Logotipo de Levant Time

رأي

لبنان: الخطر من الداخل
Por
نجيب زوين
Publicado
يونيو 8, 2026 - 15:22

لطالما ردّد اللبنانيون المثل الشعبي القائل: "ألف عدو من خارج الدار ولا عدو من داخلها". وهو مثلٌ اختصر عبر الأجيال حقيقةً سياسية ووطنية ثابتة: فالأخطار الخارجية، مهما بلغت قوتها، تبقى أقلّ فتكًا من الأخطار التي تتسلّل إلى الداخل وتضرب وحدة الدولة وقرارها وسيادتها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب كبير من معاناة لبنان خلال العقود الماضية. فإيران لم تتعامل يومًا مع الدولة اللبنانية بوصفها دولةً سيدة مستقلة ذات مؤسسات دستورية قائمة بذاتها، بل اختارت دائمًا التعامل عبر قوى وتنظيمات تدين لها بالولاء السياسي والعقائدي. وقد وجدت في ظروف المنطقة، عقب الثورة الخمينية وتحت شعار "تصدير الثورة الإسلامية"، فرصةً لبناء أذرع ونفوذ يتجاوز حدودها الوطنية إلى عدد من الدول العربية. ومع مرور الوقت، بلغ الأمر حدّ التفاخر العلني بالهيمنة على أربع عواصم عربية، وكان لبنان في مقدمة هذه العواصم. وفي الداخل اللبناني، نجح "حزب الله" في توظيف عنوان المقاومة لترسيخ موقعه السياسي والعسكري، إلى أن وصل الأمر بأمينه العام السابق، السيد حسن نصرالله، إلى الإعلان صراحةً أن مال الحزب وسلاحه وإمكاناته تأتي من إيران. غير أن الطرفين وقعا في الخطأ نفسه. فإيران تصرفت وكأن لبنان أصبح جزءًا من نفوذها المباشر، فيما تصرف الحزب وكأنه المرجعية العليا التي تعلو على مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية. لكن الوقائع أثبتت أن لبنان، رغم كل ما مرّ به، لم يفقد قدرته على النهوض واستعادة دوره ومؤسساته. ومع انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف الدكتور نواف سلام رئاسة الحكومة، بدأت مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ولمفهوم السيادة الوطنية. وتبدلت الظروف التي سمحت طويلًا باستمرار مشاريع الوصاية والهيمنة، وبدأت غيوم الاحتلالات والنفوذ الخارجي تنقشع تدريجيًا عن سماء لبنان، فيما أخذت الكثير من المشاريع الإقليمية تتكشف على حقيقتها. لكن المؤسف أن الحزب وإيران رفضا الاعتراف بهذه المتغيرات. فبدل إعادة النظر في أسلوب التعاطي مع الدولة اللبنانية، استمرا في مخاطبتها بعقلية الماضي. وقد حاولت السلطة اللبنانية في البداية اعتماد لغة هادئة ودبلوماسية، تجمع بين الاحترام والحزم، وتؤكد ضرورة التعامل مع المؤسسات الشرعية بوصفها المرجعية الوحيدة المخولة التعبير عن إرادة اللبنانيين. إلا أن التمادي استمر، إلى أن جاء الموقف الحاسم من رئيس الجمهورية، الذي أكد بوضوح أن الشرعية اللبنانية يمثلها الدستور ومؤسسات الدولة، وأن الشعب اللبناني ليس تابعًا لأي دولة أجنبية ولا خاضعًا لأي قيادة حزبية مهما بلغ حجمها أو نفوذها. ورغم ذلك، استمرت بعض المواقف الإيرانية في تجاهل هذه الحقائق، ووصل الأمر إلى مستوى غير مسبوق من الإساءة السياسية والأخلاقية عندما عمدت إحدى الصحف الإيرانية إلى مهاجمة رئيس الجمهورية ووصفه بأوصاف لا تليق بعلاقات الدول ولا باحترام سيادة الأوطان. وهو سلوك يعكس حجم الأزمة التي يعيشها من لم يستوعب بعد أن لبنان ليس تابعًا لأحد، وأن زمن الإملاءات والوصايات قد بدأ بالأفول. لقد اعتبر اللبنانيون إسرائيل عدوًا على مدى عقود طويلة، وما زال الخلاف معها قائمًا حول قضايا جوهرية تتعلق بالسيادة والحدود والأمن. لكن التفاوض مع الخصوم والأعداء ليس استسلامًا ولا تنازلًا، بل هو أداة سياسية تلجأ إليها الدول للدفاع عن مصالحها وحماية شعوبها. فالدول تفاوض من موقع الثقة بالنفس، لا من موقع الخوف أو التبعية. وفي المقابل، تبقى الطعنة الآتية من الداخل هي الأخطر. فالتاريخ اللبناني مليء بمحطات أثبتت أن الانقسامات الداخلية والارتهانات الخارجية كانت دائمًا المدخل الأكبر إلى الأزمات والكوارث. ولذلك بقي اللبنانيون يرددون أن الخيانة من الداخل تهدّ الجبال، لأنها تأتي ممن يُفترض أنهم أبناء البيت الواحد. إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من الولاءات العابرة للحدود، ولا المزيد من المشاريع التي تضع مصالح الخارج فوق مصالح اللبنانيين، بل دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرارًا وطنيًا واحدًا. فحين تتقدم الدولة يتراجع النفوذ، وحين ينتصر منطق المؤسسات تسقط أوهام الهيمنة، وحين يلتف اللبنانيون حول مؤسساتهم الدستورية وسلطاتهم الشرعية لا يعود هناك مكان لأي "بروتوس" جديد يطعن لبنان من الداخل.

