شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

لبنان ـ سوريا: الأواني المتصلة!

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 12, 2026 - 23:40

هل يحق لنا أن نعقد مقارنة بين مسيرتي دكتاتورين سوريين أطاحت بهما الأحداث، أديب الشيشكلي وبشار الأسد؟ كلاهما أمسك بسوريا بقبضة من حديد (1)، ثم انتهى بهما الأمر إلى مغادرتها على نحو يليق بالطغاة حين تسقط عنهم هيبة السلطة: فراراً، وخلسة، ومن دون وداع. الأول غادر البلاد في شباط/فبراير 1954، والثاني أُخرج منها في كانون الأول/ديسمبر 2024، تاركين وراءهما أنصاراً لم يجدوا من يحميهم من غضب الناس وانتقامهم. سبعون عاماً تفصل بين الفرارين، لكن السيناريو يكاد يكون واحداً! غير أن المقارنة لا تنتهي عند هذا الحد. فثمة قاسم آخر لا يقل دلالة إذ كلاهما حاول أن يستعيد موطئ قدم في سوريا انطلاقاً من لبنان، وكأن هذا البلد الصغير كان وسيظل مرة تلوى الأخرى، منصة إنطلاق نحو دمشق.

ولعل أكثر ما يلفت في الأمر أن الرجلين، وقد تملّكهما إنكار الواقع، لم يخطر لهما أن يشكّا في شعبيتهما لدى شعب أمعنا في قمعه، ولا في الحماسة التي سيفترضان أن السوريين سيستقبلونهما بها إذا ما أتيح لهما الرجوع إلى السلطة.

وهنا يظهر لبنان في قلب الحكاية

فكما في كل مرة تقريباً، كانت المؤامرات السورية تُنسج من لبنان، أملاً في إعادة الزعماء الفارين إلى كرسي الحكم في دمشق. ولعل من المفيد التذكير بأن بلد الأرز، الذي لم يكن شديد التدقيق في هوية المنفيين والمطاردين الذين يطلبون الاحتماء بأرضه الضيقة، تحول منذ خمسينيات القرن الماضي إلى مساحة مفضلة للتآمر على الأنظمة المتعاقبة في دمشق (2).

لبنان... قاعدة خلفية

في مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، أوقفت السلطات اللبنانية عقيداً سورياً سابقاً وأربعة من شركائه. وقد ضُبط هؤلاء وبحوزتهم أسلحة فردية ومتفجرات، للاشتباه في إعدادهم لهجمات تستهدف السلطات السورية الجديدة.

ولم تكن القضية لتثير كل هذا القلق لو أنها توقفت عند حدود خلية محلية. لكن ما يجعلها أكثر خطورة أن الشبكة، وفق المعطيات المتداولة، كانت تُدار من موسكو بواسطة لواء سابق في الجيش السوري، مقرّب من بشار الأسد ولاجئ مثله في روسيا. والأكثر إثارة للريبة أن المشتبه بهم يُقال إنهم تلقوا تدريباً عسكرياً في لبنان على أيدي مقاتلين من حزب الله.

أما الغاية المفترضة، فكانت إثارة الاضطرابات على امتداد الساحل السوري، في تلك المنطقة ذات الغالبية العلوية، والتي شكلت على مدى عقود الحاضنة التاريخية لعائلة الأسد ومركز ثقلها الاجتماعي. فهل كان المقصود من ذلك تمهيد الطريق لعودة بشار الأسد إلى السلطة؟ أم أن الغاية كانت إشاعة الفوضى، وإعادة رسم حدود الخصوصية الطائفية، وتثبيت واقع الأقليات المنكفئة إلى معقلها الساحلي على المتوسط؟

لكن، في الحقيقة، ليست هذه هي المسألة التي تهمّنا.

لبنان... الحلقة الأضعف و«البطن الرخو»

ثمة حقيقة تاريخية لا يمكن تجاهلها: كل ناشط سوري، معارضاً كان أم انقلابياً، منفياً طوعاً أو مكرهاً إلى لبنان، سرعان ما يتصرّف فيه وكأنه في دارته. وهكذا، ومن دون كثير اكتراث، قد يعمل كما لو أن البلاد فتحت له أبوابها بوصفها أرضاً مباحة، فيستثمر ما فيها من شبكات وعلاقات وفرص، ليعيد بناء موقعه داخل اللعبة السياسية في بلده الأم. ألم يكن لبنان، طوال عقود، منصة انطلاق للمعارضين السوريين؟ ألم يكن ساحة لتصفية الحسابات بين الفصائل البعثية المتنازعة؟ ألم يتحول، فوق ذلك كله، إلى عمق استراتيجي لنظام دمشق؟ وليس من قبيل المصادفة أن يكون لبنان مسرحاً لاغتيال ضباط سوريين، من سامي الحناوي عام 1950، إلى غسان جديد عام 1957، إلى محمد عمران عام 1972، والقائمة تطول (3).

وهكذا وجد لبنان نفسه، جيلاً بعد جيل، أمام معضلة لا مخرج سهلاً منها: فهو، حين يمنح المهزومين والمطاردين ملاذاً، ولو نسبياً، يوفر لهم في الوقت نفسه قاعدة خلفية قد يستخدمونها لاستعادة السلطة. وحين يفعل ذلك، يصبح تلقائياً عرضة لغضب النظام القائم في دمشق، الذي تُحاك ضده المؤامرات من بيروت أو من جوارها.

إنها، ولا شك، وضعية شديدة الوطأة على بلد اختار أن يكون بلداً للجوء، ثم وجد نفسه يدفع ثمن هذا الخيار.

