شعار Levant Time

تحليل

البابا لاوون الرابع عشر والدرس التاريخي
بقلم
يقظان التقي
نُشر
مايو 9, 2026 - 14:39

بعد قرابة العام على توليّه سدّة الكرسي الرسولي في الفاتيكان، التقى البابا لاوون الرابع عشر وزير الخارجة الأميركي ماركو روبيو في أول اجتماع يجمعه مع مسؤول كبير في إدارة الرئيس دونالد ترامب، وسط أجواء متوترة متصاعدة، فرضتها التصريحات المتبادلة بشأن الحرب على إيران وسياسات الهجرة. أظهر أول بابا أميركي في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية مواقف ثابتة وكلاسيكية للكنيسة في نشر قيم السلام والحوار، وواجه انتقادات الرئيس ترامب الذي قال عنه"بأنه يعرّض الكنيسة والكاثوليك والناس للخطر"، معتبراً أن مواقف البابا توحي بأنه "لا يمانع في امتلاك إيران سلاح نووي". سارع البابا لاوون إلى نفي تلك الاتهامات مؤكداً موقف الكنيسة في رفض الأسلحة النووية، واصفاً تصريحات ترامب بأنها "غير صحيحة". أظهر لاوون خلال مراحل رحلته في الأراضي الأفريقية، الكثير من الحكمة والحذر، في أنه لا يرغب في الانغماس في مبارزة بوليفونية مع الرئيس الأميركي. استخدم البابا حريته في الكلام بطيب خاطر الرجال الصالحين في جميع الأمور بشكل عام، ولكن بشكل خاص في تلك، التي لا يوجد فيها يقين وتترك مجالًا للشك في استخدام أميركا سياسة القوة، ليذكر العالم باقتناعات الكنيسة الكاثوليكية بقوة السلطة الروحية التي تتفوق على السلطة الزمنية، مشدداً على موضوعين في كل محطات زياراته التي شملت تركيا ولبنان والجزائر، إلى محطته في مرفأ مرسيليا المتوسطيّة: السلام، ورفض الحرب التي تعود إلى البوابات الشرقية والجنوبية مع الحظ الترامبي الخارج عن مساره الطبيعي الذي يدمر، كما في زمن مكيافيلي معالم العالم المألوفة. لذلك، تنأى الكنيسة بنفسها عن تحيز آخر يميل إليه المعلقون، أو أن تتصرف بأخلاق الرجل السياسي، وعلى نحو أكثر حسماً، الإعلان عن أن العدو الحقيقي للإرث الفكري واللاهوتي الكلاسيكي للكنيسة، ليس النسبيّة في المواقف السياسية أو الوعي. إنه الصمت، أو أن تعلن الحياد في مسائل قيم التعددية والديمقراطية والخير العام ومصداقيته وتمثيله، حاسماً ـ أي البابا في رفض فكرة الحرب "طوبى لفاعلي السلام"، ومحاولة عزلة قدرة قارة أوروبا التعددية التي تتميز بحركيتها الديموغرافية عن بقية الكوكب، وفي إدانته الأساليب الاستخراجية والجائرة التي تُمارس على حساب الشعوب مجتمعين، وهو يخاطبهم أفضل من الأفضل بشكل فردي أحياناً عن السلام، لأن كل شخص يمتلك جزءًا من الفضيلة والحكمة، وعندما يجتمعون، يصبحون كرجل واحد بأقدام وأيد وحواس متعددة، تماماُ كما يفعل أرسطو، وهو يقيس هذه "الكفاءة الأخلاقية للشعب". في الجزائر، حثّ البابا، بحضور الرئيس عبد المجيد تبون، "من يملكون السلطة في هذا البلد على تعزيز مجتمع مدني حيوي وديناميكي وحر"، بعد خمس سنوات من قمع حركة الحراك لصالح الديمقراطية. "لا تخافوا من المعارضة. لا تخنقوا رؤى الشباب"، كررها لاحقًا في أنغولا. في الكاميرون، لدى الجنرال بول بيا الصامد، الذي يحكم منذ أكثر من أربعة عقود، أعرب أيضًا عن أسفه لعالم "يجتاح بالقوة، يقع في قبضة حفنة من الطغاة والفساد". كما انتقد "الوجه الخفي للدمار البيئي والاجتماعي الناجم عن السباق المحموم على المواد الخام والأرض النادرة"، الذي يغذي الحروب والتدخلات في القارة الأفريقية. وحذر البابا أيضًا من "الاستخدام المشوه للذكاء الاصطناعي لتغذية الاستقطاب والصراعات والمخاوف والعنف المسيطر على المكان والانتماء الاجتماعي أو السياسي أو المجتمعي لدى الأقليات، التي لا تتحمل أعباء النظم الفكرية المغلقة. في لبنان، كان البابا شاهداً على التعب العميق والشعور "باللا مهرب" في مواجهة ما يبدو استئناف الحرب. وهو لم يخف التعبير عن الغضب من الحرب الإسرائيلية، والاستياء في مواجهة قرار حزب الله بالانخراط فيها. مؤكداً لكهنته وللقاعدة المسيحية الخاصة في أن صمودها في الشرق مهمة حقيقية في منطق الوجود الديني والسياسي. وهو يعرف أن معاناة السكان قد تراجعت إلى المرتبة الثانية لصالح الحسابات الجيوسياسية الكبرى بشكل عام. وأدرك كم يشعر اللبنانيون والمسيحيون بشكل خاص بقلق عميق، حين تتخذ بعض الأحداث في سوريا والمنطقة بعدًا كارثيًا تقريبًا. وهناك خطر من التوترات المجتمعية ومن الانقسامات التي لا تقتصر على الطوائف الدينية المختلفة، بل تعبر كل واحدة منها أيضًا. هذه الرسائل تضع لاوون الرابع عشر في استمرارية مع البابا فرنسيس، والتأكد من عدم إخمادها بسبب اضطرابات العالم. وهي تبرز وتتردد في إعلاء صوته وتوجيهه الكلام إلى من هم في مواقع السلطة السياسية من دون مداراة، ومن دون الخضوع إلى الاستفزازات المتكررة من قبل ترامب، الذي لم يتقبل الإهانة من خليفة القديس بطرس بشأن حروبه في الشرق الأوسط، وحاول احتواءها بسخرية عن "ضعف البابا"، ونشر صورة مسيحية له على شبكته الاجتماعية، "تروث سوشيال". فوجد البابا نفسه في موقف سلفه جان بول الثاني، في عام 1978، حين أطلق عبارته الشهيرة "لا تخافوا" خلال قداس تنصيبه، رسالة أمل أطلقها أسقف كراكوف السابق، بولندا، التي شهدت الزلازل في تفكيك الاتحاد السوفياتي. والآن بعد ثمانية وأربعين يجد النداء صداه في نداء رجل الدين الأمريكي، معتبراً أنه ليس لديه "خوف" من الرئيس الأمريكي، ولا من نائبه الرئيس، جي. دي. فانس، الذي رأى أنه من المناسب تلقين لاوون الرابع عشر درسًا في اللاهوت، في ذهنية سياسية خارجية غير ذات مصداقية تعاني من اللامنطق وعدم الاتساق مع تسارع التاريخ وانقلاب العالم بسبب تعدد الأزمات وتداخلها منذ "الصعود الترامبي. مواقف ليست منعزلة، فيما يكتشف الأوروبيون عزلتهم وفقًا لهوبير فيدرين، وسيتعين عليهم إجراء "ثورة مفاهيمية" من خلال "التخلي عن التظاهر بأنهم مركز العالم" في ظل نظامً شبه فوضوي يتشكل وفق أستاذ الأنثروبولوجيا الفرنسي الكبير، موريس جودلييه، إذ يدعو إلى "إعادة تسليح أخلاقي" من أجل "الرد بشكل أفضل على أولئك الذين يواصلون التفكير في تجاوز الغرب أو محاربته، حيث انتهت أربع دورات من هيمنة الغرب على مصير العالم منذ القرن السادس عشر؛ إعادة تأكيد الولايات المتحدة على الرأسمالية والديمقراطية منذ عام 1917، النظام العالمي لعام 1945؛ وأخيرًا، العولمة، التي بدأت في عام 1979 وانتهت في عام 2022 بغزو روسيا لأوكرانيا. ويبرز اليوم عصر جديد من الإمبراطوريات في عالم جيوسياسي غير مستقر وغير متجانس، حيث يتحرر العنف من المؤسسات والقواعد التي حاولت السيطرة عليه، وحيث السلام مستحيل والحرب حاضرة في كل مكان. فتشهد الديمقراطيات تراجعاً، وتواجه تهديداً وجودياً بسبب تحول الليبرالية الأميركية نحو اللاعدالة واللامساواة وتوافقها مع مبادئ الأنظمة الاستبدادية، حيث تجد أوروبا نفسها محاصرة بين التهديد الحيوي من روسيا، هيمنة الصين الاقتصادية، ضغط تركيا التي تحشد الإسلام لإعادة بناء الإمبراطورية العثمانية، وكراهية الجنوب بسبب الماضي الاستعماري. مع ذلك، لا تجد الكنيسة نفسها ضعيفة ومجردة من سلاحها، لم تستسلم لأوهام نهاية التاريخ أو النفوذ الناتج عن السوق الكبرى، أو سياسة القوة التي تظل احتكارًا للدول الكبيرة في غزو روسيا لأوكرانيا، والإبادة الجماعية التي ارتكبت في غزة، والمبادرات الأحادية الجانب من قبل الولايات المتحدة في قلب النظام في فنزويلا، والآن في إيران - وجميع العمليات التي يتم الاضطلاع بها دون السعي للحصول على مظهر من مظاهر الموافقة الدولية، كما في عمليات تسليح التجارة والتكنولوجيا وحتى تدفقات الهجرة، التي يتم استخدامها بشكل متزايد كأسلحة لإجبار المنافسين أو لخدمة مصالحهم الجيوسياسية الخاصة .بعض العالم يختارون الصمت والغموض بدلاً من الدفاع عن القانون الدولي من خلال السعي لتجنب المواجهة. فيقعون في التهدئة. إنهم مخطئون، حين يتعلق الأمر بمعايير الكنيسة الكاثوليكية.