مضيق هرمز مرآة  لتناقضات العالم
Por
يقظان التقي
Publicado
يونيو 7, 2026 - 06:25

وضع مضيق هرمز العالم أمام مرآة مكبّرة لتناقضاته مثل أزمة "كوفيد 19" أو الحرب في أوكرانيا وغزّة . فالرخاء الحديث يعتمد على الاستقرار العالمي والتدفقات المادية، والطرق البحرية، والجزيئات، والكابلات، والموانئ، وأسعار الفائدة في عولمة تعتمد على اقتصاد الواقع المعاصر . وفي مواجهة أزمة طاقة، أصبحت ردود الفعل مألوفة، يرتفع سعر النفط، تصبح الطاقات المتجددة أكثر جاذبية، يشتعل سعر الغاز، تزداد أهمية الطرق الأكثر أماناً، وتطرح مفاهيم السيادة المستحدثة. هذا المنطق ليس خاطئاً، لكنه ببساطة غير مكتمل. فمع أزمة هرمز، تدخل العولمة مرحلة الغرق في الأزمات وسيولتها في متاهات الكثبان الرملية . فالدول التي تريد في آن واحد إعادة التسلح، وإزالة الكربون، وحماية نموذجها الاجتماعي، وتمويل شيخوخة السكان، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ودعم صناعتها، وخفض ديونها تجد نفسها في سياق نمو ضعيف وهوامش ميزانية تتقلص، وفي انهيارات بنيوية جعلت من أوروبا" قلب العالم " أقرب إلى العالم الثالث في نهاية الجزء الخاص بالتقدمية الثقافية وفقدان السلطة الفكرية، وفي وتذمر حزين من سقوط الحلم الأميركي الذي تركه إعلان الاستقلال الشهير 1776، وذوبان فضاءات الديمقراطية في الفراغات والشعبوية السياسية. ولا يمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني، أن يتوليّا المهمة في العودة إلى أفضل الأوضاع ، وأن يحلا محل الدولة عندما يتعلق الأمر بتحمل المخاطر السياسية أو الاستراتيجية. في الواقع، يأتي الاستقرار فقط بعد إزالة المخاطر (derisking) من قبل القطاع العام، وليس بدلاً منه. المعادلة صعبة، كلما أصبح العالم أكثر خطورة ، أصبحت الاستثمارات في السيادة لا غنى عنها. ولكنها تتطلب دولاً ذات ملاءة فكرية سياسية ومالية واجتماعية ، وكلما تضاعفت الأزمات، أصبحت هذه الدول نفسها أكثر هشاشة. فالخدمة العالمية في طريقها إلى التفكك ، ديون مشتركة، تقليص الطموحات، والحلول معروفة وكذلك الخلافات. ذلك أن أزمة االمضيق ليست مجرد صدمة في أسعار المحروقات، وتضخم في تكاليف الشحن وسلاسل التوريد والتكاليف الصناعية، بل الصدمة في قدرة المجتمعات الحديثة على التكيّف مع الصراعات والانهيارات في "برج بابل" التصدعات الجيوسياسيّة، وشر أقلية من المليارديرات الذين يقدمون أنفسهم متفوقين وقادرين على السيطرة وتدمير العالم من خلال المبالغة في مصالحهم من دون تكلفة أخلاقية. تبدو"هاملت"، تحفة شكسبير المسرحية عن الأمير المزاجي، وكأنها تعيش لحظة مميزة. القصة الخيالية للخسارة التي ألهمت إنشاء "هاملت" الشخصية البراغماتية بشكل دائم مثالية لعصرنا، حيث تتسببت سيولة الأخبار السيئة في إثارة استجوابات وجودية مستمرة، والناس منهكون من وابل المصائب في العالم. والرجل المتنوع عصبيًا، كيف يمكن أن يوجد في عالم يستمر في إساءة فهمه، وفي إعادة سرد قصص مبسطة تركز على قلق الشخصية الرئيسية، وبشأن التواطؤ في نظام عمل سياسي فاشل وثيق الصلة بالذي نعيشه حاليًا، لدرجة الشعور بالحزن العام. والعالم يعيّ أن كل ما يريده الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو "خذ هذا الشيء وافعل ما يحلو لك". وهو يخرج كل يوم فكاهته البدنية، مخاطبًا الجمهور مباشرة بثباته التمثيلي الذي يحمل ثقلًا كبيرًاً. وهذا الشيء يجعل العالم يشعر بالضيق، رئيس متصل بالإنترنت بشكل كبير على منصته" تروث سوشيال"، وكل ساعة تقريباً ينشر تصريحاً يشغّل العالم، وأشياء صعبة الفهم. اصبح إيقاع العالم يعمل على قصص أمريكا وإيران، تقتربان من اتفاق، أم ربما لا، وأن الاتفاق مع إيران قد أُنجز إلى حد كبير وسيتم الإعلان عنه قريباً، أو أنه لا توجد عجلة للإعلان عن أي اتفاق، بل قد لا يكون هناك اتفاق على الإطلاق. تلك ليست سوى عينة من رسائل ترامب المثيرة للحيرة. ويبدو أن الأطراف المتحاربة تقترب بالفعل من التوصل إلى اتفاق، على الرغم من أنه لن يكون اتفاقاً شاملاً ينهي الحرب بشكل نهائي. في أحسن الأحوال، من المرجح أن يكون اتفاقاً مؤقتاًعلى مجموعة من المبادئ العامة، تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً على الأقل، واستغلال الوقت للتفاوض حول كيفية تنفيذ تلك المبادئ، وسيظل المفاوضون بحاجة إلى العمل على التفاصيل. كل تفصيل، كل كلمة في إعلان النوايا سيكون لها وزنها وسيتم فحصها بدقة. لكن الأهم سيعتمد على ما سيحدث لاحقًا. تريد إيران بأي ثمن تجنب سيناريو اتفاق مؤقت وهش ، قد يستخدمه خصومها لإعداد الحرب من غير المرجح أن يشنها ترامب مرة أخرى بعد انتهاء كأس العالم، وقبل أسابيع قليلة من انتخابات منتصف الولاية. ولكن هل يمكن لإيران أن تحصل على تعهد من الولايات المتحدة بأن إسرائيل ستكون أيضًا ملزمة بالاتفاق؟ ليس مؤكدًا على الإطلاق. ربما نجا النظام الإيراني من الحرب. عزز الحرس الثوري قبضته على السلطة وأثبت للولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج أن حربًا واسعة النطاق لم تكن كافية لثنيّهم، ناهيك عن إسقاطهم. لقد اكتشفوا أن إغلاق مضيق هرمز كان رادعًا تقريبًا كسلاح نووي ويريدون الآن فرض رسوم عليه لتعويض الأضرار الناجمة عن النزاع .ولكن من سيتحقق من الامتثال؟ وماذا سيحدث للمنشآت النووية القائمة؟ ستكون هذه مناقشات نووية طويلة ومعقدة في مخزون إيران الذي يزيد عن 400 كيلوغرام من اليورانيوم. طالبت أمريكا منذ فترة طويلة بشحنه إلى الخارج. وتصر إيران على تخفيفه في الداخل. ألمح السيد ترامب إلى أنه قد يوافق على الخيار الأخير، ربما تحت إشراف "لجنة الطاقة الذرية". لم يكن من الواضح ما إذا كان يقصد الهيئة الأمريكية التي تحمل هذا الاسم، والتي تم حلها في عام 1974، أم أنه يقصد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة. القضية الأكثر تعقيداً هي مطالبة إيران بمنافع اقتصادية كبيرة. يأمل النظام في الحصول فوراً على جزء من أصوله البالغة 100 مليار دولار والمجمدة في بنوك أجنبية. يقول المسؤولون الأمريكيون إنهم مستعدون لإصدار إعفاء يسمح لإيران بتصدير بعض النفط، لكنهم يرفضون الإفراج المباشر عن الأموال حتى يتم إحراز تقدم نهائي . فيما يتوقع النظام الثيوقراطي بالفعل كل ما يمكن أن يحققه، بدءًا بإعادة بناء برنامجه للصواريخ الباليستية وميليشياته بالمليارات التي ستملأ خزائنه بفضل الرفع المحتمل للعقوبات في إطار اتفاق نهائي يزيد الأوضاع تعقيداً. أوضاع مزعجة، أو حتى شبه مزعجة، حرب خاسرة جزئياً أو فاشلة جزئياً، حرب لا شيء أو فقط من أجل لا شيء. حرب لا تكون فيها الخسائر والمكاسب كافية للتنافس، والأهم تترك كل شيء في نهاية المطاف أقل بكثير من الوضع الراهن. أي الخوف السياسي في أن تترك دول الخليج والمنطقة في صدمة بمعنويات منخفضة، وما يهدد أنظمة سياسية لم تعتد من جانب، أو آخر على المساكنة مع عدم الاستقرار تحت شعار" السلام بالقوة" الذي يُفترض أن يمتد إلى الشرق الأوسط الجديد تمامًا. وإذا كانت الثقة لم تختف، بل ببساطة هاجرت منطقة الشرق الأوسط من خلال الرغبة الأميركية في احتلال كل المساحة على مسافة أميال بحرية من الصين، والتحكم بسيناريو كل شيء، وتحويل كل شيء إلى سرد قصصي، ويُنظر إلى كل وعد على أنه مصمم للبيع . وعلى العالم التوقف عن البحث عن ثقة مطلقة. إن العامين المقبلين سيكونان حاسمين في القدرة على البقاء في اللعبة العالمية صناعياً وتكنولوجياً وجيوسياسياً. سيصل الجميع بضغوطهم ومخاوفهم وأولوياتهم الوطنية الخاصة، في الوقت الذي يجب فيه على العالم أن يفكر بشكل جماعي لحل فاتورة الزمن الذي يمضي.

ايجابيتان تصنعان وطناً
Por
إبراهيم شمس الدين
Publicado
يونيو 5, 2026 - 09:26

أقف مع زملائي الأجلّاء على منبر الدستور اللبناني، وأنا بينهم لست سوى متعلّم بين علماء، ولكنى أيضاً مواطن لبناني في جمهورية ديمقراطية دستورية، جَدِّي في مواطنيتي ومصدِقٌ لها، وأعرف حقوقي الدستورية ومتمسك بها، لا أهجرها عند طائفة ولا أخلعها لدى زعامة؛ إذ على مدار مئة عام كانت الحاجة الدائمة الوحيدة التي يعبّر عنها المواطن اللبناني الفرد هي حاجته إلى الدولة، لا الى الطائفة ولا إلى الزعيم. يقفُ الآن البطريرك الياس الحويّك، المتجدّد بالطوباوية، وهو الذي مع رفاقه، قدح شعلة لبنان الكبير. ينظر إلينا من مسافة مئة سنة، فتحملُ نظرته مما يراه خيبة وكمداً وأسى، ذلك أننا نحتفي بالمؤسس ونُتلِفُ ما أسّسَ هو ورفاقه. لا تُبنى دولة ديمقراطية بدون دستور أو نظام دستوري، وإذا لم يُحترم دستورها فهي تنهار. إنَّ الذين كتبوا الدستور عام 1926 وطوّروه عام 1990 لم يكونوا قاصرين أو جهلة أو أشباه مثقفين، ولا ذوي وطنية ناقصة أو متهمة، ولم يكونوا «ديوانيين» مثل كتبة الرسائل المنمّقة والمتحذلقة. الدستور اللبناني هو نصٌ صحيحٌ، ومدوّنٌ بناء على أصول وقواعد العِلم الدستوري، وهو ميثاق اللبنانيين فيما بينهم، وليس مِنَّة من بعضهم لبعضهم الآخر، وهو مُلزمٌ لهم جميعاً، وهو – بما هو تعبير عن اتفاق الطائف – ليس ضرورة مرحلية زالت بمرور الزمن، بل أصبح جزءاً أساسياً من سلامة ووحدة لبنان، والجمهورية اللبنانية التي بُنيت عليه هي وطنٌ بُنيَ بالتوافق والرضا، لا بالقهر والغلبة والإرغام. لم يَفسُد اتفاق الطائف حتى يُترك ويُهمل، لكنه لم يُطبق أبداً. وأنا أكرر دائماً ان عبارة "استكمال تطبيق اتفاق الطائف" المتداولة غيرُ صحيحة، إذ أنه لم يُطبق حتى يُستكمل! لا نحتاج إلى طائف جديد، ولا إلى مؤتمر تأسيسي، ولا إلى نائبٍ لرئيس الجمهورية، ولا إلى توسيعات وإضافاتٍ إدارية في الدولة اللبنانية. نحتاج فقط إلى تطبيق الدستور كاملاً، وإلى احترامه وتوقيره والاستناد إليه؛ وعند الالتباس، الاعتماد على مجلس دستوري متين لا يلهو بعضويته سياسيون. هذا الدستور بما هو الميثاق، هو البناء القانوني الذي جسّد التركيبة اللبنانية الدقيقة والتوازنَ الحيوي فيها، إذ أنه ينظرُ إلى الطوائف بما هي بذاتها، وليس بما هي عددٌ وتَعداد؛ ومن هنا التوازنُ بين المسلمين والمسيحيين، والتوازن في داخلهم أيضاً؛ وهذا ما يعطينا نظاماً سياسياً هو من جهة مدني (أي دولة مدنية)، ومن جهة أخرى يحفظ التوازن بين الطوائف وفي داخلها. وبالتالي، هذا الدستور هو النص المرجعي الأكيد لبناء الدولة ومؤسساتها بناءً صحيحاً، وهو في أنٍ معاً يمثل خارطة الطريق الدائمة والأمينة لتمتين النظام السياسي ولاستقراره وتطوره. هذا الدستور يحتاج إلى أن يُطبقَ كاملاً، بتتابع الأوقات القانونية اللازمة لتطبيقه، وأنا أعلم أنه يوجد، هنا وهناك، بين اللبنانيين من يريد صادقاً تطبيق الدستور ويطالب بذلك، ولكنه في الوقت نفسه يتحفظ أو يراوغ، أو يخشى تطبيقَ أو تفعيلَ کلَّ مواده لوَهمٍ غامضٍ دفين أنّ التطبيق الكامل ليس لصالحه. إنَّ بعض دستور، إنَّ جزءاً من دستور لا يبني دولةً ولا يحفظُ وطناً، ولا أريد أن نكون ممن أنّبهم القرآن:“... أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ ...”، وهم أنفسهم من أرشدهم يعقوب البار في رسالته في العهد الجديد إلى أن يعملوا بالشريعة كلها: «لأنهم إذا عثروا في واحدة منها أخطأوا بها كلّها». آن لنا، بعد مائة عام، أن نُمسك أمورنا بأيدينا، نحن اللبنانيين، وأن نبنيَ دولةً واحدة موحَّدة ترتكزُ إلى دستور واحد، مرجعها واحد، ولها رئيسٌ واحد، لا ثلاثة! إنَّ التطبيقَ الصادقَ والكاملَ للدستور، والعزمَ الصارم على ذلك من رجال دولة حقيقيين وشرفاء، هو الذي يضبطُ السلاح ثم يمنعه، وهو الذي يحمي الدولة من أن تبقى مَنهَبةً، وهو الذي يحصَّنها من أن تبقى هيكلاً مغارةَ لصوص! أستعيد مقولة جورج نقاش الشهيرة: “أنّ نَقْضين، أنَّ “لاءَين” لا يصنعان وطناً – deux négations ne font pas une nation”، وأخالفها جزئياً، ذلك أنّ التوافق على (لا شرق ولا غرب) قد صنع وطناً، أو بتعبير أدق - قد أقرَّ وطناً؛ ولكني أيضاً أؤيدها إجمالاً - ذلك أنّ تلك «اللاءَين «لم تتمكنا بذاتِهما فقط أن يحفظا وطناً ولا أن يبنيا دولةً تثبتُ وتدوم، إذ انهارت الدولة في حروب داخلية، وكادت تلك الحروب، بل وتكاد تلك الحروب أن تطيحَ بالوطن. إنَّ اللبنانيين الأوّلين كانوا يعرفون ما الذي لا يريدونه من بعضهم البعض، ولكنهم لم يكونوا متأكدين مما يريدونه فعلاً من بعضهم البعض. نحن الآن نعرف ماذا نريد من كل اللبنانيين - وماذا يتوجب علينا كلبنانيين أيضاً، لصالح كل اللبنانيين: احترام وتطبيق الطائف المتجسّد بالدستور، وأننا جميعاً لبنانيون في وطنٍ نهائي، وأن العيش المشترك الواحد هو طريقتنا في الحياة وفي كيفية أن نكون لبنانيين، وأن تكونَ لنا دولةٌ عادلةٌ بما هي تجسيد للعيش المشترك، وأن نكونَ أحراراً فيها في ديمقراطية صحيحةٍ وتامة. إن اتفاق الطائف المتجسّد بالدستور قد أدخلنا في إيجابيتين كبيرتين، في جودتين كبيرتين: جودة النظام الديمقراطي، وجودة المشاركة النصوح للطوائف. وهو منع عنا سلبيتين، رذيلتين كبيرتين: رذيلة التحكم المستبد للطوائف بالدولة، ورذيلة تفرّد بعض طائفة واحدة بالحكم. والامتناع عن تطبيقه واحترامه أوقعنا في الأولى وكاد أن يجّرَنا إلى الثانية. إن دستورنا لنا جميعاً ولأبنائنا جميعاً، فلا نفرّطُ فيه! *كلمة أُلقيت في إطار ندوة حوارية حول مئوية الدستور اللبناني في جامعة الروح القدس - الكسليك يوم الأربعاء ٣ حزيران ٢٠٢٦، على هامش المعرض الذي نظمته الجامعة بمناسبة هذا الحدث.