ومع ذلك، لا يتوقف «أصحاب النوايا الحسنة» عن تلقين اللبنانيين الدروس. فبحسب هؤلاء، على السلطات اللبنانية، وهي تستعد لافتتاح صفحة جديدة وإقامة علاقات «سليمة» مع سوريا، أن تضع حداً لمناورات المنفيين السوريين. فهؤلاء، كما يقولون، يفسدون العلاقة مع جارتنا وشقيقتنا الكبرى. لكن السؤال البديهي يبقى معلقاً في الهواء: وماذا بوسع لبنان أن يفعل؟

ولكن... لماذا لبنان تحديداً؟

لنعد إلى أديب الشيشكلي، الرجل الذي انسحب من السلطة وغادر سوريا عام 1954، فلقد عاد في العام التالي، متسللاً إلى لبنان، تحت حماية الحزب السوري القومي الاجتماعي، محاولاً أن يعيد الكرّة وأن يجد طريقه مجدداً إلى دمشق. لم تنجح المحاولة. فغاب الرجل كما يتوارى السياسيون الذين تفشل انقلاباتهم: فجأة، ومن دون أثر يوازي حجم طموحهم.

لكن المفارقة أن خصومه أنفسهم كانوا قد سبقوه إلى لبنان. ففي عام 1952، لجأ ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني إلى بلدنا، بعدما اشتد الصراع بينهم وبين الشيشكلي. ولم يلبثوا أن جعلوا من لبنان منبراً للتآمر عليه إلى الحد الذي حمله في نهاية المطاف على الضغط على حكومتنا لإبعادهم عن البلاد.

فماذا يعني ذلك؟ يعني، ببساطة، أن بيروت كانت، ولا تزال في نظر كثير من المنفيين، أكثر من مجرد محطة لجوء.

إنها مساحة سياسية مفتوحة. ولا يفسر هذا الإغراء مجرد القرب الجغرافي أو هشاشة الحدود. فهناك ما هو أعمق من الجغرافيا: تعددية النظام السياسي، وصحافة تتمتع، ولو نسبياً، بهامش من الحرية بعيداً عن قبضة الرقابة، ومجتمعات أهلية وطائفية اعتادت أن تفتح أبوابها للوافدين، فضلاً عن حقيقة أساسية وهي أن بيروت مدينة لا تعرف كيف تصمت. كل ما يقع فيها يجد طريقه سريعاً إلى الإعلام، وكل حادث، مهما صغر، يمكن أن يتحول إلى خبر تتناقله وسائل التواصل الدولية. وهذه بالضبط هي المفارقة اللبنانية. فالنظام الذي يبدو، من الداخل، فوضوياً ومترهلاً ومفتوحاً إلى حد الإفراط، يبدو، من الخارج، ملاذاً مغرياً لكل من تضيق به أنظمة بلاده.

إنها طبيعة نظام ليبرالي، نعم، لكنه فوضوي؛ متسامح، لكنه هش؛ منفتح، لكنه عاجز في أحيان كثيرة عن ضبط حدود انفتاحه. وما يعدّه اللبناني فضيلة من فضائل العيش المشترك، قد تراه الأنظمة القمعية الإنحطاط بعينه.

وماذا يكون ذلك غير اعتراف بالعجز؟

يا أيها اللبنانيون! ما ذنبكم أنكم وُلدتم في المكان الذي وضعتكم فيه الجغرافيا، وحاصرتكم فيه الحدود، ثم جاء التاريخ ليزيد الطين بلّة؟ أنتم حيث دفعتكم الجغرافيا إلى أن تكونوا: على تخوم سوريا، وعلى تماس دائم مع تقلباتها، وفي مرمى ارتداداتها. وأنتم حيث صنعكم التاريخ، وحيث لم يكتفِ بصنعكم، بل أمعن في قهركم، جسداً وروحاً. لهذا، لا تستطيعون ببساطة أن تنأوا بأنفسكم عن القدر السوري، كما لا تستطيع النخب الدمشقية والحمصية والحلبية أن تتخلى بسهولة عن طموحاتها اللبنانية، القديمة منها والمتجددة.

تلك هي لعنة الجوار. وتلك، ربما، هي أيضاً مأساة لبنان: أن يكون صغيراً في الجغرافيا، لكنه كبير بما يكفي لكي يصبح ساحة للصراعات التي تتجاوز قدرته على الاحتمال.

ليس أمامكم، في نهاية المطاف، سوى أن تتعاملوا مع الأمر الواقع. فماذا عساكم تفعلون؟

أتمنى لكم حظاً سعيداً!

1 ـلكن نظام أديب الشيشكلي، على ما انطوى عليه من استبداد وقسوة، لم يبلغ، في أيّ يوم، ذلك الدرك من الرعب الذي دأبت سلالة الأسد على ترسيخه وإدامته لأكثر من نصف قرن.

2 ـوأستعيد هنا ذكرى شخصية: كنا، نحن طلاب كلية الحقوق عام 1965، لا نفوّت فرصة لمتابعة أكرم الحوراني في مقهى «دولتشي فيتا» في الروشة. وكان النادل ينحني علينا بين الحين والآخر، ثم يدسّ في آذاننا، بخبثٍ لا يخلو من الطرافة، أن الرجل منهمك في الإعداد لانقلاب عسكري، وأن من الأفضل، حرصاً على سلامة الأمور، ألّا نزعجه!

3 ـ وإذا كنت أتجاوز بعض الوقائع والأسماء، فلأن سجلّ الاغتيالات التي يُعزى تدبيرها إلى سلالة الأسد أطول من أن يُستعاد في مقال.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل