شعار Levant Time

قراءة هادئة

لبنان: خطوط النار في الداخل والخارج
بقلم
رامي الريّس
نُشر
أغسطس 17, 2026 - 18:36

في الوقت الذي تتجه فيه دول المنطقة للبحث في آليات وتحالفات تتيح لها تقليص إتكالها الأمني الكامل على الولايات المتحدة الأميركية (إن لم يكن الخروج المطلق من عباءتها)، وفي طليعتها التحالف التركي- السعودي- الباكستاني كنموذج واضح عن هذا الاتجاه؛ يتجه لبنان الرسمي إلى المزيد من الاتكال التام على واشنطن في معظم ملفات سياسته الخارجيّة وليس حصراً مسألة المفاوضات اللبنانيّة- الإسرائيليّة المباشرة التي انطلقت في واشنطن وتُستكمل في روما (وليس باريس مثلاً وهذه ليست صدفة). بطبيعة الحال، لا يستطيع لبنان أن يقارن موقعه وحضوره ودوره بأي من الدول الاقليميّة الكبرى الثلاث، أو أن تكون مقارباته مماثلة لأي منها نظراً لامتلاكها مقدرات في المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة، وليس ثمة من يستطيع أن يؤكد أصلاً ما إذا كان لبنان قادر على الانفكاك عن واشنطن أو إذا كان يملك خيارات أخرى تتيح له ذلك. كما أنه ليس هناك ما يشير إلى أن ذلك مطلوب أصلاً في ظل الدور الأميركي الكبير على الصعيد الدولي والإقليمي. وإذا كان هناك من يعتبر أن ما أوقف الحرب عملياً هو المفاوضات السياسيّة المباشرة (وفي ذلك شيء من الصحة حتماً)، فإن لبنان يحتاج إلى رسم سياسة خارجيّة أكثر نشاطاً وفاعليّة تتيح له حشد الدعم الدولي لقضيته العادلة والمطالبة الحثيثة بالانسحاب العسكري الإسرائيلي الكامل حتى الحدود الدوليّة المعترف بها (والتي أقرت بها إتفاقيّة الهدنة بين لبنان وإسرائيل في العام 1949 إلا أنه تم إغفالها بالكامل في المفاوضات الأخيرة). صحيحٌ أن واشنطن لن تقبل أن يزاحمها أحد على دورها المستعاد في لبنان، وأنها تريد أن تحتكر هذه "الساحة" لتنفذ منها لتحقيق إنجاز سياسي ما على الصعيد الإقليمي خصوصاً على ضوء المراوحة التي يشهدها الملف الإيراني بين القصف والتفاوض وعدم تمكن أي من المسارين للحسم باتجاهه؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الارتكاز الحصري على طرف دولي دون سواه، مهما بلغت قوته، لا يؤتي حتماً بالثمار المطلوبة. ولعل أبرز مثال في هذا الأمر يتصل بتهميش الدور الفرنسي إلى حدوده الدنيا وهو غير معهود في العلاقات اللبنانيّة- الفرنسيّة "التاريخيّة". ومع الإقرار بحتميّة الدور الأميركي بالنظر إلى الظروف السائدة وموازين القوى الراهنة التي أنتجتها الحروب المستعرة في العامين الماضيين، يبقى المأمول طبعاً أن تمارس واشنطن المزيد من الضغط على حليفتها المدللة بما يحقق الانسحاب ويقطع الطريق أمام شهوة إسرائيل المفتوحة على أرض الجنوب (نشر الخرائط المشبوهة، شق الطرقات وإقامة المراكز العسكريّة في المنطقة المحتلة،…). وما لم تتولد قناعة أميركيّة بأن إقامة الدولة في لبنان يصب في مصلحة الاستقرار في الداخل وفي المنطقة، وتترجم هذه القناعة من خلال مواقف ملموسة تؤدي إلى نتائج عمليّة في جنوب لبنان؛ سيبقى الوضع على حاله من الدوران في حلقة مفرغة: السلاح أم الانسحاب، أو الإنسحاب ثم السلاح؟ وبالمناسبة، ليس من الضرورة أن يصب هذا الخيار (إقامة الدولة في لبنان) في مصلحة إسرائيل، وهو على الأغلب ليس كذلك، لأنه يتيح لها تفريغ حقدها التاريخي على لبنان المتنوع الذي يناقض هويتها الآحاديّة الآخذة في المزيد من التطرف. إن قيام الدولة في لبنان ومدخله حصر السلاح (وليس نزعه) هو المدخل الصحيح والوحيد للخروج من الواقع الذي نقيم فيه، فهو يتيح للجنوبيين أن يثقوا بأن ثمة دولة تحميهم وتحتضنهم وتوفر لهم مقومات العيش الكريم بعيداً عن خطابات التهميش والإهمال التي تعززها خطابات طائفيّة مقيتة تغلف نفسها بشعارات مريضة تنم عن كراهيّة من شأنها أن تؤسس لنزاعات أهليّة ظنّت غالبيّة اللبنانيين أنها طويت إلى غير رجعة. وقيام الدولة في مجتمع تعددي ومتنوع مثل لبنان لا يقوم على قاعدة الحكم بالسيف، ولو أن الرخاوة الزائدة هي مقتلة لمشروع الدولة. إنه يقوم على قاعدة بناء مساحات المصلحة المشتركة التي تمثلها الدولة والتي لا يُتاح استبدالها من أي طرف مهما بلغت قوته، وهو ما أثبتته التطورات في لبنان على مدى سنوات بعد دوران فائض القوة على الطوائف تباعاً. لذا المطلوب من الدولة اللبنانيّة أن تقوم هي بالخطوات الضرورية لبناء نفسها وألا تستبعد خيار التحاور مع أي كان في الداخل والخارج بهدف تحقيق هذا الهدف، حتى لو تطلب الأمر فتح حوار مع الجهات التي تدعم أطرافاً معينة في لبنان بدل أن تدعم الدولة. لماذا لا تذهب الدولة لصياغة تفاهمات إقليميّة بغطاء دولي توفر لها القدرة على أن تترجم مشروعها في لبنان: مشروع الدولة. هل هذا أكبر من قدرة الدولة؟ ربما ولكن، فلتكن المحاولة. أخيراً، إذا كانت المناداة بحوار في الخارج تبدو ضرورية للخروج من عنق الزجاجة، فالحاجة لا تقل إلحاحاً عن حوار مطلوب في الداخل، لا يرتدي الطابع الفولكلوري الذي قد تقتصر نتائجه على تفاهمات لفظية لا تشق طريقها إلى التنفيذ، بل يسعى جدياً إلى إقامة السقوف المطلوبة داخلياً: لا تراجع عن مشروع قيام الدولة ومدخله حصر السلاح، ولا تغذية لمشاعر التهميش والإهمال عند شريحة معينة من اللبنانيين. بين هذا وذاك، لا بد من مساحة ما يتم خلقها مهما بلغت الصعاب.

لماذا يُشكّل فتح صفحة جديدة بين لبنان وسوريا ضرورة قصوى؟
بقلم
رامي الريّس
نُشر
أغسطس 8, 2026 - 17:51

