

بدل أن يتحوّل النقاش السياسي والقانوني لاقتراح قانون العفو العام إلى مناسبة لفتح البحث الجدي حول أسس نظام القضاء والعدالة والعقاب في لبنان، تحوّل إلى منازلة طائفيّة ومذهبيّة بعيدة تماماً عن مراعاة المنطلقات الأساسيّة للقانون المنتظر أي تحقيق العدالة ورفع الظلم عن موقوفين عانوا طوال سنوات من فقدان حقهم الطبيعي بمحاكمات في وقتها، ولمعالجة طبعاً قضيّة الاكتظاظ في السجون التي تنافي الحد الأدنى من حقوق الانسان، حتى ولو كان سجيناً أو موقوفاً، وهو ما يناقض جوهر الفكرة الإصلاحيّة للسجون ويحوّلها إلى مساحاتٍ لتكريس الإجرام أو الارتكابات.
وكما في كل مناسبة سياسيّة أو تشريعيّة، انبرت الجماعات الطائفيّة والمذهبيّة إلى تناتش المطالب المطروحة محاولةً سحب الغطاء نحو جماعاتها المستفيدة بهدف تكريس النفوذ الطائفي واستدامته وجعل مجرّد التفكير بالتحرر منه مسألة في غاية الصعوبة والتعقيد، وبالتالي تعميق الانقسامات الطائفيّة في البلاد وإعاقة أي مسار إصلاحي قلما يُكتب له النجاح أساساً.
فبمجرّد أن يتحوّل النقاش في قانون للعفو العام إلى تطييف للملفات (طائفة تدعو للإفراج عن الموقوفين الإسلاميين، وطائفة ثانية تريد معالجة ملف المخدرات التي تزدهر زراعتها في محافظة البقاع، وطوائف أخرى تطالب بإعادة المبعدين إلى إسرائيل في العام 2000)؛ فإن ذلك يعكس الحالة المرضية العميقة التي يمر بها المجتمع السياسي اللبناني وانعدام الرغبة الجدية في إحداث أي تغيير يُذكر على مستوى اختراق التركيبة القائمة.
إلا أن مجرّد التفكير بإصدار قانون للعفو العام، وهو لا يأتي بعد انتهاء حرب أهليّة أو صراع دموي كما حدث في العام 1991، إنما يفترض أن يدفع بالكثير من الأسئلة التي تتصل أساساً بطبيعة النظام القضائي اللبناني واشكالياته المتعددة المتصلة بطرق العمل فيه وآليات المساءلة والمحاسبة نتيجة التأخير المتمادي في البت بالملفات القضائيّة بما يتجاوز، في الكثير من الأحيان، الفترات القصوى للعقوبات المفترضة في المئات من القضايا وهذا ظلم شديد وغير مسبوق بحق الموقوفين. فمن يعيد السنوات الضائعة التي هُدرت لهؤلاء الموقوفين؟
وإذا كانت آليات العمل القضائي شبه معطلة، من إصدار أحكام وتمييزها والبت بالدعاوى العالقة وأيضاً التفتيش والمحاسبة بحق القضاة المقصرين والمرتشين والمنكفئين عن القيام بواجباتهم، فثمة مسألة ملحة تطرح نفسها على العهد والحكومة تتصل بكيفيّة إطلاق عجلة إصلاح القضاء، وتبدأ من كيفيّة جعله حقاً سلطة مستقلة لا تخضع في مناقلاتها وترقياتها وتشكيلاتها إلى التدخلات والتأثيرات السياسيّة التي تحولها إلى حلبة للصراع وتقاسم النفوذ بما يطيح بجوهر الفكرة القضائيّة واستقلاليتها.
لقد رفع رئيس الجمهوريّة العماد جوزف عون، من بين الشعارات العديدة الهامة التي رفعها في خطاب القسم وفي مواقفه السياسيّة اللاحقة، عنوان إصلاح القضاء، وعبّر عن قناعته بذلك مراراً أثناء مخاطبته الجسم القضائي. ويتقاطع هذا الموقف مع مواقف مشابهة، إن لم تكن متطابقة، مع رئيس الحكومة نواف سلام الذي كان يتبوأ أحد أرفع المناصب الدوليّة قبل توليه رئاسة الحكومة اللبنانيّة وهو قاضٍ دولي وله كتابات عديدة في مجال القضاء والسياسة والإصلاح.
صحيحٌ أن الحرب الإسرائيليّة قلبت كل الموازين وأعادت رسم الأولويات بشكل مغاير تماماً للتوقعات، وصحيحٌ أن لبنان- وجنوبه تحديداً- بات منكوباً بكل ما للكلمة من معنى وأن الأولوية تبقى لوقف الحرب والانسحاب العسكري الإسرائيلي وإعادة الإعمار؛ إلا أن الصحيح أيضاً أن السير بالعديد من الملفات الداخليّة ممكن ومتاح، لا بل من الأجدى القول أنه لن يكون ممنكاً ومتاحاً بانسيابيّة في ظل عدم وجود هذين الرئيسين تحديداً.
في جانبٍ منه، من الضروري أن يتحوّل نقاش قانون العفو العام إلى نقاش في سبل تنشيط التفتيش القضائي، وتفعيل آليات المحاسبة داخل القضاء، تمهيداً للدخول في الموضوع الأكثر أهميّة الذي يتصل بطبيعة العلاقة بين السلطة السياسيّة والقضاء، وفي سبل "تحرير" القضاء والقضاة حقاً من السطوة السياسيّة التي تدجن القضاء وتفرغه من مضمونه ودوره ورسالته.
في اللحظة الاقليميّة الملتهبة التي تشهد متغيرات لم يكن ممكناً تخيّل البعض منها منذ سنوات قليلة مضت، وفي الوقت الذي يفقد فيه لبنان الكثير من الميزات التفاضليّة التي كان يتميّز بها لصالح بلدان صاعدة أخرى، لا يمكن مواصلة الدوران في حلقة مفرغة: حروب وانقسامات وفساد واهتراء.