

سال الكثير من الحبر عن الشرق الأوسط الجديد وعن التحولات الهائلة التي مر بها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وتزاحم المحللون على الشاشات ليعطوا تقييماً عن مآلات الأمور في الأعوام المقبلة والمسارات التي سوف تسلكها على ضوء التغيّر الملحوظ في موازين القوى السياسيّة والعسكريّة في المنطقة. الواقع أن التغيرات كبيرة حقاً وتستحق قراءة هادئة.
فثمة من يعتبر أن النظام الإقليمي الذي أرسيت دعائمه في مطلع التسعينات، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي وتفرّد الولايات المتحدة بقيادة العالم، قد دخل في مرحلة من التقهقر على ضوء الانغماس الأميركي المباشر في حروب المنطقة، إن لم يكن افتعالها، ومن الأمثلة البارزة على ذلك غزو العراق سنة 2003 والحرب على إيران التي لا تزال تدور رحاها بشكل متقطع دون أن تضع أوزارها بشكل نهائي حتى اللحظة.
ويذهب البعض من المراقبين إلى تشبيه لحظة الأفول التي توشك الولايات المتحدة على الدخول إليها بعد حرب إيران، بلحظة أفول كل من فرنسا وبريطانيا (مع ما تملكان من ماضٍ إمبراطوري واستعماري) بعد العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956. بطبيعة الحال، الأفول هذا لا يكون بين ليلة وضحاها خصوصاً بالنسبة لقوى عظمى، تملك ما تملكه من إمكانات هائلة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
الواقع أن الولايات المتحدة لم تتمكن من النظام الإيراني منذ ثورة 1979، لا من خلال العقوبات والحصار على مدى ثلاثة عقود، ولا من خلال المواجهة العسكريّة المباشرة. بالاضافة إلى ذلك، هي لم تتمكن من توفير الحماية لحلفائها في الخليج العربي ما طرح تساؤلات جوهريّة لدى هؤلاء عن الجدوى من القواعد العسكريّة الأميركيّة في المنطقة. وتعتبر تلك الدول اليوم أنها تدفع أثماناً لحرب لم تشارك في قرار إشعالها، ولم تبلغ بها، لا بل تم تجاوزها رأيها المعارض لها بالمطلق.
وما فاقم الأمور أن هذه الحرب قد ولدت تعقيدات تتصل بحركة الملاحة البحريّة في مضيق هرمز وطرحت إشكاليات جديدة لم تكن مطروحة قبلاً، وعرّضت إنسيابيّة حركة تجارة النفط فيها إلى مخاطر وعثرات كثيرة. كما أن قيام واشنطن بقصف مواقع تخزين المياه في إيران، وقيام إسرائيل بقصف مستودعات النفط، قد عرّض تلك الدول لمخاطر قصف مضاد كان من الممكن أن يجعل بعضها غير قابلة للسكن.
وبالتالي، يبدو من المحق التساؤل عمّا إذا كانت هذه الحرب الأخيرة قد ساهمت في تكريس النفوذ الأميركي في المنطقة أو أنها أسست لاضعافه؟ صحيح أن نظام 1991 (ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي) قد ساهم في تأمين المصالح الأميركيّة بشكل مباشر مثل إنسيابيّة حركة النفط، التمتع بنفوذ شبه كامل لا تعترضه روسيا أو الصين، الاستفادة من صفقات كبرى مع دول الخليج العربي، توفير الأمن لإسرائيل، محاربة "الإرهاب"، وما إلى ذلك من العناوين التي تهتم بها واشنطن. إلا أن ذلك لم يمنع حصول حروب ونزاعات وقلاقل في العديد من البلدان مثل سوريا واليمن والسودان ولبنان وليبيا ومواقع أخرى، طبعاً من دون إغفال فلسطين الذي بقي الترداد الأميركي لشعار حل الدولتين خالياً من أي ضغط حقيقي على إسرائيل للامتثال له، لا بل هي تقوم بنقيضه تماماً من خلال التوسع الاستيطاني في الضفة الغربيّة ورفض الانسحاب من غزة التي أبادت الآلاف من أهلها ودمرتها أصلاً.
كما سقطت الشعارات التاريخيّة التي رفعتها واشنطن باعتزاز حول الحريات والديمقراطيّة وحقوق الإنسان من خلال الدعم اللامحدود الذي وفرته إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لحكومة نتنياهو بعد السابع من أكتوبر 2023، تماماً كما أسقطتها مراراً عندما تحالفت مع أنظمة تسلطيّة وفرت لها مصالحها على مدى سنوات.
إلا أن ذلك لم يعن قط لواشنطن عدم إدارة الظهر لحلفاء لها عندما شعرت أن أوراقهم السياسيّة قد احترقت، وهو ما حصل مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك سنة 2011، الأمر الذي أعطى إشارة شديدة السلبيّة للحلفاء الآخرين الذين شعروا أن الولايات المتحدة لن تقف إلى جانبهم في حال تصاعد التوتر الداخلي في بلدانهم.
مهما يكن من أمر، من الواضح أن ثمّة تقاطع مصلحي بين إيران وإسرائيل على إبقاء الشرق الأوسط في حالة من التوتر والتفلت، ولو تفاوتت أسباب وذرائع كل منهما. ومن الواضح أيضاً أن الولايات المتحدة قد فرغت من الأدوات التي يمكنها استخدامها لثني أي منهما عن هذه السلوكيات، لا حليفتها المدللة، ولا خصمها اللدود.
هل تستطيع واشنطن التفكير برسم سياسة شرق أوسطيّة جديدة؟ لعل ذلك لن يكون متاحاً في عهد الرئيس الحالي دونالد ترامب. ولكن أي سياسة لا تلحظ التفكير بالتخلي عن تغطية الإفلات من العقاب، أو دعم الحلفاء بمعزل عن علاقتهم بشعوبهم، أو الإصرار على اعتماد الخيارات العسكرية مع الأخصام، لن تؤدي سوى إلى المزيد من التلاشي والتراجع. بعد سنوات، من قد يملأ النفوذ الأميركي؟ هذا هو السؤال!