لبنان في عين العاصفة
Por
نجيب زوين
Publicado
يونيو 2, 2026 - 22:27

لعقود طويلة، كانت إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة لتصفية ما تعتبره تهديداً لمشروعها، سواء كان فلسطينياً، لبنانياً، أو مرتبطاً بالمشروع الإقليمي الإيراني. والى جانب الاستعداد العسكري، عملت على تهيئة الظروف الدبلوماسية والإعلامية لتأمين غطاء دولي لمعركة كبرى تهدف إلى إعادة رسم وجه الشرق الأوسط. وعندما انطلقت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول، روّجت حكومة بنيامين نتنياهو لخطاب "الخطر الوجودي"، مستفيدة من اصطفاف القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. فكانت تلك الفرصة التاريخية التي انتظرها نتنياهو ليطلق آلة الحرب المدمرة ليس ضد حماس فحسب، بل ضد كل من يمكن تصنيفه حليفاً أو مسانداً لها. في خضم هذا المخطط، ارتكبت ايران خطيئتها الأولى بإصدار قرار زج لبنان في الحرب عبر حزباللا في ما سُمي "جبهة المساندة" في الثامن من تشرين الأول. يومها، لم تخفِ إسرائيل نواياها بل حذرت بوضوح من أن الجنوب اللبناني قد يتحول إلى "غزة ثانية" ثم تلتها الخطيئة الثانية عندما توسعت المواجهة وتحولت إلى معركة مرتبطة بحسابات إيرانية مباشرة للأخذ بثأر مقتل الخامنئي، لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية أو بأمن اللبنانيين ومستقبل الجنوب. ويظهر اليوم الواقع الكارثي للعيان؛ فمقابل كل آلية إسرائيلية تصاب، تُمحى قرية بأكملها من الوجود، ويُهجّر أهلها، ويُقتل أبناؤها. لقد بات واضحاً أن لبنان يدفع ثمن صراع مشروعين خارجيين: إسرائيل التي ترفض النموذج اللبناني الحضاري، التعددي والمزدهر، وإيران التي تسعى لإبقاء لبنان ساحة متقدمة وخط دفاع أول عن ثورتها الإسلامية. وسط هذا المشهد المصيري، أطلق فخامة رئيس الجمهورية مبادرة شجاعة وجريئة لم يجرؤ أحد قبله على اتخاذها، واضعاً نصب عينيه إنقاذ البلاد وإعادة القرار إلى الدولة. وتكاملاً مع هذا الموقف، أكد دولة رئيس مجلس الوزراء أن طريق الحوار والتفاوض المباشر، برغم صعوبته وتعقيداته، يبقى المسار الواقعي الوحيد لتجنيب اللبنانيين المزيد من النزف والدمار. وما يبعث على الأمل اليوم هو تلك الصرخة الأصيلة التي ارتفعت من تحت الركام والرماد في جنوبنا الصامد. إنه صوت الجنوبي الأصيل الذي يرفض الموت المجاني، ويرفض أن تكون قراه وأبناؤه وقوداً لحروب الآخرين أو تضحية في سبيل حسابات إقليمية. هذا الصوت يطالب صراحة بالحضور الفعلي والكامل للدولة، وبحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية والالتفاف حول الجيش اللبناني باعتباره المرجعية الوحيدة للأمن والسيادة. أمام هذا الواقع، لم يعد ممكناً التعويل على وعي أو ضمير جهات محليّة لا تزال تمارس المراوغة والتقية مع علمها اليقين بأنها خاسرة سلفاً. إن سياسة تدوير الزوايا، والمكابرة، وتعطيل الحلول الوطنية في هذه الظروف المصيرية لم تعد مجرد خطأ سياسي، بل أصبحت وجهاً من وجوه التخلي عن المسؤولية الوطنية، بل خيانة بحق الشعب والوطن. إن دعم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ومساندة هذه التوجهات الإنقاذية، والوقوف بقوة خلف الجيش اللبناني لم يعد خياراً سياسياً عادياً، بل أصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً يفرض نفسه على الجميع. ويكبر التساؤل ويطرح النداء: أين قوى التغيير؟ أين ثوار السابع عشر من تشرين؟ أين أبناء ثورة الأرز وكل المؤمنين بالسيادة والحرية؟ لماذا لا تتوحدون اليوم حول صرخة أهلكم في الجنوب؟ ولماذا لا تقفون صفاً واحداً بوجه الغاصب والمغتصب لدعم مشروع بناء الدولة؟ لقد حانت لحظة الحقيقة والاختيار الحاسم: فإما الاتجاه نحو دولة سيّدة، حرة، قادرة، تحتكر قرار الحرب والسلم وتحمي أبناءها، وإما البقاء في دوامة الانهيار والتدمير، وترك الوطن رهينة للمشاريع الخارجية المتصارعة على أرضه.

