شعار Levant Time

رأي

شيخ نعيم...  حصرية السلاح تبدأ من تلة علي الطاهر
بقلم
نجيب زوين
نُشر
أغسطس 5, 2026 - 18:24

قبل كل شيء، يجدر بك، يا شيخ نعيم، أن تدرك أن اللبنانيين جميعًا يدفعون اليوم ثمن رعوناتكم السياسية، وتبعيتكم العمياء لإيران، وقراراتكم الأحادية التي زجّت لبنان في حروب لم يقرّرها شعبه ولا دولته. فمن أوصل البلاد إلى هذا الواقع الأليم، ومن أعاد الاحتلال الإسرائيلي إلى أجزاء من الجنوب، ليس من يسعى اليوم إلى إنقاذ لبنان، بل من خضع للأوامر الإيرانية وأعلن الحرب منفردًا، خارج مؤسسات الدولة وقرارها. إن من باع الجنوب للمواجهة المفتوحة، وعرّض اللبنانيين للدمار والتهجير، هو من قرر جرّ لبنان إلى حرب خدمةً للمشروع الإيراني، وليس من يعمل اليوم على إخراج البلاد من أزمتها واستعادة مؤسساتها. أما من يحاول إنقاذ ما تبقى من الوطن، فهو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء، اللذان يسعيان إلى استعادة القرار السيادي للدولة وإخراج لبنان من دوامة الحروب. ويكفي مثالًا على ذلك طرح رئيس الجمهورية تسلّم الجيش اللبناني منشأة تلة علي الطاهر، وهو الطرح الذي قوبل بالرفض من جانبكم، رغم قبوله من الجانب الإسرائيلي. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن أهمية التلة، فهذه مسألة محسومة، بل عن سبب رفضكم تسليمها إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية. • هل لأنها تشكل أعلى نقطة إشراف على أجزاء واسعة من الجنوب، ومن يسيطر عليها يمتلك أفضلية حاسمة في المراقبة وإدارة النيران؟ • أم لأن بما تحتويه من بنى عسكرية وتحصينات وأنفاق يمثل استثمارًا عسكريًا بُني على مدى سنوات طويلة، بحيث إن تسليمها يعني خسارة أحد أهم عناصر القوة الميدانية؟ • أم أن السبب الحقيقي يكمن في أن تسليمها إلى الجيش اللبناني يعني، عمليًا، الإقرار بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وانتقال القرار العسكري إلى السلطة الشرعية؟ مهما تكن الإجابة، تبقى المفارقة صادمة. فإذا كان الخيار محصورًا بين أن تُسلَّم التلة إلى الجيش اللبناني أو أن تُدمَّر على يد إسرائيل، فكيف يصبح الخيار الإسرائيلي أقل سوءًا من الأول؟ وكيف يمكن تفضيل تدمير العدو لموقع لبناني على انتقاله إلى عهدة المؤسسة العسكرية اللبنانية؟ لا ينبغي أن يغيب عن بالك، يا شيخ نعيم، أنكم تترأسون ميليشيا مسلحة خارج إطار الشرعية اللبنانية، وهو واقع لا تغيّره الخطابات ولا حملات التخوين. إن حصرية السلاح بيد الدولة ليست شعارًا سياسيًا، بل هي مبدأ سيادي ودستوري لا رجعة عنه، وسيُنفَّذ مهما طال الزمن. وأخيرًا، فإن المفاوضات المباشرة التي تقررها الدولة اللبنانية، انطلاقًا من سيادتها ومصلحتها الوطنية، ليست تنازلًا، بل أداة من أدوات استعادة الحقوق، وهي الطريق الأقل كلفة لتحرير الأرض، واستعادة الأسرى، وإعادة إعمار ما دمّرته الحروب التي فُرضت على لبنان خدمةً لمشاريع لا تمت إلى المصلحة الوطنية بصلة.

انتصار روسي أم أوكراني، ما هي التداعيات على الشرق الأوسط؟ (5/5)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
أغسطس 2, 2026 - 21:12