"نريد اقتلاعكم"
بقلم
منى فياض
نُشر
مايو 8, 2026 - 12:13

عندما كنت اذهب الى كندا، كانت تستفزني الدعاية الاسرائيلية التي تجعل من الفلافل والتبولة والحمص بطحينة، من التراث اليهودي الاسرائيلي التقليدي. لأنه استيلاء على تراث الطهو الذي تختص به بلاد الشام منذ قرون. وهو ليس مجرد استيلاء على تراث، بل على هوية وذاكرة. ليس هناك شعب في التاريخ استثمر في الذاكرة كما فعل اليهود بعد الهولوكوست. بنوا واحدة من أقوى منظومات حفظ الذاكرة في العالم. جعلوا من الذاكرة منظومة كاملة: مادية، تربوية، وقانونية، بحيث لا تُمحى. لقد وثقوا المقتنيات الشخصية في متاحف، حيث جُمعت آلاف الأغراض التي كانت بحوزة الضحايا: الأحذية، الحقائب التي كُتبت عليها أسماء أصحابها، النظارات، الشعر الذي قُصّ من السجناء، الملابس وأدوات شخصية صغيرة (أمشاط، ساعات، خواتم)؛ وذلك لإثبات أن الضحايا كانوا أفراداً حقيقيين، وليس مجرد أرقام. رجعوا الى الأرشيف والوثائق من سجلات النقل بالقطارات، لوائح الأسماء، وثائق رسمية نازية، ورسائل ويوميات.. وذلك لتحويل الذاكرة إلى دليل قانوني وتاريخي لا يمكن إنكاره. كما حافظوا على أماكن الجريمة وأقاموا النصب التذكارية وسجلوا شهادات الناجين بالصوت والصورة. وأدخلوا كل ذلك في المناهج التعليمية، وانتجوا أفلاماً وأدباً. حولوا الذاكرة إلى تجربة شعورية وثقافية، وحموها بالقانون وليس بالعاطفة. فهل يمكن لمن يعرف كل هذا عن قوة وأهمية الذاكرة، أن يجهل ما يعنيه تدميرها عند الآخرين؟ أليس الأمر انهم "يُدمّرون" كل شيء، لأنهم يعرفون تماماً ماذا يعني التدمير؟ إذا كانت الذاكرة هي ما يمنح الإنسان اسمه، وتاريخه، وحقه في أن يقول "كنت هنا"، فإن محوها هو الطريق الأقصر لتحويله إلى رقم، من قبل من حارب من أجل تحويل الضحايا من أرقام إلى أسماء. إذن إن استهداف القرى والبلدات في جنوب لبنان ليس مجرد عمل عسكري عابر أو مجرد حرب، ولا يمكن اختزاله بلغة الأرقام: عدد المباني المهدّمة، أو كلفة الخسائر. ما يحدث أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام محاولة منظمة لضرب ما هو أثمن من الحجر: الذاكرة. فحين يُسوّى الجامع الكبير أو البيوت التراثية بالأرض وحتى المقابر، فالمقصود ليس فقط إزالة معالم، بل محو الشاهد. هذا ليس دماراً عشوائياً. هو اعتداء ممنهج على الحياة نفسها: على البيوت، على المدارس، على المساجد، على الاسواق، وعلى كل ما يشهد أن بشراً عاشوا هنا وأحبّوا وتعلّموا وبنوا معنى لوجودهم ودفنوا أيضاً. أنه فعل اقتلاع معلن: اقتلاع البشر من أمكنتهم، واقتلاع الأمكنة من ذاكرتها. انها عملية محو للسيرة الجماعية: لأجيال عاشت وتعلّمت، لأصوات طلاب، لمعلمون حملوا رسالة، وتاريخ محلي تشكّل بصمت عبر عقود وقرون. وحين يُدمَّر جامع أو بيت تراثي، فإن الخسارة لا تُقاس بالإسمنت، بل بما كان يختزنه من تاريخ ومعنى وانتماء. الذاكرة، على عكس ما يُعتقد، ليست فكرة مجردة. هي مرتبطة بالمكان: بالحجر، بالمقام والقبر، بالدرج والحيّ، وبالأسماء التي تتكرر جيلاً بعد جيل. ولذلك، فإن تدمير المكان هو في جوهره تدمير للذاكرة. التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تشعر بعدم الاستقرار في علاقتها بالأرض، كما هي حال الاسرائيليين في أرض فلسطين المحتلة، تميل إلى إعادة تشكيل المكان بما يتناسب مع روايتها الخاصة. ليس فقط عبر البناء، بل عبر المحو خصوصاً. فإزالة آثار الآخرين ليست عملاً عشوائياً، بل جزء من صراع على السردية: من كان هنا؟ ومن له الحق في أن يقول "هذه أرضي"؟ نحن أمام نمط واضح من العنف يتجاوز الحرب إلى ما هو أعمق: اعتداء على الإنسان، وعلى ذاكرته، وعلى القيم التي تجعل من العيش المشترك ممكناً. إننا أمام انهيار أخلاقي يُعيد تعريف العلاقة مع الآخر على أساس القوة والعنف وحدهما. إن استهداف الأماكن المدنية، يُعدّ خرقاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني. فحين تُهدم وتدمّر الممتلكات الثقافية والدينية، لا يمكن ان تُصنَّف إلا ضمن انتهاكات جسيمة، ترقى إلى جريمة حرب وفق المعايير المعتمدة دولياً. ثم تأتي وقائع النهب التي تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية: جنود يدخلون البيوت ويخرجون بمقتنيات شخصية، بمجوهرات، وحتى بصور عائلية. هذا الفعل ليس تفصيلاً. أي انحدار أخلاقي هذا الذي يجعل صورة عائلة، أو غطاء سرير، أو ذكرى خاصة، غنيمة حرب؟ نحن هنا لا نتحدث عن تجاوزات فردية، بل عن سلوك يكشف ذهنية: التعامل مع المكان كفراغ، ومع أهله كأنهم لم يكونوا. يسمي القانون هذا الفعل "النهب" (Pillage)، وهو محظور بشكل صريح ويُعدّ جريمة حرب بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. لأنه لا يتعلق فقط بالممتلكات، بل بانتهاك كرامة المدنيين وحقوقهم الأساسية. الصورة العائلية ليست غرضاً يُسرق، إنها وثيقة هوية. سرقتها ليست فعلاً مادياً فقط، بل اعتداء على الحياة الخاصة، وهو ما يتقاطع أيضاً مع انتهاك الحق في الكرامة الإنسانية. الرسالة هنا تقول: لا نريد فقط أرضكم، بل نريد محو آثاركم عليها. ثم تأتي الضربة الأكثر خطورة: ضياع الحدود العقارية، واختفاء المعالم، والمساس بسجلات الملكية جراء تدمير الوثائق والسجلات العقارية. هنا يتحول الدمار إلى تهديد طويل الأمد للحقوق، لا يقل خطورة عن القصف نفسه. ويتحول التدمير إلى مشكلة قانونية مستقبلية: من يملك ماذا؟ وأين تبدأ الملكية وأين تنتهي؟ إنه تقويض ومحو للحقوق المدنية وللملكية الخاصة، وكأن الحرب التي يشنها الاسرائيليون لا تكتفي بالدمار الفوري، بل تمتد لتزرع نزاعات طويلة الأمد داخل المجتمع نفسه. تحول استهداف الذاكرة الى نمط يتكرر: استهداف البنية المدنية، وتدمير واسع النطاق لا تبرره ضرورة عسكرية واضحة، ونهب ممنهج، فإننا لا نتحدث فقط عن تجاوزات، بل عن أفعال تدخل ضمن إطار الجرائم ضد الإنسانية. وهنا لا تعود المسألة تقنية أو قانونية فقط، بل أخلاقية أيضاً. لأن القيم التي يفترض أن تضبط سلوك الحرب - حتى في أقسى ظروفها- تنهار عندما يُصبح المدني، وذاكرته، وممتلكاته، هدفاً مشروعاً. لكن هذه المحاولات تصطدم بحقيقة أساسية: الذاكرة لا تُمحى بسهولة. يمكن كسر الحجر، لكن من الصعب اقتلاع المعنى. صحيح أن الذاكرة مثل الزجاج، صدعها صعب الترميم، لكنها أيضاً لا تختفي بالكامل. تبقى في الناس، في اللغة، في الحنين، وفي إعادة البناء نفسها. المشكلة ليست فقط في ما يُهدم، بل في كيف نردّ نحن. تكرار العبارات الجاهزة مثل "سنعيد البناء أفضل مما كان" لا يكفي، بل قد يكون شكلاً من أشكال الهروب. إعادة البناء الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالخسارة: هناك كسر حقيقي، وهناك ما لا يمكن ترميمه بالكامل، وبأن شيئاً لا يُعوّض قد فُقد. لذلك ما يحتاجه الجنوب اليوم ليس فقط إعادة إعمار، بل حماية ذاكرته: توثيق ما دمّر وتوثيق الانتهاكات، حفظ الاسماء والأدلة، وإعادة رسم الخرائط وتثبيت الحقوق قانونياً، وصون القصص وملاحقة المسؤولين ضمن الأطر الدولية. لأن المعركة، في النهاية، ليست فقط على الأرض، بل على معنى هذه الأرض. ومن ينجح في حماية ذاكرته، ينجح في البقاء.

لبنان، الدولة الأنومية
بقلم
جميل كامل مروة
نُشر
مايو 7, 2026 - 16:27

لطالما اعتمدت التحليلات التقليدية للشأن اللبناني على “النموذج الطائفي”، الذي ينظر إلى الدولة بوصفها توازناً هشاً بين الفصائل الدينية. غير أن هذه العدسة تعجز عن استيعاب التفسخ المنظومي الراهن الذي يتخطى الحدود الطائفية. ومن خلال تطبيق نموذج إميل دوركهايم في الأنومي، تذهب هذه الورقة إلى أن الأزمة اللبنانية لا تتسم بالاحتكاك الطائفي بقدر ما تتسم بحالة عميقة من “انعدام المعايير” وفوضى الحياة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، لا تمثّل الطائفية السبب الجذري للانهيار، بل هي آلية بقاء متبقية تطفو على السطح في الفراغ الذي خلّفه عقد اجتماعي محطّم. أولاً: تحديد المنظور — الأنومي الدوركهايمي في كتابي تقسيم العمل في المجتمع (1893) والانتحار (1897)، عرّف إميل دوركهايم الأنومي بوصفه حالة من تفكك التنظيم الاجتماعي، حيث يعجز الضمير الجمعي عن توفير الإطار الأخلاقي الضروري لتقييد الرغبات والتطلعات الفردية. ينشأ الأنومي في مراحل التحولات المتسارعة والكارثية — الاقتصادية منها والاجتماعية — حين تتلاشى “قواعد اللعبة”. وفي مجتمع أنومي، تفقد المؤسسات التقليدية التي كانت تقوم بدور الوسيط بين الفرد والعالم — الدولة والقانون والاقتصاد — سلطتها، تاركةً الأفراد في حالة من “الاقتلاع” والإحباط المزمن. ثانياً: الأنومي العام في لبنان — ما وراء الحجاب الطائفي إذا كان النموذج الطائفي يوحي بأن المواطنين اللبنانيين تحركهم في المقام الأول الولاء لجماعتهم الدينية، فإن المعطيات تكشف عن واقع أعمق يتجاوز الانقسامات الطائفية: الانهيار التام للسلطة الأخلاقية للدولة. ١. تفكك التنظيم الاقتصادي: إن انهيار القطاع المصرفي وتبخّر الطبقة الوسطى ليسا حدثاً طائفياً؛ بل هما حدث أنومي. حين تتلاشى مدخرات العمر ويفقد النقد 98% من قيمته، ينقضّ العقد الاجتماعي القائم على معادلة “العمل مقابل المكافأة”. سواء في الأشرفية المسيحية أم في الضاحية الشيعية، تُفضي قناعة “الجدارة كذبة” إلى حالة مشتركة من انعدام المعايير. ٢. الفراغ المؤسسي: رأى دوركهايم أن المجتمع يحتاج إلى “هيئات وسيطة” لكي يعمل. في لبنان، كل هيئة وسيطة — من السلطة القضائية إلى المنظومة التعليمية — مشلولة. وقد أفرز ذلك “أنومياً جماعياً” لا يعرف فيه المواطنون بعد الآن أي قوانين يطبقون، وأي عملة يتعاملون بها، وكيف سيبدو "الطبيعي” في المستقبل. ٣. التضخم الديموغرافي للشباب بوصفه قوة أنومية: يمثّل “التضخم الشبابي” اللبناني الوجه الديموغرافي للأنومي. بالنسبة لشريحة 15–24 سنة على اختلاف طوائفها، سُدّت المسالك التقليدية لبلوغ مرحلة الرشد — التوظيف والزواج وتملّك السكن. ينتج عن ذلك ما أسماه دوركهايم “داء اللانهائي” — رغبات لا يتيح لها البنيان القائم أي إمكانية للإشباع، مما يفضي إما إلى اللامبالاة التامة (هجرة الكفاءات) أو إلى التطرف (البحث عن نظام جديد كثيراً ما يكون عنيفاً). ثالثاً: لماذا يتفوق نموذج الأنومي على النموذج الطائفي النموذج الطائفي عدسة ساكنة؛ يفترض أن المشكلة تكمن ببساطة في تكاثر الهويات. أما نموذج الأنومي فهو عدسة متحركة؛ يُدرك أن المشكلة تتمثل في غياب واقع مشترك. العَرَض في مقابل السبب: الطائفية في لبنان عام 2026 هي «عَرَض» من أعراض الأنومي. لا يتحصّن الناس في ملاجئ طائفية لأنهم متعصبون في جوهرهم؛ بل يتحصنون لأن الطائفة هي “الهيئة الوسيطة” الوحيدة المتبقية التي تقدّم الحماية في فراغ أنومي. وبتركيز نظره على الطائفية، يعالج المحللون العَرَض متجاهلين السبب: تفكّك التنظيم الكلي للحياة اللبنانية. عالمية الأزمة: يوحي المنظور الطائفي بأن الأزمة تؤثّر في الجماعات بصورة متفاوتة. أما منظور الأنومي فيُثبت أن الأزمة ذات طابع كوني. المهندس المسيحي في جبيل والعامل السني في طرابلس يعانيان معاً من الانهيار ذاته في منظومة التنظيم الاجتماعي. وكلاهما فقد ثقته في قدرة الدولة على توفير بيئة يمكن التنبّؤ بها. القدرة التنبؤية: يُفسّر الأنومي سبب إخفاق “الإصلاحات السياسية” — كرئيس جديد أو حكومة جديدة — في تحقيق الاستقرار. إذا كان النسيج الاجتماعي أنومياً، فإن رأساً سياسياً جديداً يغدو عديم الأثر، لأن “المعايير” التي يُفترَض به أن يصونها لم تعد موجودة في وجدان المواطنين. رابعاً: خاتمة — خارطة الطريق نحو التنظيم لحل الأزمة اللبنانية، لا بد من السعي إلى إعادة تنظيم المجتمع عوضاً عن “موازنة” طوائفه. وهذا يقتضي تجاوز الهروب إلى الأمام الطائفي والتركيز على أسس عقد اجتماعي جديد. ولن يتحقق الاستقرار إلا حين يحل نظام أخلاقي واقتصادي جديد — نظام مُرتكز على حقائق عام 2026 الفعلية — محل فراغ الأنومي. وحتى ذلك الحين، يبقى لبنان مجتمعاً «منفلتاً» من حدوده ذاتها، حيث غياب الأرضية المشتركة ليس خياراً هوياتياً، بل هو نتيجة موت مؤسسي.

السلطة التشريعية وفاعليتها واستقلاليتها
بقلم
يقظان التقي
نُشر
مايو 2, 2026 - 11:29