لبنان بعد مئة عام
Por
سمير عبد الملك
Publicado
مايو 29, 2026 - 21:00

في عصرٍ تتضاعف فيه الأزمات والتحديات، نقرأ كلَّ يومٍ مقالاتٍ ودراساتٍ وتحليلاتٍ تتمحور أساساً حول وصف الواقع الراهن وفحص أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أنَّ الأهمية البالغة لفهم الحاضر لا تُسوِّغ هذا الاستغراق المفرط في تشخيص الأوضاع، الذي أوقعنا في دوامة التفكير الدائري: نتحرك باستمرارٍ حول الاستنتاجات ذاتها والانسدادات عينها، دون أن نتقدَّم فعلياً نحو تأمُّلٍ جادٍّ في مستقبل لبنان، ومستقبل مواطنيه، وبالتالي مستقبل المجتمع والدولة. إطلاق حلقات التفكير الوطني... بروحٍ إيجابية يحتاج لبنان اليوم بإلحاحٍ إلى إنشاء فضاءاتٍ للحوار والتأمُّل تجمع التجمُّعات والنخب وفاعلي المجتمع، مهما يكن مستوى تنظيمهم، بهدف طرح الأسئلة الكبرى التي ستحدِّد ملامح البلد على مدى العقود المقبلة. فالأمم التي تصمد وتتقدَّم ليست تلك التي تكتفي بإدارة أزماتها اليومية، بل تلك التي تمتلك شجاعة التفكير بعيد المدى ورسم رؤيةٍ واضحةٍ لمستقبلها. بيد أنَّه قبل أيِّ نقاشٍ، علينا أن نتبنَّى التفكير الإيجابي. فالشخص المتفائل أكثر انفتاحاً على آراء الآخرين؛ إذ يرى في تنوُّع الأفكار ثروةً وفرصاً جديدةً للتقدُّم. في المقابل، يُغذِّي التفكير السلبي المنغلق على ذاته الشكَّ في الآخر، بل يصل إلى التشكيك في الفرص الماثلة أمامه. كذلك يجب علينا أن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نودُّ أن يكون. فالهروب من الحقائق أو تجميلها لا يُفضي إلى حلول؛ بل لا يعدو تأجيل انفجار الأزمات وتفاقمها. ومن ثَمَّ يغدو ضرورياً طرح الأسئلة بموضوعيةٍ واحترامٍ، بعيداً عن المظاهر الزائفة والحسابات الضيِّقة والأحكام المسبقة. فالمجتمعات الحيَّة لا تخشى الأسئلة؛ بل تعدُّها خطوةً طبيعيةً نحو البحث عن مستقبلٍ أفضل. تخيُّل المئة سنة المقبلة يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، إلى «حلقات تفكير وطني» قادرةٍ على مقاربة التحديات الجوهرية الكبرى بهدوءٍ وواقعية، وتبادل وجهات النظر، والبحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ كفيلةٍ بضمان استقرار البلد لمئة السنة المقبلة. ومن الأسئلة الجوهرية الواجب طرحها: – ما الصيغة الحكومية الأنسب للبنان في ضوء التجارب الماضية؟ هل يبقى النظام المركزي الخيار الأمثل؟ هل تتيح اللامركزية الموسَّعة أو الفيدرالية حلولاً أجدى؟ أم أنَّ ثمَّة حاجةً إلى ابتكار صيغةٍ جديدةٍ كلياً؟ – هل لا يزال اتفاق الطائف ملائماً بعد كلِّ التحوُّلات التي شهدها لبنان والمنطقة؟ – هل نموذج العيش المشترك والديمقراطية التوافقية قادرٌ بعدُ على إنتاج الاستقرار وبناء دولةٍ حقيقية؟ – هل يبقى العيش المشترك ممكناً بصورته الراهنة، في ضوء التجارب والأزمات والانقسامات التي اجتازها اللبنانيون؟ – كيف تُدار التنوُّعية اللبنانية؟ من خلال نظامٍ مدني مبني على المساواة التامة بين المواطنين؟ أم من خلال نظامٍ يحترم الخصوصيات والتوازنات الطائفية في صيغةٍ توافقيةٍ تضمن الاستقرار؟ – ما الدور المنوط بالدولة؟ هل يقتصر على ضمان الأمن والاستقرار والحاجات الأساسية كالصحة والتعليم والبنى التحتية؟ أم أنَّه يمتدُّ ليشمل تدخُّلاً أوسع في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية؟ – وماذا عن التعليم؟ هل تبقى الأولوية للتعليم الخاص الذي طالما شكَّل أحد الركائز التاريخية للبنان؟ أم أنَّ المستقبل يستدعي نموذجاً أكثر توازناً بين القطاعين العام والخاص؟ – أيُّ اقتصادٍ نريد؟ هل يبقى الاقتصاد الليبرالي الخيار الأوفق للبنان؟ أم أنَّ المرحلة المقبلة تستوجب اقتصاداً اجتماعياً يوفِّق بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟ – كيف يمكن ضمان مشاركةٍ شعبيةٍ حقيقيةٍ في صناعة السلطة؟ أيُّ قانون انتخابي يكفل تمثيلاً عادلاً ويعزِّز الحياة الديمقراطية؟ – كيف تُتَّخذ القرارات الوطنية الكبرى عند الخلاف؟ – وما الآليات الدستورية والسياسية التي تحول دون الانسداد مع صون الشراكة الوطنية؟ هذه الأسئلة ليست سوى نماذج من النقاشات الكبرى التي ينبغي مقاربتها بشجاعةٍ وهدوءٍ معاً. إذ لا يقتصر بناء الأمة على إدارة أزمات الحاضر، بل يستلزم أيضاً القدرة على تخيُّل المستقبل والإعداد له. كثيراً ما يُقال: “في زمن الأزمات تولد الفرص.” وهذا صحيح، شريطة أن يُحسن المرء قراءة الواقع بوضوحٍ وأن يمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية اللازمة لاغتنام هذه الفرص، عوضاً عن الاقتصار على إدارة الانهيارات أو انتظار حلولٍ آتيةٍ من الخارج. فإن أراد لبنان أن يبقى أمةً حيَّةً قادرةً على الصمود، فهو بحاجةٍ إلى مشروعٍ فكري ووطني بعيد المدى، تُصاغ ملامحه بصورةٍ جماعية، سعياً إلى بناء استقرارٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديٍّ لمئة السنة المقبلة، لا لسنواتٍ معدودةٍ فحسب.

"حزب الله": حيث تنوجد المقاومة يتم استدعاء الاحتلال!

في حوار لهُ، على إحدى الفضائيات اللبنانية، بعد انسحاب إسرائيل مِن جنوب لبنان عام 2000، ونظراً لِما أصاب البعض مِن 'تُخمة وطنية'، عابَ وزير الدفاع اللبناني الأسبق ألبير منصور، على أهالي الجَولان السوري المحتل، الذين لم يجاوز تعدادهم وقتذاك عشرين ألف نسمة، واختاروا انتهاج المقاومة السلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي، متسائلاً بسخرية: 'ليش هَوذي ما بيقاوموا الاحتلال الإسرائيلي؟'. كذلك فعل كثيرون مِن أبواق "حزب الله" ومُواليه، إذ لم يوّفّروا الجَولانيين مِن تسديداتهم المتكررة، على ما أسموه شذوذهم عن قاعدة "حيث يوجد احتلال توجد مقاومة"، على اعتبار أنّ المقاومة لا تكون إلا عبر الصواريخ والمقذوفات، متناسين أنّ أعلى ضروب الوطنية والمقاومة تكمن في التشبّث بالأرض وعدم تركها لقمة سائغة للمحتلين والمحافظة على الإرث والثقافة والهوية، وهو ما قام به الجَولانيون، في حدود إمكانياتهم المتواضعة والمحدودة، على أكمل وجه، الأمر الذي اضطر كاتب هذي السطور، يومها، إلى نشر بحثين مفصّلين متسلسلين، في جريدة "السفير" اللبنانية، كانون الثاني 2001، تحت عنوان: "ويسألونك: متى تُقاتلون إسرائيل؟"، ثم رفدهما بمقال آخر في "قضايا النهار"، 29 تشرين الثاني 2005، بعنوان: "رسالة إلى 'حزب الله' مِن الجَولان المحتل"، تمت دعوته فيها، بالفم الملآن، لتحييد للبنان وإراحة جبهته مِن الصراع مع إسرائيل، بعد أنْ أدّى اللبنانيون قسطهم للعُلا. لكن، وفي كوميديا حالكة السَواد واستدارة غريبة مِن نوعها، عاد "حزب الله"، ذاته، ومعه "حركة حماس" في غزة، لتكريس مفهوم غريب عجيب آخر لـ'المقاومة'، لا يخطر حتى في أضغاث الأحلام، مؤدّاه: حيث تنوجد المقاومة يتم استدعاء الاحتلال! الأمر الذي تخطّى مفهوم الخيانة الوطنية الناتجة عن التعامل مع المحتل إلى ما هو أبعد وأخطر. فما فَعلهُ "حزب الله" مع اللبنانيين، والشيعة على وجه الخصوص، صار يحتاج مِن مجمّع اللغة العربية عقد جلسة طارئة واجتراح مصطلح له يتعدّى الإجرام والخيانة سنوات ضوئية. "حزب الله" لم يكن يوماً حركة تحرُّر وطنية ولا حَظِيَ، مِن الأصل، بهذا الشرف، إنما خلاف ذلك كان، على الدوام، ذراعاً عسكرياً عميلاً لصالح دولة أجنبية تحتل أراضيَ عربية في طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، قبل أن تبطش بالكامل على لبنان والعراق وسوريا واليمن، قَطَفَ ثمرة التحرير في جنوب لبنان، عام 2000، بعد أن عمد مع حليفه، نظام الأسد، إلى تصفية عناصر المقاومة الوطنية واحتكار المقاومة لنفسه. صوت الشهيد المغدور جورج حاوي، الذي قتله "حزب الله" لاحقاً، ما زال يرنّ في الآذان، حين أطلَّ، عام 2005، إبان انتفاضة الاستقلال، على إحدى الفضائيات اللبنانية، ليذكِّر "حزب الله" أنه بعد اتفاق الطائف، كانت كوادر الحزب الشيوعي تتسلّل، خلسة، إلى الشريط الحدودي المحتل لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال وعملائه، خشية اصطيادها على أيدي أفراده، لكن عناصر "حزب الله" قامت بتصفية الكثيرين منهم في طريق عودتهم. وفق ما تقدَّم، حتى المقارنة مع دويلة أنطوان لحد وجيشه المُنحلّ، الذي هدّد نائب "حزب الله" حسن يعقوب رئيس الجمهورية مِن مغبّة إعادة استنساخه، والذي فوّضتهُ قوات الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية حراسة مساحة لا تتجاوز عشرة بالمئة مِن الأراضي اللبنانية في الجنوب، ما عادت جائزة مع "حزب الله"، الذي مَكّن الإيراني مِن بَسْط نفوذه على كامل الأراضي اللبنانية، علاوة على ما تسبّبَ به مِن موت ودمار وهلاك لبطانته وعموم اللبنانيين، على مدار عشرات السنين، ناهيك عن إدانته باغتيال أشراف اللبنانيين وأدلّة لا حصر لها تشير إلى مسؤوليته عن تفجير مرفأ بيروت. في مطلق الأحوال، يبدو أنَّها آخر الحروب التي يستدرجها "حزب الله" على اللبنانيين، بعد أنْ خربَ ديارهم عشرات السنين. وما سمّاه الحزب عملية "العصف المأكول"، سيأكله اللبنانيون، والشيعة منهم على وجه التحديد. ومِن المرجَّح ألا تنتهي إلا بجعله مِن دفاتر الماضي وربما تنصيب نظام "صديق" في طهران أو مقصوص الأذرُع، الأمر الذي يبدو أنّ "حزب الله" لم يدرجه في حساباته الغيبية بأنْ يفقد ظهيره الإيراني، وهو ماض في مقامرته هذه حتى آخر شيعيّ لبناني. طَي صفحة "حزب الله"، في لبنان، سوف يريح اللبنانيين والسوريين معهم. فكسُر ظهر "الهلال الشيعي" وقطع ذراع إيران اللبناني، بشكل نهائي، يُفقِد أي قيمة وظيفية لنظام أبي محمد الجُولاني في سوريا وقد يعجِّل في زواله. لذا، فإنَّ نَزْع سلاح "حزب الله" مصلحة لبنانية أولاً وثانياً وثالثاً قبل أنْ يكون مصلحة إسرائيلية، وهو ضرورة لا بد منها اليوم قبل الغد. أما بشأن استمرار المفاوضات المباشرة اللبنانية-الإسرائيلية، وصولاً إلى توقيع اتفاقية سلام، على خِلافِ ما يعتقد كثيرون، ورغم أن التفاوض مع إسرائيل أو السلام معها لن يكونا نزهة قصيرة ومريحة، فهناك مبالغات كثيرة بأنَّ لبنان في الحطّ مِن قدرة اللبنانيين على منافسة إسرائيل على مستويات وصُعُد مختلفة، ليس أولها ديناميكية الشعب اللبناني وما لديه مِن كوادر وطاقات وخبرات ولا آخرها السياحة والتنوع الثقافي والاقتصاد الحر. كل الحروب تكون متبوعة بأخرى أو بمفاوضات، عاقبتها إما توقيع اتفاقية سلام أو استسلام إلا 'حرب تشرين' على الجبهة السورية وحرب لبنان عام 1982، حيث تم استثمار حالة 'العداء' بعدهما مع إسرائيل على أنها 'بزنس وطني' رابح لتكريس معادلة الاحتلال الأبدي هناك مقابل الاستبداد والطغيان الأبديين هنا. في مقال سابق له بجريدة "المدن، بعنوان: "17 أيار"، نقلَ الوزير الاشتراكي السابق غازي العريضي عن الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل قوله، في برنامج "شاهد على العصر" على قناة "الجزيرة": 'لقد وقّعت إسرائيل ولم أوقّع'. لماذا؟ طلبتُ من الموفد الأميركي الذي جاءني ممارساً ضغطاً كبيراً للإسراع بالتوقيع أن يوصل رسالة إلى الرئيس الأميركي ريغان مضمونها: 'أريد كتاباً شخصياً منه يؤكد فيه أنه سيستمر بالتزامه بلعب دور الوسيط. فإذا التزمت اسرائيل جيد وإذا لم تلتزم فإن ثمة التزاماً أميركياً بالوقوف الى جانب لبنان وحماية سيادته ووحدته...'، ويضيف 'جاء الكتاب لكن إسرائيل انسحبت من الاتفاق'. لماذا؟ 'تبين أن الإسرائيلي وقّع ليس التزاماً بالاتفاق بل لأنه كان يريد ثمناً من الأميركيين والثمن هو رفع العقوبات التي فرضت بسبب تجاوز إسرائيل الاتفاق معها حول اجتياح جيشها لمسافة 40 كلم في الجنوب فقط'. يعني ذلك أن إسرائيل لم تكن تريد الاتفاق أصلاً كما هو رغم ما أخذته". وفق ما تقدّم، فإن المطلوب ليس إعادة قراءة تلك الاتفاقية وحسب إنما التدقيق في كل مفردات تلك المرحلة. فإفادة الرئيس أمين الجميل لا تهز جدران السردية التي راجت عن "اتفاقية 17 أيار"، لاكثر مِن أربعة عقود، إنما قد تنسفها برمّتها. لكن الأكثر ترجيحاً، أنَّ كل الكوارث والأهوال والحروب التي خيضت ولا تزال ضد السوريين واللبنانيين، هي استحقاقات وفواتير متأخرة الدفع عن توقيع نظام الأسد اتفاقية 'فصل القوات' تلك مع إسرائيل، وإلغاء اتفاقية '17 أيار' في لبنان في آذار 1984، دون رسم أي مسار مستقبلي لكيفية حسم الصراع مع إسرائيل.