لا تزال الحرب في أوكرانيا تتصدر نقاشاً واسعاً تُغذّيه، في جملة ما يُغذّيه، قصفٌ شبه يومي يستهدف من كلا الطرفين المراكز الحيوية، وتحديداً العاصمتين الروسية والأوكرانية. ولفهم الأبعاد المختلفة لهذا النزاع العتيق فهماً أعمق، لا بدّ من العودة إلى مقدماته وجذوره، والكشف عن دوافع وطموحات الأطراف المعنية المختلفة، ولا سيما الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، الممتدة لتشمل جميع دول حلف الناتو باستثناء تركيا)، مع استحضار بدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى سلام أو على أقل تقدير إلى مفاوضات، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المسؤوليات في هذا السياق متعددة ومتشعبة. وللإحاطة الشاملة بخلفيات الجوانب المتعددة للحرب في أوكرانيا وتداعياتها، ثمة تساؤلات جوهرية ينبغي طرحها من البداية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة للغرب؟ وما الانعكاسات الفعلية المحتملة لفوز حاسم لأحد الطرفين؟ وما التبعات التي ستترتب على ذلك بالنسبة للغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمس مقالات، جان-باتريك دايراس ، نائب أمير البحر في البحرية الفرنسية، يعرض رؤيته وتحليله للمسألة. تتوقف تداعيات الحرب في أوكرانيا على الشرق الأوسط إلى حدٍّ بعيد على مآلات النزاع، وتحديداً على الكيفية التي سينتهي بها (اتفاق تفاوضي، أو وقف لإطلاق النار، أو انتصار عسكري حاسم). إذا انتصرت أوكرانيا بالنسبة لإيران ستجد إيران، التي زوّدت روسيا بطائرات مسيّرة وعزّزت تعاونها العسكري مع موسكو منذ عام 2022، شريكها الإقليمي في موقع ضعف. وقد يُقيّد ذلك بعض أوجه التعاون التكنولوجي والعسكري، غير أن إيران ستبقى محتفظةً بشركاء آخرين وقدراتها الذاتية. بالنسبة لإسرائيل قد ترى إسرائيل في إضعاف روسيا تراجعاً للنفوذ الروسي في سوريا، بيد أن ذلك قد يُفرز حالة من عدم اليقين إن سعى أطراف آخرون إلى ملء هذا الفراغ. بالنسبة لسوريا قد يُفضي تراجع القدرة الروسية على الإسقاط العسكري إلى تقليص الانخراط العسكري أو المالي الروسي في سوريا، مما قد يُعيد رسم موازين القوى بين الحكومة السورية وإيران وتركيا. بالنسبة لدول الخليج ستسعى دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الأرجح إلى الحفاظ على علاقاتها مع جميع القوى الكبرى. غير أن روسيا في موضع الضعف قد تفقد بعض نفوذها في ملفات الطاقة والدبلوماسية. إذا انتصرت روسيا تعزيز محور موسكو-طهران سيُعزز الانتصار الروسي التعاون بين روسيا وإيران في المجالات العسكرية والطاقة والدبلوماسية. سوريا قد تكون روسيا في وضع يُمكّنها من الحفاظ على دورها الداعم للحكومة السورية بل وتعزيزه، وفقاً لما ستتوفر لها من موارد عقب النزاع. إسرائيل ستواصل إسرائيل التكيّف مع الوجود العسكري الروسي في سوريا، وستحرص على صون آليات التنسيق مع موسكو في الوقت الذي تحافظ فيه على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. تركيا ستواصل تركيا على الأرجح سياسة التوازن بين روسيا والدول الغربية، إذ أثبتت على مدى سنوات قدرتها على التعاون مع موسكو في ملفات بعينها مع بقائها عضواً في حلف الناتو. تداعيات أخرى الطاقة أياً كان المنتصر، فإن التداعيات على أسواق النفط والغاز ستتوقف أساساً على: مسار العقوبات أو تكاليف التعويضات والمسؤولية عنها. طاقات الإنتاج والتصدير. قرارات منظمة الدول المصدرة للبترول وشركائها (أوبك+)، التي تضطلع روسيا فيها بدور محوري. ستواصل دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط تكييف استراتيجياتها وفقاً للأسعار العالمية ومستويات الطلب. النفوذ الأمريكي قد يُعزز انتصار أوكراني مصداقية الولايات المتحدة لدى بعض الحلفاء الإقليميين، في حين قد يُغذي انتصار روسي تساؤلاتٍ جدية حول قدرة واشنطن أو استعدادها لدعم حلفائها على المدى البعيد. غير أن هذه التصورات ستتوقف أيضاً على عوامل أخرى، في مقدمتها السياسة الأمريكية في المنطقة في مرحلة ما بعد ترامب. تجدر الإشارة إلى أن انتصاراً روسياً مقروناً باتفاق مُجدٍ لإيران من شأنه أن يُعيد رسم خارطة التحالفات والشراكات في الشرق الأدنى والأوسط بصورة جذرية، ولا سيما بالنسبة لدول الخليج العربي الفارسي كافة. ولا يزال من السابق لأوانه حصر جميع الاحتمالات، إلا أن المخاوف باتت تلوح في أفق عدد من دول الخليج، مما قد يدفعها إلى إعادة النظر في شراكاتها ومنظومة أمنها. إنه تحوّل كبير يلوح في الأفق! منطقة تحكمها ديناميكياتها الخاصة لا بد من التأكيد على أن الشرق الأوسط يتأثر بعوامل عديدة لا تمت بصلة مباشرة إلى الحرب في أوكرانيا، من أبرزها: العلاقات بين إيران والدول العربية، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والأوضاع في سوريا، والتنافسات بين القوى الإقليمية، فضلاً عن أسواق الطاقة. سيترك أي انتصار روسي أو أوكراني بصماته على التوازنات الدبلوماسية والعسكرية في الشرق الأوسط، لكنه لن يحدد وحده مسار تطور المنطقة. وستتمحور أبرز التداعيات المحتملة حول مكانة روسيا في سوريا، وعلاقاتها مع إيران، والحسابات الاستراتيجية لتركيا ودول الخليج، إضافة إلى التصورات المتعلقة بالدور الأمريكي. ستكون هذه التبعات بالغة الأهمية، لكنها ستندرج ضمن منظومة أوسع من الديناميكيات الإقليمية القائمة أصلاً. مجدداً، تحوّل كبير قادم! وماذا عن أفريقيا؟ أمنسيّة؟ ستطال تداعيات كلا السيناريوين قارة أفريقيا بأسرها. فنفوذ الصين والهند والإمارات وتركيا تحديداً سيشهد تحولات متفاوتة الحجم، وإن كانت أعمق وأوسع في حال الهزيمة الروسية. مجدداً، تحوّل كبير ينتظرنا... الرابح الصين، التي تزداد دعماً لروسيا يوماً بعد يوم. فطالما استمرت هذه الحرب، ظلّت أعين الغرب مصروفةً عن آسيا. وفي هذه الأثناء، تقدّم الولايات المتحدة مشهداً مؤسفاً من مفاوضات فاشلة مع إيران. وأسلحتها التي ستكون الأكثر استخداماً في مواجهة الصين دفاعاً عن تايوان باتت مستنزفة، ولن تقل مدة إعادة تكوين مخزوناتها عن ثلاث سنوات. الخاسر إن انتصرت الصين، فلن يكون أمام الولايات المتحدة إلا الخسارة. ولنخشَ أن يقال يوماً ما: «ما الذي تغيّر منذ عام 2022؟ تغيّرت الولايات المتحدة؛ لقد توقفت عن أن تكون قوة مؤثرة». العودة إلى الوراء أولى محطات العودة إلى الوراء تكمن في مرحلة ما بعد الميدان. كان بالإمكان فتح حوار مع روسيا، وإتاحة الفرصة أمامها لاستيعاب إمكانية أن تتحول أوكرانيا إلى دولة أو دولتين مرتبطتين بأوروبا، مع إبقاء حلف الناتو بعيداً تماماً عن المفاوضات. لكان ذلك يستغرق وقتاً بلا شك، غير أن الوقت لم يكن شحيحاً بين عامَي 2014 و2022. وكان لتحقيق ذلك ضرورة التشاور بين جميع دول الاتحاد الأوروبي والبريطانيين، والتوصل إلى موقف مشترك وتبني موقف عام ذي مصداقية. لا مفاوضات سرية مع الولايات المتحدة التي تحمل ماضياً مبهماً وسياسة قاصرة عن الإبصار: التخلي عن قوة الفصل في بيروت عام 1982 دون التوصل إلى حل، ثم انسحب الإيطاليون وبقي الفرنسيون وحدهم؛ والانسحاب من أفغانستان دون إنذار مسبق أو مخرج واضح للأزمة. لا يسعنا إلا التشكيك في السياسة الجيوسياسية الأمريكية المليئة بالإخفاقات والأخطاء، بل والخطايا. هذا البلد لا يحركه سوى مصالحه الاقتصادية، اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فعلى مر العصور لم يرتكبوا إلا الأخطاء، باستثناء حقبة كيسنجر، تلك الفترة الوجيزة وحدها. من الوهم بطبيعة الحال الاعتقاد بأن ذلك كان ممكناً. لا ينبغي أن ننسى أن دول الاتحاد السوفيتي السابق انضمت إلى الاتحاد الأوروبي أولاً للدخول في حلف الناتو، ثم للاستفادة من الدعم المالي الذي توفره أوروبا على حساب دافعي الضرائب الأوروبيين. كان يتعين على دول أوروبا الغربية (فرنسا، ودول البنيلوكس، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، والبرتغال) والبريطانيين أن يكونوا قادرين على اتخاذ قرار حاسم ونهائي بعدم التصرف كأتباع للولايات المتحدة (وهذا بالطبع يعني فرنسا في درجة أقل). كان يجب إذن أن تكون فرنسا قوية وحازمة لتحفيز هذه الدول على الانضمام. وهو ما لم يكن. لم يكن بمقدور هذا السيناريو البديل أن يتحول إلى واقع إلا مع ديغول، وربما بومبيدو، أو ميتران أو شيراك. لا مع سواهم. كان يستلزم رؤية استراتيجية وجيوسياسية بعيدة المدى، بعيدة جداً، من قِبل رؤساء دول تلك البلدان. ولهذا لم تكن له أي فرصة في التحقق. غير أنه كان خياراً جيداً، بل ممتازاً، لصون السلام وتعزيز القوة الاقتصادية والعسكرية للاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على سيادة كل دولة عضو وتوفير ضمان حقيقي لها. كان بإمكان السيناريو البديل الثاني أن يتحقق لو أن رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والبريطانيين فرضوا على أنفسهم التعاون وتبني دور الوسيط، للسماح لتركيا بالتوصل إلى قبول سلام يضمن للدولتين المتحاربتين مصالحهما المشتركة. لم يمتلك الأوروبيون هذه الشجاعة، ولا البُعد النظري الذي كانت تستدعيه الحالة، فأتاحوا لبوريس جونسون - المحتمل أنه كان في مهمة مُوجَّهة من الولايات المتحدة - أن يُجهض بوادر اتفاق سلام كانت في طور التشكل. يتحمل كل هؤلاء الرؤساء والزعماء مسؤولية ملايين القتلى والجرحى والمفقودين والعائلات الثكلى والحيوات المحطمة. من سيُخبر الشعوب بذلك قبل أن تنتخب أي مرشح من الآن فصاعداً؟ مستقبل أوروبا، بوصفها دولاً ذات سيادة، كان مرتبطاً بروسيا وبطبيعة الحال بأوكرانيا، لكن ليس بأوكرانيا دون روسيا بالتأكيد. وأخيراً، هل كانت هذه الحرب حربنا حقاً؟ ثمة حروب كثيرة يتجاهلها الجميع. حروب كثيرة ليست حروبنا. فهل كانت هذه أكثر شأناً بالنسبة لنا من سواها؟ وبأي حجة؟ لأن بعض "المفكرين" لا يحبون بوتين؟ ثمة من رؤساء الدول من لا يستحقون المحبة كثيرون. فهل يعني ذلك أننا يجب أن ندخل في حرب مع الجميع؟ ينبغي لهؤلاء "المفكرين البارزين" أن يتذكروا موقفنا من قضية كوسوفو وما آلت إليه الأمور بعد ذلك. تلك القصة لم تنته بعد. ولا القصة المتعلقة بالصراع الروسي الأوكراني.