كثيرة هي الموروثات بين لبنان وسوريا، وكثيرة هي الفرص أيضاً. الماضي بين البلدين ثقيل جداً من الاستقلال تحت عباءة الانتداب في العام 1920 إلى الاستقلال الفعلي سنة 1943، إلى المراحل الأخيرة، تتزاحم الملفات التي تجعل العلاقات الشائكة بين البلدين حالة شبه دائمة. ولكن آن الأوان لهذا الأمر أن ينتهي، وأن تُفتح صفحة جديدة عنوانها الأساسي الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخليّة. لا تزال ماثلة في أذهان اللبنانيين تجربة الوصاية المرة التي عاشوها منذ الدخول السوري إلى لبنان سنة 1976 إلى الانسحاب العسكري في 26 نيسان/ أبريل 2005 على وقع ردود الفعل الدولية التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير من العام ذاته. وإذ يتطلب تحليل أسباب الدخول السوري مقالات أخرى، فإن المرحلة التي شهدت ذروة الوصاية كانت بعد الانخراط السوري في عملية تحرير الكويت (1990) وقد نالت سيطرتها على لبنان كنوع من "المكافأة". ويذكر اللبنانيون طبعاً كيف تحولت الإدارة السوريّة للبنان كنوعٍ من الإدارة المباشرة من خلال مركز المخابرات السورية في عنجر و"البوريفاج" وسواها من المواقع التي كان رموز النظام السابق يتعمدون إذلال المسؤولين اللبنانيين فيها ويصدرون أوامرهم لهم بكثير من الفوقيّة وعدم الاكتراث للحد الأدنى من الكرامة الوطنيّة. وغنيٌ عن الذكر طبعاً الاغتيالات السياسيّة التي نفذّت في لبنان واستهدفت قادة الرأي والفكر ورجال السياسة من كمال جنبلاط إلى رفيق الحريري وكل من بينهما، والترهيب والاعتقالات ومصادرة الرأي والحريات بحيث كادت سلطة الوصاية أن تحوّل لبنان إلى نظام مشابه للنظام السوري مع انتخابات صوريّة لا تقدّم ولا تؤخر بل هدفها الوحيد إتمام المشهد السياسي. المهم أن هذه الصفحة قد طويت، ولكن الأهم هو البحث الجدي في كيفيّة بناء علاقات مستقبليّة متينة قائمة على الثقة والاحترام والمصالح المشتركة، وفي كيفيّة تلافي إنزلاق أي من البلدين للاضرار بالآخر أو السطو عليه كما حدث في المرحلة المنصرمة. ومن الضروري أن تخرج بعض الأوساط الرسميّة وغير الرسميّة اللبنانيّة من دائرة التردد أو عدم الاكتراث لتطوير هذه العلاقات في الاتجاه الصحيح بما يخدم مصلحة البلدين. لقد شكلت خطوة إلغاء المجلس الأعلى اللبناني- السوري خطوة صحيحة على درب إعادة العلاقات إلى وضعها الطبيعي أي علاقات قائمة بين دولتين مستقلتين تماماً تربطهما مصالح عديدة مشتركة تنظم وفق المسارات الديبلوماسيّة المعتادة أي من خلال السفارات، وممكن رفعها إلى مستوى لجان مشتركة أو وزارية تعالج مسائل قطاعيّة محددة بذاتها. ولكن، مع كل ما ورد أعلاه من ضرورة إعادة "الاستقامة" إلى العلاقات بين لبنان وسوريا، لا مفر من الخروج من بعض العقد التي تعيق التقدم في العديد من المجالات، دون أن يعني ذلك العودة إلى الصيغ القديمة لا سيما في مجال السياسة الخارجية. فإذا كان من غير المقبول قطعاً العودة إلى صيغة "وحدة المسار والمصير" التي سيطرت على السياسة الخارجية اللبنانية في حقبة التسعينات وأدّت عملياً إلى إفراغ القدرة اللبنانية على صياغة سياسة مستقلة خارج الفلك السوري؛ فإن ذلك لا يعني انقطاع التنسيق خصوصاً في المجال الإقليمي والنزاع القائم مع إسرائيل. لبنان وسوريا يعانيان سوياً من التوسع العسكري الإسرائيلي، فالأول نال قسطه من الدمار والاحتلال في حربين متتاليتين، والثانية شهدت أيضاً إحتلالاً لمساحات جديدة، وكلاهما يعانيان من انتهاك يومي لسيادتهما الوطنية. وإذا كانت فكرة المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل ليست مطروحة لبنانياً أو سورياً، إلا أن تنسيق المواقف السياسيّة والديبلوماسيّة مفيد جداً لكلا البلدين. أما في المجال الأمني، فالتنسيق أكثر من ضروي لتفكيك ما تبقى من شبكات إتجار بالمخدرات والكبتاغون والاتجار بالبشر والتهريب وهو ما يجب أن يتم بحزم من الجانبين لأنه يلحق ضرراً كبيراً بكل منهما. وفيما يخص مجالات التكامل الاقتصادي والكهربائي والتجاري، فهي عديدة وعديدة جداً وتتطلب إهتماماً خاصاً من السلطات الرسميّة في كلا البلدين. إن طي صفحة الماضي لا يكفي بل المطلوب التفكير الجدي بالمستقبل خصوصاً أن المنطقة تشهد تغيّرات غير مسبوقة على مختلف المستويات، والتهديدات الإسرائيليّة بلغت أيضاً مراحل متقدمة مما يجعل هذا "التناغم" اللبناني- السوري بالحد الأدنى ضرورة ملحة.

الاستيعاب لا الصدام!
بقلم
رامي الريّس
نُشر
يوليو 26, 2026 - 07:49

صحيحٌ أن الترجمة السياسيّة والعمليّة لزيارة رئيس الجمهورية اللبنانيّة جوزف عون إلى البيت الأبيض سوف تتطلب وقتاً وجهوداً مكثفة للعديد من الأسباب، ولكن الصحيح أيضاً أن الشكل له تأثيره في العلاقات بين الدول، خصوصاً عند رئيس غير قابل للتنبؤ مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعروف عنه تغليبه في بعض الأحيان الجانب الشخصي على الشق المؤسساتي في علاقاته مع رؤساء الدول والحكومات حول العالم، ذلك أن مشهد تقريع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلنسكي في المكتب البيضاوي أمام عدسات الإعلام لا يزال ماثلاً في الأذهان. من هنا، لا يمكن القفز فوق الاعتبارات الشكليّة التي تفعل فعلها في القمم بين الرؤساء، خصوصاً بالنسبة لبلد صغير مثل لبنان، لا يملك سوى سمعة أبنائه الناجحين في كل أقاصي الأرض، الذين يندمجون في المجتمعات التي يهاجرون إليها ويصلون إلى أعلى المناصب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. وحتى اللحظة، يبدو أن المقولة القديمة الشهيرة "قوة لبنان في ضعفه" قد عادت لتطل برأسها على الواقع اللبناني خصوصاً مع سقوط كل الشعارات المتصلة بتوازن الردع وما إلى ذلك من العناوين التي صارت غير ذات مغزى بعد حربي 2024 و2026. ولكن، مهما يكن من أمر، هو شعار سيء للغاية والعودة إليه غير مقبولة. وإذا كان صحيحاً أن لبنان لن يتمكن من بناء ترسانة عسكريّة لحماية أرضه وحدوده أسوة بسائر الدول، ولكن الاتكال حصراً على "أصدقاء لبنان" كما اقترح أحد السياسيين ليس هو الحل أيضاً. لا يمكن بناء ديبلوماسية دولة معينة وسياستها الخارجيّة فقط على "الصداقات"، فليس ثمة صداقات دائمة في السياسة، إذ ما قد يتطابق مع مصلحة دولة ما في لحظة، قد يتغيّر في وقت لاحق دون تفسير أو تبرير. ولكن، ما يوازي القمة الأميركيّة- اللبنانيّة بالأهميّة، هو الكلام السياسي الهام الذي قاله رئيس الجمهوريّة في إحتفال السفارة اللبنانيّة في واشنطن والذي عكس فيه فهماً عميقاً للمعضلات الماثلة أمام الوضع الراهن، وسبل تجاوزها بما يوفق بين تحقيق المصلحة الوطنيّة العليا والسيادة وحصر السلاح بيد الدولة، وبين عدم تفجير الوضع الداخلي أو نقل الصراع إلى الساحة المحليّة بما يؤثر على الاستقرار والسلم الأهلي. وكلام الرئيس عن أن حزب الله ليس فرقة مرتزقة كلام مهم، فهؤلاء هم أبناء الجنوب، حتى ولو وقع الخلاف معهم من قبل قسم كبير من اللبنانيين، وحتى لو أن عقيدتهم الدينيّة صارت جزءاً من مشروع سياسي تتعدّى مرتكزاته حدود لبنان وقدراته. فالتعامل مع هذه الحالات لا يكون بالصدام العسكري (الذي لن يُكتب له النجاح أصلاً وسيحول مجريات الصراع من موقع إلى آخر)، بل بالاستيعاب، وهو لا يتحقق إلا من خلال رؤية متكاملة يمكن من خلالها إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع اللبناني وبين الدولة. إن الهوّة بين تلك المكونات والدولة آخذة في الاتساع للعديد من الأسباب: منها ما يتعلق بالعقيدة التي تشربتها شرائح معيّنة وليس من السهل عليها تجاوزها أو مناقضتها بطروحات مقابلة سياسياً أو إجتماعياً وبطبيعة الحال دينياً ومنها ما هو مرتبط بتراكمات تاريخيّة تتعلق بعدم قدرة الدولة (وأحياناً عدم إكتراثها) لحماية الجنوب وأهله وتركه عرضة للاعتداءات الإسرائيليّة (حتى في مرحلة ما قبل نشوء حزب الله)، ومنها ما هو مرتبط أيضاً بضعف الدولة وامكانياتها وتمركز اقتصادها في العاصمة والمدن الكبرى وإهمالها المتعمد أو غير المتعمد للأرياف والزراعة والحرف والصناعات المحليّة الخفيفة التي تساعد في صمود أبناء المناطق في أرضهم. لذلك، يبدو تزامن الخطوات في المرحلة المقبلة مسألة ضرورية على ضوء الردم التدريجي لتلك الهوة السحيقة المشار إليها أعلاه، وهي تتمحور حول ضرورة أن تتولى الدولة ملء الفراغ مباشرة على المستوى السياسي والأمني والإقتصادي، وأن تبادر إلى الحضور حيث كانت غائبة منذ زمن. والخطوة الرمزية التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام بغرس العلم اللبناني في زوطر الغربية عقب الانسحاب الإسرائيلي تصب في هذا الإطار، وثمة حاجة أن تُستكمل بخطواتٍ مماثلة على مختلف المستويات. وإذا كان هذا جانب من المطلوب على المستوى الداخلي، فإن المطلوب خارجياً هو دعم الجيش اللبناني باعتباره الحصن المنيع للسلم الأهلي، بما يمكنه من القيام بواجباته في هذا المجال، وفي المجال الموازي المتصل بحصر السلاح الذي لا بد من تحققه تطبيقاً لاتفاق الطائف قبل أن يكون تطبيقاً لهذا المطلب الخارجي أو ذاك، ودرءاً للمزيد من الحروب المتفلتة من أي ضوابط والتي أتت على دمار البلد وانكساره مراراً وتكراراً. إن تقوية الجيش اللبناني وتعزيز قدراته وبنائها هو بمثابة حجر الزاوية للمرحلة المستقبليّة، دون المس بعقيدته القتالية أقله ليس قبل جلاء الصورة الجنوبيّة والانسحاب الإسرائيلي الكامل واستعادة الأرض المحتلة. وحدها الدولة هي الضامن الأساسي لجميع اللبنانيين حتى ولو أنها لا تملك في هذه اللحظة السياسيّة القدرة على توفير المظلة الآمنة بالكامل، بل إن جانباً من قدرتها على القيام بواجبها متصل بقدرتها على جمع اللبنانيين حول مشروعها لأن كل المشاريع الموازية أثبتت فشلها الذريع.