اتفاق الطائف وضمانة العيش المشترك في مواجهة أزمات لبنان

يكثرُ الحديث في الآونة الأخيرة عن ضرورةِ تغييرِ نظام الصيغة اللبنانية بوصفها "ولّادة أزمات"، ويستسهل البعض الكلامَ عن لبنانٍ "آخر" في مرحلةٍ شديدة التعقيد تمرُ بها المنطقة. هناك من اعتبرَ منذ 1989، أن اتفاق الطائف هو اتفاق "الضرورة"، بمعنى أنه "لا يُعجبنا" لكن للضرورة أحكام: ضرورة إنهاء الحرب، ضرورة الانتقال من الحرب إلى السلم، ضرورة التخلّص من خصمٍ داخلي، ضرورة التمسك بهذا الاتفاق في وجه سلاح "حزب الله". وهناك من يعتبرُ أنه "جرّبَ الاتفاق وفشلَ"، ويعود هذا الفريق منذ لحظة الاعلان بأمثلة تؤكّد على فشله ضارباً بعرض الحائط الآليات التي تحكّمت بنتفيذه انتقائياً: سلاح سوريا من العام 89 حتى العام 2005 سلاح ايران منذ العام 2005 حتى يومنا هذا. وبحجّةِ أنه "فشِلَ" في إدارة البلد، يخرجون عن النصِ مدافعين عن صيغٍ جديدة مثل الفدرالية ولبنان الصغير وغيرها. أنا أنتمي إلى الفريق الذي يدافعُ عن الدستور بوصفه حامياً لمعنى لبنان القائم على ثلاثية: نهائية الكيان – عروبة لبنان – والعيش المشترك. كما أفتخرُ بإعلان الفاتيكان تطويب البطريرك الياس الحويّك، وأحذّرُ من: أ‌- خطورة الخروج المتمادي عن الدستور واتفاق الطائف في مرحلةٍ يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة وتتعيّن فيها الأحجام والأدوار السياسية والإقتصادية نحن أمام مفترقِ طرقٍ تتوضّح فيه معالم ترسيمِ المنطقة من جديد وذلك بعد مئةِ عام من انهيار الامبراطورية العثمانية وبدايةِ مرحلةِ اتفاق سايكس- بيكو. اليوم، تتصدر تيارات اسلامية، سنّية وشيعية غير عربية، المشهد وتحاولُ تحديد أحجامها السياسية والاقتصادية والعسكرية على حساب هوية المنطقة. وللحؤولِ دون سقوطِ لبنان وتحميلِه الثمن خلال مراحل التغيير الكبير نتمسّكُ بما اتّفقَ عليه اللبنانيون في اتفاق الطائف الذي أصبح دستوراً والذي يؤكد على نهائيةِ الكيان اللبناني وانتمائه إلى الهوية العربية. عليه، تشكّلُ نهائيةَ الكيان اللبناني الضمانة المطلوبة الرئيسية كي لا يتجه لبنان الى الاصغر أو أن يذوب في إطارٍ أكبر. ان عروبةَ لبنان وانتماءه إلى محيطه العربي يؤمنان له ضمانةَ الدخولِ في نظام المصلحة العربية الذي ترتسمُ معالمُه في العقود الأولى من هذا القرن. ب‌- خطورة الانقلاب على اتفاق الطائف والدستور وقرارات الشرعية الدولية إن الخروجَ من الدستور في لحظةٍ يحاولُ "حزب الله" فرضَ معادلة " السلاح مقابل الدستور "، أي تحقيقَ مكاسبَ لفريقٍ على حساب التوازن الداخلي خطيرٌ جداً، لأن لبنان لا يُحكم بموازين القوى بل بقوةِ التوازن. التمسّك بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية لا سيما القرارات 1559 و1680و1701، والتي تأخذُ من اتفاق الطائف المستند القانوني لها، بمعنى ان التمسك باتفاق الطائف يعني التمسك بقرارات الشرعية الدولية – كما الانسحاب من اتفاق الطائف يعني الانسحاب من قرارات الشرعية الدولية. قد تكونُ إحدى نقاط الضعف (حتى الآن) لمضمون المفاوضات مع اسرائيل في واشنطن تكمنُ في غياب النص السياسي (الشفهي أو المكتوب) عن قرارات الشرعية الدولية 1559، 1680 و1701. ج‌- مسألة العيش المشترك والشراكة السياسية في ظلّ تمرّد فريقٍ على العدالة اللبنانية والدولية نحن في لحظةِ إعادةِ ترتيب المنطقة، حيث تبحثُ كلُ جماعة ودولة عن موقعٍ لها يشكّل سببَ وجودها في عالمٍ يتغيّرُ بسرعةٍ فائقة. نحن مؤتمون على تجربة لبنانية مرتكزة على العيشِ المشترك، والذي برأيي هو - أي هذا العيش المشترك - ليس رغبةَ المسيحيين بالعيشِ مع المسلمين والعكس إنما هو نتيجة استحالةِ كلِ فريق العيشِ لوحده. هذه هي المعادلة التي تعلّمناها خلال الحرب وبعدها، وتشكّلُ اليوم جوهرَ معنى لبنان في المرحلةِ القادمة في المنطقة والعالم. وعدَ الرئيس أحمد الشرع بصياغة دستور لسوريا الجديدة خلال 4 سنوات، نتمنى له التوفيق لأننا نعرف تعقيدات الأمورِ مع الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين والاسلاميين والمسلمين والعلمانيين و... نحن لدينا دستور فلنُحافظَ عليه. د‌- تصويب النقاش حول مسألة الحياد بما لا يتناقض مع هوية لبنان وانتمائه إن الحيادَ يرتكزُ على توقّف كل فريق داخلي عن الاستقواء بخارجٍ ما على حساب الشراكة الوطنية. لأن هذا الاستقواء يرتكز على المقايضة التالية: يعطي فريق داخلي جزءًا من السيادة مقابل جزءٍ من المكاسب على حساب الشريك الداخلي. لذا يجب تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية. إن تجربة لبنان المئوية تؤكد ان السيادة لا تتجزأ ولا مكاسبَ خاصة لفريقٍ على حساب الشراكة الداخلية الكاملة. كل الطوائف والافرقاء في لبنان اختبروا الاستقواء بالخارج. فلم تسلم طائفة أو حزب من عواقب "مغامرات" الاستقواء. إن الدعوة إلى الحياد أكثر إلحاحاً، والحياد هو عقدٌ لدى اللبنانيين يعلو على الاعتبارات الدستورية والقانونية وكان في أساس الفكرة اللبنانية. والحياد ليس محطةً تأسيسيةً تُضاف إلى المحطات التأسيسية السابقة، مثل تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، أو الميثاق الوطني سنة 1943 واتفاق الطائف في العام 1989. فالحياد المطلوب اليوم كضرورة وطنية حامية وجامعة لكل اللبنانيين إنما يندرج في سياق الحفاظ على العيش المشترك الاسلامي- المسيحي في ظلّ التوازن وفي ظلّ العدالة والحرية . هـ - مناقشة دور لبنان الاقتصادي والثقافي والتعليمي والاستشفائي والمصرفي... بهدف استعادة ميزاته التفاضلية في هذا المجال للخروج من عزلته العربية والدولية الراهنة ندخلُ اليوم الى مرحلة أوصلت اسرائيل الى عمق المنطقة، كما تتمدد إيران وتركيا وروسيا بشهيات إمبراطورية عُلّقت لقرن وتعود اليوم مع انهيار النظام العربي القديم. يتزامنُ كلُ ذلك مع تراجع دور لبنان الاقتصادي والثقافي والتعليمي والاستشفائي والمصرفي. والمطلوب، وعلى عجلٍ، هو إطلاق ورشِ عمل في كل المجالات المذكورة لاستعادة الدور على مستوى العالم ككل. انتهى زمن "لبنان مركز خدمات المنطقة" نظراً لتطوّر غالبية الدول العربية وتداعيات العولمة والذكاء الاصطناعي. وإذا كان صحيحاً أن لبنان عانى من مشكلات العالم العربي ودفع أثماناً باهظة لقضايا العرب مع بروز التيارات الوحدوية واندفاعة الثورة الفلسطينية وغيرها.. إنما في الأمانة الإعتراف بالمقابل، أن لبنان جنى حضوراً ونهضةً وانتعاشاً نتيجة انتمائه إلى العالم العربي: أجيال طلائع طلاب الهندسة والطب والاقتصاد منذ أربعينيات القرن الماضي، والذين أطلقوا ورشة إعمار الخليج. قانون سرية المصارف في العام 1956 استدعى الرأس المال العربي هرباً من التأميم في سوريا ومصر والعراق.. إقفال قناة السويس في العام 1967 جعل من مرفأ بيروت قناة سويس المنطقة. أموال الفلسطينيين والعرب والنفط. اليوم انتهت هذه المرحلة وعلينا ابتكار حاجة لنا في هذا العالم (Raison d’etre) جديدة. لا أدّعي معرفة معالمها إنما أعرف أن صيغة العيش المشترك هي ما تبقّى لدينا هذا إذا ما عرفنا كيفية الحفاظ عليها. لا يغيبُ عن بال أحدِ أن وزيري الأشغال في تركيا والمملكة السعودية وقّعا على مشروعِ بناء سكة حديد "السلطان عبد الحميد" التي تربط اسطنبول بمكّة من دون المرور بلبنان. ولا يغيب عن بال أحدٍ أن خطاً بحرياً يمتدّ من الإمارات حتى العقبة في الاردن ومنها إلى حيفا-اسرائيل، ومن حيفا إلى أوروبا دونَ المرورِ بلبنان. كما لا يغيبُ عن بال أحدٍ ما قاله الرئيس أحمد الشرع للصحافة العربية، أن "زمن موسى كان زمن السحر، وزمن المسيح – زمن الطب، وزمن محمد – زمن اللغة، أما زمن اليوم فهو زمن التنمية". و- هواجس الطوائف المتكررة عاشت الطوائف اللبنانية منذ قيامِ الجمهورية اللبنانية هواجسَ اعتبرتها وجودية، وقد كانت هذه الهواجس عاملاً أساسياً في دخول لبنان الحرب المشؤومة. تعود اليوم، في ظل الأزمات الداخلية التي يعاني منها لبنان بالإضافة إلى التحولات الكبيرة في المنطقة، هواجسُ الطوائف إلى الظهور مجدداً، حيث يعيشُ المسيحيون هاجسَ الديموغرافيا الذي لم يفارقَهم، معتبرين اليوم أن العودة إلى "لبنان الصغير" هي "الضمانة" لهم، ويعيش الشيعة هاجسَ التهميش ويحاولون الخروج من هاجسهم هذا مستغلين الدعم الايراني ومتمردين على الدولةِ ومؤسساتها، كما يعيشُ السنّة هاجسَ الكبت، معتبرين أنه بالرغم من الامتدادِ العربي هم في لبنان طائفة كسائر الطوائف، ويُضاف اليوم إلى هذا الامتداد بروزِ قيادةٍ سنّية جديدة في سوريا، فيما يعيش الدروز هاجسَ الطائفةَ المؤسِّسة والتي تحوّلت إلى أقلية مستهدفة، يُضاف إلى ذلك هواجس الدروز في الاقليم. إن اتفاقَ الطائف هو الضامن الوحيد الذي، من خلال تطبيقه بالكامل، يطرحُ الحلولَ لهذه الهواجس كافة من خلال تثبيت العيش المشترك وضمانة الجماعات وحقوق المواطنين. هناك واقع مشترك بين الجميع، وهو ثقافة الخضوع للأمر الواقع، حيث أن الجميع تأقلموا مع هذا الامر الواقع من أجل الحصول على مكاسب شخصية. لا جماعة أو طائفة خرجت عن استخدام "سلّم وصولٍ" خارجي على حساب الداخل اللبناني: تسلّق البعض سلّم الانتداب، وتناوب آخرون على منظمة التحرير واسرائيل وسوريا وايران. إن جوهر اتفاق الطائف يرتكز على: "لا شرعية لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

