
سوف يمر وقت طويل قبل أن يستعيد لبنان استقراره التام، لا بل الخطورة تكمن في التعايش مع الاهتزازات التي يشهدها راهناً وفقاً للصورة التالية: أرض الجنوب محتلة وسط إجراءات ميدانيّة متزايدة من الاحتلال لا توحي أن ثمة إنسحابات عسكرية في المدى المنظور تؤكدها تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، انقطاع تام للحوار السياسي الداخلي، استمرار الحرب الأميركيّة- الإيرانيّة بأشكال ومستويات مختلفة.
واضحٌ أن المفاوضات، ولو أنها الخيار الوحيد أمام اللبنانيين، تعاني من التعثر، وهذا التعثر مرتبط حتماً بالإرادة الإسرائيليّة التي لا ترغب في تغيير الوضع المستجد في جنوب لبنان، فهي عمليّاً تمكنت بشكل أو بآخر من تجميد فاعليّة أعمال المقاومة، أو أقله إضعافها بشكل ملحوظ، ولا تزال تمتلك حرية الحركة في قصف القرى والبلدات والمناطق الجنوبيّة دون أن تحتاج حتى لتبرير تلك الضربات، ومنها مثلاً ما أدّى إلى سحق أكثر من 60 بلدة بالكامل، بخسائر تٌقدّر بنحو 11 مليار دولار وكلفة نزوح شهريّة تتجاوز 100 مليون دولار وفق وزير الاقتصاد اللبناني.
وإذا كانت الخطوات الرسميّة السريعة التي ترمي إلى ملء الفراغ والتعامل مع الواقع المستجد جنوباً (زيارة رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون إلى النبطية وبعض القرى، الزيارات المتلاحقة للوزراء ومحاولة توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسيّة للقرى المنكوبة…) هي خطوة محمودة ومطلوبة وتساهم في ردم الهوّة التاريخيّة بين أهل الجنوب والدولة (ولا بد من أخذها في الاعتبار وعدم إشاحة النظر عنها)؛ إلا أن حالة المراوحة في إيجاد الحلول من شأنها تأجيج الخلافات وتعميق الانقسام الداخلي الذي يستفيد منه حصراً الاحتلال الإسرائيلي.
لقد عانى الجنوب اللبناني لسنواتٍ طويلة من الاعتداءات الإسرائيليّة حتى في مرحلة ما قبل التواجد الفلسطيني في لبنان ونشوء حزب الله، وثمة أرقام ودراسات تؤكد ذلك (يمكن مراجعة العدد 147 من مجلة "الدراسات الفلسطينية"- صيف 2026 ص 221- 239). ولعل هذا يناقض تماماً النظريات التي يروّج لها المهرولون نحو التطبيع المجاني واتفاقات السلام التي تبدو وهميّة أكثر من أي وقت مضى لا سيّما على ضوء الاختلال الكبير في موازين القوى التي أفرزته الحرب الأخيرة في العام 2024 ومن ثم توسعت في العام 2026 ولا تزال مفاعيلها قائمة ليومنا هذا.
ولكن، السؤال الجوهري: هل يعني هذا التراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة تطبيقاً لاتفاق الطائف؟ لقد سقطت نظرية "توازن الردع" أو "توازن الرعب" التي كان ينادي بها حزب الله أقله منذ ما بعد حرب تموز/ يوليو 2006 إلى العام 2024. وتبيّن أن كل الشعارات التي رُفعت إما أنها كانت منفصلة عن الواقع أو أنها تعرّضت لانتكاسات لم تكن متوقعة وهذه أيضاً مشكلة لا تقل خطورة عن الأولى.
وإذا كان البعض من اللبنانيين يتوهم بأن قضيّة حصر السلاح منفصلة عن مجريات الواقع الإقليمي لا سيما على خط الحرب الأميركيّة- الإيرانيّة فهو مخطىء، أو أن بالإمكان معالجتها من خلال دفع الجيش اللبناني إلى معالجتها عسكرياً، فهذا خطأ أيضاً ليس لأنه لا يحق للجيش بسط السلطة الدولة دون مشاركة من أحد، فهذا حق وواجب لا يجوز التراجع عنه؛ بل لأن المسألة أعقد من ذلك وأعمق من أن تُعالج عسكريّاً أو أمنيّاً.
لقد انتهجت إيران سياسة الأذرع الإقليميّة في لبنان واليمن والعراق وسواها من الساحات، و"استثمرت" فيها على مدى عقود المليارات من الدولار ودعمت ذلك "الاستثمار" بمظلة عقائديّة زرعتها في نفوس مؤيديها ما جعل الاستشهاد هدفاً والموت في سبيل "القضيّة"غاية ومرتجى، وصعّب ذلك من الأمر وأضاف إلى تعقيداته. وإذا أضيفت الظروف الصعبة التي عاشها الجنوبيون قبل وخلال الحربين الأخيرتين إلى هذه العناصر، لأمكن القول أن المسألة لن تحل بسحر وساحر وأن ثمة حاجة جديّة للتعامل معها بكثير من المسؤولية والوعي من دون التراجع عن المسلمات الأساسيّة وفي طليعتها تمكين الدولة من ممارسة صلاحياتها ودورها دون مشاركة من أحد.
لقد انتقل لبنان من واقع التحرير الكامل سنة 2000 إلى نقاط خمس محتلة في العام 2024 إلى نحو 6 بالمئة من أراضيه بواقع يزيد عن 60 قرية محتلة في العام 2026، ولا تزال سياسة القضم الإسرائيليّة مستمرة، ولا يبدو أن هناك من سيوقفها: لا المفاوضات ولا المقاومة ولا الراعي الأميركي الذي يمنحها الضوء الأخضر.
أمام اللبنانيين الكثير من العمل، وذلك لا يبدأ إلا من خلال بلورة رؤية وطنيّة لكيفيّة معالجة الاختلالات القائمة الراهنة والتي تنذر بعواقب وخيمة.