


بعد أن حظي العماد جوزاف عون ببركة واشنطن، ها هو في أواخر تموز يُستقبل في أنقرة استقبال الرؤساء، حيث أُحيط بكل ما يليق بمنصبه من مظاهر التكريم. فالسجاد الأحمر وطلقات المدفع، وحرس الشرف الرئاسي وهو يؤدي التحية العسكرية (Süngü tak)، ليست تفاصيل عابرة في نظر عسكري محترف كرئيس الجمهورية اللبنانية. ومن البديهي أنه لن يكون من أولئك الذين يفتعلون الخلاف مع وفد تجاري تركي، كما فعل الرئيس إلياس الهراوي في مستهل ولايته.
ومن يذكر اليوم تلك المشادة التي وقعت بين "أبو الياس" والوفد التركي، الذي جاء لبنان متحمساً لتطوير العلاقات الاقتصادية والثقافية مع طرابلس، لكنه ارتكب، خطأً حين ذكّر بالروابط التاريخية التي جمعت المدينة الشمالية بتركيا؟ لاأحد يعلم ما الذي أثار حفيظة رأس الدولة آنذاك، فأعلن بغضب أن لبنان دولة ذات سيادة – يا للمفارقة! – ولن يسمح بعودة النفوذ العثماني إلى ربوعه، ولا بإقامة علاقة مميزة بين أنقرة ومنطقة لبنانية على حساب الدولة المركزية. وقد أثارت تلك الحادثة سخرية بعض الأوساط التي استهجنت موقف رئيس الجمهورية، في وقت لم تكن فيه غرف التجارة تسعى إلا إلى إحياء علاقات التبادل والازدهار بينها.
طرابلس الشام ولبنان الكبير
طُويت صفحة ذلك الحادث منذ زمن بعيد، غير أن بعض التساؤلات عادت إلى الواجهة مع زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس في الثاني من تموز الماضي. فقد أوحى الحماس الشعبي الذي استُقبل به بأن المدينة قد تتطلع إلى مصير غير لبناني! وللتذكير، فإنها حملت عبر التاريخ اسم طرابلس الشام، كما أنها عارضت الانتداب الفرنسي، ولم تتقبل بسهولة ضمها إلى دولة لبنان الكبير. ومع ذلك، ينبغي ألا نتسرع في استخلاص الاستنتاجات، فالجماهير معروفة بردود فعلها العاطفية، وكانت طرابلس قد عانت طويلاً من الاحتلال البعثي، بحيث كان من الطبيعي أن تعبر، عند أول فرصة، عن ضيقها وإحساسها بالتحرر.

الخريطة الكاملة لسناجق ولايتي بيروت وسوريا عام 1909. كانت ولاية بيروت تضم سناجق نابلس وعكا و«بلاد بشارة» (التي تقابل حاليًا جنوب لبنان، أو جبل عامل)، إضافة إلى مدينة بيروت وسنجقي طرابلس الشام واللاذقية. وكانت تسمية «طرابلس الشام» تُستخدم لتجنّب الخلط بينها وبين مدينة عثمانية أخرى هي طرابلس الغرب، أي مدينة طرابلس الحالية في ليبيا، التي احتفظت بهذا الاسم. (ويكيميديا كومنز)
وفي خضم الاحتفاء بالشيباني، ذهب أحد أبناء طرابلس إلى القول:"لو دخلت القوات التركية اليوم شوارع مدينتنا، لاستُقبلت وسط أفراح عارمة." ولو صحّ ما يقوله هذا المراقب، لكانت المباني قد ازدانت بالأعلام الحمراء التي تحمل الهلال والنجمة، أعلام الإنكشارية في الدولة العثمانية. وفي هذه العبارة شيء من الحقيقة، وإن كان من باب الشعور والانفعال أكثر منه من باب السياسة: فالمدينة عانت، في عهد حافظ الأسد وابنه بشار، من إخضاع قاسٍ لسكانها، ومن هيمنة طائفية على مفاصلها الاقتصادية الحيوية.
ولكن، هل يعني ذلك أن تركيا ستتدخل في لبنان باسم ما يُسمى بالعثمانية الجديدة، أو استعادة حكم السلطنة، أو بدافع مشروع الإخوان المسلمين؟
إمبريالية عثمانية جديدة أم مجرد تمدد اقتصادي؟
مهما تكن أهداف أنقرة، فإنها لن تتجسد إلا ضمن رؤية إقليمية شاملة تشمل الفضاء السوري–اللبناني–الأردني بأسره. وقد يثير ذلك المخاوف والهواجس في لبنان كما في غيره. ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن حزب العدالة والتنمية، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وإن كان يستحضر أحياناً أمجاد الدولة العثمانية، فإنه يفعل ذلك في الغالب لأغراض انتخابية وسياسية داخلية. ولا يخطر ببال النخب التركية الجدية إعادة بناء إمبراطورية كانت تمتد على ثلاث قارات، خصوصاً بعدما قدّمت مغامرة فلاديمير بوتين في أوكرانيا درساً بليغاً لكل دعاة التوسع العسكري. على الأقل، هذا ما نأمل!
ويقال أيضاً إن الحضور التركي يتركز أساساً في إطار القوة الناعمة، إذ أصبحت قصة النجاح الاقتصادي التركي نموذجاً يحتذى به لدى كثير من رجال الأعمال في الشرق الأوسط. وهذا احتمال وارد، خاصة بعد أن فقدت النزعة القومية العربية، بما حملته من عداء للأتراك، كثيراً من قدرتها على التعبئة، ولم يعد التركي يُحمّل مسؤولية أربعة قرون من التراجع العربي.
لكن تركيا لا تستطيع أن تكتفي بالنجاحات الاقتصادية وحدها. فهي ليست سنغافورة ولا دبي، ولا يمكنها أن تحصر دورها في أن تكون مركزاً مالياً، ولا سيما أنها باتت قوة إقليمية ذات نفوذ، وصارت صناعتها العسكرية تحتل موقعاً متقدماً في سوق السلاح العالمية.
سوريا... البوابة الرئيسية للنفوذ التركي
أليست أنقرة، عملياً، الراعي الأول لنظام أحمد الشرع؟ ويجيب البعض بأن تركيا، مهما قدمت من دعم عسكري وسياسي واقتصادي، فلن تتمكن من تحويل النظام السوري إلى مجرد وكيل proxy مطيع لها. كما أن السياسة "الأموية" تبدو ماضية في تنويع وتعميق علاقاتها مع دول الخليج. ثم إن الخيلاء التركية كفيلةٌ، في نهاية المطاف، بكبح اندفاعة أي مسؤول سوري يبدي استعداداً مفرطاً للخدمة والتعاون.

خريطة تعود إلى عام 1913، تظهر ولايتي سوريا وبيروت. وفي الوسط، باللون الأخضر، متصرفية جبل لبنان. (ويكيميديا كومنز)
ومع ذلك، فإن النفوذ التركي في لبنان، في الظروف الراهنة، لا يمكن تصوره إلا من خلال محور أردوغان–الشرع، ولا سيما أن أنقرة تخشى أن تمنح الولايات المتحدة إسرائيل حصة وازنة من "كعكة" الشرق الأوسط، هذه المنطقة الوسطى التي ما زالت تبحث عن توازنها المفقود.
إنها مهمة شاقة تنتظر الرئيس التركي في بلاد الشام. فعليه أولاً أن يواجه النفوذ الإيراني بأبعاده العقائدية والعسكرية والمالية والمذهبية، إذ ستسعى طهران على الأرجح إلى استعادة موطئ قدمها في سوريا، وإعادة فرض نفوذها في لبنان. لكن إذا خرجت دولة الملالي نهائياً من المشهد، فسيجد أردوغان نفسه أمام فراغ سيتوجب عليه ملأه. وليس هذا فحسب، فكلما اندفعت تركيا جنوباً، وجدت نفسها وجهاً لوجه مع إسرائيل، وهي الدولة التي تتدهور العلاقات معها يوماً بعد يوم، والتي لاتقل صعوبة كشريك عنها كخصم1.
وخلاصة القول، إذا كان الرئيس أردوغان قد عزز موقع العماد جوزاف عون2، فإنه في الوقت نفسه يواصل ترسيخ أركان نظام أحمد الشرع. فعندما تدق الساعة التركية، ستكون سوريا المكمّل الاستراتيجي لأنقرة، وذراعها العسكرية، وربما أيضاً وكيلها الإقليمي.
1أعلن رجب طيب أردوغان في حزيران الماضي أن أمن بلاده "لا يبدأ في ولاية هاتاي، بل في حلب ودمشق وبيروت"، مؤكداً أن تركيا لن تتسامح مع أوهام "أرض الميعاد". كما اعتبر أن "الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ولبنان بلغت مستوى بات يهدد تركيا نفسها".
2خلال المحادثات التي جرت في أنقرة، وعد أردوغان الرئيس جوزاف عون بإرسال قوات تركية في إطار تحالف عسكري أوسع، لتحل محل قوات اليونيفيل التي تنتهي مهمّتها في نهاية العام.