في لبنان، هيمنةٌ تحلّ مكان أخرى!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
أغسطس 1, 2026 - 15:16

يكاد المرء يعتقد أن لبنان لم يعش إلا على إيقاع العواصم الأجنبية: كانت هناك المرحلة المصرية في عهد جمال عبد الناصر، ثم المرحلة الفلسطينية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، ثم المرحلة السورية في ظل السلالة الجمهورية لعائلة الأسد، وبالطبع المرحلة الإيرانية عندما أمسك حزب الله بمفاصل القرار عبر وكلاء. وما يميز الواقع اللبناني أنه كلما خفّ نفوذ نظام عربي أو أجنبي أو تلاشى، سارعت هيمنة نظام آخر إلى الحلول مكانه. وكأن الأمر بديهي، فـ«الطبيعة تأبى الفراغ»، وسياسيونا لا يريدون التخلي عن منطق التبعية. إنها لعنة وقدر! ومن مرحلة إلى أخرى، كانت طبيعة هذه الهيمنة تختلف بين قدر أكبر أو أقل من الإكراه، إذ ثمة فرق شاسع، ليس في الدرجة فحسب بل في الجوهر أيضاً، بين احتلال عسكري أو إخضاع سياسي من جهة، وبين مجرد تنسيق دبلوماسي من جهة أخرى. فالمؤشر قد يرتفع أو ينخفض تبعاً للظروف والمفاجآت والتقلبات. لكن، رغم تبدّل الأحوال، تبقى حقيقة لا يمكن إنكارها: لقد اضطر بلدنا الصغير، وسيضطر للأسف، إلى التكيف مع أوضاع غير مريحة والخضوع لإرادة دول أكبر منه وأكثر قوة. فهل كان لبنان، الذي فرضت عليه الجغرافيا والتاريخ نوعاً من «الفنلدة»، قادراً أصلاً على أن يطمح إلى مكانة تتجاوز موقع الدولة التابعة أو الدولة العميلة؟ لكن لنتخيّل للحظة أن الزمن توقّف، وأن لبنان تحرر، ولو مؤقتاً، من هذا التشابك الخارجي الذي لا يمت إلى الأخوة بصلة. فلنفترض أن عبد الحميد خدام قرر أن يصرف النظر عن لبنان ويمنحه هدنة قصيرة. ماذا كان سيحدث لنا، نحن البؤساء، وماذا كانت ستفعل نخبنا السياسية؟ الجواب بسيط: كانت ستندفع، بدافع غريزي متجذر، نحو عاصمة عربية أو غربية أخرى، تستجدي تدخلها الفوري، أو مساعدتها المالية، أو حتى دعمها العسكري. وكانت ستقبل بكل أشكال الارتهان، ما دام ذلك يتيح لها تصفية حساباتها مع خصومها المحليين، بل وحتى البلديين. وفي هذه اللعبة، لم يكن أحد بريئاً: لا الطرف الذي قدّم الدعم، ولا الطرف الذي طلبه؛ لا المانح، ولا المستفيد. عبد الحميد غالب... للتذكير يُعرف مدى سيادة أي دولة بقدرتها على طرد سفير أجنبي. ففي 21 تموز/يوليو 1958، أفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن عبد الحميد غالب، سفير الجمهورية العربية المتحدة المعتمد في بيروت، أُعلن شخصاً غير مرغوب فيه وطُلب منه مغادرة لبنان. فقد اتُّهم بالتحريض على التمرد وتقديم الدعم المسلح للمعارضة المناهضة للرئيس كميل شمعون(1). وبالفعل، كان غالب قد شجع على العصيان والتمرد المدني في مناطق مختلفة من البلاد. ولم تهدأ الأوضاع إلا بعد إنزال قوات المارينز الأميركية وانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في 31 تموز/يوليو. ولم يعد السفير المثير للجدل إلى منصبه إلا في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه(2)، حيث افتتحت السلطة الجديدة، في ظل عبد الناصر الذي كان في ذروة نفوذه، مرحلة من التعاون الصادق معه. وقد نجح عبد الحميد غالب في تطبيع العلاقات بين بيروت والقاهرة، وعزز النفوذ المصري داخل الساحة السياسية اللبنانية، الأمر الذي أثار اتهامات متكررة بالتدخل المباشر في الشؤون اللبنانية. ومع احتفاظ بيروت بانتمائها إلى الفلك الغربي، فإنها حرصت في الوقت نفسه على مراعاة المصالح الناصرية في المنطقة. لكن بعد هزيمة عبد الناصر عام 1967 وغيابه عن الساحة عام 1970، انتقل لبنان من سيئ إلى أسوأ. فجاءت سنوات طويلة من الألم، تعاقبت خلالها المقاومة الفلسطينية المسلحة، ثم الاحتلال السوري، ثم الهيمنة الإيرانية، وكلها انتهكت السيادة اللبنانية بصورة يومية. وهكذا، ومنذ زمن بعيد، لم يكن لبنان، في المطلق، حراً ولا مستقلاً ولا سيداً على قراره، حتى وإن كان العيش في بيروت يبقى أفضل من العيش في دمشق أو بغداد، حيث حكم حزب البعث بكل جبروته، أو في طهران وأصفهان، حيث كان رجال الدين يستظلون بعباءة ولاية الفقيه. هل يحل السوري محل الإيراني؟ من المسلّم به أن الدولة لا تكون ذات سيادة إلا إذا كانت قادرة على أن تغلق الباب في وجه سفير أجنبي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الثنائي جوزيف عون – نواف سلام أثبت قدراً من الحزم عندما «ألقى من النافذة» مبعوث الجمهورية الإسلامية، أي حين سحب اعتماد رئيس البعثة الإيرانية محمد رضا شيباني. لكن، هل سأل أحد نفسه من سيخلفه؟ إن الابتعاد عن الجمهورية الإسلامية خطوة محمودة بلا شك، لكن السؤال يبقى: بمن سيُستعاض عنها؟ فالاستقبال الذي حظي به وزير الخارجية السوري في مدينة طرابلس يثير شيئاً من الحيرة. فهل وجدت الطائفة السنية، بعد طول تيه، مرشداً جديداً يناسب تطلعاتها؟ ثمة من يقول ذلك. غير أن أحمد الشرع لديه أولويات أخرى، في مقدمتها تثبيت سلطته في دمشق وسائر أنحاء سوريا المنقسمة. وسيكون من غير الحكمة أن ينجرف إلى إغراء فتح جبهة لبنانية جديدة، لأنه، حتى مع الدعم التركي، لا يملك الإمكانات اللازمة لانتهاج سياسة إقليمية طموحة. فلنبحث عن بديل آخر! (1) Sam Pope, "Envoy from Cairo Ousted by Beirut; Lebanese Say He Had Been Plotting with Rebels," The New York Times, July 21, 1958. (2) Le Monde, "The UAR Ambassador to Lebanon Resumes His Duties," November 6, 1958.

حفظ القضية ضد رياض سلامة: سيادة القانون في مواجهة الشائعات
بقلم
أنطوان منسى
نُشر
يوليو 23, 2026 - 17:58

بقلم أنطوان منسى* أصدرت غرفة الاتهام في بيروت قبل أيام قراراً بمنع المحاكمة لصالح الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، وذلك في الملف المفتوح إثر الشكوى التي تقدّم بها رجل الأعمال طلال أبو غزالة في يونيو 2021. وكان أبو غزالة قد اتّهمه بإصدار تعاميم تُعدّل النظام الاقتصادي الليبرالي، وبإخفاء الحقيقة عن الوضع الفعلي للمصارف، والتواطؤ معها للاستيلاء على أموال المودعين. وبقرارها الصادر في 14 يوليو 2026، رأت غرفة الاتهام أن الأركان القانونية للجريمة المنسوبة إلى الحاكم السابق لم تكتمل. فطبّقت مبادئ القانون الجنائي بموضوعية واستقلالية، وأعادت الملف إلى سياقه القانوني الصرف، ووضعت حداً للملاحقات القضائية بحقه. ويُرحَّب بهذا القرار باعتباره نموذجاً صارخاً على دور القضاء، الذي لا يجوز أن يُوجَّه بالانطباعات ولا بضغط الرأي العام، بل بالقانون والأدلة وحدها. ويُجسّد هذا القرار كذلك قدرة القضاء اللبناني، على الرغم من الأزمات التي يعصف بها البلاد، على إرساء سيادة القانون والمبادئ الجوهرية للعدالة. وبمعزل عن هذه القضية بحد ذاتها، يُبعد القرار شبح سابقة قانونية كانت ستؤدي إلى المساواة بين الجرائم الواقعة على الأموال -كالسرقة وخيانة الأمانة والاختلاس والاحتيال- وبين الانتهاكات الدستورية، من دون سند قانوني ومخالفةً للمبادئ الأساسية في القانون الجنائي. في القانون، لا يُعدّ قرار منع المحاكمة تبرئةً عاطفية ولا موقفاً سياسياً. فهو قرار قضائي يضع حداً للملاحقة حين تكون الأدلة غير كافية أو حين لا تثبت الأركان القانونية للجريمة. وهو يمثّل إحدى الضمانات الأساسية لمنظومة العدالة الحديثة. غير أن المعالجة الإعلامية لهذه القضية تُثير تساؤلات جدية. ففي عام 2021، حين كُشف عن الاتهامات، حظيت بتغطية إعلامية واسعة النطاق؛ إذ سلّطت محطات التلفزيون والصحف والمواقع الإخبارية الضوء على القضية، وتصدّرت العناوين الكبرى المشهد، مما أذكى نقاشاً أفضى في أحيان كثيرة إلى إدانة رياض سلامة مسبقاً. وأغفل كثيرون وقتها أن قرينة البراءة مبدأ أصيل لا يجوز نقضه إلا بحكم قضائي بات. أما اليوم، وقد خلص القضاء إلى منع المحاكمة لعدم توافر الأركان القانونية للجريمة، فيبدو الصدى الإعلامي أكثر خفوتاً بكثير. كأن القرارات التي تُعيد الحقائق إلى نصابها أقل إثارة للاهتمام من الاتهامات نفسها. وهذا التباين يُلقي بظلاله على دور وسائل الإعلام؛ فبعضها أعطى الاتهامات حيّزاً واسعاً، لكنه منح القرار القضائي الذي أسقطها مساحةً أضيق بكثير. كأن الخبر لا يكتسب قيمته إلا من خلال الفضيحة، فيما تتراجع إلى الهامش القرارات القضائية التي تُعيد الحقوق إلى أصحابها. والحال أن العدالة لا تُقاس بحجم الاتهامات، بل بقوة الأدلة واحترام قواعد القانون. وقرار غرفة الاتهام في بيروت يُذكّر بأن سيادة القانون يجب أن تعلو دائماً على الإشاعات، وأن كرامة الإنسان لا يجوز أن تُرهَن بأحكام إعلامية تسبق أحكام المحاكم. وثمة سؤال يبقى معلّقاً في الأذهان: إلى أي حدٍّ يستطيع الشخص استعادة سمعته بعد تبرئته، حين تكون الإدانة الإعلامية قد رسّخت صورةً سلبية راسخة في الوجدان العام؟ إن العدالة لا تبلغ معناها الكامل إلا إذا حظيت قرارات منع المحاكمة والبراءة بحضور إعلامي موازٍ لذلك الذي تحظى به الاتهامات. لأن الحقيقة تستحق من الصدى ما تستحقه الشكوك، والإنصاف يستحق من الاهتمام ما تستحقه الفضيحة. * الرئيس المؤسس لجمعية رجال الأعمال اللبنانيين في فرنسا (HALFA)

هل من خيانة وطنية ارتكبت في السادس والعشرين من حزيران الماضي؟

عندما تراجعنا أمام نيران العدو، وعندما اجتاح الخصم مدننا، وسوّى بلداتٍ كثيرة بالأرض، وشرّد أبناء وطننا من ديارهم، وعندما أثبت أنه قادر على التقدم مرارًا وتكرارًا حتى يطوّق عاصمتنا، وفوق كل ذلك، عندما استجار دعاة الحرب، وقد أنهكتهم المعارك، بطلب وقف إطلاق النار، فمن البديهي ألا نتشدّد على طاولة المفاوضات، وأن نُضطر إلى تقديم تنازلات بشأن بعض المبادئ، مثل السيادة الوطنية ووحدة الأراضي. ففرنسا المهزومة اضطرت سنة 1871 إلى التنازل عن الألزاس واللورين للإمبراطورية الألمانية. كما أُجبرت ألمانيا، عند توقيع معاهدة فرساي عام 1919، على قبول جملة من التدابير المهينة، من بينها نزع السلاح من منطقة الراين وخفض عديد جيشها إلى مئة ألف جندي. فهل حقق حزب الله نصرًا ساحقًا على إسرائيل؟ على حدّ علمي... لا. لا جدوى من التباهي لمجرد كسب هدنة مؤقتة، ولا من التضحية في معركة دفاعية خاسرة لتحسين موقع إيران التفاوضي مع واشنطن. ألا يكفي سقوط أكثر من أربعة آلاف لبناني لكي تُمنح طهران هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية. والحق يقال أننا مُنينا بهزيمة نكراء على أرض المعركة، وعلى اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم، أن يعترفوا بذلك وأن يستخلصوا العبر. فلو كانت قواتنا قد سيطرت على المطلة أو نهاريا أو حيفا، ولو تقدمت حتى أصبحت تهدد المفاعل النووي في ديمونا، لكان من الطبيعي أن نفرض شروطنا على إسرائيل. وعندئذ، لو أرادت الدولة اليهودية استعادة وحدة أراضيها، لكان عليها أن تتنازل عن بعض مكونات سيادتها. لكن الواقع جاء معاكسًا تمامًا. ومن ثم، فإن توجيه اللوم إلى الوفد اللبناني لأنه يسعى إلى تحرير الأراضي اللبنانية مقابل نزع سلاح حزب الله الموالي لإيران*، ليس سوى مزايدة رخيصة. مزايدة رابحة... لكنها خبيثة قد تعمي العاطفة أبصار أكثر الناس بصيرة. ومن هنا جاءت ردود فعل بعض «الباحثين المشاركين» والمراقبين السياسيين، أولئك الذين تقمّصوا دور حماة وحدة الأراضي، فور الإعلان عن الاتفاق الإطاري في واشنطن يوم السادس والعشرين من حزيران الماضي. فقد سارع هؤلاء السياديون المتأخرون إلى اتهام الدولة اللبنانية بالاستسلام، وراحوا، على غرار قيافا في أسبوع الآلام، يمزقون ثيابهم ويصرخون: «خيانة!». غير أن هذه الحملة تخفي لعبة غير بريئة، لا تليق بمن يزعمون الوطنية. فإذا كان الثنائي الشيعي ومن يدور في فلكه يسعون إلى نسف الاتفاق الثلاثي، فذلك لأنهم يريدون إحالة الملف اللبناني إلى طهران، وإدراجه ضمن مفاوضات أوسع قد يخوضها أطراف الصراع في الخليج العربي، سواء في إسلام آباد أو في مكان آخر، كإحدى المدن السويسرية. وما يزيد الأمر سخرية أن أشد المعارضين لاتفاق السادس والعشرين من حزيران يزعمون أن همّهم الوحيد هو الدفاع عن السيادة الوطنية ومبادئها غير القابلة للمساومة. لنتعلّم من أبي عمار منذ سبعينيات القرن الماضي، لم يكن حافظ الأسد يعتبر المسيحي اللبناني، المتمرّد على سلطته، هدفه الأول، بل كان الفلسطيني هو الخصم الذي ينبغي القضاء عليه. فقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية عدوه الأول، قبل الجبهة اللبنانية أو القوات اللبنانية. وفي إطار إعادة رسم خريطة المشرق، واحتمال انعقاد مؤتمر دوليل تسوية النزاع العربي–الإسرائيلي، كان طاغية دمشق يرفض أن تفلت منه «الورقة الفلسطينية». ففي نظره، لم يكن الفلسطينيون سوى «سوريين جنوبيين»، وهو وحده صاحب الحق في تقرير مصيرهم. غير أن ياسر عرفات أراد أن يبقى سيد قراره، وخاض مع الأسد لعبة شدّ الحبال. وتنقل أبو عمار بين الأردن ولبنان ثم تونس، لكنه رفض التخلي عن صلاحياته، وانتهى به الأمر إلى توقيع اتفاق أوسلو باسم شعبه. فلم يكن مستعدًا لأن يدع ضابطًا انقلابيًا من القرداحة، ذي شرعية مشكوك فيها، يتحدث باسم أمته المشردة. فهل سنتخلى نحن عن «الورقة اللبنانية»؟ إننا، نحن اللبنانيين، في وضع مماثل. فهل سنسلّم الورقة اللبنانية إلى إيران لتعزيز موقعها على طاولة المفاوضات مع دونالد ترامب؟ أيهما أكثر انسجامًا مع السيادة: أن نواجه الخصم الإسرائيلي مباشرة في واشنطن أو روما، أم أن نهدي "ورقتنا" إلى دولة الملالي، بحجة أنها أقدر منا على الدفاع عن مصالحنا الوطنية؟ فلنتذكر أنه مع سقوط نظام آل الأسد الأب والابن، ابتسم القدر للبنان، وتمكن، وإن بصمت، من استعادة ورقته التي كانت دمشق قد صادرتها. وإذ بنا اليوم امام ميليشيا تدين بالولاء لإيران تحاول وتحاول، بكل وقاحة، أن تُلحق لبنان بطهران، وأن تجعل منه مجرد بند على جدول أعمال مفاوضات تُدار حصريًا بين الإيرانيين والأميركيين. إن الورقة اللبنانية ليست للبيع، ولا للتفويض، ولا للإلحاق بأوامر عاصمة تقوم على ضفاف الخليج الأخميني. ولأقولها بصراحة: إن الورقة اللبنانية لم تجلب يومًا الحظ لقراصنة السياسة. * للتذكير، فإن الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في السادس والعشرين من حزيران الماضي يهدف، في نهاية المطاف، إلى تحرير الأراضي اللبنانية من كل احتلال، سواء كان إسرائيليًا أم إيرانيًا. فهل يُلام لأنه اختار تحقيق هذا الهدف على مراحل؟ فلننتظر ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية في روما، حيث تلتقي الوفود.