عندما يقول الدروز: “خلص… صار وقت السلام”
Por
مكرم رباح
Publicado
مايو 23, 2026 - 02:07

في الوجدان الدرزي عبارة تُقال عند لحظات التحوّل: “خلص… صار وقت نروح نبارك”. وفي سياق آخر قد تأخذ الغريزة نفسها شكلًا معاكسًا: “صار وقت نروح نعزّي”. ليست العبارة مجرّد مجاملة اجتماعية، بل هي ردّ فعل سياسي صنعته التجربة. معناها أنّ مرحلة انتهت، وأنّ مرحلة أخرى بدأت، وأنّ من يفهم العالم كما هو، لا كما يتمنّاه، عليه أن يتصرّف في الوقت المناسب. الدروز، تاريخيًا، كانوا شديدي الحساسية تجاه تبدّل الموازين. الجغرافيا علّمتهم ذلك، والتاريخ رسّخه، والبقاء حوّله إلى غريزة. لا يحتاجون دائمًا إلى بيانات رسمية من العواصم كي يعرفوا أنّ الريح قد تغيّرت. في أحيان كثيرة، يشعرون بها قبل غيرهم. من هنا، لا ينبغي أن تبدو الأرقام الأخيرة بحسب الاستطلاع التي تُظهر تأييدًا درزيًا واسعًا للتفاوض، بل حتى لاتفاق سلام مع إسرائيل، مفاجئة إلى هذا الحد. المفاجأة ليست في أنّ الدروز منفتحون على مسار سياسي جديد، بل في أنهم قالوا علنًا ما يعرفه كثيرون من اللبنانيين في السر: لغة الحرب الدائمة استنفدت نفسها. بحسب الأرقام، أيّد 72 في المئة من المستطلَعين الدروز التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وبينهم أكثرية أيّدت هذا الخيار بقوة. والأكثر دلالة أنّ 84.2 في المئة أيّدوا فكرة اتفاق سلام إذا وقّعه رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية، فيما أيّد 80.7 في المئة حصول تواصل بين رئيس الجمهورية ونتنياهو. هذه ليست أرقامًا هامشية، بل تعكس مزاجًا سياسيًا واضحًا: الجمهور الدرزي لا ينتظر إذنًا أيديولوجيًا كي يعترف بأنّ لبنان يحتاج إلى مخرج. لكن هذه الأرقام لا يجوز قراءتها بخفّة. تأييد الدروز للتفاوض لا يعني حبًا لإسرائيل، ولا يعني تنازلًا عن الذاكرة أو السيادة أو الكرامة الوطنية. إنّه، قبل أي شيء آخر، ردّ براغماتي على واقع ينهار. فالأرقام نفسها تُظهر جماعة تربط الاستقرار بعودة الدولة، وتعزيز الجيش، وإنهاء احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم. فقد منح المستطلَعون الدروز الجيش اللبناني وقائده واحدة من أعلى نسب التقييم الإيجابي، بلغت 93 في المئة، وأيّد 77.2 في المئة منهم نزع سلاح حزب الله، كما سجّلوا واحدًا من أكثر المواقف سلبية تجاه الدور الإيراني في لبنان، إذ وصفه 93 في المئة منهم بصورة سلبية. بهذا المعنى، الرسالة متماسكة. الدروز لا يقولون ببساطة: “نريد السلام مع إسرائيل”. ما يقولونه فعليًا هو: أعيدوا الدولة، أعيدوا الجيش، أعيدوا القرار، وأنهِوا هذه الحرب المفتوحة التي التهمت لبنان. هنا تحديدًا يتعمّد حزب الله وحلفاؤه تشويه النقاش. يريدون إلغاء كل الفوارق: السلام يصبح تطبيعًا، والتفاوض يصبح استسلامًا، وعودة سلطة الدولة تصبح هزيمة. في قاموسهم، أي محاولة لإخراج لبنان من منطق المواجهة الأبدية هي خيانة. وأي نقاش في المصلحة اللبنانية هو تآمر. وأي طرح لاستعادة الدولة حقها الحصري في قرار الحرب والسلم هو مشروع مشبوه. لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. أن تفاوض الدولة اللبنانية، بشروط سيادية واضحة، لا يعني أنّ لبنان يركع. قد يعني العكس تمامًا: أنّ لبنان، أخيرًا، يقف على قدميه بعد عقود صودر فيها قراره الوطني. يبدو أنّ الدروز فهموا هذه اللحظة. هم ليسوا أكثر حبًا لإسرائيل من غيرهم، وليسوا أقل تمسكًا بلبنان أو فلسطين أو القضايا العربية. لكنهم، تاريخيًا، كانوا من أكثر الجماعات اللبنانية قدرة على التمييز بين الشعار الذي يحمي والشعار الذي يعرّض للخطر. يعرفون متى تنفصل اللغة عن الواقع. يعرفون متى تتحول المقاومة من دفاع وطني إلى بنية هيمنة داخلية. ويعرفون متى تصبح كلفة الإنكار أكبر من كلفة تغيير المسار. لذلك يجب قراءة الموقف الدرزي بوصفه موقفًا براغماتيًا لا أيديولوجيًا. هو تصويت لوقف الحرب، لا لمحو التاريخ. تصويت لحماية لبنان، لا لتبييض صفحة إسرائيل. تصويت لاستعادة الدولة، لا للاحتفال بالتطبيع. ومع ذلك، يبدو أنّ هذا المزاج الدرزي العام يسبق جزءًا كبيرًا من القيادة السياسية الدرزية التقليدية. وهذا التردد مفهوم إلى حدّ ما. فالقيادة تحمل ذاكرة الحروب اللبنانية، والخيانات الإقليمية، والاغتيالات، والتحالفات المتبدّلة، والوعود المكسورة. وهي تعاني نوعًا من الصدمة التاريخية المتكررة. فكل منعطف حاد في لبنان له ثمن، وكل موقف متقدم يمكن استغلاله أو تشويهه أو المعاقبة عليه. لكن الحذر شيء، والشلل شيء آخر. السياسة ليست ذاكرة فقط. السياسة هي أيضًا القدرة على رؤية المستقبل وهو يصل. وإذا كان جزء كبير من الجمهور الدرزي يقول إنّ الوقت حان للخروج من أسر الحرب، فلا تستطيع القيادة أن تكتفي بإدارة الخوف. عليها أن تساعد في صياغة موقف وطني جدي: لا سلام خارج الدولة، لا تفاوض خارج السيادة، ولا قرار حرب أو سلم خارج المؤسسات الدستورية. غير أنّ المسؤولية الأكبر تقع هنا على الدولة اللبنانية. فاللبنانيون لا يُطلب منهم أن يندفعوا عاطفيًا نحو السلام. ولا يُطلب منهم أن ينسوا الاحتلال أو الدم أو التهجير أو القضية الفلسطينية. لكن إذا كان التفاوض مطروحًا، فمن واجب الدولة أن تشرح لماذا يمكن أن يكون السلام مصلحة لبنانية. عليها أن تقول ماذا يربح لبنان، وما الضمانات المطلوبة، وماذا يحصل بالأراضي اللبنانية المحتلة، وما هو دور الجيش، وكيف يمكن لأي اتفاق أن يحمي السيادة بدل أن يقوّضها. السلام لا يُباع كصفقة غامضة. السلام يحتاج إلى حجة وطنية. يحتاج إلى دولة تجرؤ على مواجهة آلة الترهيب والغباء التي تصرّ على تسمية كل خيار دبلوماسي “تطبيعًا”، وكل خروج من الحرب “هزيمة.” إنهاء الحرب ليس هزيمة. الهزيمة الحقيقية هي أن يبقى لبنان معلّقًا بين حرب لا يستطيع ربحها، وسلام لا يُسمح له حتى بمناقشته. الهزيمة الحقيقية هي أن يموت اللبنانيون، ويهاجروا، ويفقدوا ودائعهم وبيوتهم ومستقبلهم دفاعًا عن معادلات ممنوع عليهم مساءلتها. الهزيمة الحقيقية هي أن تكون للدولة راية واسم، لكن لا تكون لها سلطة. أما الانتصار، فقد يكون في أن يقرر لبنان أخيرًا أنّ مصلحته الوطنية ليست هامشًا في حسابات الآخرين. قد يكون الانتصار في القول إنّ الجنوب تحميه الدولة اللبنانية، لا الفوضى الدائمة. وإنّ الكرامة لا تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة، بل بقدرة البلد على حماية أهله وأرضه واقتصاده ومؤسساته. من هذه الزاوية، لا تبدو الأرقام الدرزية شذوذًا. إنها إنذار مبكر. جماعة صغيرة، خبيرة في النجاة من العواصف، تقول للبنان إنّ زمنًا ينتهي. هذا لا يعني أنّ السلام سهل أو مضمون أو بلا مخاطر. ولا يعني أنّ إسرائيل يجب أن تُمنح ثقة عمياء، أو أنّ المخاوف اللبنانية غير مشروعة. لكنه يعني أنّ الحرب لم يعد يجوز التعامل معها كقدر مقدس، وأنّ السلام لم يعد يجوز التعامل معه كجريمة. لعلّ الدروز، بطريقتهم الخاصة، قالوا ما لا تزال الدولة اللبنانية تخاف أن تقوله: خلص. صار الوقت، لا للذهاب إلى تهنئة إسرائيل، بل لتهنئة لبنان إذا استطاع أن يستعيد دولته. صار الوقت كي يتوقف التعامل مع السلام كاتهام، ومع الحرب كقدر. صار الوقت كي يقول أحد للبنانيين إنّ إنهاء الحرب، عندما تقرره الدولة وتحميه السيادة، ليس تطبيعًا مع العدو بقدر ما هو تطبيع مع فكرة أنّ لبنان يستحق أن يعيش.

