقدرة على فرض الوقائع السياسية والعسكرية بمعزل عن المؤسسات الدستورية. وعندما يصبح قرار الحرب والسلم خارج مجلس الوزراء وخارج البرلمان وخارج رئاسة الجمهورية، يصبح الحديث عن الالتزام بالطائف أقرب إلى إعادة كتابة التاريخ منه إلى وصف الواقع. المشكلة ليست في وجود خلاف سياسي حول دور المقاومة أو مستقبل السلاح. هذا نقاش مشروع. المشكلة هي محاولة تقديم الأمر وكأن لبنان عاش طوال هذه السنوات في ظل التطبيق الكامل للطائف، بينما يعرف الجميع أن أحد أبرز أسباب الأزمة اللبنانية كان وجود ازدواجية السلطة وازدواجية القرار. أما القول إن السلاح موجّه حصراً إلى إسرائيل، فهو ادعاء يصعب على الذاكرة اللبنانية أن تتعامل معه بجدية. فاللبنانيون لم ينسوا السابع من أيار. ولم ينسوا سنوات الترهيب السياسي التي فرضت فيها موازين القوى بقوة السلاح أو بظله. ولم ينسوا أن مجرد وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة كان كافياً لقلب التوازنات السياسية وتعطيل الاستحقاقات الدستورية وفرض الشروط على الحكومات والرؤساء والبرلمانات. حتى عندما لم يُستخدم السلاح بشكل مباشر، كان وجوده بحد ذاته عاملاً حاسماً في الحياة السياسية اللبنانية. وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالديمقراطية لا تقوم عندما يمتلك طرف واحد القدرة على فرض إرادته بالقوة إذا شاء. والدولة لا تكون دولة عندما تعرف جميع القوى السياسية أن هناك قراراً أعلى من المؤسسات الدستورية. ثم يأتي الحديث عن رفض الوصاية الخارجية. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فأي وصاية رفضها حزب الله طوال السنوات الماضية؟ وأي استقلالية قرار يتحدث عنها؟ منذ سنوات طويلة لم يُخف الحزب ارتباطه الاستراتيجي بإيران. لم يكن الأمر اتهاماً من الخصوم، بل جزءاً من أدبياته السياسية المعلنة. وقد خاض معارك إقليمية كبرى انطلاقاً من حسابات تتجاوز المصلحة اللبنانية المباشرة. دخل إلى الحرب السورية. انخرط في صراعات المنطقة. ربط مصير لبنان بمحور إقليمي كامل. وحوّل البلد، شاء اللبنانيون أم أبوا، إلى جزء من معادلات الصراع بين إيران وخصومها. اليوم، بينما يتحدث قاسم عن مواجهة الوصايات، تجري المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية حول ملفات المنطقة، وبينها لبنان. وهذه الحقيقة وحدها كافية لفضح حجم التناقض بين الشعار والواقع. فلو كان القرار لبنانياً خالصاً، لما أصبح مستقبل السلاح والدور الأمني والسياسي في لبنان بنداً على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية. ولو كانت السيادة التي يتحدثون عنها قائمة فعلاً، لما وجد اللبنانيون أنفسهم ينتظرون نتائج تفاهمات تُعقد خارج حدود وطنهم لمعرفة مصير بلدهم. لكن ربما يبقى أكثر ما يستحق التوقف عنده هو مفهوم “الانتصار” الذي يقدمه حزب الله للبنانيين. ففي خطاب قاسم، كما في خطابات سابقة، يتحول الصمود إلى انتصار، والاستمرار إلى انتصار، وعدم الانهيار الكامل إلى انتصار. وبهذه المعادلة يصبح من الممكن إعلان النصر في كل الظروف. لكن الشعوب لا تقيس الانتصارات بهذه الطريقة. الشعوب تقيس الانتصار بمستوى معيشتها، بأمنها، باستقرارها، بقدرة أبنائها على البقاء في وطنهم، وبقدرة دولتهم على حماية مصالحهم. فماذا كانت النتيجة بعد سنوات طويلة من هذه السياسات؟ اقتصاد منهار. عملة فقدت معظم قيمتها. دولة مفلسة. مؤسسات مشلولة. هجرة جماعية للشباب والكفاءات. عزلة عربية ودولية متزايدة. ومناطق مدمرة تحتاج إلى سنوات لإعادة إعمارها. هل هذه هي مؤشرات الانتصار؟ أم أنها مؤشرات أزمة وطنية عميقة يحاول البعض تغليفها بالشعارات؟ المؤلم أن اللبنانيين الذين دفعوا الثمن الأكبر لم يعودوا يبحثون عن الخطب. أهل الجنوب لا يحتاجون إلى مزيد من النظريات عن النصر بقدر ما يحتاجون إلى إعادة بناء منازلهم. العائلات التي فقدت أبناءها لا تبحث عن البلاغة السياسية، بل عن تفسير منطقي لحجم الخسائر التي تكبدتها. والشباب الذين يغادرون لبنان بالآلاف لا يسألون عن الخطابات العقائدية، بل عن مستقبل لم يعد موجوداً في وطنهم. لهذا تبدو لغة الانتصارات المتكررة منفصلة أكثر فأكثر عن الواقع الذي يعيشه الناس. لقد اعتاد حزب الله على الانتصار في الرواية حتى عندما يخسر في الوقائع. لكنه يواجه اليوم معضلة مختلفة. فالوقائع أصبحت أكبر من أن تُخفى، والأثمان أصبحت أكبر من أن تُبرر، والأسئلة أصبحت أعلى من أن تُقمع بالشعارات. في النهاية، لا يحتاج اللبنانيون إلى من يقنعهم بأن ما عاشوه كان انتصاراً أو هزيمة. هم يعرفون ذلك من تفاصيل حياتهم اليومية. يعرفونه عندما يقفون أمام مصارفهم المفلسة. ويعرفونه عندما يبحثون عن فرصة عمل فلا يجدونها. ويعرفونه عندما يودعون أبناءهم في المطارات. ويعرفونه عندما ينتظرون قرارات تُتخذ خارج لبنان لتحدد مستقبل بلدهم. لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل انتصر حزب الله أم لم ينتصر؟ السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو أكثر قسوة وأهمية: إذا كان كل ما جرى خلال العقود الماضية انتصاراً كما يقول نعيم قاسم، فكيف كانت ستبدو الهزيمة؟ هذا السؤال بالذات هو ما يخشاه أصحاب الشعارات، لأنه السؤال الذي لا تستطيع الخطابات الإجابة عنه، ولا تستطيع الأعلام تغطيته، ولا تستطيع الاحتفالات إخفاءه. إنه سؤال الوقائع. والوقائع، بخلاف الخطب، لا تكذب.