لبنان بين وصايتين: إعادة تشكيل النصاب الوطني
بقلم
رامي الريّس
نُشر
يوليو 13, 2026 - 15:18

إذا كانت الملاحظات على الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركيّة هي عديدة وعميقة ومحقة ومشروعة على ضوء إخفاق النص في تقديم أي مكتسبات جديّة للبنان؛ إلا أن ذلك لا يعني القبول بالالتحاق بمسار إسلام آباد أو إتفاق سويسرا بين واشنطن وطهران الذي شهد إنهياراً غير مفاجىء على ضوء الكثير من العوامل السياسيّة وغير السياسيّة. فإتفاق سويسرا الهش يعكس بوضوح حالة انعدام الثقة بين الطرفين المتنازعين التي لا تتوانى تل أبيب عن تغذيتها وتعميقها بما يتلاءم مع مصلحتها المباشرة في استئناف الحرب من حيث انتهت بما يتيح لها المزيد من التدمير للقدرات الإيرانية (حتى ولو لم يؤدِ ذلك إلى سقوط النظام وفق التوقعات أو الأمنيات في المراحل الأولى للحرب)، وبما يسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كسب المزيد من الوقت وتحسين صورته الشعبيّة على مشارف الانتخابات التشريعيّة، والتهرّب أيضاً من إجراءات المحاكمة وتسويف إجراءاتها وإبطاء خطواتها. ويستطيع مؤيدو الخيار التفاوضي في لبنان (بمعزل عمّا إذا كان مباشراً أم غير مباشر إذ أن هذا الأمر تجاوزته الأحداث) أن يفاخروا الآن بأن هذا الخيار يجنّب لبنان أن يرتبط بشكل مباشر اندلاع الحرب مجدداً بين واشنطن وطهران. صحيحٌ أن الحرب لم تتوقف في لبنان وأن الانتهاكات الإسرائيليّة للسيادة اللبنانيّة لا تزال متواصلة بصورة يوميّة، إلا أن المرحلة لم تصل إلى انهيار الجبهة تماماً كما حصل في الأشهر الماضية (أقله حتى اللحظة) ولعل ذلك مرتبط بتسريب نُقل عن الإدارة الأميركيّة بأنها أبلغت نتنياهو بأن المسار اللبناني ليس مرتبطاً بانهيار اتفاق سويسرا. ولكن، مع هذه الملاحظة الجوهريّة المرتبطة بحق لبنان الحصري بالتفاوض عن نفسه، وبحقه أيضاً بأن يرفض أن تفاوض دولة أخرى عنه، بما يناقض الحد الأدنى من مقومات السيادة (التي من المسلم أن يرفض انتهاكها من أي جهة أتت)؛ إلا أن ذلك لا يلغي حق الأطراف اللبنانيّة نقد الإتفاق الإطاري وتقديم الملاحظات حوله دون أن تنطلق اتهامات التخوين من هنا وهناك. صحيحٌ أن الإنهاك الجماعي اللبناني من دوامة الحروب المتتالية التي تعيد إنتاج نفسها قد وصل إلى مستويات متقدمة، وأنه لم يعد من الجائز لأي طرف أن يقحم البلاد بصراعات تفوق قدرته على الاحتمال، وأن واقع الدمار الشامل في الجنوب اللبناني بات يحتّم الخروج من المقاربات التقليديّة القائمة على إشعال الحروب دون طائل؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الثغرات المتعددة التي يشملها اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل غير مقبولة، ولا تتطابق مع المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة وهي تتطلب من لبنان الرسمي الإقرار بها والتعامل معها بوصفها ثغرات تستحق إعادة التفاوض حولها. عمليّاً، ما يقوّي الموقف الرسمي اللبناني هو إعادة بناء الإجماع على مسار التفاوض الذي يحظى بدعم عريض من خلال وضع خطة تفاوضيّة محكمة ترتكز على مبادئ وثوابت وطنيّة لا يمكن إشاحة النظر عنها وفي مقدمها جدولة الانسحاب والاحتفاظ بحق المقاضاة للمعتدي أمام المراجع الدوليّة. الأكيد أن تقوية الموقف الرسمي لا يكون بإنكار حق الفرقاء اللبنانيين بانتقاده أو- بما هو أخطر من ذلك بدرجات- بالموافقة على إدخال المحتل الإسرائيلي في ديناميكيات تنفيذ قرارات أساساً اتخذتها السلطات اللبنانيّة وتحديداً موضوع حصر السلاح الذي هو أصلاً قرار شائك ومعقد، ولا يمكن التراجع عنه بما يساعد في قيام الدولة الفعليّة في لبنان بعد تأخير لم يعد محمولاً أو مقبولاً. ولكن، في نهاية المطاف، لا يمكن الركون إلى فكرة أن الدولة اللبنانيّة قد تستدعي أو تستعين بإسرائيل لاتمام مهمة حصر السلاح، أو أن تضع الجيش اللبناني في موقع الاختبار من قبل الجيش الإسرائيلي حيال مهماته الوطنيّة والعسكريّة، وأن يكون تحت وصاية أمنيّة أعلى منه. إن هذا الأمر، حتى لو لم يكن مقصوداً عند المفاوض اللبناني أو أنه بطبيعة الحال من أهدافه، إلا أنه أحد النتائج العمليّة لاتفاق الإطار: غياب الجدولة الواضحة للانسحاب (التي سُميّت أصلاً إعادة انتشار)، وبدعة المناطق التجريبيّة التي تُخضع عمليّاً الجيش اللبناني لامتحان يومي سوف يضعه في الحد الأدنى في مواجهة محليّة تتمكن من خلالها إسرائيل من نقل الصراع إلى الداخل اللبناني وتوسع عبره دائرة النزاع. إنما، في مقابل ذلك، لا مفر من أن تنضبط بعض الجهات اللبنانية ضمن النصاب الوطني العام الرافض للحرب والذي لا يريد أن يكون لبنان وقوداً أو ساحة مرة أخرى لتصفية الصراعات الإقليميّة التي يبدو أنها آخذة في التصاعد، وأن تنظر إلى المصلحة الوطنيّة العليا بما يتيح ردم الهوة السحيقة التي نشأت بينها وبين سائر مكونات المجتمع اللبناني، وأن تجري قراءة عميقة للتغيرات التي حصلت خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة والتي تحتّم بناء مقاربات مختلفة لتحرير الأرض والانطلاق نحو مرحلة جديدة. وعلى الرغم من عدم إمكانيّة تبرئة إسرائيل من مشاريعها العدوانيّة في لبنان وفلسطين وسوريا، إلا أنه لا بد من الإقرار أيضاً بأن قرار الدخول في حربي الإسناد كان قراراً متسرعاً ومدمراً ولم يحقق الأهداف المرجوة منه، وأنه أدى إلى خسائر هائلة في البشر والحجر بددت إنجاز التحرير التاريخي الذي تحقق في 25 أيار/ مايو 2000 بحيث انسحبت إسرائيل للمرة الأولى من أرض عربيّة دون قيد أو شرط، ودون إتفاق سلام أو حتى اتفاق ترتيبات أمنيّة بما ظهر وكأنه هروب وخروج مهين، انتقمت لنفسها منه في الحربين الأخيرتين، ولا تزال. وبكل وضوح، لبنان لا يستطيع أن يقدّم الإسناد لطهران وليس المطلوب منه ذلك، فهذا أكبر بكثير من طاقته على الاحتمال. أما التصريحات التي تقول بأن حزب الله لن يترك إيران وحدها في مواجهة الولايات المتحدة، فهي تنمّ إنكار شديد للواقع المستجد وغياب الحد الأدنى من الرؤية الاستشرافيّة للمرحلة المستقبليّة، ناهيك عن أنها تضرب في الصميم المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة. أسوأ ما يمكن أن يحصل للبنان واللبنانيين أن يخضع لحرب وصايتين عليه: وصاية أميركيّة- إسرائيليّة ووصاية إيرانيّة. وبين هذا وذاك، الشعب اللبناني وحده يدفع الثمن.

