

إذا كانت الملاحظات على الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركيّة هي عديدة وعميقة ومحقة ومشروعة على ضوء إخفاق النص في تقديم أي مكتسبات جديّة للبنان؛ إلا أن ذلك لا يعني القبول بالالتحاق بمسار إسلام آباد أو إتفاق سويسرا بين واشنطن وطهران الذي شهد إنهياراً غير مفاجىء على ضوء الكثير من العوامل السياسيّة وغير السياسيّة.
فإتفاق سويسرا الهش يعكس بوضوح حالة انعدام الثقة بين الطرفين المتنازعين التي لا تتوانى تل أبيب عن تغذيتها وتعميقها بما يتلاءم مع مصلحتها المباشرة في استئناف الحرب من حيث انتهت بما يتيح لها المزيد من التدمير للقدرات الإيرانية (حتى ولو لم يؤدِ ذلك إلى سقوط النظام وفق التوقعات أو الأمنيات في المراحل الأولى للحرب)، وبما يسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كسب المزيد من الوقت وتحسين صورته الشعبيّة على مشارف الانتخابات التشريعيّة، والتهرّب أيضاً من إجراءات المحاكمة وتسويف إجراءاتها وإبطاء خطواتها.
ويستطيع مؤيدو الخيار التفاوضي في لبنان (بمعزل عمّا إذا كان مباشراً أم غير مباشر إذ أن هذا الأمر تجاوزته الأحداث) أن يفاخروا الآن بأن هذا الخيار يجنّب لبنان أن يرتبط بشكل مباشر اندلاع الحرب مجدداً بين واشنطن وطهران. صحيحٌ أن الحرب لم تتوقف في لبنان وأن الانتهاكات الإسرائيليّة للسيادة اللبنانيّة لا تزال متواصلة بصورة يوميّة، إلا أن المرحلة لم تصل إلى انهيار الجبهة تماماً كما حصل في الأشهر الماضية (أقله حتى اللحظة) ولعل ذلك مرتبط بتسريب نُقل عن الإدارة الأميركيّة بأنها أبلغت نتنياهو بأن المسار اللبناني ليس مرتبطاً بانهيار اتفاق سويسرا.
ولكن، مع هذه الملاحظة الجوهريّة المرتبطة بحق لبنان الحصري بالتفاوض عن نفسه، وبحقه أيضاً بأن يرفض أن تفاوض دولة أخرى عنه، بما يناقض الحد الأدنى من مقومات السيادة (التي من المسلم أن يرفض انتهاكها من أي جهة أتت)؛ إلا أن ذلك لا يلغي حق الأطراف اللبنانيّة نقد الإتفاق الإطاري وتقديم الملاحظات حوله دون أن تنطلق اتهامات التخوين من هنا وهناك.
صحيحٌ أن الإنهاك الجماعي اللبناني من دوامة الحروب المتتالية التي تعيد إنتاج نفسها قد وصل إلى مستويات متقدمة، وأنه لم يعد من الجائز لأي طرف أن يقحم البلاد بصراعات تفوق قدرته على الاحتمال، وأن واقع الدمار الشامل في الجنوب اللبناني بات يحتّم الخروج من المقاربات التقليديّة القائمة على إشعال الحروب دون طائل؛ ولكن الصحيح أيضاً أن الثغرات المتعددة التي يشملها اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل غير مقبولة، ولا تتطابق مع المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة وهي تتطلب من لبنان الرسمي الإقرار بها والتعامل معها بوصفها ثغرات تستحق إعادة التفاوض حولها.
عمليّاً، ما يقوّي الموقف الرسمي اللبناني هو إعادة بناء الإجماع على مسار التفاوض الذي يحظى بدعم عريض من خلال وضع خطة تفاوضيّة محكمة ترتكز على مبادئ وثوابت وطنيّة لا يمكن إشاحة النظر عنها وفي مقدمها جدولة الانسحاب والاحتفاظ بحق المقاضاة للمعتدي أمام المراجع الدوليّة.