التعذيب، من صميم النظام السوري البائد!
Por
يوسف معوض
Publicado
مايو 22, 2026 - 23:38

ما يدعو إلى الذهول تلك الترسانة، ترسانة أدوات التعذيب المدرجة على قائمة سجون النظام السوري! ذلك أن مختلف أجهزة المخابرات لم تتوقف عن العمل طوال أكثر من خمسين عاماً من الديكتاتورية الممدَّدة. وهكذا، ومن أجل ممارسة مواهبهم المنحرفة، وانتزاع الاعترافات من ضحاياهم، وقبل كل شيء ترهيب الناس، كان جلادو البعث يملكون خيارات متعددة بين «الدولاب» و«العبد الأسود» و«بساط الريح». ومن الصعب المفاضلة بين أساليب العذاب هذه، غير أن الوسيلة الثانية في القائمة بلغت من الوحشية حدّاً دفع منظمة العفو الدولية Amnesty Internationalإلى وصفها في تقريرها لعام 1984 على النحو الآتي: «الضحية، وهي مقيّدة، تُجلَس على جهاز يقوم، عند تشغيله، بإدخال شفرة معدنية ساخنة في الشرج». تأملوا جيداً هذا التاريخ، وتذكّروا من كان يحكم دمشق آنذاك. وذلك لسبب وجيه، إذ لا يزال هناك في لبنان من يحنّ إلى نظام حافظ الأسد، بل ويذهب، في سبيل تلميع صورة هذا المستبد، إلى حدّ الانتقاص من أداء ابنه بشار، الذي لم يكن، بحسب رأيهم، على مستوى المهمة التي أوكلها إليه والده. شتازي Stasi ألمانيا الشرقية، مدرّباً! ثمة ملاحظة أولية لا بد منها: إن مختلف فروع المخابرات، التي شكّلت أعمدة السلطة القائمة في دمشق، كانت قد خضعت لإشراف، إن لم يكن لتدريب مباشر، من قبل جهاز الشتازي Stasi في ألمانيا الشرقية، ذاك السيء الصيت، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي وحتى سقوط جدار برلين. غير أن اختلاف الثقافة بين جهازي الاستخبارات والقمع، لعب هنا دوراً مهماً (1). فقد كان عناصر الشتازي يرون أن نظراءهم السوريين اختاروا نموذجاً استعراضياً ومنهجياً للتعذيب، وأن أسلوب عملهم اتّسم بوحشية منفلتة و«عنف سادي فوري». بينما كانوا هم، بوصفهم فنانين متمرّسين على ضفاف الأنهر الألمانية، يفضّلون «التدمير النفسي، والمراقبة، والابتزاز». وهذا يعني أن أساليب عشيرة الأسد كانت، حتى بمقاييس ألمانيا الشرقية نفسها، تتسم بقسوة مفرطة، مجانية، ولا ضرورة لها. وفي هذا السياق، تكشف أرشيفات الشرطة السياسية لألمانيا التي كانت تُعرف بالديمقراطية الشعبية، والتي قام الباحثون والأكاديميون بدراستها، إلى أي مدى كانت «الممارسة السورية» محكومة بمنطق الانتقام والعصبية الطائفية والعشائرية، وهي أمور لم تكن مألوفة خلف الستار الحديدي (2). التعذيب، علامة الهوية للنظام لم يكن المعتقلون وحدهم في حال احتضار، بل كان شعب بأكمله يرزح تحت وطأة الرعب، شعب كان ينبغي إخراس كل أشكال المعارضة وكل نزعة إلى التمرد داخله عبر الإرهاب والترهيب. وفي يناير/كانون الثاني 2025، واستناداً إلى أكثر من ألفي شهادة، نشرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا تقريراً بعنوان «شبكة العذاب» أدانت فيه الممارسة المنهجية للتعذيب من قبل السلطة الحاكمة. ومع إطلاق العنان لغرائزهم، كان منفذو الأعمال القذرة يمارسون ما يلي: «الضرب المبرح، والصدمات الكهربائية، والحروق، واقتلاع الأظافر، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، وحرمان المعتقلين من الرعاية الطبية، والتعذيب النفسي». هذا فضلاً عن الاعتقالات التعسفية وعمليات التصفية الجماعية. محاكمات دمشق أو ساعة الحساب لقد طُويت صفحة! فالناجون من النظام السجني السوري باتوا اليوم يتحدثون بحرية على وسائل التواصل الاجتماعي. وقريباً، ستتولى جلسات المحاكم متابعة ما بدأته المدونات الصوتية، لتكشف لنا بالتفصيل أهوال ماجرى في مراكز الاعتقال. ومن حزب البعث في سوريا كما في العراق، لن يبقى في الذاكرة سوى القمع والرعب والجرائم. فلم تعرف الحريات يوماً فرصة للنموّ لا في عهد صدام ولا في عهد آل الأسد! وكما أنه لا يمكن تخيّل هتلر من دون المحرقة ، ولا ستالين من دون الغولاغ، فكذلك يصعب جداً ذكر حافظ أو بشار من دون استحضار التعذيب المشين! John O. Koehler, “Stasi: The Untold Story of the East German Secret Police,” Basic Books, 1999. Sophia Hoffmann, “Intelligence Fields: The Relations of the East German Stasi and Syrian Mukhabarat” (1960–1990), Leibniz-Zentrum Moderner Orient Publications, Berlin.