المنطقة تتجه نحو "ستاتيكو" طويل الأمد!
بقلم
رامي الريّس
نُشر
يونيو 29, 2026 - 11:03

بمعزل عن السجال السياسي والإعلامي المتصل بنص الاتفاق الأميركي- الإيراني، بات واضحاً من مجريات الأحداث أن ثمة مسارات جديدة ترتسم في المنطقة قد يكون عنوانها الأساسي طي صفحة الخلاف العميق والقديم بين واشنطن وطهران و "تنظيم الخلاف" بين البلدين اللدودين وفق عناصر ومعطيات مغايرة لما كان معتمداً في المرحلة السابقة. وفي هذا الإطار، يمكن فهم الإصرار الإيراني على "إنهاء حالة الحرب بين البلدين". لا شك في أن القيادة الإيرانيّة مارست براغماتية كبيرة بمجرد الذهاب إلى طاولة المفاوضات المباشرة بعد أسابيع قليلة من اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، مع ما يمثله من موقع معنوي وديني وسياسي وعسكري كبير في الجمهوريّة الإسلاميّة. فهي تجاوزت بهذه الخطوة الأدبيّات التي اعتمدتها على مدى أكثر من 45 عاماً أي منذ ما بعد انتصار الثورة الإسلاميّة فيها سنة 1979 واعتلاء الإمام الخميني الحكم ووضعه المبادئ الأساسيّة للحكم في الداخل وفي مجال تصدير الثورة، ووصفها الدائم للولايات المتحدة بأنها "الشيطان الأكبر". ولعل إيران، رغم الخسائر الكبيرة التي مُنيت بها في الحربين المتتاليتين عليها، استفادت من الطباع الخاصة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الباحث الدائم عن صفقات والمتعطش لإبراز صورة البطل القادر على تحقيق اختراقات وخطوات غير مسبوقة. كما أن استسهاله الحرب مع إيران، نتيجة نصائح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، جعله يخوضها بتوقعات مرتفعة سرعان ما ثبت أنها غير قابلة للتحقيق، وأن عظمة القوة الأميركيّة لا تعني تحقيق النتائج المرجوة بصورة فوريّة. عمليّاً، ما حققته طهران من الحرب فاق توقعاتها، فهي ستحصل على رفع العقوبات عن النفط الإيراني بعد سنوات من فرضها، كما سيتم تحرير جزء من ودائعها الماليّة المحتجزة وهي بحاجة ماسة لها بطبيعة الحال، فضلاً عن الكلام عن إنشاء صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار. أما القضايا الأساسيّة التي خيضت الحرب من أجلها أي البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي والأذرع العسكريّة في الخارج فإنها رُحلت إلى التفاوض، ومن أبرع ممن يحيكون السجاد بالتفاوض والصبر على المدى الطويل؟ من دون التقليل من المفاعيل السلبيّة للأزمة الإقتصاديّة والإجتماعيّة الخانقة، إلا أن النظام الإيراني اعتاد التعايش مع الضغوطات السياسيّة والإقتصاديّة ولو أنه يتطلع اليوم إلى التخلص منها أكثر من أي وقت مضى. وبالنسبة لطهران، إن مجرّد الصمود أمام هذه الرياح العاتية وعدم الانهيار أمامها هو انتصار بذاته. فرغم الخسائر الكبيرة، مثل استهداف القيادات العليا والتدمير الواسع الذي طال عدداً كبيراً من المنشآت الحيويّة، العسكريّة وغير العكسريّة، إلا أن النظام لم يسقط. وتبيّن أيضاً أن التعويل الأميركي (ولو لم يكن جدياً على الأرجح) على انتفاض الشعب الإيراني ضد قيادته بمجرد بدء الحرب، هو تعويل في غير مكانه، وقد استخدم من قبل إسرائيل للترويج لفكرة الحرب لدى واشنطن، دون أن يكون مبيناً حقاً على معلومات جديّة في هذا الإطار. وسواءً أكان انكفاء الشعب الإيراني عن التحركات الاحتجاجيّة مرده التضامن الوطني في لحظة الإعتداء الخارجي، أو التقاط النظام لأنفاسه حتى في خضم الحرب الدائرة؛ فالنتيجة تبقى واحدة. النظام الإيراني لم يهتز وكل الذين يقيمون في الخارج وشدوا ربطات العنق إيذاناً بالعودة، أصيبوا بخيبة أمل طويلة الأمد، ذلك أن فرص بقاء النظام بعد هذه الحرب صارت مضاعفة، لا بل على الأغلب أن هذا الأمر لن يكون مطروحاً في المدى المنظور. وفوق كل ذلك، "اكتشفت" إيران ورقة مهمة، لا بل مفصليّة، لطالما كانت تلوّح بها، ورقة مضيق هرمز، وتبيّن لها، بالتجربة والبرهان، أن بامكانها التلويح بها واستخدامها لمصلحتها حتى لو لم تصل إلى مرحلة فرض الرسوم الماليّة عليها كما كانت ترغب بالفعل. ومعلوم كم هو اهتمام ترامب والغرب عموماً بموضوع النفط وانسيابية انتقاله ومروره لما له من تأثير كبير على الاقتصاد العالمي. المسألة ليست مسألة ربح وخسارة بقدر ما هي مسألة مسار سياسي جديد، قد يكون عنوانه الأساسي الستاتيكو الإقليمي بمعنى صيغة تعايش ما (ولو لم يكن ودياً) بين واشنطن وطهران، على أن تظهر تطورات الأيام المقبلة النتيجة التي تنتظر الملفات الأخرى، ومن بينها لبنان وسلاح حزب الله. فمن راهن على أن سقوط إيران يعني أوتوماتيكياً سقوط سلاح الحزب، سيضطر أن يعيد النظر بهذا الموقف نحو اتجاهات أكثر عقلانية تتمثل بشكل رئيسي بالبحث عن تسوية اقليمية برعاية أميركيّة تضع حداً لهذه المعضلة، وتفضي إلى حصر السلاح بيد الدولة التي يعود لها وحدها قرار الحرب والسلم. ولكن هذا أيضاً يتطلب من واشنطن أن "تقلم أظافر" حليفتها المشاغبة إسرائيل التي لا تنضبط في أي حدود سياسيّة أو أخلاقيّة أو حتى جغرافيّة، فتحتل هنا، وتقصف هناك، وتغتال هنالك. وتعبير تقليم الأظافر ليس مراعاة لإسرائيل بل أخذاً بالاعتبار طبيعة العلاقات الأميركيّة- الإسرائيليّة وعمقها، وصعوبة الانفكاك الراهنة بين الجهتين. في ظل احتمال غياب التسوية المشار إليها، يدخل لبنان مرحلة أكثر حساسيّة على ضوء التعنت الإسرائيلي ورفض الانسحاب العسكري، وعلى ضوء رفض حزب الله تسليم سلاحه عطفاً على ما حققته طهران. المهم ألا يتحوّل هذا "الستاتيكو" الإقليمي إلى واقع متفجر واستنزافي في لبنان.