أضيفت إلى مقدمة الدستور اللبناني بموجب القانون الدستوري الصادر في 1990/9/21 أحكام أساسية من أن لبنان وطن حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحداً أرضاً وشعباً ومؤسسات في حدوده المعترف بها دولياً، وبأن لبنان عربي lلهوية والانتماء. وفي الفقرة (ج)، أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية. وهنا ينبغي تسليط الضوء على فاعلية الحكم البرلماني بعد اتفاق الطائف والحكم الديمقراطي الذي أثبت عدم الفعالية في بناء الدولة ومؤسساتها، وعما إذا كان ممثلاً صادقاً للشعب الذي انتخبه مرات. وهو مجال أصبح يكتسب أهمية متزايد، ويأخذ وصفته بأنه مهمة حيوية، مكثف وطويلة مع تطورات مأسوية في حرب وأزمات سياسية مؤكدة مرات عديدة. لطالما اعتبر مفهوم البرلمانية ليس متناقضاً مع الدبلوماسية، التي تُعد بطبيعتها وظيفة سيادية لمعالجة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية لم يتحسن فيها الوضع اللبناني. لكن دور البرلمانيين أصبح محل تساؤل في ظل الأزمة الوجودية الحالية التاي يتعرض لها لبنان في ظل الحرب الإسرائيلية الرابعة أو الخامسة على التوالي منذ العام 1969، وهي تثبت عدم صدقيّة تمثيل السلطة التشريعية كعامل استقرار داخلي وخارجي من خلال عدم التزامها المبادئ الدستورية المتعارف عليها دولياً. وتتحصن الطبقة السياسية اللبنانية على مدى عقود من السنيين خلف واجهة مناخ ديمقراطي راعياً لها في المحاصصة والزبائنية والمذهبية بخلاف أي مجتمع سياسي آخر عربي وغربي يعّي المبادئ الديمقراطية ويهتم بترسيخها في قوانين ثابتة من خلال سيادة القانون والدولة والتزام شروطها في المساواة المواطنيّة والشمولية والعدالة. لم تشر مراجعة العملية البرلمانية في ممارساتها وسلوكياتها في الحكم منذ تسعينات القرن الماضي، إلى التزام الأصول المتعارف عليها في اصدار القوانين (على محدوديتها سنوياً)، وسط غياب فاضح للمراسم التطبيقية، ولم تلتزم في غالبيتها حقوق الإنسان وسيادة القانون. أي أن ديمقراطية الحكم تستقيم، إذا التزم هذا الحكم الشرعيّة الدستورية الداخلية والدولية الناظمة. فالتزام الشرعية الداخلية يحددها الدستور الذي يشكله العقد الاجتماعي الذي ارتضاه الشعب طوعاً بكل ما ورد فيه من مبادئ وقواعد وآليات. والدولة تصبح ذات صدقيّة ديمقراطية حصينة وتتسم بالاستقرار والازدهار. هذا لم يحصل في لبنان "المؤجل"، نتيجة شوائب طغيان الأكثرية، والبطء في اصدار القوانين، وعدم محاسبة الندوة البرلمانية للسلطة التنفيذية، التي عادة ما تكون توافقية ومتآلفة، ولذلك تأتي الحلول بمثابة تسويات حزبية أو ميليشياوية توتاليتارية. والأخطر من ذلك، أن الناس لا تعرف ماذا يجري غالباً. فإن عمل النواب الآخرين يتسم بقدر أكبر من السرية، بل قد يكون مفرطاً في السرية، أو البلاهة السياسة في عدم دراسة الملفات وفقاً لبعض الآراء القلية ذات الاختصاص في الندوة الحالية التي يتزعمها الرئيس نبيه بري، التي لا تزال قيد التمديد، من دون تنسيق مبادرات البرلمانيين من خلال تعزيز المعلومات والتشاور المتبادل" ومن خلال خبرات الدعم أو التدقيق في صياغة مشاريع القوانين ذات الطابع التقني. وهؤلاء يعملون في ملاكات السلطة الاجرائية. وبالتالي عدداً من المشاريع التي تعرض على السلطة تأتي من الحكومات أكثر مما تقوم به المجالس التشريعية المتعاقبة. على الصعيد التشريعي، يظل تأثير البرلمانيين اللبنانيين محدودًا جدًا في مجال السياسة المحلية. تعمل الأغلبية بشكل أساسي كجهات تسجيل للمصادقة على مشاريع القوانين، التي لا يجري التفاوض عليها قبل التوقيع من قبل الحكومات، والتي لا يمكن للنواب تعديلها. إن تصريحات السلطة التنفيذية في هذا الشأن، يليها نقاش، وربما تصويت (غير ملزم)، وهو أيضًا من التمارين الخطابيّة الفلكلورية ذات الفائدة المتواضعة، والتي نادرًا ما تملأ قاعات المجلس بصخب، وهو الموزع بين "مناطق نفوذ"بالنسبة للاقتراحات، التي لا تناقش بدقة، ويصوت عليها شكلياً من دون قيمة رمزية بحتة تعني المجتمع المدني. فهي غير ملزمة، ولا تلزم تحميل الحكومة بأي شيء في سياساتها. والسؤال عن أداء المؤسسات ومدى استجاباتها في دور الانماء والإصلاح الذي يجب أن يتعزز. وقد تصطدم هذه الصلاحيات العائدة للمجلس التشريعي بتحديات أخرى لا تستطيع تجاوزها في بلد يعتمد على نظام الأعراف الطائفية، وهي على حال تتعارض مع الأسس الديمقراطية المستندة إلى ما يقبله الشعب اللبناني أو يقرره أو يستجيب له من منطق صدقيّة التمثيل الشعبي المباشر. لذلك، يجيز رئيس البرلمان اللبناني لنفسه في حالات تجاوز السلطة التشريعية، والنظام الداخلي يحدد نطاقاً معيناً للإطار التشريعي له واسع نسبياً على حساب البرلمانيين ودور الكتل البرلمانية المحدود كمرجعية قائمة وفاعلة. ولعل المجالس النيابية المنتخبة تضطر أحياناً كثيرة إلى استجابة مطالب وقضايا تخدم الكتل الضاغطة، أو تضطر إلى تفويض السلطة الاجرائية، أو بشكل ثنائي لرئيس المجلس يعمل ما يناسبه، دون أن تنشأ علاقات بين البرلمانيين، بصفتهم ممثلين للشعب اللبناني كله. هكذا تمكنت الطبقة السياسية اللبنانية من خلق "مناطق نفوذ" على حساب أن يكون كلام النواب أنفسهم مسموعاً (حتى لدى اقرار موازنة عامة دقيقة، أو مشاريع إصلاحية مالية تتعثر لسنوات). وبذلك تقوم السلطة التشريعية بخرق المبادئ المطلوبة منها في الدستور. بينما يبدو أن ردود فعل السلطة التنفيذية على هذه المبادرات البرلمانية تتراوح بين اللامبالاة والانتقاد، من "مصادر رسميّة ". ليس كقيمة مضافة، بل مجرد إزعاج في علاقة " تيسير متبادلة "، لعمل طويل الأمد في الاستجابة للأزمات بسرعة. ويمكن أن تشكل عائقًا حقيقيًا في العلاقات الثنائية. بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. النظام البرلماني اللبناني على حافة الهاوية. والتمديد المستمر مرات عديدة يعطي انطباعًا بديمقراطية قديمة. وهذا ما نتوقعه في السنتين المقبلتين من عمر المجلس الحالي. وهذا ما يريده السياسيون الحاليون برفض أي تغيير منطقي على نحو أكثر مرونة بالنسبة للبنانيين. يُنظر إلى الكرسي السياسي في لبنان على أنه "صيد ثمين لامتيازات لانهاية لها ومتوارثة، وإلى نوع من الطبقيّة والاستعلاء في هذا الشأن، حيث تنتهي الأمور أيضاً في مناصب وزارية أكثر استقطاباً بين الجماعات السياسية المتنافسة على الوزارات ذات الميزانيات العالية. إنه نقص في التقدير الديمقراطي، مما يجعل الأمر أكثر إحباطًا، لا يحقق سوى القليل من النقاط على المستوى الانتخابي، وعلى مستوى أن اللبنانيين جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون تمييز بحق متساوٍ في التمتع بحمايته في الرأي السياسي أو غير السياسي، وفي المنفعة العامة والخير العام، أو كأن يحظر في القانون أية دعاية للحرب، أي دعوة الى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة الداخلية أو العنف. والمعروف أن الضمانة الأساسية لديمقراطية الحكم هي في فاعلية السلطة التشريعية ذاتها، لأنها تتمثل بمجالس منتخبة كما تنص المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 25 من الحقوق المدنية والسياسية عن ارادة الشعب الذي هو صاحب السيادة في قرار الحرب والسلم. والسلطة التشريعية تضمن أيضاً كما يجب أن يضمن الدستور استقلال القضاء، والتأكد من أداء السلطة الاجرائية تحت طائلة الاجراءات المناسبة فضلاً عن استقلاليتها أيضاً في حرص القانون الدولي على حرية التعبير من دون تردد. لكنه حرص على وضع ممارسة هذه الحرية ضمن دوائر النظام العام وحرية الآخرين وتعزيز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم غير العنصرية أو الدينية. تشكل السلطة التشريعية الناظم الأساسي لضبط علاقات الدولة الداخلية والخارجية. هذا الشكل من البرلمانية المفقود في لبنان لا يشمل عمل المجالس البرلمانية، التي تمثل الشعب مباشرة وتعبر عن آماله وأوضاعه، وتلتزم الشرعيّة الدولية متحددة ضرورة ابرام الاتفاقيات الدوليّة الشارعة، وتعهد حماية حقوق الإنسان (الفرد والشعب)، ما يدفع الملفات المقبلة إلى الأمام، مع إجراءات تلتزم النصوص في الشرعيتين الداخلية والدولية، وتتسم بالفعالية والديمقراطية، ويمكن للنواب المساهمة في هذا البناء. وهذا أمر جيد في قواعد الامتثال ذات الصدقيّة. إنه نداء الجمهورية اللبنانية الجديدة.