إيران ولبنان: جبهتان لحرب واحدة؟
Por
جان باتريك دايراس
Publicado
مايو 19, 2026 - 14:23

تتجه التصريحات المتقلبة والمواقف المتناقضة للرئيس دونالد ترامب نحو إعادة صياغة العلاقات مع الأوروبيين، وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحلفاء الولايات المتحدة على حد سواء. ولن تمر دون أن تثير ردود فعل واضحة من دول منطقتي المحيط الهادئ والشرق الأوسط، التي كانت ترى في الحماية الأميركية ضمانة موثوقة. وفيما ينحو الغربيون نحو الاعتدال، يطمح هؤلاء إلى حجز دور لهم في ترتيبات أمن مضيق هرمز غداة وقف الأعمال العدائية. فهل ستكون الولايات المتحدة خارج اللعبة الإقليمية لمصلحة حامٍ آخر غير متوقع؟ وهل تسوية الملف اللبناني ستتحقق مع فرنسا؟ أم مع أوروبا أم بدونها؟ عقب التدخل الأميركي والإسرائيلي ضد إيران في 28 شباط 2026، والذي لم يُحط علمًا به رؤساء دول أو حكومات البلدان الغربية والأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، طلب الرئيس دونالد ترامب من هؤلاء دعمه عبر المشاركة في حفظ الأمن بضيق هرمز، وتقديم دعم مباشر للعمليات الأميركية. إلا أن غالبية رؤساء الدول والحكومات رفضوا ذلك. وجاء رد فعل الرئيس ترامب واضحاً، وإن بدا فاقداً للترابط؛ فبعدما اعتبر أن الأمر يشكل خطأً فادحاً ووصف الدول الأوروبية بالجبن، أكد أنه ليس بحاجة إليها وأنه سيتحرك بمفرده، لكونه "الأقوى في العالم". وفي مبالغة إضافية، أعلن أن حلف الناتو من دون الولايات المتحدة سيكون "نمراً من ورق". حتى أنه أثار فكرة الانسحاب من الحلف، ملوّحاً بذلك بتهديد التحلل من واجباته كعضو، لا سيما ما يتعلق بتطبيق المادة الخامسة من معاهدة المنظمة. وتحديداً لأبعاد تصريحاته، أوضح أنه يعيب على الحلفاء عدم دعم الولايات المتحدة في حالات الأزمات، والاستفادة من تحالف يسير في اتجاه واحد؛ وبناءً على ذلك، ما الذي يدفعه إلى الدفاع التلقائي عنهم؟ ثم أطلق تهديداته المتمثلة في سحب جزئي للقوات الأميركية المتمركزة في أوروبا، ومطالبه بالدعم التي شملت المشاركة في الحصار البحري المفروض على إيران. وبعدما عبرت دول عدة عن موقفها الرافض في هذا الصدد، حظرت أجوائها أمام الطائرات الأميركية المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. غياب التناسق تفتقر تصريحات الرئيس ترامب إلى التناسق؛ فبعد حاجته إلى الدعم، بل والمشاركة الفعالة، يبدي فجأة تجاهلاً مدفوعاً بالازدراء، بحجة أن الولايات المتحدة – "الأقوى في العالم" – قادرة على كسب هذه الحرب بمفردها. وهنا تبرز فكرة الحرب التي يتذرع الرئيس الأميركي بشأنها بوجوب إيفاء أعضاء الناتو بالتزاماتهم بناءً على المعاهدة التأسيسية. إلا أنه هو نفسه من أشعل فتيل هذه الحرب – بتحريض من إسرائيل، الشريكة في القتال. وبالتالي، فهو المعتدي. وبما أن وظيفة حلف شمال الأطلسي "دفاعية"، فإن المادة الخامسة لا تنطبق على هذه الحالة بالذات. وحتى في المرات التي تدخل فيها الحلف سابقاً، لم يفعل ذلك إلا بتفويض من الأمم المتحدة. وفجأة، يرى الرئيس الأميركي أن التدخل ليس من شأن الناتو، ويريد إبقاء الحلف خارج هذا النزاع، ثم يعود ليمارس الضغط على الحلفاء، معلناً في الوقت عينه أنه سيتصرف بمفرده لقدرته على ذلك. وفي الواقع، هو يريد دعماً تشاركياً من حلفائه، ولكن من دون أن يأتي هذا الدعم تحت مظلة الناتو . والنتيجة هي نشوء شكوك حول مدى موثوقية الضمانات المعلنة والرسمية في كل مكان تلعب فيه الولايات المتحدة دور الحامي. ولا يقتصر هذا الشك على دول الناتو والأوروبيين؛ فدول المحيط الهادئ – وفي مقدمها اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – باتت تشكك حتماً في الدعم الأميركي المضمون في حال حدوث تدخل صيني. وينطبق هذا الأمر أيضاً على تايوان، وإندونيسيا، والفلبين، ودول الخليج العربي، لاسيما السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان. عندما يقدم رئيس دولة، يُفترض أنه "الأول بين متساوين" داخل حلف الناتو، على إشعال نزاع قد يؤدي إلى حرب عالمية، فلا يمكنه أن يطلب من أعضاء المنظمة اللحاق به ودعمه، والمشاركة الفعالة في العمليات العسكرية بشكل أعمى. كما لا يمكنه، بعدما عاملهم بأسلوب غير لائق ومبتذل وجارح – وهو يخاطب مسؤولين منتخبين، وبالتالي الشعوب التي يمثلونها – أن يعلن بنبرة ازدراء أنه قادر على التصرف بمفرده ولا يحتاج إليهم. وفي كل الأحوال، لا بد من الإشارة إلى أن أعضاء الناتو، وإن لم يتبنوا موقفاً جامعاً، وإن شهدت صفوفهم بعض الخلافات، يجدون أنفسهم اليوم على الموجة نفسها، إن لم تكن متطابقة، وتشاركهم في ذلك دول من منطقة المحيط الهادئ. إذ إن مشروع ضمان الأمن في مضيق هرمز، بعد وقف الأعمال العدائية، يجمع عدداً كبيراً منهم. أما العالم أجمع، بما فيه الشرق الأدنى والأوسط، وبالتالي لبنان، فيمكنه تلمّس ضبط النفس الذي تعتمده روسيا والصين. وبطبيعة الحال، سيكون من السذاجة الاعتقاد بأنهما لا تتحركان في الكواليس وفقاً لمصالحهما الخاصة. إلا أن موقفهما، الشبيه بموقف الأوروبيين وحلفاء الولايات المتحدة والقائم على عدم المشاركة في العمليات العسكرية، يبعد خطر الانزلاق نحو مواجهة قد تأخذ أبعاداً عالمية. لا يسعنا إلا تأييد الموقف العام الذي تبنته الحكومات الأوروبية، ودول الناتو، ودول المحيط الهادئ الرئيسية المعنية، مع عدم إغفال التزامها المبدئي بهدف ضمان الأمن في مضيق هرمز، والذي سيكون من الجيد توسيعه ليشمل بحر عمان والخليج العربي، ومن ثم البحر الأحمر بأكمله. وإذا تحقق ذلك، فلن يكون أمامنا سوى الإشادة بحكمتها. فهل من الوهم، أو من قبيل الخيال، الاعتقاد بأن الإيرانيين قد يأخذون هذا الموقف المشترك في الاعتبار خلال محادثات السلام؟ وقد يظن المرء أن الأمر في لبنان يتعلق بالحرب نفسها؛ فالأطراف الفاعلة تبدو هي نفسها للوهلة الأولى. فمن جهة، هناك حزب الله الذي يتحرك بتوجيه من إيران، وإسرائيل بصفتها ممسكة بزمام اللعبة، وخلفها الولايات المتحدة التي تتخذ حالياً موقع المعتدل. ومن جهة أخرى، نجد إيران الممسكة بزمام اللعبة مهما قيل، والولايات المتحدة كطرف رئيسي آخر، وإسرائيل التي تحولت من محرض أُعيد إلى حجمه لاحقاً، إلى تابع. غير أن الفوارق تظل جوهرية فيما يخص مستقبل هاتين الجبهتين؛ فإحداهما إقليمية والأخرى عالمية. والأولى تستبعد أوروبا، وتحديداً فرنسا، في حين تستبعد الثانية حالياً أوروبا والتحالف المرتقب الذي يضم نحو أربعين دولة – من بينها دول المحيط الهادئ. تبدو المعضلة الإيرانية مستعصية على الحل، نظراً لأن المطالب الأميركية – المحقة – تتعارض كلياً مع الشروط التي يدافع عنها الحرس الثوري بقوة، وهو الذي بات يمسك بمقاليد البلاد. وبعيداً عن هذه المطالب غير المتوافقة حتى الساعة، فإن سلوك دونالد ترامب في مجالات التحليل، والدبلوماسية، والخبرة في مثل هذه المفاوضات، يبدو بعيداً كل البعد عما تقتضيه الحاجة؛ فهو لا يملك ما يقدمه سوى العنف. وإذا ما لجأ إليه، فعلينا ألا نتوقع تدخلاً مباشراً من الروس والصينيين. أما في المرحلة المقبلة، فإن السلوك والقرارات التي سيُضطر إلى اتخاذها ستترك تداعيات واضحة على إدارة الشؤون الدولية وحل النزاعات بين الدول. من المحتمل جداً أن يفوز دونالد ترامب، ولكن مقابل أي تنازلات؟ ومن وماذا سيضحي به قبل تشرين الثاني؟ المرجح أن الفائز الحقيقي على المدى الطويل سيكون إيران. وفي سلم المخاطر، يتقدم "المرجح" على "المحتمل". ألا يمكن أن يؤدي التشكيك العميق من جانب دول الخليج في موثوقية الحماية الأميركية إلى استبدال القواعد الأميركية؟ وبأي حامٍ؟ المؤكد أن الصين وروسيا ستستفيدان من ذلك. وإذا ما قررت فرنسا مساندة لبنان في موقف الحزم الذي ينتهجه رئيسه من الآن فصاعداً، فعليها أن تفعل ذلك بقناعة وثبات؛ إذ لم يعد هناك مجال لأنصاف الحلول. نحن إذن أمام حربين مختلفتين يجب تنسيق حلولهما؛ إحداهما يمكن معالجتها بشكل منفصل، والأخرى لا. فهل سيأخذ الرئيس ترامب ذلك في الحسبان خلال "الجولة" النهائية من المفاوضات مع الحرس الثوري؟ "إن أكثر ما تغير هناك ليس الصين، ولا روسيا، بل أوروبا التي لم يعد لها أي وزن" (أندريه مالرو –خاتمة كتاب "الغزاة"). وبدلاً من الانحياز المفرط لأوكرانيا بأوكرانيا وعدم التفكير إلا في أسعار النفط عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، ينبغي للأوروبيين ولفرنسا أن يطمحوا إلى تعزيز "سلام راسخ" في لبنان.