قلق في العلاقات بين الولايات المتحدة و إسرائيل
بقلم
رامي الريّس
نُشر
يونيو 21, 2026 - 16:30

توقف الكثير من المحللين عند الكلام "النوعي" الذي قاله نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عن إسرائيل واعتبروا أنه "الأول من نوعه" رغم الدعم الكبير الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل على جميع المستويات السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة. فلقد ذكّر منتقدي الاتفاق الدبلوماسي مع طهران في تل أبيب بأن ثلثي الأسلحة التي "حمت وطنهم" هي أسلحة أميركية الصنع وممولة بالكامل من أموال دافعي الضرائب في الولايات المتحدة، مشدداً على أن إسرائيل تعتمد بشكل مفرط على القوة العسكرية لحل أزماتها، وينبغي عليها منح واشنطن مزيداً من التقدير كحليف استراتيجي وحيد متبقٍ لها في العالم. وأوضح فانس في مقابلة مع "نيويورك تايمز" الأميركية، أن دونالد ترامب هو رئيس الدولة الوحيد في العالم الذي يبدي تعاطفاً مع إسرائيل في هذه اللحظة، وتابع قائلاً للاسرائيليين: “أنتم بلد يبلغ عدد سكانه تسعة ملايين نسمة. لا يمكنكم حلّ كل مشكلة من مشكلات أمنكم القومي عبر القتل.” لا شك أن ثمة تغيّر في اللهجة وطريقة المخاطبة ذلك أنه من النادر أن تسمع انتقادات جديّة من الأصوات الرسميّة الأميركيّة لإسرائيل التي تعتبر بمثابة "الطفل المدلل" لدى الإدارات المتعاقبة التي غالباً ما كانت تتنافس على تسجيل الانحياز السياسي لإسرائيل كممر إلزامي لمواصلة العمل السياسي من دون عقبات نتيجة التأثير الواسع الذي تمتلكه مجموعات الضغط الأميركيّة في أروقة واشنطن. وإذا كانت ملاحظة هذا التغيّر المفاجىء باللهجة في محلها، إلا أن ذلك لا يعني مطلقاً أن الإدارة الأميركيّة الحالية قد "تحررّت" من النفوذ الصهيوني الذي تمتلكه مجموعات الضغط، أو أنها صارت تستطيع حقاً أن تناقش علناً أن ثمة فارق بين المصلحة القومية الأميركيّة والمصلحة الإسرائيليّة، وأن افتراض التطابق الدائم فيما بينها هو خطأ سياسي، لا بل استراتيجي، كبّد ويكبّد الولايات المتحدة الكثير من الخسائر المعنوية والسياسيّة والماديّة أيضاً. إن الانحياز الأميركي التاريخي والمطلق لإسرائيل، وتوفير مظلة الحماية لها على مختلف المستويات (من الاستخدام المتكرر لحق النقض في مجلس الأمن الدولي على مدى عقود لضمان إفلاتها من العقاب على الاحتلال والتنكيل بالشعب الفلسطيني إلى أدنى المستويات) قد ساهم طوال الحقبات الماضية في رفع مستويات الكراهية ضد الولايات المتحدة لا سيما في المنطقة العربية، وأوجد هوّة سحيقة بين أبناء المنطقة وواشنطن. إلا أن هذه المشاعر من الكراهيّة لم تتبلور يوماً في أي تحرّك مضاد نتيجة العديد من العوامل منها غياب الديمقراطيّة في الدول العربية وقمع الشعوب وبالتالي عدم قدرتها على التعبير عن مشاعرها الحقيقيّة، ونتيجة أيضاً التشرذم العربي والانقسام الرسمي حيال سبل التعامل مع الصراع العربي- الإسرائيلي وتوقيع إتفاقيات سلام منفردة مع إسرائيل لا سيما من قبل مصر والأردن، مما أدى إلى شق الصفوف العربية وإضعاف الموقف العربي، وطبعاً استكمل هذا المسار بعد سنوات بالاتفاقات الإبراهيميّة التي رمت إلى التطبيع شبه المجاني. ولكن، للتذكير أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى قد نقلت السفارة الأميركية إلى القدس، كما اعترفت بالمدينة عاصمة لإسرائيل، واعترفت أيضاً بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وهي خطوات كانت تلوح بها الإدارات السابقة دجون أن تنفذها إلا أن ترامب نفذها دون أن يتوقع ردات فعل عربية تُذكر، وهو ما حصل بالفعل. ثمة شعور لدى مجموعة من فريق ترامب أن إسرائيل "ورطت" أميركا في الحرب ضد إيران، وأن الخطر الفعلي الذي كانت تمثله طهران (سواءً مباشرة أم من خلال أذرعها وخصوصاً حزب الله في لبنان) كان متجهاً نحو إسرائيل أكثر منه نحو الولايات المتحدة رغم الخطاب السياسي الإيراني المعادي لواشنطن (الشيطان الأكبر كما توصف أو ما إلى ذلك). ولعل ترامب نفسه تملكه الشعور ذاته، وهو ما يفسر إصراره على إتمام صفقة مع طهران حتى ولو أنه كان يغلف رغبته بنبرة مرتفعة تحتوي على كل أنواع التهديدات وصولاً إلى "محو الحضارة الفارسية"! وهذا ما يفسّر أيضاً أن الاتفاق هو إتفاق أميركي- إيراني رغم أن الحرب كانت أميركيّة- إسرائيليّة- إيرانيّة لإدراك ترامب وفريقه أن إسرائيل لن تقبل الاتفاق بسهولة وأنها تفضّل استدامة حرب ترعاها وتتكفل بها واشنطن وتصب في خدمتها هي أولاً. وهذا ما يبرر قول نائب الرئيس الأميركي للاسرائيليين: “لا يمكنكم حلّ كل مشكلة من مشكلات أمنكم القومي عبر القتل.” لا شك أن الرهان على انشطار أميركي- إسرائيل هو سابق لأوانه، أو أن التعويل على طلاق بين البلدين هو أمر غير ناضج حتماً، ولكن يمكن البناء، أقله من قبل دول الخليج العربي على فتح نقاش سياسي ما مع واشنطن عنوانه الأساسي رفض توريط المنطقة بمزيد من الحروب خدمة لإسرائيل، ورفض أن تكون القواعد الأميركية أهدافاً بدل أن تكون مصدراً للاستقرار، والتأكيد على أن الإستمرار في الالتفاف على القضية الفلسطينية لا يؤدي سوى إلى مزيد من القتل والدمار دون حلول، وأن تأمين الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني هي الممر الإلزامي للاستقرار في الشرق الأوسط والمنطقة العربيّة. الرئيس الأميركي يدرك أهميّة علاقته الاستراتيجية مع دول الخليج العربي لما تملكه من ثروات نفطية تشكل حجر أساس في سياسة ترامب الخارجية (فنزويلا كمثال ساطع)، وبالتالي لا يمكن لواشنطن الاستمرار في إشاحة النظر عن المطالب العربية بتسوية سلمية للقضية الفلسطينية تبدأ بقيام دولة مستقلة قابلة للحياة، وأن تقلع إسرائيل عن سياسة القتل والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، وأيضاً التوسع نحو لبنان وجنوب سوريا. وحدها الولايات المتحدة تستطيع أن تلجم إسرائيل وتضبطها إذا توفرت الإرادة السياسيّة لذلك، وإذا تشكلت القناعة أن المصلحة القومية الأميركيّة لا تتحقق حتماً من خلال الالتصاق الكامل بتل أبيب ومشاريعها التوسعية وحروبها التي لا تنتهي!