مالي : تشريح صراع
بقلم
LevantTime .
نُشر
أبريل 30, 2026 - 13:50

تشهد مالي منذ عام 2012 أزمة متعددة الأبعاد، تمتد جذورها، بشكل لا لبس فيه، إلى الانهيار الليبي، الذي أطلق في منطقة الساحل تدفقات هائلة من الأسلحة والمقاتلين، فأعاد، بصورة مستدامة، تشكيل التوازنات الأمنية في كامل الإقليم. في ذلك العام، أعلن متمردون طوارق استقلال شمال البلاد، قبل أن يُقصَوا سريعاً على يد حلفائهم الإسلاميين المرتبطين بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وتدخّلت فرنسا عسكرياً في عام 2013 لاحتواء التقدم الجهادي، من دون أن تنجح، في أي مرحلة، في القضاء عليه نهائياً. أما العقد الذي تلا، فقد كان بالنسبة إلى مالي عقد التدهور المتواصل. فالاتفاقات السلمية التي وُقّعت في الجزائر عام 2015 بين باماكو والحركات المسلحة في الشمال لم تُنفَّذ يوماً بشكل كامل. وامتد الإرهاب تدريجياً نحو وسط البلاد وجنوبها، فيما تصاعدت وتيرة العنف بين المكونات المجتمعية. وفي عامي 2020 و2021، قاد انقلابان متتاليان إلى وصول العقيد عاصمي غويتا إلى السلطة، حيث أطلقت الطغمة العسكرية على نفسها اسم “المرحلة الانتقالية” (في انتظار العودة إلى النظام الدستوري)… غير أن المؤقت، بحكم طبيعته حين يطول، بات دائماً، إذ تمضي هذه “المرحلة الانتقالية” منذ خمس سنوات من دون أي أفق انتخابي ذي مصداقية. ظلّ بوتين على إفريقيا باشرت الطغمة العسكرية فوراً بقطع علاقاتها مع الشركاء التقليديين. فقد طُلب من فرنسا سحب قواتها. كما جرى تقليص مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام قبل طردها نهائياً. وفي المقابل، وصل… مجموعة فاغنر، الميليشيا الروسية الخاصة التي أُعيدت تسميتها لاحقاً “الفيلق الإفريقي”، وانتشرت على الأراضي المالية بعدة آلاف من العناصر. ثم انضمت مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تخضعان أيضاً لسلطات عسكرية منبثقة عن انقلابات، لتشكيل “تحالف دول الساحل” (AES)، الذي قطع علاقاته مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وهي المنظمة الإقليمية التي تضم خمسة عشر بلداً، واتجه نحو موسكو طلباً للدعم الأمني. ولا يمكن، بأي حال، اعتبار الوجود الروسي في مالي عملاً خيرياً في مجال الأمن. فهو يقوم على نموذج سبق أن اختُبر في إفريقيا الوسطى والسودان وليبيا، ويقضي بمقايضة الحماية العسكرية بإتاحة الوصول إلى الموارد الطبيعية. وفي الحالة المالية تحديداً، يتمثل ذلك في الذهب، حيث جرى توثيق وجود “الفيلق الإفريقي” في مواقع التعدين الحرفي الرئيسية في البلاد. وإلى جانب ذلك، تسعى موسكو إلى تحقيق أهداف أوسع، من بينها ترسيخ سردية الغرب “الاستعماري الجديد”، وضمان حلفاء داخل منظومة التصويت في الأمم المتحدة، ومراقبة التحركات العسكرية والدبلوماسية الفرنسية والأميركية في منطقة الساحل، وفتح أسواق جديدة لصناعاتها العسكرية، وغير ذلك. المغرب والجزائر يبدو الصراع المالي الحالي، في قراءة أولى، وكأنه مواجهة بين حكومة عسكرية ضعيفة مدعومة بحلفائها الروس، وبين نوعين من الخصوم المسلحين: الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (GSIM/JNIM)، التي تمثل البنية العملياتية الرئيسية في الساحل، والحركات الانفصالية في الشمال، المجمَّعة ضمن “جبهة تحرير أزواد” (FLA)، وهي الامتداد المعاد تشكيله لحركات التمرد الطوارقية لعام 2012. غير أن هذه القراءة، القائمة على توازنات القوة الفعلية، تبقى قاصرة من دون إدراج البعد الجيوسياسي الإقليمي، حيث يتقابل في الواقع مشروعان متنافسان للنفوذ: مشروع الجزائر، التي مارست طويلاً تأثيراً على الملف المالي عبر وساطاتها وشبكاتها، ومشروع المغرب، الذي بنى، بتدرج وصبر، حضوراً إفريقياً قائماً على التعاون الاقتصادي والديني والأمني. وقد جاء التحول الدبلوماسي المالي في 10 نيسان 2026 — والمتمثل في سحب الاعتراف بـ“الجمهورية الصحراوية” المدعومة من الجزائر — ليكشف هذه المنافسة بشكل فجائي وعلى الملأ. هجوم 25 نيسان في هذا السياق، جاءت هجمات 25 نيسان 2026، اليوم الذي شنّت فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد سلسلة من الهجمات المنسقة على باماكو وكاتي وموبتي وسيفاري وغاو وبوريم وكيدال، أي على كامل المحور الممتد من الشمال إلى الجنوب، من الصحراء الكبرى إلى العاصمة. كانت تلك عملية هجومية ذات طابع منظومي، تجاوزت خطوط الجبهة التقليدية لتصل إلى عمق الجغرافيا السياسية الإقليمية، كاشفة في الوقت ذاته عن تصدعات حاولت الدبلوماسية إخفاءها. فقد استهدفت الهجمات، في آن واحد، قلب النظام السياسي في الجنوب وقواعده العسكرية في الشمال. وتُعد سيفاري/موبتي، على سبيل المثال، المركز العصبي وعقدة الطرق الأساسية في البلاد، حيث يؤدي سقوطها إلى عزل الشمال عن الجنوب. أما غاو، عاصمة الشمال، فهي مركز عسكري رئيسي للجيش المالي وتضم جسراً استراتيجياً على نهر النيجر. وبوريم تمثل نقطة تقاطع بين غاو وتمبكتو. أما كيدال، الواقعة على بعد 1500 كيلومتر من باماكو، بالقرب من الحدود الجزائرية، فهي المعقل التاريخي للتمردات الطوارقية. أما مجرد الوصول، ولو بشكل عابر، إلى باماكو، حيث تمكن مقاتلو الجماعة الجهادية من التسلل إلى ضواحيها واحتلال محيط مطار موديبّو كيتا الدولي، فيمثل رسالة سياسية غير مسبوقة. وعليه، فإن خطورة الوضع الراهن غير مسبوقة منذ أحداث آذار 2012، عندما سيطر متمردون طوارق، سرعان ما أزاحهم حلفاؤهم الإسلاميون المرتبطون بالقاعدة، على كيدال وغاو وتمبكتو. طبيعة الهجوم بحسب الحكومة المالية، لم تكن الهجمات الجهادية تهدف فقط إلى بث الرعب، بل إلى كسر التماسك الوطني وإسقاط مؤسسات “المرحلة الانتقالية”. وكان الحدث الأكثر رمزية بلا شك مقتل وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، إثر هجوم بسيارة مفخخة يقودها انتحاري داخل مقر إقامته في كاتي، على بعد خمسة عشر كيلومتراً فقط من العاصمة… وفي قلب أهم قاعدة عسكرية في البلاد. بعد ذلك، سقطت كيدال بالكامل تحت سيطرة جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بعد أن أبرمت القوات الروسية التابعة للفيلق الإفريقي (الوريث المؤسسي لمجموعة فاغنر المنتشرة في مالي منذ 2021) اتفاق انسحاب، وتم إجلاؤها إلى تيساليت، فيما وقع الجنود الماليون الذين بقوا في الموقع في الأسر. وهذه النقطة الأخيرة تستحق التوقف عندها، نظراً لكونها، على الأرجح، الحدث الاستراتيجي الأثقل خلال تلك الأسبوع. ففي نوفمبر 2023، كانت السيطرة على المدينة قد قُدمت بوصفها الانتصار المؤسس لشرعية الطغمة العسكرية. وفي أقل من ثلاثين شهراً، تم محو هذا “الأسطورة التأسيسية”. وأبعد من ذلك، تكشف خسارة كيدال عن هزيمة عملياتية للنموذج الأمني الذي تبنته السلطة المالية منذ 2021، والقائم على سيادة مسلحة مدعومة بشراكة مع الفيلق الإفريقي الروسي، بديلاً عن الأطر متعددة الأطراف التي جرى التخلي عنها. غير أن هذه الشراكة، التي بنت عليها باماكو جزءاً كبيراً من شرعيتها الداخلية ومكانتها الدولية، لم تصمد أمام هجوم منسق استهدف نقطة مفصلية في الشمال. وقد جاءت حصيلة الهجوم كارثية: شلل الطرق المؤدية إلى باماكو، ووضع المدن المركزية التي تربط الشمال بالجنوب تحت السيطرة أو تحت النيران، وانتقال خط الجبهة من الشمال والوسط إلى أبواب العاصمة نفسها. تشابك الفاعلين يتضح، في أعقاب ذلك، أن التنسيق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يتجاوز بكثير السياق العسكري البحت. فالفكرة التي طالما جرى الترويج لها، والقائلة بوجود تمرد أزوادي محصور في مطالب هوياتية منفصلة عن البنى الجهادية، تبدو اليوم وقد تزعزعت بشكل عميق. إذ بات من الصعب، في المرحلة الراهنة، الفصل بين هذه الملفات. وفي الواقع، كانت المؤشرات على هذا التداخل تتراكم منذ سنوات، من دون أن تحظى بالاهتمام الكافي الذي تستحقه. الرد المغربي في هذا السياق، اتسم موقف المغرب بوضوح واتساق لافتين. فقد عبّرت وزارة الشؤون الخارجية، بقيادة ناصر بوريطة، في بيان رسمي، عن إدانتها الشديدة للهجمات الإرهابية التي شهدتها مالي، مؤكدة تضامنها الكامل مع السلطات والشعب المالي، ومقدمة تعازيها لأسر الضحايا. كما ذكّرت بأن المغرب حذّر منذ فترة طويلة من خطورة الوضع في عدد من دول الساحل، وشدد على ضرورة تعزيز قدرات حكوماتها ومؤسساتها في مواجهة التهديدات الإرهابية والانفصالية. ويندرج هذا الموقف ضمن نهج ثابت، بُني على مدى سنوات، يقوم على احترام سيادة الدول، والرفض القاطع للإرهاب، ودعم المؤسسات الوطنية في مواجهة التفكك. وهو نهج يكتسب قوة إضافية من كونه يتقاطع، في الوقت ذاته، مع المصالح الاستراتيجية الواقعية للرباط في منطقة توسع فيها نفوذها بشكل ملحوظ، بحيث إن تلاقي المبدأ مع المصلحة يمنحه، تحديداً، تلك الاستمرارية التي يعجز الحساب التكتيكي البحت عن إنتاجها. وكان مصدر دبلوماسي مغربي قد أوضح، منذ 25 نيسان، أن الرباط تابعت بقلق بالغ الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت باماكو ومدناً أخرى، مشيراً إلى أنها طالت بشكل متعمد مناطق مدنية وعسكرية. وتعكس هذه السرعة في التفاعل مستوى التقارب الاستراتيجي الذي بلغته العلاقات بين الرباط وباماكو، والذي وصل إلى ذروة دبلوماسية بارزة قبل أسابيع قليلة فقط من وقوع الهجوم. منعطف 10 نيسان في 10 نيسان 2026، سحبت مالي رسمياً اعترافها بـ“الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وهي الكيان الذي أعلنه “جبهة البوليساريو”، الحركة الانفصالية الصحراوية المدعومة من الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي حظيت تاريخياً بدعم عدد من الدول الإفريقية بوصفها ورقة ضغط على الرباط. وكانت باماكو قد حافظت على هذا الموقف لعقود طويلة. ويعكس هذا التحول الدبلوماسي رغبة السلطات الانتقالية في مالي في انتهاج سياسة خارجية مستقلة وبراغماتية، قائمة على تحالفات تمليها المصالح المتبادلة والمكاسب الملموسة. وقد كانت نتائجه فورية: إلغاء مرتقب لتأشيرة السفر الإلكترونية للمواطنين الماليين المتجهين إلى المغرب، إلى جانب مضاعفة عدد المنح الدراسية المخصصة للطلبة الماليين، لتصل إلى ثلاثمئة منحة سنوياً. ويندرج هذا التقارب ضمن سياق دولي أوسع، مدعوم بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية أحد عشر صوتاً، والذي مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، مع تأكيد الدعم الكامل للمسار التفاوضي القائم على مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، فيما اختارت الجزائر، كما في العام السابق، عدم المشاركة في التصويت. انعكاسات القرار على الجزائر بالنسبة إلى الجزائر، لا يشكل التحول المالي في 10 نيسان مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل يتجاوز ذلك بكثير. إذ أدت هذه الخطوة إلى زيادة عزلة كيان البوليساريو على الساحة الإفريقية، وإلى تكريس شراكة استراتيجية بين باماكو والرباط، ما حرم الجزائر من أحد أهم أدوات نفوذها التاريخية في منطقة الساحل. وقد جاءت هجمات 25 نيسان بعد خمسة عشر يوماً فقط من هذا التحول، في بلد كانت الشروط الموضوعية لشن هجوم واسع من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد قائمة فيه بشكل مستقل عن الإيقاع الدبلوماسي. فقد كان تعطيل المحاور الطرقية في الشمال، الموثق منذ خريف 2025، يشكل بالفعل مقدمة للتصعيد. صحيح أن ردّ كل الأسباب إلى التسلسل الدبلوماسي وحده يُعد تبسيطاً مفرطاً؛ غير أن التزامن الزمني يتيح استخلاص نتيجة أكثر توازناً، مفادها أن هجمات 25 نيسان قد جرى استغلالها، وربما التعجيل بها، في سياق كان لبعض الفاعلين الإقليميين فيه دوافع حديثة وقوية لإبراز هشاشة الخيار المالي. حرب السرديات لا تقتصر هذه الأزمة على ساحة المواجهة العسكرية، بل تمتد أيضاً إلى ساحة أخرى قد تكون أكثر حساسية على المدى الطويل. إذ تتقاطع عدة مؤشرات لتشير إلى وجود هجوم معلوماتي منسق، يهدف إلى استغلال الهجمات لتقويض صورة مالي وبث الشكوك حول خياراتها الاستراتيجية. وقد تجلّى ذلك في نشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات شبه الإعلامية، حيث جرى تداول محتويات غير موثقة، وشائعات عن هروب مسؤولين ماليين، وأرقام مبالغ فيها للخسائر، وسيناريوهات انهيار مؤسساتي جرى تعميمها على نطاق واسع… بهدف مزدوج يتمثل في إضعاف الثقة الداخلية، وتشويه صورة البلاد خارجياً. ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين الوقائع القابلة للتحقق والتفسيرات. فازدهار حملات التضليل في الساعات التي تلت الهجمات، عبر شبكات تداخلت فيها الأخبار الكاذبة مع المزايدات القومية والدعوات إلى العنف، هو أمر موثق، ويعود إلى ما قبل أحداث نيسان ضمن سياق أطول من التوترات الجزائرية المالية. أما فرضية وجود تنسيق مركزي لهذه الحملات، فهي فرضية معقولة ومنسجمة مع أنماط معروفة في ساحات تنافس إقليمي أخرى، لكنها تظل بحاجة إلى أدلة إضافية لإثباتها بشكل قاطع. غير أن منطق المصلحة لا يحتاج إلى إثبات: إذ إن زعزعة السردية المالية، في هذا التوقيت تحديداً، لا تخدم إلا الجهات التي لها مصلحة في إظهار فشل التحول الدبلوماسي في 10 نيسان. أزواد ليست الصحراء من بين المناورات الخطابية الأكثر دلالة في الأيام الأخيرة، تبرز محاولة إقامة معادلة بين قضية أزواد وقضية الصحراء المغربية. غير أن هذه المقارنة مصطنعة بالكامل، وتهدف إما إلى تقويض الموقف المغربي من خلال ربطه بعنف الساحل، أو إلى إضفاء شرعية دولية على المطالب الأزوادية، وهي شرعية نسفتها أحداث 25 نيسان بشكل واضح. فالقضية الصحراوية تندرج ضمن مسار دولي يسعى إلى حل سياسي قائم على حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، وهو مسار يحظى بدعم متزايد. صحيح أنه لا يخلو من اعتراضات قانونية، ولا تنفرد الجزائر بطرحها، لكنه يستند إلى أرضية أممية متينة، وإلى اعتراف غربي واسع، وإلى عملية دبلوماسية نشطة. أما الوضع في شمال مالي، فينتمي إلى سياق مختلف تماماً، يتمثل في أزمة داخلية تتسم بالعنف المسلح، وبالتداخل مع البنى الجهادية، وبغياب أي مسار تفاوضي مماثل. وقد أظهرت هجمات 25 نيسان، بشكل لا لبس فيه، أن الانفصالية والإرهاب باتا، في هذا المسرح، جسداً عملياتياً واحداً. صمت تحالف دول الساحل ثمة عنصر آخر يستحق الإشارة إليه من دون مواربة. فقد التزم تحالف دول الساحل (AES)، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر منذ عام 2023، قدراً ملحوظاً من الصمت، ولم يقدم أي دعم صريح لباماكو في لحظة الهجمات. وبحسب صحيفة Le Monde ، فإن الإدانات الأكثر وضوحاً للهجوم الجهادي على الطغمة العسكرية جاءت من خصومها على المستوى الجيوسياسي، ولا سيما من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، التي دانت بشدة هجمات 25 نيسان، ودعت إلى توحيد الجهود الإقليمية في مواجهة الإرهاب. وهكذا، فإن التضامن بين دول الساحل، الذي كثيراً ما جرى التلويح به كأساس أيديولوجي للتحالف، بدا، في اللحظة التي كان يُفترض أن يتجلى فيها، أقرب إلى خطاب منه إلى ممارسة فعلية. وهي مفارقة سيكون على الطغمة المالية، في رفضها البنيوي لإيكواس، أن تواجهها يوماً بالقدر من الوضوح الذي تفرضه عادة اللحظات القصوى. ما تكشفه الأزمة بعيداً عن الظرف الآني، تبدو الأزمة المالية أكثر من أي وقت مضى كاشفة لديناميات تنافس إقليمي، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الحروب المعلوماتية وصراعات النفوذ العميقة. كما تكشف حدود نموذج حكم استبدل الشراكات المستقرة بولاءات ظرفية، ليجد نفسه، في لحظة الاختبار، أكثر عزلة مما كان يتصور. وفي هذا السياق، تجد دول مثل المغرب أو الإمارات العربية المتحدة، المنخرطة في أشكال من التعاون مع باماكو، نفسها في قلب حملات تستهدف تقويض صورتها أو التشكيك في دورها… وهو ما يكشف، على وجه التحديد، عن الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكات في نظر من يسعون إلى مواجهتها. الدرس الذي تفرضه هذه الأيام يتعلق بطبيعة الخيار المطروح أمام دول الساحل: بين سيادة تستند إلى شراكات قائمة على الاحترام المتبادل، وعلى مكافحة صريحة للإرهاب، وعلى رؤية طويلة الأمد للتنمية الإقليمية، وبين ارتهان لمنطق التلاعب الخارجي الذي يستثمر في هشاشتها من دون أن يعالجها. لقد اختارت باماكو طريقاً يمكن مناقشة تفاصيله وحدوده، غير أن تماسكه العام يصمد أمام الفحص… وهو خيار بدا مقلقاً بما يكفي لبعض الأطراف، إلى درجة أن تزامن الأحداث في هذه الحالة يفقد كثيراً من براءته. فمالي ليست مجرد ساحة صراع، بل أيضاً مختبر جيوسياسي. وما كشفه 25 نيسان هو الحد البنيوي لهذا النموذج. أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، من دون أن يجد جواباً بعد، فهو التالي: إذا اهتزت الطغمة العسكرية على نحو دائم، فهل ستدافع موسكو عن حليفها… أم عن مناجمه؟ ذلك هو السؤال الأبدي، المؤلم، الذي يطرحه التاريخ، منذ فجر الأزمنة، على كل من يجد نفسه في آن واحد موضع أطماع وموضع هشاشة… حين تأخذه نشوة السلطة، فينسى شرطه الأول.