من فائض القوة إلى قوة الدولة
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر
يوليو 9, 2026 - 22:36

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات غير مسبوقة تعيد رسم معادلات القوة والأمن. فبعد سنوات من الحروب المفتوحة والصراعات بالوكالة، يتجه الإقليم تدريجياً نحو مقاربة جديدة تقوم على ترسيخ دور الدولة الوطنية، وتقليص نفوذ القوى المسلحة غير الرسمية، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار. وفي هذا السياق، تبدو أمام لبنان فرصة نادرة لإعادة صياغة منظومته الدفاعية بما ينسجم مع المتغيرات الإقليمية ويحفظ مصالحه الوطنية. لقد راكم حزب الله خلال عقود خبرات عسكرية وتقنية متقدمة في القيادة، والاستخبارات، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والاتصالات واللوجستيات. وهذه الخبرات تمثل رأس مال بشرياً لا ينبغي أن يُهدر، بل يجب أن يتحول، ضمن إطار الشرعية، إلى قوة تضاف إلى قدرات الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، بما يعزز سيادة الدولة بدلاً من ازدواجية القرار الأمني. وتؤكد التجارب الدولية، من جنوب أفريقيا إلى كولومبيا، أن إنهاء الصراعات لا يتحقق بإقصاء المقاتلين أو تبديد خبراتهم، بل بإعادة دمجهم داخل مؤسسات الدولة وفق معايير مهنية وقانونية واضحة. فنجاح أي عملية انتقالية يرتبط بقدرة الدولة على استيعاب الكفاءات، وفي الوقت نفسه بفرض احتكارها الكامل لاستخدام القوة وقرار السلم والحرب. إن التحولات الجارية في المنطقة، وما تفرضه من أولويات اقتصادية وأمنية جديدة، تجعل من الضروري أن يباشر لبنان حواراً وطنياً حول استراتيجية دفاعية شاملة، تترافق مع خطة لتطوير الجيش، وإنشاء مركز وطني للابتكار الدفاعي والأمن السيبراني، والاستفادة من الخبرات اللبنانية في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية الحديثة. فالمعادلة الجديدة لم تعد تقوم على تعدد مراكز القوة، بل على دولة قوية بمؤسساتها، قادرة على حماية حدودها وكسب ثقة المجتمع الدولي وجذب الاستثمارات. إن اللحظة الراهنة ليست مناسبة لتصفية الحسابات، بل لبناء عقد وطني جديد يجعل جميع الطاقات والخبرات في خدمة الجمهورية. فالدول لا تنهض بانتصار فريق على آخر، وإنما عندما تصبح الدولة نفسها المنتصر الوحيد، ويصبح السلاح والقرار والسيادة جميعها تحت مظلة المؤسسات الدستورية، بما يفتح أمام لبنان باب الاستقرار والازدهار في شرق أوسط يتغير بسرعة.

حين تتحول السوسيولوجيا إلى مرافعة عن السلاح
بقلم
مكرم رباح
نُشر
يوليو 9, 2026 - 16:22