وا إيران! ما شأنك ولبنان؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
يونيو 20, 2026 - 00:50

إنّ هذا السؤال، بصيغته هذه، يأتي متأخّرًا بعض الشيء، غير أنّ له فضلًا لا يُنكر، وهو أنّه يُطرح أخيرًا بصراحة ووضوح. فبموجب أيّ قاعدة قانونية أو أيّ اتفاقية دولية تتدخّل إيران في الشؤون اللبنانية؟ وكيف لها أن تفعل ذلك من دون أيّ مساءلة منذ أكثر من أربعين عامًا؟ مستفيدةً من انهيار الدولة، اتّخذ هذا التدخّل شكل دعم عسكري وسياسي ومالي لحزب الله، إلى حدّ الزجّ ببلدنا في صراعات ومواجهات لم تكن يومًا ضمن أجندة حكومته الشرعية. كيف يمكن الاقتراب من الحادث الدبلوماسي من دون الوقوع فيه؟ يكفي أنّ سفير الملالي لا يتمتّع بعد بصفة "الشخص المقبول" (Persona Grata) ، وهي العبارة الدبلوماسية التي تفيد بأنّ الموفد قد حظي باعتماد الدولة المضيفة وموافقتها الرسمية. إنّما طهران لم تكن لتنتظر أن يقدّم محمد رضا شيباني أوراق اعتماده كي تدوس على ساحاتنا، وتتعدّى على حصّتنا من السيادة، أو لكي تبادر إلى إشعال الأعمال العدائية مع إسرائيل أو وقفها. فقد تصرّف الحرس الثوري وكأنّه في داره، فيما اكتفى مسؤولونا، عندما لم يكونوا متواطئين معه، بتحويل أنظارهم حياءً، وكأنّهم يرفضون الاعتراف بالواقع. وكان يُفترض أن يستمرّ هذا الوضع إلى ما لا نهاية، وكأنّ على لبنان أن يتحمّل كلّ شيء. غير أنّ ذلك لم يأخذ في الحسبان الموقف المفاجئ لرئيس الجمهورية، الذي حرص مؤخرًا على التمييز بين المساعدة التي تقدّمها الجمهورية الإسلامية وبين التدخّل الذي تسمح لنفسها بممارسته في شؤوننا الخاصة. فهذا التدخّل، بما يشكّله من اعتداء جسيم على سيادة دولة، لا مكان له إلا في زمن "الوصايات الأجنبية التي يُحظر العودة إليها." إلا أنّ هذه الانفراجة الناتجة عن هذا الموقف قد لا تدوم طويلًا. فبحسب عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، لا يمكن فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني. وتحت ذريعة التضامن مع لبنان، والمطالبة بانسحاب إسرائيل من الجنوب اللبناني تحقيقًا للسلام وفقًا لاتفاق إسلام آباد، تُمعن طهران في إدخال لبنان أكثر فأكثر في لعبتها السياسية وفي المفاوضات المتعلّقة بمستقبل الخليج الفارسي. إذًا، هل يُقرَّر مصيرنا في إسلام آباد بدلًا من واشنطن؟ إنّ رفض حزب الله لاتفاق وقف إطلاق النار في الثالث من حزيران الماضي (1)، لا يُفسَّر، وفقًا لرئيس مجلس الوزراء نواف سلام، إلا برغبة طهران في التذكير بأنّ القرار يعود إليها هي. فبإعتبارها عاصمة إقليمية مؤثرة، لا يمكن استبعادها من المفاوضات. وبحسب أحد كبار مسؤوليها، قدّمت إيران تضحيات كبيرة جدًا على مسرح الشرق الأوسط بحيث لا يمكن التفاوض على وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل من دون موافقتها. ثم ماذا كنّا نعرف أصلًا عن مذكرة التفاهم التي جرى إعدادها في إسلام آباد، والتي كانت النسخ المختلفة منها حتى الآن مليئة بالأخطاء والنواقص والتناقضات؟ والآن بعد أن وُقِّعت إلكترونيًا بصيغتها النهائية، من يجرؤ على المراهنة على تنفيذها أو على "استدامتها"؟ (2). قلتم تدخّلًا؟ أمام الاستحقاقات المتسارعة، سعت طهران مع ذلك إلى إعادة التواصل مع قصر بعبدا عبر عباس عراقجي. وهو الوزير نفسه الذي سخر مؤخرًا من تصريحات الرئيس جوزف عون متسائلًا: هل الجمهورية الإسلامية هي التي تحتلّ خُمس الأراضي اللبنانية أم الدولة العبرية؟ لكنّ كبير الدبلوماسيين وقع، بقوله هذا، في الفخ الذي نصبه بنفسه. ويمكن الردّ عليه بسهولة بأنّ بلاده تحتلّ من "لبنان المفيد" مساحةً تفوق بكثير تلك التي تحتلّها إسرائيل (3). هذا فضلًا عن هيمنة ولاية الفقيه على مفاصل الدولة العميقة التي تتحكّم بنا. وكلّ ذلك، بطبيعة الحال، عبر وكيلها المحلي، حزب الله. أليس هذا الحزب هو الذي خوّله الحرس الثوري جرّ لبنان إلى حروب مدمّرة والتسبّب في موجات نزوح جماعية؟ (1) ستُستأنف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في 23 حزيران. " Sina Toossi (2)حتى لو استفادت إيران من هذا الاتفاق مع واشنطن، فمن المرجّح أن يكون أيّ سلام مؤقتًا" ، جريدة The Guardian ١٦ حزيران ٢٠٢٦. (3) "لبنان المفيد" تعبير قدحي وقاسٍ، لكن سبق أن شاع أيضًا تعبير "سوريا المفيدة".

حذار من فقدان التوازن: تراكم الخسائر لا يصنع انتصارا
بقلم
نجيب زوين
نُشر
يونيو 18, 2026 - 19:34

في خضم التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يبدو أن الجبهة اللبنانية هي الوحيدة التي ما زالت تنتظر وضوح الصورة النهائية لما يجري بين الولايات المتحدة وإيران. فالاتفاق الذي أوقف آلة الحرب وأعاد رسم خطوط الاشتباك الإقليمي لم تتضح بعد كامل تداعياته على لبنان، فيما يترقب اللبنانيون ما ستكشفه الأيام المقبلة لمعرفة الاتجاه الذي ستسلكه القوى المرتبطة بالمشروع الإيراني بعد سنوات طويلة من الرهانات والحروب والمغامرات. صحيح أن وقف إطلاق النار يشكل مكسبًا لكل اللبنانيين بعدما دفع الوطن أثمانًا باهظة من أرواح أبنائه واقتصاده وبناه التحتية واستقراره الاجتماعي، إلا أن هذا التطور لا يمكنه أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا أن يمحو النتائج الكارثية التي ترتبت على الحرب. فكل طرف يسعى اليوم إلى الظهور بمظهر المنتصر، لكن السؤال الذي يهم اللبنانيين ليس من ربح ومن خسر، بل ماذا ربحت الدولة اللبنانية؟ وأين هي المكاسب التي تعزز الشرعية والمؤسسات والسيادة الوطنية؟ لقد كانت الحرب، في جوهرها، مواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها العسكرية في المنطقة من جهة أخرى. أما الدولة اللبنانية فلم تكن شريكًا في قرار الحرب ولا في قرار السلم، ولم يكن لها دور في رسم أهداف المواجهة أو إدارة مسارها. ومع ذلك، فإنها ستتحمل نتائجها كاملة، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا وماليًا وعمرانيًا. أما من الناحية القانونية والدستورية، فلا تستطيع أي حرب أو تسوية أو تفاهم إقليمي أن يغير حرفًا واحدًا من القرارات الصادرة عن المؤسسات الدستورية اللبنانية. لقد بدأت الحرب بقرار إيراني، وانتهت عمليًا بقرار إيراني. فـ"حزباللا" لم يخف يومًا ارتباطه العقائدي والسياسي والعسكري والمالي بطهران، كما لم يخفِ قادته تبعيتهم للقرار الصادر عن القيادة الإيرانية. وما التصريحات المتكررة الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين إلا تأكيد إضافي على طبيعة هذه العلاقة التي تتجاوز حدود الدعم السياسي إلى مستوى الارتباط العضوي بالمشروع الإيراني في المنطقة. لكن مهما تبدلت الظروف الإقليمية، تبقى حقيقة أساسية لا يمكن تجاوزها: التطورات العسكرية والسياسية لا تلغي قرارات الحكومية اللبنانية. فالقرار الحكومي لا يُلغى إلا بقرار حكومي، والشرعية لا تُستبدل بشرعية أخرى، والدولة لا تسقط لمصلحة أي تنظيم أو حزب أو ميليشيا مهما بلغ حجم نفوذها. ومن هذا المنطلق، فإن الموقف الرسمي اللبناني يبقى واضحًا: السلاح الذي لا يخضع للدولة وللقوى العسكرية والأمنية الشرعية هو سلاح غير شرعي، وأي محاولة لإضفاء صفة قانونية عليه تبقى مخالفة لمفهوم الدولة ولسيادتها ولأحكام الدستور والقوانين النافذة. وحتى لو ساهمت إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الوصول إلى وقف إطلاق النار، فإنها فعلت ذلك انطلاقًا من