هزيمة فيكتور أوربان: نقطة تحول تاريخية في المجر وأوروبا
بقلم
سعود المولى
نُشر
أبريل 25, 2026 - 14:03

يشّكل فوز بيتر ماغيار وحزبه "Tisza" نقطة تحول تاريخية في المشهد السياسي المجري، إذ أنهى 16 عاماً من حكم فيكتور أوربان وحزب فيدس. الانتخابات وُصفت بأنها الأهم منذ عقود، ليس فقط بسبب حجم المشاركة الشعبية القياسي، بل أيضاً لأن نتيجتها منحت المعارضة أغلبية الثلثين في البرلمان، وهو ما يتيح لها القدرة على تعديل الدستور والتراجع عن السياسات غير الليبرالية التي كان قد رسّخها أوربان خلال فترة حكمه. الرئيس الجديد ماغيار وعد بإعادة حرية الصحافة وإصلاح الإعلام الحكومي، في خطوة تهدف إلى تفكيك منظومة السيطرة المعلوماتية التي اعتمد عليها النظام السابق. المفاجأة الكبرى كانت اعتراف أوربان بالهزيمة فورياً، من دون محاولة التمسك بالسلطة بالقوة، ما جنّب البالد أزمة سياسية أو احتجاجات دموية. أسباب الهزيمة الهزيمة لم تكن وليدة لحظة انتخابية واحدة، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية أضعفت شرعية أوربان. إضافة إلى ذلك، نجحت الحملة المنظمة من ماغيار – الذي كان في السابق حليفاً لأوربان – في توحيد المعارضة خلف شخصية واحدة قادرة على منافسة فيدس بجدية. كما أن اعتماد أوربان على الدعاية السلبية والتخويف لم يعد مقنعاً للناخبين، بل انعكس عليه سلباً، إذ فقدت رسائله المصداقية أمام الواقع الاقتصادي المتردي. 1- صعود أوربان وبناء النموذج الاقتصادي منذ أزمة 2008، بنى فيكتور أوربان شعبيته على وعد بالازدهار الاقتصادي و"مجتمع قائم على العمل"، مع التركيز على خلق الوظائف وجعل المواطنين أكثر اعتماداً على أنفسهم. هذا النموذج اعتمد على الاستثمارات الأجنبية منخفضة الأجور، أي على جذب شركات خارجية لتوظيف العمالة المحلية برواتب منخفضة، بهدف تقليل تكاليف الإنتاج وزيادة تنافسية الدولة في الأسواق العالمية. صحيح أن هذا النموذج يخلق فرص عمل لكنه يبقي الاقتصاد الوطني هشاً أمام الأزمات العالمية، ويحد من القدرة على تحسين مستوى المعيشة. 2- الركود الاقتصادي وتراجع النموذج تباطأت بشكل ملحوظ نجاحات أوربان في زيادة الوظائف بعد جائحة كورونا وغزو روسيا لأوكرانيا، وهو ما كشف هشاشة النموذج الاقتصادي الذي اعتمد عليه طوال سنوات حكمه. فالمجر، التي كانت تفتخر بارتفاع معدلات التوظيف في العقد الماضي، وجدت نفسها منذ عام 2022 أمام واقع اقتصادي صعب: نمو شبه معدوم، وتضخم هو الأعلى في الاتحاد الأوروبي، ما انعكس مباشرة على حياة المواطنين اليومية من خلال ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. لكن الأزمة لم تكن اقتصادية فقط؛ بل تحولت إلى أزمة اجتماعية وسياسية عميقة. شعر المواطنون أن وعود أوربان ببناء "مجتمع قائم على العمل" لم تعد قابلة للتحقق في ظل الأزمات العالمية وضغوط السوق. 3- تراجع الدعم الشعبي والأزمات الأخلاقية على الرغم من ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات، تقلصت قاعدة حزب فيدس من 3.1 إلى 2.3 مليون ناخب، وهو مؤشر واضح على تآكل الثقة الشعبية في أوربان وحزبه. هذا التراجع لم يكن مجرد نتيجة طبيعية لعوامل اقتصادية، بل ارتبط أيضاً بأزمات أخلاقية وسياسية هزّت صورة الحزب، من أبرزها فضائح التغطية على قضايا الاعتداء الجنسي على الأطفال، والتي قوّضت شرعية الحزب وأضعفت قدرته على تقديم نفسه كحارس للقيم التقليدية. وقد تزايدت مشاعر الإحباط بسبب الفساد المستشري والتفاوت الاجتماعي الفاضح الذي أبرزته صور القصور الفاخرة التي تملكها النخبة الحاكمة، في مقابل معاناة الطبقات الوسطى والفقيرة، فتعاظمت فجوة الثقة بين الشعب والحكومة. كل هذا ساهم في صعود منافسه بيتر ماغيار، الذي استطاع أن يستثمر في فقدان الثقة العامة ليطرح نفسه كبديل أكثر نزاهة وكفاءة. 4- الخطاب الثقافي والإعجاب الخارجي في مواجهة التراجع الداخلي، حاول أوربان التعويض بالخطاب القومي والثقافي عبر ما يُعرف بـ"الحروب الثقافية"، مسلّطاً الضوء على قضايا الهوية والدفاع عن الأمة ضد "العولمية". فقد صوّر أوربان الاتحاد الأوروبي، والمؤسسات المالية العالمية، والمنظمات الليبرالية كقوى "عولمية" تهدد هوية المجر وثقافتها، مركّزاً على حماية الحدود، ورفض سياسات الهجرة الأوروبية، والتأكيد على "القيم التقليدية" في مواجهة ما اعتبره تفكيكاً للعائلة والمجتمع. غير أنه، على الرغم من خطابه المناهض للعولمة، اعتمد في نموذجه الاقتصادي على الاستثمارات الأجنبية (شركات السيارات الألمانية، مصانع البطاريات الصينية)، ما جعله عرضة للتقلبات العالمية. أي أنه في حين قدّم نفسه كزعيم يقاوم "العولمة الليبرالية" التي تفرضها بروكسل والغرب، جعل الاقتصاد المجري مرتبطاً بالعولمة. وفي السياسة، كان أوربان أقرب إلى روسيا، معارضاً لسياسات الاتحاد الأوروبي تجاه أوكرانيا، ما جعله رمزاً للتحالفات المناهضة للعولمة الغربية. كما حظي بدعم مباشر من ترامب، الذي رأى فيه نموذجاً للشعبوية القومية المناهضة للعولمة الليبرالية. وبالتالي فقد أصبح أيقونة اليمين الشعبوي العالمي، ونجم مؤتمرات المحافظين حول العالم، مثل "مؤتمر العمل السياسي المحافظ" Conservative Political Action Conference، حيث قدّم نفسه كـ"داوود" يقاوم "غولياث العولمي". وقد أصبح هذا المؤتمر الأمريكي السنوي، الذي يحضره دونالد ترامب كنجم أول، منصة لتصدير الخطاب الشعبوي المحافظ عالمياً، خصوصاً بعد عقد نسخة منه في المجر، ويُستشهد به في أوروبا وأمريكا اللاتينية كمصدر إلهام لليمين القومي. غير أن هذا الخطاب الثقافي الهوياتي اليميني الشعبوي، الذي كان في السابق أداة فعالة لحشد الدعم، لم يعد كافياً أمام التدهور الاقتصادي والخدمات العامة المتردية. فقد بات الناخبون أكثر اهتماماً بارتفاع الأسعار وتراجع مستوى المعيشة من الشعارات القومية. في المقابل، استمر زعماء قوميون في أوروبا والولايات المتحدة في تمجيد أوربان كرمز لمقاومة العولمة، معتبرين تجربته نموذجاً لمواجهة "التهديدات العالمية". لكن هذا الإعجاب الخارجي ظل بعيداً عن الواقع الداخلي للمجر، حيث لم يغير شيئاً من معاناة المواطنين اليومية أو من تراجع ثقتهم في النظام. 5- الانعكاسات الدولية هذه النتيجة تمثل ضربة لخطاب القومية والانقسام الذي كان أوربان رمزاً له، وتكشف حدود فعالية هذا النموذج، خصوصاً في أوروبا. تُعدّ روسيا أكبر الخاسرين، إذ فقدت صوتها الأقوى داخل الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بعرقلة المساعدات لأوكرانيا. أما الولايات المتحدة (إدارة ترامب) فقد خسرت حليفاً بارزاً في أوروبا، بالرغم من محاولات دعم أوربان قبل الانتخابات. وتقف الصين كالعادة، تراقب بحذر، إذ استثمرت بكثافة في قطاع السيارات الكهربائية بالمجر، وقد تتأثر مصالحها إذا غيّر ماغيار توجهاته لتعزيز علاقاته مع الاتحاد الأوروبي. لعل أكبر الخاسرين هو اليمين الشعبوي العالمي، خصوصاً حلفاؤه في فرنسا: مارين لوبن وحزبها "التجمع الوطني Rassemblement National" وإريك زمور وحزبه "الاسترداد Reconquête". ومن بين أكبر الخاسرين حزب القانون والعدالة (PiS) في بولندا، ونايجل فاراج وحزب الإصلاح في المملكة المتحدة، وتوني أبوت رئيس الوزراء السابق في أستراليا، والرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو. لكن الفائز الأكبر هو الشعب المجري أولاً الذي عبّر عن رفضه للفساد والاستبداد، إلى جانب الاتحاد الأوروبي الذي استعاد شريكاً أكثر انسجاماً مع توجهاته، وأوكرانيا التي قد تحصل على دعم أسهل داخل الاتحاد بعد تراجع النفوذ الموالي لروسيا. الخلاصة لم تكن الانتخابات المجرية الأخيرة مجرد تغيير داخلي وتناوب على السلطة، بل رسالة عالمية ضد الشعبوية اليمينية والفساد، وضربة لمحاولات روسيا والولايات المتحدة التأثير في أوروبا. تجربة أوربان تكشف حدود "المحافظة المؤيدة للعمال"؛ فهي تنجح حين تقدم وعوداً اقتصادية ملموسة، لكنها تنهار عندما تُختبر أمام الأزمات العالمية. كما أن الانتخابات أظهرت حدود "الاستبداد المعلوماتي"؛ فحين يتدهور الاقتصاد وتتوحد المعارضة خلف بديل قوي، تصبح أدوات التضليل والدعاية أقل فعالية وتفقد قدرتها على التحكم بالنتائج. سقوط أوربان لم يكن فقط بسبب سلطويته أو خطابه الثقافي، بل نتيجة فشل النموذج الاقتصادي وتآكل الثقة الأخلاقية بحزبه. التجربة تكشف أن الأنظمة التي تعتمد على التحكم بالمعلومات ليست منيعة، وأنها تنهار عندما تفقد المصداقية أمام الأزمات الاقتصادية والسياسية. فيما يعكس نجاح ماغيار ميل الناخبين نحو بديل وسطي أكثر كفاءة، واعتدالاً، جامعاً بين الوسط واليسار الليبرالي، بالرغم من أنه محافظ ويشارك بعض سياسات فيدس. وبالتالي فإن ماغيار لا يمثل تحولاً جذرياً في السياسات العامة بقدر ما هو إعلان عن نهاية مرحلة أوربان التي استنفدت زخمها. ويبقى التحدي أمام ماغيار في تحقيق إصلاحات حقيقية تعيد بناء الثقة الشعبية من دون فقدان دعم الناخبين الذين كانوا في الأصل جزءاً من قاعدة فيدس.

لبنان على حافة الهاوية: الحجّة لصالح قوة دولية
بقلم
سامي نادر
نُشر
أبريل 22, 2026 - 15:39