عن أوهام السلام في لبنان
بقلم
رامي الريّس
نُشر
يونيو 8, 2026 - 07:55

إذا كانت حالة الانكسار التي يعيشها اللبنانيون في هذه المرحلة مفهومة نتيجة الهزائم المتتالية التي تلاحقهم منذ سنوات والتي بلغت ذروتها في حربي الإسناد اللتين أطلقهما حزب الله دون استشارة أحد، وقد أدتا إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي وتهجير أكثر من مليون لبناني وتدمير قرى جنوبية عن بكرة أبيها؛ إلا أن الحماسة الزائدة عند البعض للسلام مع إسرائيل وهرولة البعض الآخر للتطبيع الإعلامي وغير الإعلامي ليسا يحملان أي تبرير منطقي وأقل ما يُقال فيها أنها متعجلة وغير مسؤولة. والسبب لا يكمن في أن من يتحفظ على السلام يؤيد بالضرورة الحرب أو يريد استدامتها، أو أن من يدعو للتروي في خطوات الهرولة المصطنعة للتطبيع الإعلامي (والتي يفترض أن يحاسب عليها القانون أقله حتى اللحظة) هم ضد وقف الحرب وعودة الإستقرار؛ بل للتوضيح أن السلام مع إسرائيل ليس نزهة وأن الاستعجال في طلب شرب الجعة في تل أبيب لا يعدو كونه طرح صبياني سابق لاوانه! ويطرح هذا الانقسام نفسه على مستويين متناقضين تماماً، فثمة من هو على استعداد ليس فقط للتغاضي عن أفعال إسرائيل في قتل اللبنانيين واحتلال أرضهم، بل الذهاب لتبرئتها من تلك الأفعال ملصقاً ذلك حصراً بمن جر لبنان إلى تلك المواجهة من دون حتى الإشارة إلى الرد غير المتكافئ الذي قامت وتقوم به إسرائيل من احتلال القرى وتسويتها بالأرض وتوجيهها انذارات بالاخلاء لقرى بأكملها لتفريغ المناطق وخلق واقع ميداني جديد فضلاً عن استهدافها المستشفيات والمواقع التراثية وسوى ذلك من المرافق. وفي المقابل أيضاً، ثمة من يرفض قراءة التحولات ويصر على ربط الجبهة اللبنانية بحروب المنطقة (وهو أشعلها أساساً خدمة لتلك الحروب وانتقاماً لرموزها) ويتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور عند انتهائها مستعيداً فائض القوة الذي انكسر جزءاً منه في المرحلة الأخيرة ورافضاً جهود الدولة اللبنانية لوقف الحرب ولسعيها الحثيث لاستعادة سيادتها المسلوبة منذ زمن! لا يمكن للبنان أن يواجه هذا المستوى العالي من المخاطر بهذا القدر العميق من الانقسام بحيث يكاد يختلف اللبنانيون على كل شيء تقريباً وعلى رأس قائمة الاختلافات تحديد الصديق والعدو وهنا تكمن الخطورة الكبرى، ففي الوقت الذي تنقض فيه إسرائيل على لبنان وتقتل أبنائه من مدنيين وعسكريين وإعلاميين ومسعفين وأطباء، يصر البعض على تبرئتها وحصر الاتهام بالجهات التي ورطت لبنان بهذه الحرب والتي تسعى اليوم لوقف إطلاق النار، وهو على حال ما دأبت على القيام به في كل مرة: إشعال الحرب ثم البحث في كيفية اخمادها! في الفترة الماضية، لا سيما في حقبة ما بعد اتفاق الطائف، وقع الخلاف بين اللبنانيين على كيفية مواجهة إسرائيل وفشلوا في محاولات متكررة التوصل إلى رسم خطة وطنية للدفاع بسبب عدم تجاوب حزب الله (ورعاته الاقليميين من خلفه بطبيعة الحال) تمكّن لبنان من بسط سلطته الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية وهو ما يفترض أن تقوم به أي حكومة على وجه الأرض! إنما لا بد من القول أنه على الرغم من عمق هذا الخلاف لم يكن ثمة من يتنطح للدفاع عن إسرائيل أو من يروج للسلام المستعجل معها، أو من يخالف القوانين التي لا تزال سارية المفعول حتى اشعار آخر بالتواصل مع اسرائيليين أو إقامة حوارات تلفزيونية أو صحافية معهم! إذا كان التوريط المتتالي للبنان في حروب لا طائل له فيها هو أمر مرفوض وضاقت به ذرعاً الغالبية الساحقة من اللبنانيين الذين سئموا الحروب والقتل والتهجير، فإن التوهم بأن السلام مع إسرائيل هو نزهة جميلة في ظل الانعدام التام لموازين القوى هو خطأ قاتل من شأنه تعميق الانقسام بين اللبنانيين وزيادة الشرذمة الداخلية.

العفو العام: تراجع القضاء والسياسة والأخلاق!
بقلم
رامي الريّس
نُشر
مايو 28, 2026 - 18:09

بدل أن يتحوّل النقاش السياسي والقانوني لاقتراح قانون العفو العام إلى مناسبة لفتح البحث الجدي حول أسس نظام القضاء والعدالة والعقاب في لبنان، تحوّل إلى منازلة طائفيّة ومذهبيّة بعيدة تماماً عن مراعاة المنطلقات الأساسيّة للقانون المنتظر أي تحقيق العدالة ورفع الظلم عن موقوفين عانوا طوال سنوات من فقدان حقهم الطبيعي بمحاكمات في وقتها، ولمعالجة طبعاً قضيّة الاكتظاظ في السجون التي تنافي الحد الأدنى من حقوق الانسان، حتى ولو كان سجيناً أو موقوفاً، وهو ما يناقض جوهر الفكرة الإصلاحيّة للسجون ويحوّلها إلى مساحاتٍ لتكريس الإجرام أو الارتكابات. وكما في كل مناسبة سياسيّة أو تشريعيّة، انبرت الجماعات الطائفيّة والمذهبيّة إلى تناتش المطالب المطروحة محاولةً سحب الغطاء نحو جماعاتها المستفيدة بهدف تكريس النفوذ الطائفي واستدامته وجعل مجرّد التفكير بالتحرر منه مسألة في غاية الصعوبة والتعقيد، وبالتالي تعميق الانقسامات الطائفيّة في البلاد وإعاقة أي مسار إصلاحي قلما يُكتب له النجاح أساساً. فبمجرّد أن يتحوّل النقاش في قانون للعفو العام إلى تطييف للملفات (طائفة تدعو للإفراج عن الموقوفين الإسلاميين، وطائفة ثانية تريد معالجة ملف المخدرات التي تزدهر زراعتها في محافظة البقاع، وطوائف أخرى تطالب بإعادة المبعدين إلى إسرائيل في العام 2000)؛ فإن ذلك يعكس الحالة المرضية العميقة التي يمر بها المجتمع السياسي اللبناني وانعدام الرغبة الجدية في إحداث أي تغيير يُذكر على مستوى اختراق التركيبة القائمة. إلا أن مجرّد التفكير بإصدار قانون للعفو العام، وهو لا يأتي بعد انتهاء حرب أهليّة أو صراع دموي كما حدث في العام 1991، إنما يفترض أن يدفع بالكثير من الأسئلة التي تتصل أساساً بطبيعة النظام القضائي اللبناني واشكالياته المتعددة المتصلة بطرق العمل فيه وآليات المساءلة والمحاسبة نتيجة التأخير المتمادي في البت بالملفات القضائيّة بما يتجاوز، في الكثير من الأحيان، الفترات القصوى للعقوبات المفترضة في المئات من القضايا وهذا ظلم شديد وغير مسبوق بحق الموقوفين. فمن يعيد السنوات الضائعة التي هُدرت لهؤلاء الموقوفين؟ وإذا كانت آليات العمل القضائي شبه معطلة، من إصدار أحكام وتمييزها والبت بالدعاوى العالقة وأيضاً التفتيش والمحاسبة بحق القضاة المقصرين والمرتشين والمنكفئين عن القيام بواجباتهم، فثمة مسألة ملحة تطرح نفسها على العهد والحكومة تتصل بكيفيّة إطلاق عجلة إصلاح القضاء، وتبدأ من كيفيّة جعله حقاً سلطة مستقلة لا تخضع في مناقلاتها وترقياتها وتشكيلاتها إلى التدخلات والتأثيرات السياسيّة التي تحولها إلى حلبة للصراع وتقاسم النفوذ بما يطيح بجوهر الفكرة القضائيّة واستقلاليتها. لقد رفع رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون، من بين الشعارات العديدة الهامة التي رفعها في خطاب القسم وفي مواقفه السياسيّة اللاحقة، عنوان إصلاح القضاء، وعبّر عن قناعته بذلك مراراً أثناء مخاطبته الجسم القضائي. ويتقاطع هذا الموقف مع مواقف مشابهة، إن لم تكن متطابقة، مع رئيس الحكومة نواف سلام الذي كان يتبوأ أحد أرفع المناصب الدوليّة قبل توليه رئاسة الحكومة اللبنانيّة وهو قاضٍ دولي وله كتابات عديدة في مجال القضاء والسياسة والإصلاح. صحيحٌ أن الحرب الإسرائيليّة قلبت كل الموازين وأعادت رسم الأولويات بشكل مغاير تماماً للتوقعات، وصحيحٌ أن لبنان- وجنوبه تحديداً- بات منكوباً بكل ما للكلمة من معنى وأن الأولوية تبقى لوقف الحرب والانسحاب العسكري الإسرائيلي وإعادة الإعمار؛ إلا أن الصحيح أيضاً أن السير بالعديد من الملفات الداخليّة ممكن ومتاح، لا بل من الأجدى القول أنه لن يكون ممنكاً ومتاحاً بانسيابيّة في ظل عدم وجود هذين الرئيسين تحديداً. في جانبٍ منه، من الضروري أن يتحوّل نقاش قانون العفو العام إلى نقاش في سبل تنشيط التفتيش القضائي، وتفعيل آليات المحاسبة داخل القضاء، تمهيداً للدخول في الموضوع الأكثر أهميّة الذي يتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسيّة والقضاء، وفي سبل "تحرير" القضاء والقضاة حقاً من السطوة السياسيّة التي تدجن القضاء وتفرغه من مضمونه ودوره ورسالته. في اللحظة الاقليميّة الملتهبة التي تشهد متغيرات لم يكن ممكناً تخيّل البعض منها منذ سنوات قليلة مضت، وفي الوقت الذي يفقد فيه لبنان الكثير من الميزات التفاضليّة التي كان يتميّز بها لصالح بلدان صاعدة أخرى، لا يمكن مواصلة الدوران في حلقة مفرغة: حروب وانقسامات وفساد واهتراء.

78 عاماً والنكبة مستمرة…
بقلم
رامي الريّس
نُشر
مايو 20, 2026 - 10:03

استذكار نكبة فلسطين كطقس سنوي تُستعاد فيه ذكرى استلاب تلك البلاد من أهلها الأصليين واستعمارها من قبل الكيان الإسرائيلي لا يوحي تماماً بأن النكبة لا تزال مستمرة بينما هي كذلك فعلاً. فكأنه لا يكفي هذا الشعب ما عاناه من تهجير وتدمير وهزائم، حتى تتحوّل الحقائق إلى تساؤلات تبدو مشروعة للرأي العام بينما هي في الأساس بعيدة عن الواقع الفعلي. من هذه الأسئلة الرائجة جداً في الإعلام الغربي والتي يُمكر فيها أي ضيف يدافع عن الحق الفلسطيني مثل سؤال: "هل تقر بحق إسرائيل في الوجود؟". ولعل المقررة الخاصة للأراضي الفلسطينية فرانسيسكا البانيزي كانت أكثر من عالج هذا الأمر بكثير من الفطنة عندما قالت: "لا أحد يسأل عن حق إيطاليا في الوجود أو إسبانيا أو أي دولة أخرى في العالم!". بطبيعة الحال، السؤال يستبطن هدفاً آخراً وهو تحويل الأنظار عن الحق الفلسطيني والإيحاء بأن إسرائيل دائماً في صف المظلومين، والأهم أنه يستبطن إخفاء التاريخ المرتبط بنكبة 1948 وما سبقها من أعمال تهجير قسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم وأملاكهم وأرزاقهم لكي يتسنى للحركة الصهيونيّة إقامة مشروعها المتمثل بدولة يهوديّة على أرض فلسطين. والسؤال إياه يستبطن هدفاً إضافياً يتمثلُ في إشاحة النظر عمّا قامت به إسرائيل عام 1967 من توسيع احتلالها لأراض عربيّة جديدة أبرزها القدس الشرقيّة والضفة الغربيّة والجولان السوريّة وسيناء المصريّة. وإذا كانت إسرائيل قد انسحبت من سيناء بموجب إتفاقيّة كامب ديفيد للسلام مع مصر أواخر السبعينات، إلا أنها ضمّت الجولان رسمياً إلى أراضيها، ولا تكتفي برفض الانسحاب من الضفة الغربيّة (نواة ما تبقى من الدولة الفلسطينية الموعودة والمنتظرة)، بل إنها تزرعها بالمستوطنات ما يولد استحالات ميدانيّة تقضي على مشروع الدولة، تضيفها إلى الاستحالات السياسيّة والعسكريّة والقانونيّة. وثمّة من لا يعير الاهتمام (لا سيما في صفوف الدول المؤيدة لإسرائيل) أنه ليس ثمّة حدود رسميّة لهذه الدولة التي حظيت باعتراف دولي في غضون دقائق من أهم دول العالم عند إعلان "ولادتها" سنة 1948. وليس إبقاء موضوع الحدود مبهماً هفوة سياسية بالطبع بل هو قرار مسبق يتصل بالمشاريع الصهيونيّة التوسعيّة التي لن تقف على ما يبدو عند حدود 1948، أو حتى ربما المساحات الإضافيّة التي تم ضمّها بعد حرب 1967! صحيحٌ أن "المجتمع الدولي" لم ينجح في الضغط على إسرائيل في التقيّد بمشروع الدولتين على مدى عقود، إلا أن حتى هذا العنوان العريض لم يعد مطروحاً في الأدبيّات السياسيّة الدوليّة، أقله الأميركيّة (بما تمثله من ثقل ووزن دولي وعلاقة استراتيجيّة غير قابلة للفكاك مع إسرائيل). وهذا التراجع السياسي الكبير أتاح لإسرائيل إستئناف مشاريعها العدوانيّة وسمح لها الإمعان في رفض المقترحات التسووية بالكامل من مدريد (1991) إلى المبادرة العربيّة للسلام التي أقرت في قمة بيروت (2002) التي أكدت على مبدأ الأرض مقابل السلام. أما إتفاقيّة أوسلو (1993) فإن السلوك السياسي الإسرائيلي يهدف إلى إفراغها من مضمونها تماماً وعدم السماح بتقديم أي مكتسبات فعليّة للشعب الفلسطيني. لقد سمح فائض القوة الإسرائيلي مسنوداً بدعم أميركي غير منقطع بأن تفلت إسرائيل من العقاب رغم كل ما ارتكبته على مدى عقود من قتل متعمد وتهجير وإبادة وكانت ذروتها في غزة ولبنان. أما مذكرة توقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم أهميتها القانونيّة والمعنويّة الكبيرة، إلا أنها بقيت حبراً على ورق حيث سافر الرجل مراراً إلى خارج إسرائيل بعد صدورها مع تلافي المرور في عدد محدود من الدول التي قالت أنها سوف تقوم باعتقاله في حال مروره في أراضيها! في ذكرى الـ 78 للنكبة، تبدو فلسطين أمام منعطف تاريخي، فالمقاومة المسلحة للاحتلال قوبلت بإبادة جماعيّة، والتفاوض السياسي تعثّر بالتعنّت الإسرائيلي المتعمّد ووصل إلى حائط مسدود بسبب عدم رغبة إسرائيل تحقيق أي تقدّم في هذا المجال. ويفاقم هذا الوضع الصعب الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني وهو انقسام حيال خيارات استراتيجية وليس قضايا تفصيليّة أو تكتيكية. ولكن، لا مفر من الاعتراف بأن محاولة الالتفاف على القضيّة الفلسطينية من خلال إبرام اتفاقات اقليميّة، سواء من خلال خطوات التطبيع المتلاحقة (التي تستفيد منها إسرائيل أولاً وأخيراً) أو من خلال محاولة اختصار هذه القضيّة إلى أن تكون مسألة عقاريّة أو إقتصاديّة، لم يُكتب له النجاح. وتبيّن أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا من خلال حل القضيّة الفلسطينيّة على قواعد عادلة ودائمة. الأكيد أن النكبة مستمرة…