ثمّة منطق يتكرّر كلما فُتح النقاش حول سلاح “حزب الله”، يحاول أن يقدّم الحزب لا بوصفه سلطة مسلحة صادرت قرار طائفة وبلد، بل بوصفه الامتداد الطبيعي للمجتمع الشيعي اللبناني، وكأنّ الاعتراض عليه اعتراض على الشيعة أنفسهم، وكأنّ نزع سلاحه هو اقتلاع لجماعة من تاريخها وذاكرتها ووسائل حمايتها. هذا المنطق ليس خاطئاً فحسب، بل مهين. فهو يختزل الشيعة في خوفهم، ويحوّل تاريخهم الطويل إلى مقدمة لبندقية، ويعامل طائفة كاملة كأنها لا تستطيع أن توجد إلا داخل شبكة حزب مسلح، وكأنّ جبل عامل، والنجف، والاجتهاد، والإصلاح، والعلماء، والمثقفين، والمزارعين، والطلاب، والتجار، وكل التجارب الوطنية الشيعية في لبنان، لم تكن إلا تمهيداً لولاية الفقيه. الحقيقة أن الشيعة لم يبدأوا مع “حزب الله”، ولن ينتهوا معه. قبل الحزب كان هناك تاريخ كامل من العلم والسياسة والاجتماع والاعتدال والتمثيل والمطالبة بالعدالة. كان هناك السيد محسن الأمين، والإمام موسى الصدر، والسيد محمد مهدي شمس الدين، , و السيد هاني فحص وكان هناك خطاب شيعي لبناني يعرف معنى الدولة، ويعرف معنى الشراكة، ويعرف أن الكرامة لا تُختصر بسلاح خارج المؤسسات، ولا تُقاس بعدد الصواريخ، ولا تُباع في سوق المحاور الإقليمية. لقد استفاد “حزب الله” من الخوف، من الاحتلال الإسرائيلي، من غياب الدولة، من تهميش طويل، ومن جراح حقيقية أصابت الجنوب والبقاع والضاحية. لكن الاستفادة من الجرح لا تمنح أحداً حق امتلاك الجسد. وما بدأ، في لحظة ما، بوصفه جواباً على الخوف، تحوّل مع الوقت إلى نظام دائم لإنتاج الخوف. صار الحزب يقول للناس: أنا أحميكم من الخطر، ثم يجعل وجوده سبباً دائماً لاستدعاء الخطر. يقول إنه يحمي الجنوب، ثم يحوّل الجنوب إلى ساحة مفتوحة. يقول إنه يحمي الشيعة، ثم يجعلهم يدفعون ثمن حروبه، وعقوباته، وتحالفاته، وقراراته التي لا يشاركون في صنعها. أما الكلام عن المستشفيات والمدارس والقروض والرواتب، فهو لا يثبت شرعية السلاح، بل يكشف حجم الكارثة. حين يصبح المواطن محتاجاً إلى حزب كي يولد، ويتعلم، ويتداوى، ويقترض، ويعمل، ويدفن شهيده، فهذه ليست بيئة حاضنة بقدر ما هي بنية احتجاز اجتماعي. الخدمات لا تمنح حق إعلان الحرب. والمساعدة لا تبرّر مصادرة القرار. والراتب الشهري لا يحوّل العائلة إلى شاهد زور على شرعية السلاح. المافيات أيضاً تؤمّن حماية. والأنظمة الشمولية أيضاً توزع الخبز. والعصابات أيضاً تعرف كيف تجعل الناس محتاجين إليها. لكن السؤال ليس ماذا تعطي هذه السلطة، بل ماذا تأخذ. و”حزب الله” أخذ أكثر بكثير مما أعطى: أخذ قرار الحرب والسلم، أخذ حق الاعتراض داخل الطائفة، أخذ صورة الشيعة في لبنان والعالم العربي، أخذ الدين وحوّله إلى جهاز تعبئة، أخذ الشهادة وحوّلها إلى رصيد سياسي، أخذ الخوف وحوّله إلى عقد إذعان طويل الأمد. إن أخطر ما فعله الحزب أنه ربط مصير الشيعة بمصيره. جعل أي ضغط عليه ضغطاً عليهم، وأي نقد له إساءة إليهم، وأي محاولة لنزع سلاحه تهديداً لوجودهم. وهذه ليست عبقرية اجتماعية، بل ابتزاز سياسي محكم. فحين يضع الحزب مستشفى ومدرسة وقرضاً وراتباً وشهيداً وصاروخاً في السلسلة نفسها، فإنه لا يبني مجتمعاً طبيعياً، بل يصنع قفصاً واسعاً؛ قفصاً له أبواب خدماتية كثيرة، لكنه لا يسمح بالخروج السياسي الحر. ومن حق الشيعة أن يسألوا: من يحمينا؟ هذا سؤال مشروع، بل سؤال لا يجوز الاستخفاف به، لأن الدولة اللبنانية خذلتهم كما خذلت غيرهم، ولأن الجنوب دفع أثماناً باهظة من الاحتلال والحروب والدمار. لكن السؤال المشروع لا يجوز أن يتحوّل إلى جواب أبدي لمصلحة الميليشيا. “من يحمينا؟” لا تعني أن يبقى السلاح إلى الأبد خارج الدولة. ولا تعني أن يصبح قرار طائفة وبلد في يد تنظيم مرتبط بمشروع إقليمي. ولا تعني أن يُطلب من الناس أن يختاروا بين الحزب والفناء، وبين الدولة والذبح، وبين لبنان وإيران. الحماية لا تكون بتأبيد الخوف. الحماية تكون بدولة قادرة، وجيش واحد، وقرار واحد، وحدود لا تتحكم بها منظمة، وسياسة خارجية لا تُدار من الضاحية ولا من طهران. الحماية تكون بإعادة الشيعة إلى الدولة، لا بإقناعهم أن الدولة مستحيلة وأن الحزب قدرهم الوحيد. ومن يقول إن فشل الدولة يبرّر بقاء الميليشيا، يشبه من يقول إن فشل الطبيب يبرّر تسليم المريض إلى الدجّال إلى الأبد. ثم إن الذاكرة التي تُستعمل لتبرير السلاح ذاكرة ناقصة. نعم، هناك 1978 و1982 والاحتلال الإسرائيلي والخذلان الرسمي. لكن هناك أيضاً ذاكرة أخرى: حروب الداخل، قمع الأصوات الشيعية المستقلة، تخوين المعترضين، توريط لبنان في حرب 2006، إرسال الشباب إلى سوريا والعراق واليمن، تحويل الجنوب إلى منصة في صراع لا يقرره أهله، وإرغام الناس على تسمية الهزيمة نصراً والخراب صموداً. لا يحق لأحد أن يتحدث باسم ذاكرة الشيعة ثم يمحو من هذه الذاكرة كل ما فعله الحزب بهم. لا يحق لأحد أن يستدعي صور الاحتلال الإسرائيلي كي يمنع السؤال عن الاحتلال الحزبي للقرار. ولا يحق لأحد أن يجعل من الخوف القديم سند ملكية سياسية على المستقبل. الشيعة أكبر من “حزب الله”. الجنوب ليس مخزناً للصواريخ. الضاحية ليست ثكنة. البقاع ليس ممراً عسكرياً. الشهادة ليست شيكاً مفتوحاً بيد حزب. والدين ليس بطاقة حزبية. والحرمان ليس رخصة أبدية لمصادرة الدولة. والذاكرة ليست سجناً. والخوف ليس هوية. المطلوب ليس أن يُترك الشيعة بلا حماية، بل أن يتحرروا من معادلة كاذبة تقول لهم إن حمايتهم لا تكون إلا بمن صادر قرارهم. المطلوب ليس تجاهل جراحهم، بل منع المتاجرة بهذه الجراح. المطلوب ليس إنكار أن الدولة فشلت، بل رفض تحويل هذا الفشل إلى تفويض دائم لحزب مسلح. فالدولة تُبنى حين تُستعاد من الميليشيات، لا حين نسلّم لها بما تبقى منها. إن أسوأ أنواع الدفاع عن الشيعة هو ذاك الذي يقدّمهم كجماعة محاصرة داخل قدر واحد، لا مستقبل لها إلا السلاح، ولا أمن لها إلا الحزب، ولا كرامة لها إلا في مشروع لا يملكون قراره. هذا الدفاع، في ظاهره تعاطف، وفي جوهره إلغاء. لأنه لا يرى الشيعي مواطناً حراً، بل تابعاً خائفاً يحتاج إلى وصيّ مسلح كي يشرح له معنى البقاء. الحقيقة أبسط من كل هذه البلاغة: “حزب الله” لم يعد يحمي الشيعة من الخطر؛ صار هو الخطر الذي يطلب منهم أن يخافوا من كل شيء إلا منه. وحين تتحول الحماية إلى احتجاز، والمظلومية إلى تجارة، والسلاح إلى قدر، يصبح واجب الكلام لا أن يسأل كيف نحافظ على هذا النظام، بل كيف نحرّر الناس منه. فالطائفة التي أنجبت علماء ومصلحين ومقاومين ومفكرين ومواطنين لا يجوز أن تُختصر في تنظيم. والناس الذين دفعوا أثمان الاحتلال والحروب والخذلان لا يجوز أن يُطلب منهم دفع أثمان جديدة كي يبقى الحزب فوق الدولة. ومن يريد فعلاً إنصاف الشيعة، فليبدأ من الاعتراف بأنهم ليسوا ملكاً لأحد، لا لحزب، ولا لمحور، ولا لوليّ فقيه. الشيعة مواطنون لبنانيون. حمايتهم تكون بدولة تحميهم، لا بميليشيا تستعمل خوفهم. ومستقبلهم يكون في لبنان، لا في انتظار حرب جديدة يقررها غيرهم ويدفعون هم ثمنها.