الخطّ الأصفر المرسوم على أرض جنوب لبنان ليس مجرّد خطٍّ عسكريٍّ للتحديد. إنّه تحذيرٌ من التاريخ. أقامت إسرائيل منطقةً عسكريةً تمتدّ نحو عشرة كيلومترات شمالَ الحدود، داخل الأراضي اللبنانية الجنوبية. وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي موقفه بلا لبس: “هذا شريطٌ أمنيٌّ بعمق عشرة كيلومترات، أكثر صلابةً وكثافةً واستمراريّةً وتماسكاً ممّا كان لدينا من قبل. نحن هناك ولن نغادر.” [1] المفردات مألوفة. وصف محلّلون ما يجري بأنّه “غزوة” لجنوب لبنان — بعد أن أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز أوامره للجيش بهدم القرى الحدودية اللبنانية على غرار نموذجَي بيت حانون ورفح. [2] نعرف كيف تبدو تلك النماذج. لم يبقَ شيء. التوازي مع غزة وحده مقلقٌ بما فيه الكفاية. غير أنّ ثمّة سابقةً أعمق وأقرب إلى لبنان ذاته: مرتفعات الجولان. [3] تفريغٌ من السكان، يعقبه احتلالٌ عسكريٌّ مديد، يعقبه ضمّ. وبحلول منتصف أبريل، كان أكثر من مليون لبناني قد اضطُرّوا للنزوح، وأكثر من ألفي شخص قضوا. [4] جرى تفريغ أكثر من ثمانين بلدةً وقريةً، واقتُلع أكثر من خمسة عشر بالمئة من سكان لبنان من أرضهم. [5] الأرض التي أُفرغت من أهلها أرضٌ أُتيحت لأغراض أخرى. إن أتاح لبنان لهذه الديناميكية أن ترسخ — وبقي الجنوب خاليًا، وجسوره مدمّرة، وقراه مهدومة — فإنّ الضمّ الزاحف لأراضيه لن يحتاج إلى إعلانٍ رسمي، بل سيغدو ببساطة أمرًا واقعًا، كما جرى في الجولان منذ خمسة عقود. أمضى ما يُسمّى «محور المقاومة» عقودًا يُلفّ المواجهة العسكرية بلغة التحرير، دون أن يستردّ متراً واحداً من مرتفعات الجولان؛ ومهما بلغ الصدى العاطفي لتلك النبرة بين أنصاره، فإنّها لم تكن يومًا استراتيجيةً — كانت تمثيليّةً، تخلط بين التحدّي والفاعلية، وتأبى بعنادٍ أن تقارب ميزان القوى الحقيقي. الأداة الوحيدة القادرة على عكس هذا المسار هي الدبلوماسية. والدبلوماسية تستلزم دولةً تملك السلطة لممارستها. ينبغي تسمية من أوقع بلبنان هذه الكارثة حزب الله هو الذي جرَّ لبنان إلى هذه الحرب — لا دفاعًا عن السيادة اللبنانية، بل خدمةً لإيران. حين ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في أواخر فبراير 2026 وقتلتا المرشد الأعلى خامنئي، أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل معلنًا أنّ ذلك جاء ردًّا على اغتيال خامنئي. [6] وقد وصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام هذا الفعل بما يستحقّ: إنّه تصرّفٌ “متهوّر” يُعرِّض أمن لبنان وسلامته للخطر. لم تكن الدولة اللبنانية قرّرت الحرب. لم تُستشَر حكومته. فاعلٌ غير حكومي، تابعٌ لقوة أجنبية، اتّخذ مرّةً أخرى هذا القرار نيابةً عن الشعب اللبناني. كان الحرس الثوري الإيراني، الذي يعمل داخل لبنان بجوازات سفر مزوّرة، يُدير العمليات العسكرية لحزب الله. لم يختَر لبنان هذه الحرب. جُنِّد فيها رغمًا عنه، وجرى توظيف أراضيه منصّةً للاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، فدفع شعبه الثمن دمًا وتشريدًا. في الخامس من أغسطس 2025، عقد الوزراء اللبنانيون اجتماعًا تاريخيًا في قصر بعبدا وكلّفوا الجيش اللبناني بوضع خطّة لتوحيد جميع الأسلحة الموجودة في البلاد تحت سلطة قوّات الأمن الرسمية. [7] وفي السابع من الشهر نفسه، ردّت الحكومة رسميًا على المقترحات الأمريكية بالتزامها بعملية نزع سلاح تدريجية. كان جواب حزب الله ازدراءً. أقسم حزب الله ألّا نزع للسلاح، وأنذر صراحةً بأنّ أيّ محاولة لمواجهته تعني “لا حياة” للبنان. [8] بعبارة أخرى: استسلموا وإلّا الحرب الأهلية. هذه ليست ردّة فعل حركة مقاومة. إنّها ردّة فعل احتلالٍ من الداخل. ثمّ جاء الثاني من مارس 2026 — تاريخٌ ينبغي أن يُنقش في الذاكرة السياسية اللبنانية. في أعقاب اجتماعٍ طارئ لمجلس الوزراء، أعلنت الحكومة حظرًا شاملاً على جميع أنشطة حزب الله العسكرية، مطالبةً إيّاه بتسليم أسلحته للدولة والاقتصار على العمل السياسي. وأكّدت أنّ قرارات الحرب والسلم تعود حصرًا للدولة اللبنانية. [9] كان ذلك أوضح تأكيدٍ للسيادة أطلقته بيروت في مواجهة حزب الله منذ عقود. كما طالبت الحكومة القوات المسلحة اللبنانية بالشروع فورًا وبحزمٍ في تطبيق خطّة نزع السلاح شمال نهر الليطاني، مستخدمةً كلّ الوسائل الضرورية. [10] ردّ حزب الله باتّهام الحكومة اللبنانية بـ”طعنه في الظهر” إذ أعلنت أنشطته العسكرية غير قانونية، واتّهامها بأنّها باتت أداةً في يد إسرائيل. [11] القرارات التاريخية تستلزم تنفيذًا بحجم التاريخ كانا قرارا الخامس والسابع من أغسطس، بأيّ معيار، غير مسبوقَين. للمرّة الأولى تُكلِّف حكومةٌ لبنانية جيشها رسميًا بإرساء الاحتكار الحصري للدولة على السلاح — تحدٍّ مباشرٌ للبنية العسكرية الموازية لحزب الله. بيد أنّ الهوّة بين القرار والتطبيق ظلّت الغموض الجوهري الذي يميّز الحالة السياسية اللبنانية — وهذا الغموض بات الآن خطيرًا بطريقة بالغة الدقّة. حين تُعلن دولةٌ أنّها تحتكر القوّة ولكنّها تعجز عن إنفاذ ذلك الإعلان، فهي لا تُظهر السيادة، بل تُظهر الضعف. وتفتح الباب أمام كارثتَين متوازيتَين تتعزّز كلٌّ منهما بالأخرى: تمنح حزب الله إشارةً بأنّ الحكومة يمكن تحدّيها بلا عقاب، وتمنح إسرائيل الذريعة للتصرّف بدلاً عن لبنان. هل أخفق التطبيق بسبب انعدام الإرادة أم انعدام القدرة؟ لا يستطيع لبنان أن يُبقي هذا السؤال معلّقًا. إن كان الأمر يتعلّق بالإرادة، فعلى الحكومة أن تجد الشجاعة السياسية للتحرّك، مستندةً إلى الرأي العام اللبناني الواسع الذي أنهكته حروبٌ خاضها نيابةً عن أربابٍ أجانب. وإن كان يتعلّق بالقدرة — وهو الجواب الأكثر صدقًا — فعلى لبنان أن يسعى عاجلاً إلى اكتساب تلك القدرة. الحجّة لصالح قوة دولية اتّخذت الحكومة اللبنانية قراراتها. ما تحتاجه الآن هو أن تقف الجماعة الدولية وراءها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، حتّى لا تبقى تصريحات السيادة حبرًا على ورق. يواجه الجيش اللبناني، المقيَّد بولايته الدستورية، بيئةً عملياتيةً بالغة التعقيد — محاصَرٌ بين فاعلٍ غير حكومي مسلَّح بثقل، تدعمه قوّةٌ إقليمية ويساند شريحةً من اللبنانيين من جهة، وجيشٍ إسرائيلي يحتلّ أراضيه الجنوبية من جهة أخرى — ولا يمكن توقّع معقول منه وحده حلّ هذه المعادلة دون دعمٍ دوليٍّ وافر في الموارد والعتاد والسند السياسي. هنا تصبح قوّةٌ عسكرية دولية ليست مفيدةً فحسب، بل ضرورةً لا غنى عنها — قوّةٌ تدعم الجيش اللبناني في إنفاذ قرارات الحكومة ذاتها، وتطبيق قراري مجلس الأمن 1559 [12] و1701 [13] حرفًا وروحًا، اللذَين أوجبا نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكومية في لبنان ومدَّ سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. تدخل اليونيفيل عامها الأخير من العمليات، في أعقاب قرار مجلس الأمن في أغسطس 2025 بتمديد ولايتها للمرّة الأخيرة حتّى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026. [14] هذا الختام ليس مجرّد موعدٍ لوجستي. إنّه فرصةٌ سياسية. السؤال ليس ما إذا كان ينبغي استبدال اليونيفيل، بل بماذا وبأيّ ولاية. قوّةٌ خلَفٌ — سواء أكانت تحت مظلّة الأمم المتحدة أم تشكّلت بوصفها تحالف دول راغبة — ينبغي أن تختلف اختلافًا جوهريًا عن سابقتها. لقد فُضِح نهج اليونيفيل السلبي، الذي اكتفى بالدوريات فيما أعاد حزب الله بناء ترسانته حوله. إن كانت ديناميكيات مجلس الأمن الدولي — ولا سيّما التهديد باستخدام حقّ النقض [15] — تجعل ولايةً رسميةً من الأمم المتحدة أمرًا متعذّرًا، فإنّ نموذج تحالف الراغبين يغدو البديلَ القابل للتطبيق. للبنان أصدقاء. له حلفاء يتشاركون مصلحةً استراتيجية في دولةٍ لبنانية مستقرّة وسيّدة: إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، ومصر، وسواها من الشركاء الإقليميين والدوليين الذين أعربوا عن دعمهم لسيادة لبنان وتعافيه المؤسّسي وتحرّره من كلّ هيمنةٍ خارجية — أولئك الذين أوضحوا تأييدهم للبنانٍ بعيدٍ عن الوصاية الإيرانية؛ والولايات المتحدة التي توفّر مستوىً غير مسبوق من الاستثمار الدبلوماسي في مسار لبنان. يستحقّ هذا الدعم الأمريكي تأكيدًا خاصًّا. أعلن الرئيس ترامب وقف إطلاق النار شخصيًا، مصرِّحًا بأنّ واشنطن منعت إسرائيل من قصف لبنان وستعمل مع بيروت على معالجة ملفّ حزب الله. وإدارة ترامب هي، في هذه اللحظة، الفاعل الخارجي الوحيد القادر على ممارسة ضغطٍ فاعل على إسرائيل — ضغطٍ يحتاجه لبنان بإلحاحٍ لانتزاع الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ومنع تحوّل الخطّ الأصفر إلى خطٍّ دائم. هذا التزامٌ، وعلى لبنان أن يُوظّفه. نافذةٌ لن تظلّ مفتوحة تحوّلت البيئة الجيوسياسية الإقليمية لصالح لبنان بطرق بدت قبل عامَين بعيدةَ الاحتمال. إيران منهكة، وشبكتها الإقليمية متداعية. وقد بلغ العالم العربي — من الرياض إلى أبوظبي مرورًا بالقاهرة — إجماعًا نادرًا: لا بدّ من استعادة السيادة اللبنانية، ولا يجوز بعد الآن أن يكون لبنان مسرحًا لحروب إيران بالوكالة. ثمّة توافقٌ في المصالح بين بيروت وواشنطن والعالم العربي والجزء الأكبر من أوروبا، لم يحظَ به لبنان في آنٍ واحد من قبل، إن كان قد حظي. هذه النافذة لن تبقى مفتوحة. الخطّ الأصفر يُصبُّ في الأسمنت وتُشيَّد معه القرى المهدومة. كلّ أسبوعٍ يمرّ دون تطبيق قرارات الحكومة ذاتها هو أسبوعٌ تتصلّب فيه الوقائع الميدانية ضدّ مصالح لبنان. أبدت الحكومة اللبنانية شجاعةً مؤسّسيةً لافتة — في أغسطس 2025، وفي مارس 2026، وفي المحادثات المباشرة في واشنطن، وفي إصرار الرئيس عون الثابت على أنّ لبنان سيتفاوض على مستقبله بنفسه. هذه الخطوة الملموسة ينبغي أن يقابلها ردٌّ دوليٌّ بجرأةٍ مماثلة. قوّةٌ متعدّدة الجنسيات وفاعلة ذات ولايةٍ راسخة، مدعومةٌ بضغطٍ سياسي أمريكي على إسرائيل وبدعمٍ عربيٍّ اقتصادي للإعمار، ليست ضربًا من الخيال. هي بالضبط ما تقتضيه المرحلة. ضاع الجولان لأنّ أحدًا لم يأتِ. لا يستطيع لبنان تحمّل تكرار هذا الدرس. [1] Al Jazeera, Lebanon coverage, 2026 — https://www.aljazeera.com/tag/lebanon [2] Al Jazeera – Coverage of Southern Lebanon / Israeli Buffer Zone / Lebanon Conflict — https://www.aljazeera.com/tag/lebanon/ [3] Golan Heights — https://en.wikipedia.org/wiki/Golan_Heights [4] Reuters – More than One Million Displaced by Israeli Strikes in Lebanon — https://www.reuters.com/pictures/lebanon-more-than-million-displaced-by-israeli-strikes-2026-04-15/ [5] US-Israel war on Iran: What next for Lebanon? — https://www.chathamhouse.org/events/all/standard-event/us-israel-war-iran-what-next-lebanon [6] Security Council Report — https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-03/lebanon-37.php [7] Lebanese Government Instructs Army to Develop Plan for State Monopoly on Weapons as Hezbollah Refuses to Disarm — https://www.fdd.org/analysis/2025/08/05/lebanese-government-instructs-army-to-develop-plan-for-state-monopoly-on-weapons-as-hezbollah-refuses-to-disarm/ [8] Lebanon's Hezbollah rejects disarmament, warns of civil war — https://www.dw.com/en/lebanons-hezbollah-rejects-disarmament-warns-of-civil-war/a-73730563 [9] Government announces 'total ban on any military activity' by Hezbollah — https://today.lorientlejour.com/article/1496916/government-announces-total-ban-on-any-military-activity-by-hezbollah.html [10] Security Council Report — https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-03/lebanon-37.php [11] Hezbollah leader urges Lebanon's government to pull out of Israel talks — https://www.aljazeera.com/news/2026/4/13/hezbollah-leader-urges-lebanon-government-to-pull-out-of-israel-talks [12] UN Security Council Resolution 1559 (2004) — https://undocs.org/S/RES/1559(2004) [13] UN Security Council Resolution 1701 (2006) — https://undocs.org/S/RES/1701(2006) [14] Security Council Report — https://www.securitycouncilreport.org/un-documents/lebanon/ [15] UN Security Council Working Methods — https://www.securitycouncilreport.org/un-security-council-working-methods/the-veto

كيف تحوّلت الدولة إلى وسيط…
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر
أبريل 21, 2026 - 20:24