الأكيد أن تقوية الموقف الرسمي لا يكون بإنكار حق الفرقاء اللبنانيين بانتقاده أو- بما هو أخطر من ذلك بدرجات- بالموافقة على إدخال المحتل الإسرائيلي في ديناميكيات تنفيذ قرارات أساساً اتخذتها السلطات اللبنانيّة وتحديداً موضوع حصر السلاح الذي هو أصلاً قرار شائك ومعقد، ولا يمكن التراجع عنه بما يساعد في قيام الدولة الفعليّة في لبنان بعد تأخير لم يعد محمولاً أو مقبولاً.
ولكن، في نهاية المطاف، لا يمكن الركون إلى فكرة أن الدولة اللبنانيّة قد تستدعي أو تستعين بإسرائيل لاتمام مهمة حصر السلاح، أو أن تضع الجيش اللبناني في موقع الاختبار من قبل الجيش الإسرائيلي حيال مهماته الوطنيّة والعسكريّة، وأن يكون تحت وصاية أمنيّة أعلى منه. إن هذا الأمر، حتى لو لم يكن مقصوداً عند المفاوض اللبناني أو أنه بطبيعة الحال من أهدافه، إلا أنه أحد النتائج العمليّة لاتفاق الإطار: غياب الجدولة الواضحة للانسحاب (التي سُميّت أصلاً إعادة انتشار)، وبدعة المناطق التجريبيّة التي تُخضع عمليّاً الجيش اللبناني لامتحان يومي سوف يضعه في الحد الأدنى في مواجهة محليّة تتمكن من خلالها إسرائيل من نقل الصراع إلى الداخل اللبناني وتوسع عبره دائرة النزاع.
إنما، في مقابل ذلك، لا مفر من أن تنضبط بعض الجهات اللبنانية ضمن النصاب الوطني العام الرافض للحرب والذي لا يريد أن يكون لبنان وقوداً أو ساحة مرة أخرى لتصفية الصراعات الإقليميّة التي يبدو أنها آخذة في التصاعد، وأن تنظر إلى المصلحة الوطنيّة العليا بما يتيح ردم الهوة السحيقة التي نشأت بينها وبين سائر مكونات المجتمع اللبناني، وأن تجري قراءة عميقة للتغيرات التي حصلت خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة والتي تحتّم بناء مقاربات مختلفة لتحرير الأرض والانطلاق نحو مرحلة جديدة.
وعلى الرغم من عدم إمكانيّة تبرئة إسرائيل من مشاريعها العدوانيّة في لبنان وفلسطين وسوريا، إلا أنه لا بد من الإقرار أيضاً بأن قرار الدخول في حربي الإسناد كان قراراً متسرعاً ومدمراً ولم يحقق الأهداف المرجوة منه، وأنه أدى إلى خسائر هائلة في البشر والحجر بددت إنجاز التحرير التاريخي الذي تحقق في 25 أيار/ مايو 2000 بحيث انسحبت إسرائيل للمرة الأولى من أرض عربيّة دون قيد أو شرط، ودون إتفاق سلام أو حتى اتفاق ترتيبات أمنيّة بما ظهر وكأنه هروب وخروج مهين، انتقمت لنفسها منه في الحربين الأخيرتين، ولا تزال.
وبكل وضوح، لبنان لا يستطيع أن يقدّم الإسناد لطهران وليس المطلوب منه ذلك، فهذا أكبر بكثير من طاقته على الاحتمال. أما التصريحات التي تقول بأن حزب الله لن يترك إيران وحدها في مواجهة الولايات المتحدة، فهي تنمّ إنكار شديد للواقع المستجد وغياب الحد الأدنى من الرؤية الاستشرافيّة للمرحلة المستقبليّة، ناهيك عن أنها تضرب في الصميم المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة.
أسوأ ما يمكن أن يحصل للبنان واللبنانيين أن يخضع لحرب وصايتين عليه: وصاية أميركيّة- إسرائيليّة ووصاية إيرانيّة. وبين هذا وذاك، الشعب اللبناني وحده يدفع الثمن.