
اللوجستيات السعودية والحرب في اليمن: حدود التحالف الثلاثي

يعرض هذا المقال الثالث من السلسلة قيام المملكة العربية السعودية، بدفع من صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) ورؤية 2030، بتطوير شبكة لوجستية واسعة تربط الموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية. ورغم أن هذه البنية التحتية ذات طابع اقتصادي في الأصل، فإنها قد تسهّل نشر الجيشين التركي والباكستاني في إطار حلف مكة. غير أن استئناف الحرب في اليمن يكشف حدود التحالف الثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، في ظل مخاطر التصعيد مع إيران.
اللوجستيات الاقتصادية والعسكرية السعودية
تحوّل صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF أو Public Investment Fund)، الذي أنشأه الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1971، في عام 2015 على يد ولي العهد محمد بن سلمان بهدف تنويع الاقتصاد السعودي وتقليص اعتماده على المحروقات.
وبتمويل من النفط والاقتراض، يدير الصندوق أصولاً بقيمة 910 مليارات دولار في عام 2026 (المرتبة الخامسة عالمياً)، ويموّل استثمارات عالمية ومشاريع وطنية عملاقة مثل نيوم (1).
وفي هذا الإطار، شرع الصندوق منذ عام 2026 في تجميع وتبسيط حصصه في قطاع النقل لإنشاء تكتل متكامل ضخم ذي أهداف لوجستية واقتصادية.

غير أن هذا التكتل قد يُستخدم عسكرياً في حال نشوب نزاع، إذ يُفترض أن يربط البنى التحتية البحرية والجوية والطرق والسكك الحديدية، بما في ذلك Saudi Landbridge، وهي شبكة سكك حديدية تربط البحر الأحمر بالخليج العربي.
وقد يصبح تطوير هذه البنى التحتية للنقل وتحديثها ضرورة قصوى في حال وقوع نزاع، بما يتيح نشر قوات كبيرة من الدول الموقعة على حلف مكة (2) في بلد تبلغ مساحته مليوني كيلومتر مربع وله حدود واسعة معرضة للخطر، ولا سيما حدوده مع اليمن والعراق، فضلاً عن قربه من إيران عبر الخليج العربي.
إعادة تأهيل خط الحجاز
يتجسد مشروع آخر لخط سكك حديدية بين تركيا والمملكة العربية السعودية في شكل ممر لوجستي رئيسي يهدف إلى إحياء سكة حديد الحجاز التاريخية وتحديثها.

جزء من سكة حديد الحجاز القديمة في وادي رم، جنوب الأردن. (AFP)
في يونيو/حزيران 2026، وقّع البلدان اتفاقات لتسريع تطويره.
في وقت السلم، سيكون هذا الخط بديلاً للمسار التجاري البحري المار عبر باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس والحوض الشرقي للبحر المتوسط؛ أما في حال نشوب نزاع إقليمي كبير، فسيوفر شرياناً برياً مباشراً لنقل المعدات العسكرية الثقيلة والمركبات المدرعة والذخائر والقوات بسرعة من تركيا إلى شبه الجزيرة العربية.

كانت استراتيجية شبكات النقل اللوجستي هذه تندرج أساساً ضمن إطار رؤية 2030، التي تهدف إلى تعزيز مكانة المملكة العربية السعودية كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.
وقد جعلت الأزمة مع إيران، ثم مع اليمن، من هذه الاستراتيجية فرصة تستجيب للرغبة في تأمين وتنويع مسارات النقل التي تربط المملكة بتركيا والعكس صحيح.
أولى المناقشات لتجسيد التعاون العسكري
خلال أول اجتماع للمتابعة في إسطنبول، في 31 أغسطس/آب 2026، يُقال إن المناقشات تناولت بالفعل التعاون العسكري من الناحية اللوجستية، ولا سيما نقل الوحدات ومستودعات الذخيرة.
وبالتالي، فإن هذا التعاون العسكري الجاري بلورته سيستفيد من استراتيجية تعزيز شبكات النقل السعودية.
خلاصة القول، تشهد السعودية تطورًا لوجستيًا بدفع من صندوق الاستثمارات العامة، بالتوازي مع تحالفها مع أنقرة وإسلام آباد، لكن لا يزال من المبكر إقامة صلة مباشرة بين المشروع اللوجستي للصندوق وآلية انتشار عسكري لأعضاء ميثاق مكة. إذ يُنظر إلى هذا الميثاق حاليًا بوصفه رسالة ردع جماعي أكثر منه بنية لوجستية ناشطة بالفعل لنقل الأسلحة في الوقت الفعلي.
ومع ذلك، إذا قرر الحلفاء الثلاثة ذلك، فإن المشروع اللوجستي لصندوق الاستثمارات العامة قد يسهّل بدرجة كبيرة الانتشار السريع لقوات تركية و/أو باكستانية على الأراضي السعودية.
وأخيرًا، لا شيء يمنع المملكة وباكستان، التي تنتشر بالفعل على الأراضي السعودية وحدات جوية-برية تابعة لها تضم أكثر من 12,000 جندي، من إجراء مناورات عسكرية مشتركة تستفيد من البنى التحتية اللوجستية «المدنية» القائمة بالفعل.
حلف مكة على المحك
يواجه الميثاق الثلاثي، ولا سيما التحالف السعودي الباكستاني الذي سبقه، اختبارًا مبكرًا مع استئناف الحرب في اليمن، حتى قبل تطبيق أي مناورات محتملة للوجستيات العملياتية المشتركة.