مصالحها واستراتيجيتها الخاصة، لا من المصلحة اللبنانية. فالدول تتصرف وفق حساباتها، وإيران ليست استثناءً. أما المصلحة اللبنانية فلا يحددها إلا اللبنانيون من خلال مؤسساتهم الدستورية الشرعية. ولا بد من التذكير بأن من يمثل لبنان في أي مفاوضات تتعلق بمستقبله وبسيادته وبحدوده هو الدولة اللبنانية وحدها. أما التفاوض باسم المصالح الإيرانية أو الدفاع عنها فهو شأن يخص طهران. لقد أكد رئيس الجمهورية مرارًا أن الدولة هي المرجعية الوحيدة في إدارة الملفات الوطنية الكبرى، وأن اللبنانيين جميعًا هم أبناء الدولة اللبنانية وليسوا أبناء أي مشروع خارجي أو محور إقليمي. لقد انتهى زمن الوكالات السياسية والعسكرية، وسقطت أوهام الوصايات التي حاولت السيطرة على القرار اللبناني لعقود طويلة. وما تشهده المنطقة اليوم من إعادة رسم للتوازنات يؤكد أن الدول هي التي تبقى، فيما تتراجع المشاريع العابرة للحدود مهما بدت قوية في لحظة معينة. وقبل أن يسارع البعض إلى إعلان النصر، يجدر التوقف أمام الوقائع لا الشعارات. فالمعطيات المتداولة حول التفاهم الأميركي – الإيراني لا توحي بانتصار للمحور الإيراني بقدر ما تشير إلى تراجع استراتيجي كبير قد تكون له انعكاسات مباشرة على "حزباللا" وسائر الأذرع المرتبطة بطهران. فإذا صحت المعطيات المتداولة، تكون إيران قد اضطرت إلى التخلي عن أحد أبرز أهداف مشروعها الاستراتيجي، أي امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي أو الاقتراب منه، عبر قبول قيود صارمة على عمليات تخصيب اليورانيوم. كما تكون قد تراجعت عن استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط دائمة على المجتمع الدولي، لتعود الملاحة فيه إلى طبيعتها من دون تحقيق المكاسب السياسية والمالية التي لطالما سعت إليها. أما الخسارة الأكثر حساسية فتتمثل في تضييق الخناق على تمويل الأذرع العسكرية التابعة لها في المنطقة. فالمشكلة الأساسية بالنسبة إلى هذه التنظيمات ليست في الخطاب السياسي أو الإعلامي، بل في قدرتها على المحافظة على مصادر التمويل والتسليح والتجنيد التي شكلت لعقود عنصر قوتها الأساسي. وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، تبدو الصورة أكثر قسوة. فالحرب لم تنتج تحريرًا جديدًا للأرض، ولم تبدّل موازين القوى، بل خلّفت قرى مدمرة، وعشرات آلاف المهجرين، وخسائر بشرية ومادية هائلة، واستنزافًا غير مسبوق للبنية العسكرية واللوجستية لـ"حزباللا". وبالتالي فإن أي قراءة موضوعية للنتائج تجعل من الصعب الحديث عن انتصار، فيما الوقائع الميدانية والاقتصادية والاجتماعية تشير إلى أثمان باهظة دفعتها البيئة الحاضنة للحزب قبل سواها. لذلك يبدو المشهد أقرب إلى محاولة لتسويق الخسارة على أنها انتصار، وإلى البحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه بعد سنوات من الرهانات التي انتهت إلى تقليص النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة، بدل توسيعه كما كان يُعلن ويُروَّج له. يبقى السؤال الأهم: أين موقع لبنان من كل هذه التحولات؟ أين مكانه في الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل؟ ما هي علاقته بدول الخليج العربي؟ وكيف سيبني شراكاته مع تركيا والدول العربية والمجتمع الدولي؟ وهل سيعود دولة طبيعية تستثمر موقعها وانفتاحها وطاقات شعبها، أم سيبقى رهينة مشاريع الآخرين وصراعاتهم؟ مستقبل لبنان يبدأ عندما يصبح قرار الحرب والسلم قرارًا لبنانيًا خالصًا، وعندما تستعيد الدولة كامل سلطتها على أراضيها ومؤسساتها، وعندما يدرك الجميع أن الشرعية لا تتجزأ، وأن الدولة وحدها هي الباقية، أما الميليشيات، مهما طال الزمن، فمصيرها إلى زوال.

في البيسارية كما في البرلمان الفرنسي... ريح التمرّد تهبّ

في اللحظة نفسها التي كانت فيها ندوة تُعقد في باريس، داخل مبنى البرلمان الفرنسي، مُفسحة المجال أمام مواطنينا الشيعة الأحرار* للتعبير عن آرائهم، كانت قرية جنوبية ترتفع 180 مترًا عن سطح البحر تلفت الأنظار. ففي يوم الجمعة 5 حزيران، هبّت رياح التمرّد في البيسارية، إذ اندلعت فيها مشادّة بين السكان، وغالبيتهم من الشيعة الاثني عشرية المؤيدين لنبيه بري، وبين عناصر من حزب الله كانوا يريدون نصب منصّات لإطلاق الصواريخ من قلب البلدة. مما اضطر الجيش اللبناني إلى التدخل للفصل بين الطرفين وإعادة النظام. وقد وثّق شريط مصوّر هذا الاشتباك الجماعي الذي جرى، ويا للمفارقة، في شارع ازدانت جوانبه برايات خضراء فستقية اللون تحمل ألوان حركة أمل! وقد وقع هذا الاحتكاك في الوقت ذاته الذي كان فيه مركز عمليات الطوارئ في وزارة الصحة العامة يُبلغنا بأن لبنان سجّل 3558 قتيلًا و10870 جريحًا منذ الثاني من آذار، وهو التاريخ الذي أعاد فيه حزب الله إشعال فتيل المواجهة بحجة الثأر لإغتيال المرشد الأعلى الإيراني. وسيقول البعض إن هذا الثمن ليس باهظًا مقابل الدعم الإيراني الذي أسهم في تحرير جنوب لبنان والمسجد الأقصى. السأم ينتشر كالعدوى غير أن البيسارية لم تكن الوحيدة التي أبدت اعتراضها على سائر الأراضي اللبنانية. ففي الوقت نفسه، وكأنّ الجميع اتفقوا على موقف واحد، تمرّد رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء على الخطاب السائد لدى حزب الله. فقد صرّح جوزيف عون لشبكة CNN بأن إيران لا يحق لها استخدام لبنان كورقة مقايضة، وأن نعيم قاسم لا يمثل وطننا، وأن الخيار العقلاني الوحيد يتمثل في التفاوض لوضع حد نهائي لحالة العداء بين لبنان وإسرائيل. أما نواف سلام، فقد شدّد بدوره على أن لبنان ليس ساحة لتصفية صراعات الآخرين، وأن أبناء الجنوب لا ينبغي لهم أن يدفعوا ثمن «حسابات لا يملكون قرارها». وفي هذه الحالة، لم يبقَ إلا أن يدلي الرئيس نبيه بري برأيه! لكننا سنغيب تصريحاته التي تمليها الهيبة والخشية اللتان يثيرهما حزب الله لديه. وعلى أي حال، فإن قرية البيسارية أجابت عنه مسبقًا باسم حركة أمل وباسم جميع الشيعة المستائين من عبثية المعارك المستمرة ومن احتكار الميليشيا الإيرانية للسلطة. وكما هو الحال في سائر أنحاء لبنان، يتسع نطاق السأم ويتعمم في ظل الدمار والنزوح اللذين يطالان السكان. فمهما امتنع نبيه بري، الذي يبدو ثابتًا في موقعه، عن مباركة الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن، فإن قاعدته الشعبية لم تعد، على ما يبدو، راغبة في دفع ثمن مغامرات نعيم قاسم غير المحسوبة. كم انتظرنا طويلًا قبل قلب الطاولة! ذلك أن الأوساط الرسمية اللبنانية كانت، حتى وقت قريب، شديدة التحفظ. فقد كان ينبغي الحذر من إغضاب «المقاومة»، كما والتعامل معها بكثير من اللياقة والحساسية. وباسم احترام تضحيات حزب الله وتقديرها، كان يُفترض عدم المساس بصورته كمحرّر ومقاوم. لكن فجأة، حدث تحول جذري! لم يعد الخطاب هو نفسه. وكأننا أمام «قطيعة إبستمولوجية»، أي تغيير جذري في طريقة النظر إلى الواقع، مما يقطع مع الخطاب السابق ومع الصور النمطية التي فرضها علينا الحزب الإيراني وجماعته. وهذا التحول بحد ذاته يشكل علامة من علامات التحرر، لأن السلطة التنفيذية اللبنانية كانت، على مدى سنوات طويلة، تتبنى خطاب حزب الله. ونتيجة لذلك، بدا كيان الدولة الجمهورية أقرب إلى «الكوميديا ديلارتي» وإلى المهزلة. فقد تحول المسؤولون إلى ممثلين هزليين ومهرجين يسعون إلى الدفاع عن أطروحات حزب الله، رغم أنهم كانوا يرفضونها في أعماقهم. لذلك، فلتذهب إلى الجحيم تلك الحيطة المفرطة التي كانت تُحيط بموضوع المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. ومن الواضح أن مستوى التوتر سيرتفع، وأن مسارًا من التحرر سينطلق. وسيصل هذا المسار إلى حد إعداد ونشر لائحة رسمية بالجرائم المتسلسلة التي ارتكبها حزب الله. شكرًا للبيسارية، وشكرًا للبرلمان الفرنسي؛ فقد انتهى زمن الخوف الذي كان حزب الله يزرعه في بيئته الخاصة كما في بعض الأوساط السياسية الأخرى. * ندوة «لبنان بين السلم والحرب: شرعية الدولة ودور المجتمع المدني»، البرلمان الفرنسي، باريس، 5 حزيران 2026. وقد حمّل المشاركون فيها حزب الله و«التحالف المقدس» الإيراني مسؤولية الكارثة الراهنة، ودعوا إلى إعادة الاعتبار لدولة القانون والمؤسسات.