لم يعد الوصول إلى الدولة في لبنان مسارًا مباشرًا كما يفترض أن يكون في أي نظام حديث. العلاقة التي يُفترض أن تقوم على حقوق واضحة وواجبات متبادلة، تحوّلت تدريجيًا إلى شبكة معقّدة من المسارات غير الرسمية، حيث لم يعد المواطن يتعامل مع الدولة، بل مع من “يوصله” إليها. لكن التحوّل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ لم تعد الوساطة مجرد جسر بين المواطن والدولة، بل أصبحت، في كثير من الحالات، بديلًا كاملًا عنها، عبر بناء منظومات موازية تعيد إنتاج الدولة خارجها. ما نشهده اليوم يتجاوز الفساد التقليدي. لم يعد الأمر خرقًا لقواعد قائمة، بل تبديلًا لهذه القواعد. لم يعد المواطن يحصل على حقه عبر المؤسسة، بل عبر وسيط يعيد تعريف هذا الحق كخدمة، أو عبر مؤسسة بديلة تنشأ خارج الدولة لكنها تؤدي وظيفتها. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في ضعف الدولة فقط، بل في نشوء نظام موازٍ يعمل مكانها ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة. هذا التحوّل لم يحدث فجأة. بدأ بإضعاف الدولة عبر تعطيل مؤسساتها وتأخير خدماتها وتآكل الثقة بها. ثم دخلت القوى السياسية لملء هذا الفراغ، ليس فقط عبر الوساطة، بل عبر إنشاء مؤسسات بديلة في الصحة والتعليم والخدمات. ومع الوقت، لم يعد المواطن يلجأ إلى الدولة إلا كخيار ثانوي، بل أصبح مرتبطًا بمنظومة مزدوجة: إما وسيط يفتح له الطريق، أو مؤسسة موازية تؤمّن الخدمة. في مختلف القطاعات، تكرّرت هذه المعادلة. في الخدمات الأساسية، لم تعد الدولة هي المرجع الفعلي، بل شبكات موازية لإنتاج وتوزيع الخدمات. في الصحة، لم يعد الوصول إلى العلاج مرتبطًا فقط بالمؤسسات الرسمية، بل بشبكات دعم ومؤسسات بديلة. في التعليم، ظهرت منظومات منح ودعم خارج الإطار التقليدي. وفي سوق العمل، لم تعد الكفاءة وحدها تحدد الفرص، بل الانخراط في شبكات النفوذ. في القطاع المالي، يتجلّى هذا التحوّل بشكل أكثر حدّة. لم يعد النظام المصرفي إطارًا موحّدًا يخضع لقواعد واضحة، بل أصبح مجالًا تتداخل فيه العلاقات مع القوانين. خلال الأزمة، لم يكن جميع المودعين متساوين في القدرة على الوصول إلى أموالهم، وظهرت مسارات موازية لإدارة التحويلات والتسويات. لم يعد السؤال ما هو الحق، بل من يستطيع الوصول إليه. وهكذا، تحوّل المال نفسه من حق قانوني إلى امتياز مرتبط بالنفوذ. رغم كل ذلك، لم تُفرض هذه المنظومة بالقوة فقط، بل نجحت لأنها لبّت حاجة. في غياب الدولة، يبحث المواطن عن حل سريع، لا عن مسار قانوني طويل. ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، تصبح العلاقة الشخصية أكثر فاعلية. هذا ما جعل المنظومة الموازية لا تكتفي بالبقاء، بل تتوسع وتترسّخ. النتيجة لم تعد فقط تراجع الدولة، بل نشوء ازدواجية كاملة. المواطن يعيش بين نظامين: واحد رسمي ضعيف، وآخر موازٍ أكثر فعالية في بعض الأحيان. الحقوق لم تختفِ، لكنها انقسمت بين هذين النظامين، ما يعمّق التبعية ويضعف مفهوم المواطنة. الأخطر في هذا المشهد ليس وجود الوساطة، بل نجاح البديل. حين تصبح المنظومة الموازية أكثر سرعة وحضورًا، تتحول الدولة إلى خيار ثانوي. لم تعد المشكلة أن الدولة ضعيفة، بل أنها لم تعد ضرورية دائمًا في نظر المواطن. في هذا الواقع، لم يعد السؤال كيف نصلح الدولة، بل ما إذا كانت العلاقة معها ما زالت قائمة أصلًا. بين وسيط يربط المواطن بها، ومؤسسات بديلة تستغني عنها، يظهر نموذج جديد للحكم لا يقوم على الدولة وحدها، بل على تعدد مراكز النفوذ والخدمة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن أمام دولة ضعيفة تسعى إلى التعافي، أم أمام نظام نجح في بناء بديل عنها؟

محاولة إعلان ولادة قرار الدولة… أم رفع سقف بلا أدوات؟
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
أبريل 18, 2026 - 14:15

في لحظة دقيقة أعقبت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، أطلّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخطاب يمكن اعتباره من أكثر الخطابات وضوحًا من حيث النبرة، والأعلى سقفًا من حيث الطموح السياسي. لم يكن خطاب تهدئة تقليدي، ولا بيان شكر بروتوكولي، بل أقرب إلى إعلان نوايا كبير: إعادة تعريف موقع لبنان، واستعادة “قرار الدولة”، والدخول في مسار تفاوضي يُفترض أنه مختلف عمّا سبق. لكن بين قوة الخطاب وواقع التوازنات، تبرز الأسئلة الحقيقية: هل نحن أمام تحوّل فعلي؟ أم أمام خطاب يتقدّم على القدرة؟ أولًا: في بنية الخطاب – من الشكر إلى إعلان المسار يبدأ الخطاب من نقطة جامعة: الشكر. شكر الدول، وفي مقدمتها "الصديق دونالد ترامب"، والمملكة العربية السعودية، وسائر الجهات التي ساهمت في وقف إطلاق النار. هذا المدخل ليس تفصيلاً، بل يهدف إلى تثبيت مشهد دولي داعم، وإعطاء شرعية خارجية للمسار الذي سيُطرح لاحقًا. لكن سريعًا، ينتقل الخطاب من الشكر إلى ما هو أهم: إعلان الدخول في “مرحلة الاتفاقات الدائمة”. هنا تحديدًا يبدأ البعد السياسي الحقيقي. فالرئيس لا يكتفي بوصف ما حصل، بل يحدّد ما سيأتي: مفاوضات، اتفاقات، ومسار طويل يتجاوز مجرد وقف النار. ثانيًا: الرسالة الأساسية “استعدنا قرار لبنان” العبارة المفتاحية في الخطاب هي: “استعدنا لبنان وقرار لبنان، للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن”. هذه الجملة تختصر جوهر الخطاب، لكنها في الوقت نفسه تحمل أعلى درجات الإشكالية. ماذا تعني عمليًا؟ * أن لبنان لم يكن يملك قراره سابقًا * أن المرحلة الحالية تمثّل تحوّلًا نوعيًا * أن الدولة باتت الجهة الوحيدة التي تقرّر وتفاوض لكن هنا يظهر التحدي الأكبر: هل هذا توصيف واقعي، أم إعلان هدف؟ لأن استعادة القرار السيادي في لبنان لا تتحقق بخطاب، بل بتغيير جذري في موازين القوى الداخلية، وتحديدًا في مسألة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني. وهذه مسألة لم تُحسم بعد، لا سياسيًا ولا عمليًا. بالتالي، يمكن قراءة هذه العبارة كـ”إعلان نية” أكثر منها توصيفًا لواقع مكتمل. ثالثًا: الدفاع عن خيار التفاوض وكسر المحرّم السياسي من أبرز ما في الخطاب، الجرأة في طرح التفاوض كخيار مشروع، بل ضروري. الرئيس لم يترك مجالًا للالتباس، فشدّد على أن: * التفاوض ليس ضعفًا * ليس تراجعًا * ليس تنازلًا هذه الفقرة تستهدف بشكل مباشر البيئة الرافضة لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، والتي لطالما ربطت التفاوض بفكرة الاستسلام. ما الذي يحاول الرئيس فعله هنا؟ هو يقوم بعملية “إعادة تعريف”: * تحويل التفاوض من تهمة إلى أداة سيادية * ربطه بحماية الشعب، لا بالتفريط بالحقوق * وضعه ضمن إطار الدولة، لا ضمن صفقات خارجية لكن هذا الطرح، رغم وضوحه، يصطدم بواقع سياسي واجتماعي منقسم، حيث لا يزال جزء كبير من الداخل اللبناني يعتبر أن أي تفاوض يتجاوز خطوطًا حمراء. رابعًا: الخطاب ضد “الحروب العبثية” مواجهة غير مباشرة في أكثر من مقطع، يهاجم الرئيس منطق الحروب المتكررة، مستخدمًا تعبيرات لافتة: * “الموت العبثي المجاني الدوري” * “أن نموت من أجل أي كان غير لبنان” * “بين الانتحار والازدهار” هذه ليست عبارات عادية، بل تحمل اتهامًا ضمنيًا لنهج قائم منذ سنوات، يقوم على ربط لبنان بصراعات إقليمية. أهمية هذا الطرح للمرة الأولى بهذا الوضوح، يتم وضع خيارين أمام اللبنانيين: * إما الاستمرار في منطق الحروب * أو الانتقال إلى منطق الدولة والحياة لكن، مرة أخرى، المشكلة ليست في التشخيص، بل في القدرة على تغيير هذا الواقع. خامسًا: السلاح والدولة – العبارة الأكثر حساسية من أخطر وأهم ما ورد في الخطاب، التأكيد على: “بسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً” و “قوى مسلحة واحدة تحمينا كلنا” هذه العبارات، رغم أنها لم تُسمِّ جهة معينة، إلا أنها واضحة في دلالتها: الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة. لماذا هذا مهم؟ لأن هذه النقطة تحديدًا هي جوهر الأزمة اللبنانية: * وجود سلاح خارج إطار الدولة * ازدواجية القرار الأمني * ارتباط هذا السلاح بحسابات إقليمية الرئيس هنا يضع هذا الملف في صلب المرحلة المقبلة، لكن دون تقديم آلية واضحة لكيفية تحقيق ذلك. وهنا يكمن التحدي: الانتقال من شعار “حصرية السلاح” إلى خطة تنفيذية يتطلب توافقًا داخليًا غير متوفر حتى الآن. سادسًا: البعد الشعبي خطاب تعبئة عقلانية الخطاب لم يكن موجّهًا فقط للنخب السياسية، بل ركّز بشكل واضح على الرأي العام. دعوة صريحة إلى: * رفض التخوين * عدم الانجرار وراء الشعارات * تغليب العقل على الغريزة هذا البعد يعكس إدراكًا بأن أي تغيير سياسي في لبنان يحتاج إلى غطاء شعبي، أو على الأقل إلى تخفيف الاحتقان الشعبي. لكن في المقابل، المجتمع اللبناني منقسم بشدة، ما يجعل أي خطاب توحيدي عرضة للتأويل المتناقض. سابعًا: البعد الدولي – تثبيت الشراكة من خلال شكر الولايات المتحدة والسعودية، يحاول الرئيس تثبيت مظلة دولية للمسار الجديد. هذا له هدفان: 1. طمأنة الخارج بأن لبنان يسير في اتجاه الاستقرار 2. تأمين دعم سياسي واقتصادي للمرحلة المقبلة لكن هذا يطرح أيضًا سؤالًا: هل هذا المسار مستقل فعليًا، أم مرتبط بشروط دولية؟ ثامنًا: بين الجرأة والمخاطرة لا شك أن الخطاب يحمل جرأة سياسية واضحة: * طرح التفاوض علنًا * الحديث عن حصرية السلاح * رفض الحروب بالوكالة لكن هذه الجرأة تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة: * رفع سقف التوقعات دون ضمان القدرة على التنفيذ * فتح مواجهة سياسية داخلية غير معلنة * وضع الدولة أمام اختبار صعب تاسعًا: هل نحن أمام لحظة تأسيسية؟ الخطاب يقدّم نفسه كلحظة مفصلية: * نهاية مرحلة “لبنان الساحة” * بداية “لبنان الدولة” لكن التاريخ اللبناني مليء بلحظات مشابهة لم تكتمل. ما الذي يحدد النتيجة؟ 1. الإرادة السياسية الفعلية 2. قدرة الدولة على فرض قراراتها 3. موقف القوى الداخلية الأساسية 4. الغطاء الدولي والإقليمي إذا توافرت هذه العناصر، قد يكون الخطاب بداية تحول. أما إذا غابت، فسيبقى في إطار الطموح. في النهاية خطاب يؤسس لسؤال أكبر خطاب الرئيس جوزاف عون ليس مجرد موقف سياسي، بل محاولة لإعادة طرح السؤال الأساسي في لبنان: هل نريد دولة فعلًا؟ الرئيس قدّم إجابة واضحة: نعم، دولة واحدة، قرار واحد، سلاح واحد، ومسار تفاوضي يحمي البلد. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح هذا المشروع، بل في القدرة على فرضه في واقع معقّد، حيث تتداخل المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية. بكلمات أخرى: الخطاب رسم الاتجاه، لكنه لم يحسم الطريق. وهنا، يصبح الحكم على هذا الخطاب مرتبطًا بما سيليه: إما أن يكون بداية مسار سيادي فعلي، أو أن يتحوّل إلى واحد من أقوى الخطابات… التي لم تغيّر شيئًا

فيكتور أوربان، عرّاب العداء لأوروبا وبطل الفساد
بقلم
روجيه بركه
نُشر
أبريل 16, 2026 - 16:23