تُظهر هذه الصورة الملتقطة بالأقمار الصناعية، والمقدمة من بيانات كوبرنيكوس سنتينل والتي التُقطت في 21 سبتمبر 2026، مستودعات الوقود التابعة لشركة أرامكو السعودية بعد هجوم حوثي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض. (أ ف ب)
تحت وطأة العقوبات، توظّف إيران الحوثيين في اليمن لتوسيع نطاق النزاع إقليميًا وزعزعة المصالح السعودية.
بعد أن نقض الحوثيون هدنة عام 2022، باتوا يسيطرون الآن على نقاط استراتيجية، ويهددون مضيق باب المندب، ويستهدفون البنى التحتية النفطية لأرامكو، بما يخنق الاقتصاد السعودي.
ورغم أن الرياض طلبت دعم أنقرة وإسلام آباد للرد على هذا التصعيد، فقد رفض هذان الحليفان أي تدخل عسكري مباشر على الأراضي اليمنية.
المخاوف الباكستانية
بحثت هيئة الأركان الباكستانية نظريًا تنفيذ ضربات جوية انتقامية ضد مواقع الحوثيين، بالنظر إلى أن قواتها المسلحة موجودة بالفعل على الأراضي السعودية.
لكن إسلام آباد تبدي ضبطًا للنفس، رغم إعلانها استعدادها للوفاء بالتزاماتها، ما يفتح الباب أمام ضربات جوية داعمة محتملة إذا تقدمت الرياض بطلب رسمي بذلك.
صرّح وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف صراحةً بأن اتفاق الدفاع المشترك يصبح نافذًا في حال وقوع عدوان مطول أو امتداد النزاع اليمني إلى الأراضي السعودية؛ غير أن وزارة الخارجية الباكستانية كانت قد أكدت أن أي عملية عسكرية داخل اليمن ليست مطروحة على جدول الأعمال.

تبدو المخاوف الباكستانية مبررة، إذ تتشارك باكستان حدودًا بطول 900 كيلومتر مع إيران، ومن شأن الضربات المباشرة التي ينفذها الطيران الباكستاني ضد الحوثيين في اليمن، حلفاء إيران، أن تخاطر بزعزعة استقرار هذه الحدود، ولا سيما الجزء الفاصل بين بلوشستان الباكستانية وبلوشستان الإيرانية.
وعلى جانبي هذه الحدود تنتشر جماعات مسلحة متمردة، ولا سيما جيش تحرير بلوشستان (BLA – Balochistan Liberation Army) وجبهة تحرير بلوشستان (BLF – Balochistan Liberation Front) (3)؛ ويشن الجيش الباكستاني ضدها عمليات لمكافحة التمرد.

ومن الناحية النظرية، سيكون من السهل على الحرس الثوري الإيراني تحريك هاتين المنظمتين للضغط على إسلام آباد إذا تدخلت الكتيبة الباكستانية المتمركزة في السعودية ضد الحوثيين في اليمن.
وهذا أحد الأسباب التي تدفع حكومة شهباز شريف إلى تفضيل الوساطة غير المعلنة بين إيران والرياض بدلًا من التصعيد.
الموقف التركي
أما تركيا، فهي مترددة في التدخل عسكريًا في اليمن. ويُعزى ذلك إلى رغبتها في تجنب مواجهة مباشرة مع إيران، شريكها الاقتصادي والإقليمي. وتفضّل أنقرة نهجًا دبلوماسيًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة، مع إعادة توازن علاقاتها مع المملكة العربية السعودية.
إضافة إلى ذلك، تخشى تركيا أن يؤدي الانخراط العسكري إلى استنزاف قواتها في نزاع مكلف لا أفق واضح له، لذا تفضّل تركيز مواردها على أولوياتها الأمنية والدبلوماسية الخاصة في الشرق الأوسط.
المقال التالي: القوة التركية وحدودها
(1) نيوم هو مشروع مدينة ضخمة عالية التقنية في منطقة تبوك، شمال غربي المملكة العربية السعودية. أطلقه ولي العهد محمد بن سلمان في عام 2017 بوصفه حجر الزاوية في برنامج رؤية المملكة 2030، وتمتد المدينة على مساحة تزيد على 26,500 كيلومتر مربع بمحاذاة البحر الأحمر وخليج العقبة.
(2) ومع ذلك، فإن ميثاق مكة، الذي لم يُضفَ عليه الطابع الرسمي إلا مؤخرًا وواجه بالفعل اختبارًا بسبب تجدد الأعمال العدائية في اليمن، لا يزال يواجه صعوبة في تحويل طموحاته السياسية إلى واقع عملي ملموس.
(3) في يناير 2024، قصف الجيش الباكستاني رسميًا مواقع تابعة لـBLF، التي وصفها بأنها إرهابية، تقع داخل الحدود الإيرانية.