"ما بيحكّ جلدك غير ظفرك"
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر
يونيو 12, 2026 - 18:18

يبدو أن العالم يعيش اليوم بين حمى كأس العالم و”منشورات” الرئيس الأميركي Donald Trump على وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتركه من تأثيرات مباشرة على التقلبات الحادة في أسعار النفط والذهب، وعلى الأرباح الطائلة التي تحققها المضاربات المرتبطة بها. غير أن هذا “الضجيج” الإعلامي يخفي وراءه تحولات أعمق وأكثر أهمية، تتمثل في إعادة رسم شبكة التحالفات الإقليمية والدولية نتيجة التداعيات المتسارعة للمواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى. فشركاء الولايات المتحدة العرب في الشرق الأوسط بدأوا إعادة تقييم تموضعهم الاستراتيجي وتحالفاتهم التقليدية، وإن كانت ملامح هذه التحولات لم تكتمل بعد. فالإمارات العربية المتحدة تتخذ موقفاً أكثر تشدداً تجاه إيران، وتواصل تعزيز علاقاتها مع كل من إسرائيل والهند، فيما فعّلت المملكة العربية السعودية تعاوناً دفاعياً أوثق مع باكستان، وكثّفت في الوقت نفسه تنسيقها السياسي والأمني مع تركيا ومصر. في ضوء هذه المتغيرات، يبدو أن مصطلح “الشرق الأوسط الجديد”، الذي شاع استخدامه خلال السنوات الأخيرة، لم يعد قادراً على التعبير بدقة عن الواقع الناشئ، أو استيعاب التحالفات الاستراتيجية الجديدة التي تُعيد تشكيل منظومة الأمن والتوازنات في المنطقة. وبذلك، فإن المفهوم التقليدي لـ”الشرق الأوسط الجديد” بات متجاوَزاً أمام الوقائع المستجدة. وبانتظار تبلور هذه التحولات الاستراتيجية بصورة أوضح، تستمر الأسواق العالمية في الانشغال بالمضاربات والتصريحات السياسية التي أصبحت قادرة على تحريك الرساميل والثروات خلال دقائق معدودة. وفي المقابل، تواصل الدول الفقيرة والنامية دفع الثمن الأكبر لهذه التقلبات. فكل ارتفاع في أسعار الطاقة أو الغذاء، وكل اضطراب في الأسواق العالمية، ينعكس مباشرة على حياة المواطنين في هذه الدول، التي تجد نفسها رهينة قرارات وأحداث لا تملك التأثير فيها. من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نماذج التنمية المعتمدة، والعمل الجاد على تحقيق أعلى درجات ممكنة من الاكتفاء الذاتي في الغذاء والطاقة والإنتاج، انطلاقاً من تعزيز الوحدة الوطنية وتضافر جهود جميع أبناء الوطن، المقيمين منهم والمنتشرين في مختلف أنحاء العالم. لقد أثبتت التجارب أن الدول التي نجحت في بناء عناصر قوتها الذاتية كانت الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات العالمية، والأكثر استقلالية في حماية مصالحها الوطنية. وفي النهاية، تبقى الحكمة الشعبية الأبلغ تعبيراً عن هذه الحقيقة: “ما بيحكّ جلدك غير ظفرك”. فالأمم التي تعتمد على قدراتها الذاتية، وتستثمر في طاقات أبنائها، هي الأقدر على حماية مستقبلها وصون استقلال قرارها الاقتصادي والسياسي.

...ليس السلام هو القضية
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يونيو 12, 2026 - 09:25

وسط الضجيج السياسي والإعلامي الذي يرافق المفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، ينشغل كثيرون بالسؤال التقليدي: هل تريد إسرائيل السلام؟ وهل نحن أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين أم مجرد ترتيبات أمنية فرضتها موازين القوى بعد الحرب؟ لكن الحقيقة أن هذا السؤال، على أهميته، ليس السؤال الأهم بالنسبة إلى لبنان. فالقضية الجوهرية اليوم لا تتعلق بما تريده إسرائيل، بل بما استطاع لبنان أن يستعيده لنفسه بعد عقود طويلة من مصادرة قراره الوطني. للمرة الأولى منذ سنوات عديدة، لا يجلس لبنان على طاولة المفاوضات باعتباره ساحة نزاع أو ورقة تفاوض في أيدي الآخرين، بل باعتباره دولة تمثل نفسها بنفسها. وهذا التحول، بحد ذاته، يشكل الحدث السياسي الأبرز في كل ما يجري. لقد اعتاد اللبنانيون، للأسف، على أن تكون بلادهم جزءاً من صراعات الآخرين. اعتادوا أن تُدار الملفات المصيرية المتعلقة بالحرب والسلم والسيادة والأمن من خارج المؤسسات الشرعية، وأن تصبح الدولة مجرد شاهد على قرارات تُتخذ في أماكن أخرى. في مراحل كثيرة من تاريخنا الحديث، لم يكن لبنان هو الذي يفاوض، بل كان هو الموضوع الذي يُتفاوض عليه. وكان اللبنانيون يدفعون الثمن دائماً. ثمن الحروب التي لم يقرروا توقيتها. وثمن التسويات التي لم يشاركوا في صياغتها. وثمن الصراعات الإقليمية التي حوّلت وطنهم إلى صندوق بريد للرسائل العسكرية والسياسية. اليوم، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، تبدو الصورة مختلفة. ليس لأن إسرائيل تغيّرت فجأة، وليس لأن المنطقة أصبحت أكثر سلاماً، بل لأن الدولة اللبنانية بدأت تستعيد حقاً أساسياً من حقوقها السيادية: حق التحدث باسم لبنان. قد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل المفاوضات. وقد تتباين المواقف حول بعض البنود أو التوجهات أو الأولويات. وهذا أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع ديمقراطي. لكن ما يجب أن يكون محل إجماع وطني هو أن القرار اللبناني عاد إلى المؤسسات الدستورية، وأن الدولة هي التي تتولى إدارة هذا الملف باسم جميع اللبنانيين. وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية للمسار الحالي. فالدول لا تُقاس فقط بمساحة أراضيها أو بعدد سكانها أو حجم اقتصادها، بل بقدرتها على احتكار القرار السيادي. والسيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ من امتلاك قرار الحرب والسلم وتنتهي بقدرة الدولة على التحدث باسم مواطنيها في المحافل الدولية. من هذا المنطلق، يصبح النقاش حول نيات إسرائيل أقل أهمية من النقاش حول كيفية حماية المكسب اللبناني المستجد. نعم، إسرائيل تسعى إلى تحقيق مصالحها الأمنية. وهذا أمر لا يحتاج إلى اكتشاف. كل دولة تفاوض انطلاقاً من مصالحها. وكل دولة تبحث عن أمنها واستقرارها. وكل دولة تحاول أن تحصل على أكبر قدر ممكن من المكاسب. لكن السؤال الذي يجب أن يشغل اللبنانيين هو: هل أصبح لبنان أيضاً قادراً على الدفاع عن مصالحه الوطنية من خلال مؤسساته الشرعية؟ إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام تحول تاريخي يتجاوز نتائج المفاوضات نفسها. فالاتفاقات يمكن أن تنجح أو تفشل. والتفاهمات قد تُطبق أو تتعثر. أما استعادة الدولة لدورها الطبيعي فتبقى مكسباً استراتيجياً طويل الأمد. لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً عندما تحول قرار الحرب والسلم إلى قرار خارج مؤسسات الدولة. ودفع ثمناً أكبر عندما اختلطت الأولويات اللبنانية بالأجندات الإقليمية. ودفع ثمناً هائلاً عندما أصبح مصير اللبنانيين مرتبطاً بحسابات لا تخضع للمصلحة الوطنية اللبنانية. لذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في الوصول إلى أفضل اتفاق ممكن، بل في منع العودة إلى الوراء. أي منع إعادة انتزاع القرار من الدولة وإعادته إلى ساحات النفوذ والمحاور والصراعات الخارجية. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الجدل حول المفاوضات إلى مواجهة داخلية جديدة بين اللبنانيين. فالتجارب السابقة أثبتت أن الانقسام الداخلي كان دائماً البوابة التي يتسلل منها الخارج إلى القرار الوطني. أما عندما تتوحد المؤسسات حول المصلحة اللبنانية العليا، يصبح لبنان أقوى في مواجهة الضغوط وأكثر قدرة على حماية حقوقه. إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس مجرد هدنة على الحدود، بل هدنة مع تاريخه السياسي القائم على ازدواجية القرار. ولا يحتاج فقط إلى ترتيبات أمنية، بل إلى تثبيت مبدأ أن الدولة وحدها هي المرجعية النهائية في القضايا الوطنية الكبرى. هذا هو المعنى الحقيقي لدولة المواطنة التي نناضل من أجلها. دولة لا تُختزل بطائفة ولا بحزب ولا بمحور. دولة يكون فيها جميع المواطنين متساوين أمام القانون، وجميع القوى خاضعة للمؤسسات، وجميع القرارات السيادية صادرة عن السلطة الشرعية وحدها. فلا مواطنة من دون دولة. ولا دولة من دون سيادة. ولا سيادة عندما يكون القرار موزعاً بين مراكز قوى متعددة. من هنا، فإن القيمة السياسية للمفاوضات الحالية لا تكمن فقط في ما قد تنتجه من تفاهمات أو اتفاقات، بل في أنها تعكس بداية انتقال لبنان من موقع الساحة إلى موقع الدولة. من موقع المتلقي إلى موقع الشريك. ومن موقع الورقة إلى موقع صاحب الورقة. وهذا هو التحول الذي يجب أن نحافظ عليه مهما كانت التطورات المقبلة. فإذا كان القرن الماضي قد شهد صراع اللبنانيين حول هوية الدولة، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة استعادة الدولة نفسها. دولة قوية بمؤسساتها. دولة حرة بقرارها. ودولة سيدة على أرضها لا يتحدث باسمها إلا من انتخبه اللبنانيون ومن خوله الدستور تمثيل الجمهورية اللبنانية. قد لا تكون الطريق سهلة. وقد تكون مليئة بالعقبات والضغوط والتحديات. لكن ما تحقق حتى الآن يستحق الحماية. لأن الأمم لا تُبنى فقط بالانتصارات العسكرية ولا بالاتفاقات السياسية، بل ببناء المؤسسات واستعادة القرار الوطني. وفي نهاية المطاف، قد يختلف اللبنانيون حول نتائج المفاوضات، لكنهم يجب ألا يختلفوا على حقيقة واحدة: إن لبنان الذي يفاوض بنفسه أقوى ألف مرة من لبنان الذي يتفاوض الآخرون باسمه.