الأرض مقابل السلام
بقلم
فادي نون
نُشر
يوليو 6, 2026 - 13:17

" الأرض مقابل السلام". هاتان الكلمتان، بعبارتهما القديمة والمتجددة في آن، تختصران جوهر الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي المعقود في واشنطن (23-26 حزيران)، شرط أن نضع مصلحة أبناء القرى المدمرة فوق أي اعتبار آخر؛ وما عدا ذلك ليس سوى تفاصيل. نعم، الأرض مقابل السلام، ولكن ليس أي سلام. إنه السلام الذي يمر حتماً عبر حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية كما نعرفها: ديمقراطية برلمانية، وأرضاً للحرية والتعددية. ويمكن صياغة المعادلة على النحو الآتي: الأرض مقابل سلاح "حزب الله". فخلافاً للانطباع السائد، فإن اتفاق واشنطن هو اتفاق سلام لا صك حرب، ويمكن تطبيقه دون إطلاق رصاصة واحدة. لقد تحدث "حزب الله" عن "حرب أهلية"، ولكن من عساه يريد الحرب الأهلية؟ إن اتفاق واشنطن كفيل باستبدال قوات "الحزب" - التي أنهكتها الضغوط والأعباء إلى حد كبير - بقوات شرعية تابعة للدولة، تمثل مختلف المكونات، وتقتصر وظيفتها الحصرية على الدفاع لا الهجوم. فلبنان لا يملك أي أطماع ترابية في إسرائيل، وكل ما يبتغيه ويطالب به هو احترام حدوده؛ وهو أمر منصوص عليه بوضوح في اتفاق واشنطن... وهناك حصراً. فإيران وإن تمكنت من انتزاع وقف لإطلاق النار – يبقى نسبياً للغاية – في لبنان عبر إطلاق دفعة من الصواريخ الباليستية نحو إسرائيل، إلا أنه من غير الواقعي بتاتاً، بالنظر إلى القوى القائمة، الاعتقاد بأن طهران قادرة أيضاً، عبر لغة التهديد، على فرض انسحاب إسرائيلي كامل من لبنان. وكل ما يمكن أن تفضي إليه هذه الدينامية ليس سوى مزيد من الموت والدمار، مصحوباً بخطر الضم؛ باختصار، إنها حرب الألف عام. هل هو اتفاق استسلام؟ نعم، بالمعنى الضيق للكلمة. ذلك أن اتفاق السلام الذي يفرضه، هو في الأساس مطلبلبناني بقدر ما هو إسرائيلي، لا سيما وأن الفصل الحربي الذي ينهيه قد نشب رغماً عن إرادة الدولة اللبنانية، ونتيجة لقرار إيراني كانت بيروت مناهضة له بشدة. ثم، ما هي القيود الواهية التي قد يفرضها الاتفاق على لبنان؟ أهي حرمانه من امتلاك قدرات نووية؟ أم منعه من بناء سلاح جو عسكري؟ ذلك أن الذين صاغوا اتفاق واشنطن لم يكونوا يرفضون الحرب فحسب، بل كانوا على عداء عميق مع الأيديولوجيا الحربية التي تحرّك "حزب الله"، والتي أوهمت هذا التنظيم بأنها تخوض جهاداً بطولياً في سبيل الله، قبل أن يتكشف هذا القتال عما رأيناه من مجازر ودمار قد يتعذر ترميمه. وفي هذا السياق، كيف لـ"حزب الله" أن يظن للحظة واحدة أن عقيدته السياسية-الدينية يمكن أن تحظى بقبول المسيحيين، ناهيك عن المكونات المجتمعية الأخرى التي يتألف منها لبنان؟ إن لبنان جزء من المجموعة العربية وليس الأمة الإسلامية. وإذا كانت التهدئة مع إسرائيل غريبة عن الأيديولوجيا الإيرانية، فإنها ليست كذلك بالنسبة للعالم العربي، الذي وقع جزء منه بالفعل اتفاقات سلام، في حين يربط الجزء الآخر، وعلى رأسه المملكة العربية السعودية، هذا السلام بقيام دولة فلسطينية. والطائفة المسيحية أبعد ما تكون عن هذه العقلية، كونها دفعَت هي نفسها ثمن هذا النوع من المغامرات إبان الحروب الصليبية. وبالتأكيد، يمكن الجزم بلا تردد بأن الحق في الدفاع عن النفس سيبقى مقدساً، إلا أن الكنيسة الكاثوليكية أعادت النظر في مفهوم "الحرب العادلة" التي كانت قد أقرتها في الماضي، وذلك بالنظر إلى استحالة توفر شروطها اليوم، في زمن الخوارزميات، والآلات ذاتية التشغيل، والردع النووي. فلم يعد هناك اليوم ما يسمى بأسلحة "تقليدية". وكلنا يعرف الدعابة المنسوبة إلى آينشتاين بشأن الحرب الذرية؛ إذ يُنقل عن هذا الأخير، وهو المناضل من أجل نزع السلاح النووي، تأكيده أنه في حال اندلاع حرب عالمية ثالثة، فإن "الحرب الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة". وعلى العكس من ذلك، فإن الطوائف المسيحية الشرقية، التي دفعَت غالياً ثمن حقبة سلب فلسطين، تطمح اليوم إلى التمتع بحقها في الوصول إلى أماكنها المقدسة: القدس، والناصرة، وبيت لحم، هذه الأماكن التي عاش فيها مخلّصها، وحيث قام من بين الأموات، منتصراً على الموت والعنف. وبهذا المعنى، يمكنها أن تأمل في الإيمان بتلك الكلمة التي تركها لها مخلّصها: "طوبى للودعاء، لأنهم يرثون الأرض". الأرض لا تنتمي إلى العنيفين، يقول الرب. بل تنتمي إلى رجالٍ تعلموا من الحرب "كراهية الحرب"، على غرار جوزاف عون. وقد سمعناه يتحدث بهذا المعنى خلال مقابلته مع كريستيان أمانبور على شبكة "سي إن إن". وحريّ برئيس الدولة أن يخصص وقتاً عبر الشاشات ليشرح اتفاق واشنطن للشعب اللبناني.

نبيه بري... كفى إبتزازاً!
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
يوليو 4, 2026 - 15:48

في كل محطة مفصلية يمر بها لبنان، يعود الخطاب نفسه: التهديد بإسقاط الحكومة، والتحذير من الانهيار، ورفع سقف المواجهة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: هل يستطيع نبيه بري إسقاط الحكومة؟ بل أصبح: ماذا بعد إسقاطها؟ ما هو المشروع البديل؟ وما هي الرؤية التي يحملها للبنان؟ وكيف سيخرج البلد من أزمته إذا دخل مرة جديدة في دوامة الفراغ السياسي والمؤسساتي؟ إذا كان الاعتراض على الاتفاق الإطاري نابعًا من حرص حقيقي على السيادة، فليتفضل أصحاب هذا الاعتراض ويقدموا بديلًا واضحًا وقابلًا للتنفيذ. أما الاكتفاء بشعار “إسقاط الحكومة” من دون خريطة طريق، فلا يقدم للبنانيين سوى مزيد من المجهول. لكن السؤال الأكبر هو: هل المشكلة هي الحكومة وحدها؟ إذا كانت الحكومة، بحسب هذا المنطق، قد فقدت شرعيتها السياسية، فماذا عن مجلس النواب الذي انبثقت منه؟ وإذا كان الحل هو إسقاط السلطة التنفيذية، فلماذا لا يذهب أصحاب هذا الطرح إلى النهاية ويطالبون بحل المجلس النيابي أيضًا والعودة إلى الشعب عبر انتخابات نيابية مبكرة؟ وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: هل يضمن نبيه بري عودته رئيسًا للمجلس النيابي إذا جرت انتخابات جديدة؟ وهل يضمن الثنائي الشيعي أن تبقى موازين القوى كما هي داخل المجلس؟ وإذا كان الجواب غير محسوم، فمن حق اللبنانيين أن يتساءلوا: هل الهدف إنقاذ لبنان فعلًا، أم الحفاظ على موازين قوة قائمة منذ سنوات؟ الديمقراطية لا تُمارس بانتقائية. فمن يطالب بتغيير الحكومة يجب أن يكون مستعدًا لإعادة تكوين السلطة كلها، وأن يحتكم إلى صناديق الاقتراع، لا أن يختار أي المؤسسات يجب أن تتغير وأيها يجب أن تبقى بمنأى عن أي مساءلة. لقد أثبتت التجارب أن سياسة التعطيل لم تبنِ دولة، بل ساهمت في إضعافها. وكلما اقترب لبنان من فرصة لإعادة بناء مؤسساته، ارتفعت لغة التهديد والوعيد، وكأن المطلوب إبقاء البلاد رهينة ميزان القوى لا حكم الدستور. الأخطر في هذا الخطاب أنه يضع اللبنانيين أمام معادلة واحدة: إما الرضوخ للشروط السياسية التي يفرضها الثنائي، وإما إسقاط الحكومة والدخول في أزمة جديدة. وهذا لم يعد يُقرأ كمعارضة سياسية طبيعية، بل كوسيلة ضغط دائمة على الدولة ومؤسساتها، يدفع اللبنانيون وحدهم ثمنها. في الأنظمة الديمقراطية، تُعارض الحكومات داخل المؤسسات، وتُسقط عندما تتوافر أكثرية دستورية وبرنامج بديل واضح، لا عندما يتحول التعطيل إلى وسيلة حكم، ولا عندما يصبح الفراغ أداة تفاوض. إذا كان الرئيس نبيه بري يرفض الاتفاق، فهذا حقه السياسي. وإذا كان يريد إسقاط الحكومة، فهذا أيضًا حق يكفله الدستور إذا توافرت شروطه. لكن من حق اللبنانيين، في المقابل، أن يسألوه: ماذا بعد؟ من سيشكل الحكومة الجديدة؟ بأي أكثرية؟ وما هو برنامجها؟ وكيف ستنقذ الاقتصاد؟ وكيف ستعيد إعمار الجنوب؟ وكيف ستستعيد ثقة المجتمعين العربي والدولي؟ أما إذا كان الهدف مجرد امتلاك ورقة ضغط إضافية لفرض شروط سياسية، فإن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على تحمل هذا النهج. فقد دفعوا أثمانًا باهظة نتيجة تعطيل المؤسسات، وانهيار الاقتصاد، وعزل لبنان عن محيطه، ولم يعد مقبولًا أن يبقى مستقبلهم رهينة حسابات القوى السياسية. لقد آن الأوان للخروج من منطق “إما ما نريد أو لا دولة”. فالدولة ليست ملكًا لأحد، والحكومة ليست غنيمة، والمجلس النيابي ليس حكرًا على أحد، والشرعية لا تتجدد إلا بإرادة الناس. إذا كان هناك من يؤمن فعلًا بالديمقراطية، فليقبل بالاحتكام إليها كاملة، لا مجتزأة. وليقبل بأن الشعب هو من يقرر من يحكم، ومن يرأس المجلس، ومن يبقى في السلطة ومن يغادرها. أما سياسة التهديد بإسقاط الحكومة كلما تبدلت الظروف، مع رفض أي نقاش حول إعادة تكوين السلطة بأكملها، فلم تعد تقنع اللبنانيين. لقد سئموا الابتزاز السياسي، وسئموا تعطيل الدولة، وسئموا أن يكون مستقبلهم ورقة تفاوض في صراع لا ينتهي. لبنان اليوم يحتاج إلى رجال دولة يبنون المؤسسات، لا إلى سياسيين يلوّحون بإسقاطها كلما تعارضت قراراتها مع مصالحهم.