بعدما أحكم قبضته على السلطة في المجر منذ عام 2010، خسر رئيس الوزراء فيكتور أوربان الانتخابات مؤخراً، مدفوعاً بسأم المجريين من الفساد ومن المساس بدولة القانون. وقد فرض الرجل البالغ من العمر 62 عاماً نفسه على الساحة الدولية عبر صداماته المتكررة مع بروكسل، وعلاقاته المعلنة مع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. كما أثار أوربان الصدمة بمهادنته لتيارات اليمين المتطرف والمجموعات الاستبدادية في أوروبا والعالم. فيكتور أوربان في ضيافة توني بلير في « 10 داونينغ ستريت » في كانون الثاني 2002، أي قبل عام واحد من الغزو المشؤوم للعراق، والذي استند إلى ذرائع واهية. وبحسب فولتير: « السياسة هي فن الكذب في الوقت المناسب » . (جيري بيني/ وكالة الصحافة الفرنسية) في قمة حلف شمال الأطلسي بـواشنطن عام 1999، التبس الأمر على رجال الأمن فظنوا فيكتور أوربان – وكان حينها رئيساً شاباً لوزراء المجر التي انضمت حديثاً إلى الحلف – مترجماً فورياً. فما كان منه إلا أن ردّ على الشرطي قائلاً: «كلا يا سيدي، أنا رئيس وزراء المجر، ولكن يمكنني العمل كمترجم إذا أردت». تجسد هذه المفارقة، التي كشفت عن غياب شهرته آنذاك، تلك المكانة الهامشية التي كانت تشغلها الديمقراطيات الناشئة في وسط أوروبا ضمن المنظومة الأورو-أطلسية في نهاية التسعينيات. فالمجر التي كانت قد خرجت لتوّها من الفلك السوفياتي، لم تكن تُصنّف بعد كلاعب سياسي محوري، فكيف الحال بـقائدها. بطل «الديمقراطية غير الليبرالية» تحوّل ذاك الرجل الذي التبس أمره على الأمن يوماً فظنوه مترجماً، إلى أحد أبرز وجوه «الديمقراطية غير الليبرالية». وهذا المفهوم الذي روّج له أوربان بنفسه، يجسد نظاماً تُمارس فيه السلطة عبر التفافٍ على الحريات الفردية ودولة القانون وفصل السلطات، مع الحفاظ على القشرة المؤسساتية للديمقراطية. وعلى أرض الواقع، تبقى الانتخابات قائمة، غير أن الصحافة والمعارضة ترزحان تحت الضغوط، في حين تفقد العدالة استقلاليتها وتضعُف السلطات المضادة. وفي الحالة المجرية، يضاف إلى ذلك قومية متطرفة ومحافظة اجتماعية بائدة، ما يجعل التقاطع مع الشعبوية أمراً حتمياً وليس مجرد صدفة. مع أن أوربان الشاب كان قد خبر بنفسه واقع الدكتاتورية الشيوعية حين كانت المجر تدور في الفلك السوفياتي. فهو قد برز كليبرالي عتيد حين شارك في تأسيس «تحالف الديمقراطيين الشباب»، الذي سيشكل لاحقاً العمود الفقري لحزب «فيدس»، وتحدى النظام عام 1989 بـخطاب ناري ناصر فيه الديمقراطية. إلا أن التحول جاء تدريجياً؛ إذ تبنى أوربان خطاباً أكثر تسلطاً، مستهدفاً استقلالية القضاء والإعلام والمؤسسات. ومع عودته إلى السلطة عام 2010 في بلاد أنهكتها الأزمة الاقتصادية، شرع في إحكام قبضة حزبه بشكل منهجي على مفاصل الدولة والجامعات ووسائل الإعلام، وذلك تحت غطاء الدفاع عن «الأمة المجرية». وقد أدى مساسه بالحريات، ولا سيما تلك المتعلقة بمجتمع «الميم»، إلى توترات حادة مع الاتحاد الأوروبي، الذي قرر بدوره تجميد مليارات اليورو من المساعدات المخصصة للمجر. إن الدفاع عن القيم العائلية أو الريفية أو المسيحية ليس أمراً مذموماً في حد ذاته، لكن المذموم هو استخدام استراتيجية محكمة تقوم على استغلال المخاوف سبيلاً للوصول إلى السلطة، ونشر كراهية الأجانب، وتغذية العداء لأوروبا بذريعة الوطنية. ما بعد الشيوعية لقد خاضت أوروبا الشيوعية سابقاً مرحلة انتقالية مؤلمة، حيث واجهت مجتمعات الشرق صدمة حقيقية إبّان التحول نحو الديمقراطية الليبرالية. فبالرغم من قيود النظام القديم، إلا أنه كان يؤمّن شكلاً من الاستقرار و«منطقة راحة» لمواطنيه؛ فكان عليهم أن يتعلموا كيفية إدارة شؤونهم بأنفسهم، دون امتلاكهم لخبرة المجتمعات الغربية في هذا المجال. ولا تزال الفوارق بين شطري القارة العجوز ملموسة حتى يومنا هذا، وكأن الجدار الذي اندثر لا يزال قائماً في حيز غير مرئي. أيلول 1989: مواطنون من ألمانيا الشرقية يعبرون الحدود المجرية في طريقهم إلى ألمانيا الغربية، على متن سياراتهم من طراز « ترابانت » التي باتت أسطورية، بوصفها رمزاً لتداعي الاقتصادات الشيوعية. (كريستوف سيمون/ وكالة الصحافة الفرنسية) ففي ألمانيا على سبيل المثال، لا يزال «الغربيون» يسخرون أحياناً من «الشرقيين»، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على توحيد البلاد. ولعل صورة سيارات «ترابانت» الشرقية، المصنوعة من ألياف القطن والراتنج، في مواجهة سيارات «بي إم دبليو» الغربية، خير تجسيد لهذا التباين. هذا الشرخ لا يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا فحسب، بل يمتد ليشمل العقليات أيضاً؛ لذا، ليس من المستغرب أن تحقق أحزاب اليمين المتطرف اليوم نتائج أعلى في المناطق الشيوعية السابقة. الانعطاف القومي بعدما أحكم فيكتور أوربان قبضته على قاعدته المحافظة، اتكأ على شعور قومي متجذر في المجتمع المجري؛ وهو مجتمع يطغى عليه إحساس تاريخي بالعزلة وانعدام الأمان، لكونه يعيش ضمن أمة محاطة بثلاث مجموعات ثقافية كبرى: السلافية، واللاتينية، والجرمانية. رد الفعل هذا ليس حكراً على المجر وحده؛ ففي بولندا وصربيا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، لا يزال التوجس من «الأجنبي» يشكل محركاً سياسياً قويّاً. وفي هذا السياق، يقف أوربان في مواجهة مباشرة مع سياسات الهجرة الأوروبية، وقد ذهب إلى حد تشييد، عام 2015، سياج حدودي يمتد مئات الكيلومترات لمنع دخول المهاجرين. وتقوم استراتيجيته على فكرة «تحديد عدو خارجي»؛ وهي منطق سمح له بالفوز بأغلبية ساحقة في انتخابات 2014 و2018 و2022، كما تؤكد المحللة السياسية والنائبة المجرية سوزانا سيليني. العلاقات الخطرة مع روسيا بعد الشيوعيين والمهاجرين، تصدرت أوكرانيا قائمة الاستهداف في حملته الأخيرة؛ إذ جرى تصويرها كطرف يسعى لجرّ المجر إلى أتون الحرب مع روسيا، لتتحول إلى «كبش فداء» في خطاب يمعن في الاستقطاب. وقد استندت هذه الحملة بشكل خاص إلى التضليل الإعلامي واستخدام محتويات مولدة عبر الذكاء الاصطناعي؛ حيث عمدت الصحف المقربة من السلطة إلى نشر صور متلاعب بها، تولّت شبكات من الحسابات الوهمية تضخيمها ونشرها. أوربان لم يقطع يوماً روابطه مع بوتين، حتى بعد غزو أوكرانيا وعزل روسيا دولياً. (ألكسندر نيمينوف/ وكالة الصحافة الفرنسية) وفي هذا السياق، يتحدث خبراء عن عمليات نفوذ روسية شملت مقاطع فيديو مفبركة (deepfake) ومحتويات قُدّمت للجمهور على أنها مقالات صحفية موثوقة. وتُظهر ملصقات مُموَّلة من أموال عامة فولوديمير زيلينسكي في مظهر سلبي، وأحياناً إلى جانب شخصيات أوروبية، ضمن إخراج يهدف إلى الاستفزاز المتعمد. ولم يتردد أوربان في التصريح خلال أحد التجمعات قائلاً: «علينا أن نختار من سيشكل الحكومة: أنا أو زيلينسكي!» ورغم ما يشوب هذه الخطابة من مبالغات، إلا أنها تضرب على وتر خوف حقيقي: وهو الخشية من رؤية المجر تنجرف إلى صراع مسلح. وتشير سوزانا سيليني، في تصريح نقلته وكالة «فرانس برس»، إلى أن «حزب فيدس يخاطب الحاجة العميقة للأمن الوجودي»، معتبرة أن رسالتهم مفادها: «حين ينهار العالم من حولكم، تمسكوا بما لديكم». النزعة «الهُويّاتية» والروابط اللبنانية على مدى السنوات الأخيرة، عمل فيكتور أوربان بشكل منهجي على بناء شبكة عابرة للحدود، تتمحور حول الهوية وسياسية للمسيحية، باعتبارها حاضنة حضارية وأداة نفوذ في آنٍ واحد. وقد تُرجمت هذه الاستراتيجية من خلال تنظيم مؤتمرات ومنتديات عدة في بودابست، ضمت فاعلين محافظين ومسيحيين من أوروبا والشرق الأوسط، ضمن منطق صريح يسعى إلى التقارب الأيديولوجي. وفي هذا الإطار، شارك رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، منذ عام 2019، في مؤتمر حول «اضطهاد المسيحيين» في المجر، حيث حصل على دعم مالي لمشاريع كنسية. وبالتوازي مع ذلك، وبالروحية نفسها، أطلقت بودابست صندوقاً لـ «إعادة إعمار الكنائس» في لبنان. وقد تعززت هذه النزعة عام 2025 مع انعقاد مؤتمر دولي في بودابست بعنوان «مستقبل لبنان من منظور مسيحي»، بتنظيم ودعم من الحكومة المجرية، وبمشاركة أحزاب مسيحية لبنانية عدة. وتندرج هذه المبادرة ضمن سياسة أوسع تنتهجها بودابست، تهدف إلى تقديم نفسها كـ«حامية لمسيحيي الشرق»، مع نسج تحالفات سياسية مع ممثليهم. وفي هذا المخطط، تبرز الأحزاب المسيحية في الشرق الأوسط، ولا سيما التيار الوطني الحر، كشركاء ثانويين لكنهم ذوو قيمة رمزية كبيرة؛ إذ يتيحون لأوربان ترسيخ مشروعه القائم على «أوروبا القوميات المسيحية» ضمن أبعاد عالمية، جيوسياسية وحضارية في آن معاً. باسم هذه الخطابة نفسها القائمة على «حماية مسيحيي الشرق»، تدخل فلاديمير بوتين في سوريا. علماً أن بودابست كانت قد اعتمدت، منذ منتصف العقد الماضي ومع اندلاع الحرب السورية، خطّاً متفرداً داخل الاتحاد الأوروبي برفضها القطيعة التامة مع دمشق. فمن دون الاعتراف رسمياً بالنظام، حافظت الحكومة المجرية على قنوات اتصال مفتوحة، وعارضت أي سياسة تهدف إلى تغيير النظام في سوريا. ويندرج هذا الموقف ضمن رؤية جيوسياسية أوسع، يرى أوربان من خلالها أن سقوط الأسد سيفتح الطريق أمام القوى الإسلامية الراديكالية وموجات هجرة جديدة نحو أوروبا. ومن هذا المنظور، كفَّ الأسد عن كونه مجرد حاكم سلطوي يطرح إشكاليات، ليصبح في خطاب بودابست الضمني بمثابة سدّ منيع. هذا التقارب غير المباشر تجسّد أيضاً من خلال السياسة المجرية المسمّاة «حماية المسيحيين»، والتي يقودها بشكل خاص برنامج (Hungary Helps). فقد موّل هذا البرنامج مشاريع إعادة إعمار في سوريا، غالباً في مناطق خاضعة لسيطرة النظام، مما أثار انتقادات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث رأى البعض في ذلك شكلاً من أشكال «التطبيع الزاحف» مع دمشق. وهكذا، ومن دون أن يتبنى الأسد صراحةً، ساهم أوربان في إحداث شرخ في الإجماع الأوروبي القائم على العزلة، من خلال إدخال منطق بديل: منطق «البراغماتية الحضارية»، حيث تبرر نجاة المجتمعات المسيحية الحفاظ على علاقات، ولو غير مباشرة، مع السلطة القائمة. العداء لأوروبا على سبيل المفارقة، وبينما تستفيد المجر بشكل كبير من تمويل أوروبي، تبنت حكومة أوربان جحوداً مطلقاً تجاه الاتحاد الأوروبي. فلسنوات، تعين على بروكسل التعايش مع قائد مقرب من موسكو وواشنطن، دأب على عرقلة المبادرات، لا سيما في ما يخص المساعدات الموجهة لأوكرانيا أو العقوبات المفروضة على روسيا. وقد استخدم أوربان حق الفيتو بانتظام لكبح المبادرات الأوروبية، مساهماً بذلك في شلّ ملفات كبرى وحساسة. والأخطر من ذلك، ما كشفته صحيفة «واشنطن بوست» حول تسريبات لمعلومات حساسة إلى روسيا؛ إذ تفيد هذه المعلومات بأن وزير الخارجية المجري كان يطلع موسكو، أولاً بأول، على المداولات الداخلية للاتحاد الأوروبي. وأمام هذه الاتهامات، تتأرجح الردود الرسمية في بودابست بين التهوين من شأن المسألة وبين التحدي. فسادٌ صارخ لكنَّ الفساد كان، قبل كل شيء، السبب الذي عجّل بسقوط أوربان. فبالرغم من الحملة الانتخابية التي صيغت بدقة، عاقب الناخبون نظاماً طغى عليه الثراء الفاحش للمقربين من رئيس الوزراء، وتدهور الخدمات العامة. رسمياً، يصرّح أوربان بامتلاك ثروة متواضعة؛ ولكن في بلدٍ يُصنف ضمن الدول الأكثر فساداً في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا «الزهد» المعلن لم يعد قادراً على إقناع أحد. ويندد المجريون بنظامٍ «شبه إقطاعي»، حيث يراكم المقربون من السلطة الثروات والنفوذ. فقد شهد والده، وصهره، وحلفاؤه الاقتصاديون تضخماً هائلاً في ثرواتهم، غالباً بفضل صفقات عمومية ممولة من الاتحاد الأوروبي. وبحسب منظمة «الشفافية الدولية» (Transparency International)، تختفي مليارات اليورو سنوياً بسبب ممارسات الفساد، في وقتٍ تواصل فيه بروكسل تجميد أموال ضخمة مخصصة للمجر. ماذا عن البديل؟ بيتر ماجيار، الفائز في الانتخابات البرلمانية، يرتدي السترة المجرية التقليدية، البوسكاي، في تجمع انتخابي في مارس الماضي. (بالينت زينتجالاي/نورفوتو عبر وكالة فرانس برس) يرث الفائز في انتخابات الأحد، بيتر ماجيار، ورشة عمل هائلة: تفكيك البنية السياسية التي شيدها أوربان، وترميم المؤسسات، وإعادة وصل ما انقطع مع الاتحاد الأوروبي. وباعتباره عضواً سابقاً في «النظام»، فإنه لا يزال يحتفظ ببعض المواقف الحازمة التي تبناها سلفه، لا سيما في ما يتعلق بالهجرة والقضايا المجتمعية، لكنه يعد بترسيخ دولة القانون ومحاربة الفساد. وبالنسبة للكثير من الأوروبيين، فهو يجسد نموذج «أوربان بلا فساد وبلا عداء لأوروبا»؛ وهي معادلة يبقى اختبارهابرسم المستقبل. بعيداً عن المجر، يبقى الرهان عالمياً؛ فقد تحول أوربان إلى مرجعٍ للكثير من الحركات القومية. لذا، فإن سقوطه يشكل انتكاسة رمزية لليمين المتطرف، دون أن يعني ذلك بالضرورة زواله. ففي أوروبا الوسطى، كما هو الحال في الولايات المتحدة مع معسكر «MAGA» (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، أو في روسيا، لا تزال الديناميكيات التي حملت أوربان إلى السلطة نشطة. ربما تُطوى الصفحة في بودابست، لكن هذا «النموذج» نفسه لم يقل كلمته الأخيرة بعد.