قضية رياض سلامة: من يرى القشة في عين الجار...
بقلم
أنطوان منسى
نُشر
يونيو 9, 2026 - 20:38

مِن المستغرب، بل ومِن المفارقة حقاً، أن نطالع حتى يومنا هذا تقارير منحازة واختزالية، تنشرها وسائل إعلام موجّهة وتتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، في وقت يواجه فيه الوطن تطورات مفصلية على الصعيدين الداخلي والدولي، ويواجه مصيره اختباراً عسيراً منذ عقود. وللأسف، لا يشكّل هذا الأمر سابقة من نوعه. فنحن نقف اليوم أمام مناورات إعلامية تهدف إلى التعمية وتحويل الأنظار عن القضايا الساخنة والملحّة؛ ونعني بها تلك الحرب الضروس التي تجرّ البلاد نحو دمار شامل، وتهوي بها في قعر هُوّة سحيقة، اقتصادياً واجتماعياً ومالياً، غير مسبوقة. إن هذه الملحمة بأكملها، والتي لم تعد غريبة في واقع الأمر، تبدو أشبه بـ«سيناريو مكرر». لازمة رنّانة ومدروسة تعكس رغبة واضحة في التقويض التام: تشويه سمعة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، وشقيقه رجا، عبر اجترار المسألة آلاف المرات، مع إضافة لمسة جديدة هذه المرة من خلال إقحام دور بنك (HSBC) . وكأنَّ رياض سلامة بات، وحده، المتسبّب في إفلاس نظامنا المالي والاقتصادي وانهياره. فمن السهل، بالفعل، تغذية الرأي العام بهذه الأسطوانة المشروخة بعد كل ما شهدته الساحة السياسية اللبنانية من فبركات إعلامية، لطمس حقيقة مليارات الدولارات التي هُدرت - وربما نُهبت - على مدى سنوات، عبر وزارات متعاقبة وبموجب قرارات اتخذتها الحكومات المتتالية، وصادق عليها مجلس النواب، قبل أن يطويها النسيان مع الأسف الشديد. وفي هذا السياق القاتم والمربك، والذي يلامس حدّ الهوس غالباً، لا يبدو أنَّ ثمة ما يحرّك الساكن أو يدعو، على الأقل، إلى التفكير الهادئ، طالما أنَّ العقول أسيرة أوهامها. فقد نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن محامي رياض سلامة، أنَّ الأخير تمكّن من الاستحواذ على عقاراته بفضل المداخيل المرتفعة التي كان يتقاضاها إبّان عمله مستشاراً مالياً لدى شركة "ميريل لينش" (Merrill Lynch)، وذلك قبل تعيينه في منصب حاكم مصرف لبنان... غير أنَّ إشارة الصحيفة الفرنسية هذه تتبدد كأوراق الخريف المتساقطة. والأمر سيّان حين يقدّم وكيل الحاكم السابق للقضاء الأدلة والمستندات التي تثبت مصدر الأموال المتعلقة باستثماراته المختلفة ووجهتها. ألا يمكن، أخيراً، ترك العدالة تأخذ مجراها قبل إطلاق اتهامات لا أساس لها من الصحة؟ وبالحديث عن القضاء، أليس من المفاجئ حقاً أن تكفّ هذه السلطة، التي تشكّل ركيزة الدولة، عن ملاحقة زعماء سياسيين ورؤساء أحزاب يتحمّلون مسؤولية جسيمة - وهو أمر ليس سراً على أحد - عن الثغرات التي اعتورت إدارة الأمن والقضاء، وإنفاق الدولة في مجالات الشؤون الاجتماعية والكهرباء والتعليم؟ هذا ناهيك عن بعض الجمعيات الوهمية، مدنية كانت أم دينية، أو مليارات الدولارات التي تبخّرت في دعم البنزين والقمح والمواد الغذائية الأخرى... فلا نقعنَّ إذن في فخّ هذه المناورات الإعلامية، ولا في شِباك هذا التوقيت السياسي الموجّه والمجحف، وهو توقيت - نذكّر مجدداً - لا يمتّ إلى الصدفة بصلة. وإذا كان إلقاء اللوم على مسؤول رفيع يهدف إلى استمطار العقوبات ولعنات السماء عليه، فلنمتلك على الأقل الشجاعة واللياقة للاعتراف بأنَّ رياض سلامة هو الوحيد، حتى اليوم، الذي دفع الثمن. ومع ذلك، لم يخرج من نفق الأزمة بعد. فلنترك للقضاء مَهمة إنجاز عمله والبتّ في القضية في أجواء هادئة، دون سلب الحاكم السابق حقّه في الدفاع عن نفسه. وختاماً لهذا الفصل بكل تواضع، قد يكون من المفيد التذكير بمقولة شهيرة: «إذا كنت تبحث عن القشة في عين جارك، فعليك أولاً أن تملك الأمانة لترى الخشبة في عينك». ولا شك في أنَّ هذه العبارة تستدعي اليوم الكثير من التأمل. *أنطوان منسى هو الرئيس المؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين في فرنسا(HALFA) .