اتفاق الإطار ليس استسلاماً… بل لحظة استعادة للدولة من منطق الفوضى

في كل مرة يقترب فيها لبنان من محاولة جدية لإعادة تنظيم علاقته مع محيطه ومع ذاته، يظهر خطاب جاهز يختصر أي مسار تفاوضي بأنه “استسلام”. هذا التوصيف لم يعد مجرد اختلاف سياسي، بل بات أداة تعطيل ممنهجة لأي مسار يمكن أن يعيد الاعتبار لمفهوم الدولة. والأخطر أنه يُستخدم لتجريد الدولة نفسها من شرعيتها كلما مارست دورها الطبيعي في التفاوض واتخاذ القرار. اتفاق الإطار المطروح ليس استسلاماً، بل على العكس تماماً: هو محاولة متقدمة لإعادة إدخال لبنان إلى نادي الدول التي تحتكر قرارها السيادي عبر مؤسساتها، لا عبر مراكز قوى متوازية أو خارج الدولة. أولاً: التفاوض ليس تنازلاً بل ممارسة سيادة الدول لا تُقاس بشعاراتها، بل بقدرتها على إدارة الصراع عبر أدوات السياسة بدل الانزلاق إلى الانفجار. والتفاوض، في جوهره، ليس ضعفاً بل أعلى أشكال استخدام القوة السياسية عندما تُوظف لحماية الاستقرار ومنع الحرب. الاتفاق الإطاري ينطلق من مبدأ أساسي: إنهاء حالة النزاع عبر مسار تفاوضي مباشر وبرعاية دولية. هذا ليس “إملاءً خارجياً” كما يُروَّج، بل اعتراف بأن الأزمات المعقدة لا تُحل داخلياً فقط في ظل اختلال التوازنات. ومن يدّعي أن مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض هو استسلام، إنما يرفض مبدأ السياسة نفسه، ويختزل الدولة إلى شعار لا إلى فعل. ثانياً: الدولة تستعيد دورها… لا تتنازل عنه أحد أهم بنود الاتفاق يتمثل في تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها الأمنية الكاملة. وهذا ليس مطلباً خارجياً بقدر ما هو جوهر أي دولة طبيعية. احتكار الدولة للسلاح ليس بنداً تفاوضياً، بل قاعدة دستورية. والمطلوب في هذا الإطار هو: إعادة توحيد القرار الأمني داخل المؤسسات الشرعية إنهاء ازدواجية القوة المسلحة وتثبيت أن الدولة وحدها هي مصدر القرار في الحرب والسلم فكيف يمكن لمن يطالب بدولة قوية أن يعتبر تقوية الدولة “استسلاماً”؟ هذا تناقض سياسي لا يصمد أمام أي منطق مؤسساتي. ثالثاً: “الاستسلام” خطاب يُخفي رفض الدولة لا رفض الاتفاق الخطاب الذي يصف الاتفاق بأنه استسلام لا يناقش بنوده، بل يرفض مبدأ وجود دولة قادرة على اتخاذ قرارها السيادي. المشكلة ليست في الاتفاق، بل في رفض فكرة أن: الدولة هي المرجعية الوحيدة للسلاح الدولة هي من يفاوض باسم الجميع والدولة هي من يحدد الإطار الأمني والسياسي وهنا يصبح وصف الاتفاق بالاستسلام مجرد غطاء لغوي لرفض انتقال لبنان من منطق القوى المتوازية إلى منطق الدولة الواحدة. رابعاً: منطق “الممانعة المطلقة” لا يبني دولة لبنان دفع ثمن عقود من منطق يعتبر أن كل تسوية هي تنازل، وكل تفاوض هو هزيمة، وكل انفتاح هو خيانة. النتيجة كانت واضحة: دولة ضعيفة، اقتصاد منهك، ومجتمع منقسم. الدول لا تُبنى بالرفض الدائم، بل بالقدرة على: إدارة التوازنات تقليل المخاطر وتحقيق المكاسب الممكنة بدل خسارة كل شيء الاتفاق الإطاري، مهما كانت تعقيداته، يندرج ضمن هذا المنطق: تحويل الصراع المفتوح إلى مسار قابل للإدارة والضبط. خامساً: أين الاستسلام؟ في استمرار الفوضى أم في تنظيمها؟ السؤال الحقيقي ليس إن كان الاتفاق تنازلاً أو لا، بل: هل يبقى لبنان في حالة صراع دائم غير منضبط، أم يدخل مسار تنظيم سياسي وأمني تدريجي؟ الاستسلام الحقيقي ليس في التفاوض، بل في: تعطيل الدولة تكريس ازدواجية القرار وإبقاء البلاد رهينة احتمالات الحرب المفتوحة أما الاتفاق، فهو محاولة لكسر هذه الحلقة، لا تثبيتها. سادساً: حجة “غياب التوازن” لا تلغي الحاجة إلى الدولة يُقال إن الاتفاق غير متوازن. لكن حتى في حال وجود اختلالات، فإن البديل ليس الرفض، بل التفاوض لتحسين الشروط. الدولة لا تُبنى بالانكفاء، بل بالانخراط. ولا تُستعاد السيادة بالانسحاب من الطاولة، بل بفرض حضورها على الطاولة. وما يهم في النهاية ليس شكل الاتفاق، بل هل يعزز قدرة الدولة أم يضعفها. وكل البنود التي تتحدث عن احتكار الدولة للسلاح، وتوحيد القرار الأمني، وإعادة بناء المؤسسات، تصب في اتجاه واحد: تقوية الدولة لا تفكيكها. في النهاية الدولة ليست استسلاماً… بل نقيضه إن أخطر ما في الخطاب الذي يهاجم الاتفاق بوصفه “استسلاماً” أنه يقلب المفاهيم رأساً على عقب: يجعل من الدولة خصماً، ومن الفوضى موقفاً سيادياً. لكن الحقيقة واضحة وبسيطة: الاستسلام هو عندما تعجز الدولة عن أن تكون دولة. أما عندما تبدأ باستعادة قرارها ومؤسساتها وسلطتها، فذلك ليس استسلاماً… بل بداية الخروج منه. لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دولة تفاوض وتقرر وتبني مستقبلها، أو حالة دائمة من الإنكار الذي لا ينتج سوى الانهيار. واتفاق الإطار، مهما اختلفنا حول تفاصيله، هو خطوة في اتجاه الدولة. ومن يعارضه بوصفه “استسلاماً” لا يعارض اتفاقاً فقط… بل يعارض فكرة الدولة نفسها.