لبنان وسوريا: آن أوان فتح صفحة جديدة ناصعة
بقلم
رامي الريّس
نُشر
مايو 11, 2026 - 19:22

تمر العلاقات اللبنانيّة- السوريّة بمنعطفات جديدة عقب الزيارة الهامة التي قام بها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى دمشق على رأس وفد وزاري بهدف تعزيز العلاقات الثنانيّة بين البلدين والدفع بها قدماً نحو حقبة جديدة تكون كفيلة بتبديد رواسب المرحلة الماضية التي تراكمت فيها المشاكل المتبادلة وانعدام الثقة نتيجة الدور السلبي للوصاية السوريّة في لبنان على مدى أكثر من ثلاثين عاماً. ويبدو أن العبور من مشقة الأخوّة إلى مساحات التعاون قد بدأ فعلاً، وهو ما ينطلب مثابرة وإصرار وثبات بين قيادتي البلدين ذلك أن رحلة إعادة ترميم العلاقات اللبنانية- السورية هي رحلة طويلة وغير مستحيلة لا بل ممكنة ودائماً وفق ثوابت البلدين بعيداً عن حدي القطيعة الشاملة (تجربة ١٩٥٠) أو الوصاية الشاملة (١٩٧٦-٢٠٠٥). الأكيد أن ثمة مصلحة أكيدة للطرفين بسلوك هذا المسار الحتمي. لا تستوي العلاقات بين البلدين إطلاقاً إذا ذهبت إلى القطيعة التامة كما حدث في العام 1950. صحيحٌ أن أحد أسباب حدوث ذلك كان يتصل بالتناقض الجوهري للخيارات الاستراتيجية الاقتصاديّة بين البلدين، إلا أن إقفال الحدود أذى الاقتصاد اللبناني إلى حد كبير خصوصاً أن البوابة البريّة السوريّة تشكل نقطة عبور حتميّة للبضائع اللبنانيّة المتجهة نحو العمق العربي. كما أنه لم يساعد حتماً الاقتصاد السوري. واليوم، إذ تدخل سوريا في مرحلة سياسيّة جديدة أعقبت سقوط نظام الأسد منذ كانون الأول/ ديسمبر 2024، وهي بدأت تستقطب الكثير من الرساميل والتوظيفات بعد رفع العقوبات الأميركيّة وتجميد مفاعيل قانون قيصر، فإن لبنان يمكن له أن يكون طرفاً مستفيداً من هذه الحركة الاقتصاديّة، ليس على قاعدة الاستلحاق، إنما التكامل. وما مشاريع الربط الكهربائي التي تحدث مع الأردن أيضاً إلا أحد الأمثلة الحيويّة على ذلك. ولكن بمعزل عن الجانب الاقتصادي، على أهميته الاستثنائيّة، ثمّة ملفات لا بد من العمل على معالجتها، خصوصاً على ضوء المتغيرات الكبرى التي حدثت في المنطقة وفي كل من سوريا ولبنان بما يتيح حقاً فتح نقاش جدّي ومعمّق ولربما الأول من نوعه بين البلدين بعيداً عن مناخات التبعيّة أو الوصاية التي طبعت العلاقات المتبادلة لأكثر من ثلاثة عقود. ولعل هذه أبرز الأولويات التي لا بد من مناقشتها بعقل بارد وبهدوء تام، بعيداً عن أي صخب سياسي أو تشويش إعلامي من هنا أو هناك الذي يستهدف إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ضبط الحدود وترسيمها: الإشكالات الحدوديّة بين الدول هي حالة عامة في العلاقات الدولية وغالباً ما تتشابك الملفات المتصلة بالحدود عندما تتوتر العلاقات السياسيّة. ثمّة حاجة ملحة تصب في مصلحة البلدين تتطلب ضبط الحدود ومكافحة التهريب من الجهتين واتخاذ الإجراءات الأمنيّة والعسكريّة الضروريّة لتحقيق ذلك. ولكن، الأهم يتصل بترسيم الحدود البريّة والبحريّة بين البلدين لمرة واحدة ونهائيّة، ولعل ذلك يشمل حسم الجدل حول هويّة مزارع شبعا التي استخدمت كشماعة للحفاظ على سلاح حزب الله كون محتلة من إسرائيل، خصوصاً في ظل تمنّع نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد عن تقديم ما يثبت لبنانيتها للأمم المتحدة أو للحكومة اللبنانيّة. ملف النزوح: صحيحٌ أن عدداً كبيراً من النازحين السوريين قد عاد إلى بلاده مع اندلاع الحرب الإسرائيليّة على لبنان، إلا أنه لا مناص من استكمال البحث في هذا الملف الهام بما يضمن عودة كريمة ولائقة لهؤلاء النازحين إلى ديارهم. ولا بد أيضاً من تنظيم ملف العمالة السوريّة في لبنان التي تبقى مهمة في إطار النشاط الاقتصادي اللبناني إنما دائماً وفق القواعد القانونيّة والأصول المرعيّة الإجراء. ملف الموقوفين والسجناء: في الوقت الذي يناقش فيه المجلس النيابي قانون العفو العام بما يرفع الظلم عن المئات من السجناء غير المحكومين، ويحد من اكتظاظ السجون المترهلة أصلاً، أحرز ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانيّة تقدماً ملحوظاً، وهو الملف الذي من شأنه أن "يبرّد" الأجواء بين البلدين نظراً للأهميّة التي توليها السلطات السوريّة لهذه القضيّة. ملف الودائع السوريّة في المصارف اللبنانيّة: ليس ثمة أرقام دقيقة حول حجم الودائع السوريّة في المصارف اللبنانيّة والتي لقيت مصير ودائع اللبنانيين في المصارف التجاريّة، وهي القضيّة التي لا تزال عالقة من دون حلول جديّة منذ نحو ست سنوات، والتي من المفترض إعادة تحريكها على قاعدة حماية حقوق المودعين بصرف النظر عن هويتهم أو جنسيتهم، فهذا حق مكتسب للمودع أياً كان. جلاء ملف المفقودين اللبنانيين في سوريا : لا يجوز أن يستمر هذا الملف على هذا القدر من الغموض، واغفاله خطيئة كبرى، إذ من حق أهالي هؤلاء الأشخاص معرفة مصير أبنائهم بعد مرور سنوات طويلة على غيابهم. وإذا كان النظام السابق يتعمّد إخفاء مصيرهم، فلا بد أن تشهد الحقبة الجديدة من العلاقات بين البلدين جلاء لكل ملابسات هذا الملف. الملف الإقتصادي: لعله من أهم الملفات التي يفترض إيلائها العناية من البلدين نظراً للاستفادة المتبادلة التي يمكن تحقيقها في هذا المجال، من الزراعة والصناعة والتجارة، إلى الطاقة والكهرباء وسوى ذلك من العناوين الهامة. على المستوى السياسي، إذا كان إلغاء المجلس الأعلى اللبناني- السوري الذي يعود إلى حقبة الوصاية واستبداله بالعلاقات الديبلوماسية الطبيعية بين الدول هو خطوة جيدة، إلا أنه من الضروري الاستفادة من المراجعة التي تمت للاتفاقيات الثنائية بين البلدين سنة 2010، وتحديثها بما يتلاءم مع الظرف السياسي المستجد والمسار الجديد للعلاقات بين البلدين القائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخليّة. هناك الكثير من العمل الذي ينبغي القيام به بين لبنان وسوريا على المستويات السياسيّة والاقتصادية والأمنيّة، خصوصاً في ظل قضم إسرائيل لأراضٍ سوريّة إضافيّة بعد سقوط نظام الأسد، واحتلالها لأراضٍ لبنانيّة صنفتها بأنها ضمن "الخط الأصفر" في الحرب الجارية راهناً. وإذا كان ليس مطلوباً إعادة ربط المسارين كما حدث في حقبة الوصاية، إلا أن التشاور والتنسيق لا يضير أي من البلدين، ويؤهلهما لمواجهة المرحلة المقبلة بكل مصاعبها وتعقيداتها، وذلك أفضل بكثير من أن يكونا على حالة من الطلاق الصامت.

/