شعار Levant Time

تحليل

لاوُن الرَّابع عشر... لبنان والاستِقلال الثَّالِث!
بقلم
زياد الصائغ
نُشر
مارس 8, 2026 - 04:36

لَيسَت زيارةُ البابا لاوُنَ الرَّابعَ عَشَرَ إلى لُبنانَ زيارةً عاديَّةً، بل هي لحظةٌ تاريخيَّةٌ تفرِضُ استثنائيّتَها. ففي وطنِ الرِّسالة، وعلى امتدادِ الإقليم والعالَم، تتقاطعُ المواجهات الكبرى. السَّلامُ في وجهِ الحرب، والحِوار في وجهِ العنف، والاعتدال في وجهِ العصبيَّة، والتنوّع في وجهِ الأحاديّة، والأنسنة في وجهِ الشعبويّة، والدستور في وجهِ الأحكام العرفيّة، والقانون في وجهِ الفوضى، والمواطنة في وجهِ الأقلويّة والأكثرويّة، والدولة في وجهِ اللادولة، والحَوكمة في وجهِ الفساد. هذه المواجهاتُ يعيشُها لُبنان والعالَم الحُرّ، فيما يملِكُ لُبنان فرصةً نادرة ليُثبِتَ أنّه دولة قادرة على النهوض. لم ييأس الكرسي الرسولي، طوال خمسة عقود، من رؤية لبنان "دولة نموذجًا"، رغم الانهيارات السياسيّة والاقتصاديّة والسياديَّة. قد قال أحد الكرادِلة يومًا: "تظنّون أنّ لبنان التاريخيّ يُنازِع، لكنّ قيامتَه ستكون على أيدي نخبته من المقيمين/ات والمغتربين/ات". كانت العبارة صدمةً وإشارةً إلى أنّ الرهان لا يزال على اللُّبنانيين/ات أنفسهم. البابا الرَّاحل فرنسيس واجه هذا الواقع بوضوحٍ روحيّ وسياسيّ. قبّل علَم لبنان، وحرّك الدبلوماسيّة الفاتيكانيّة بلا هوادة لحماية هويّته الحضاريّة، لكنّه رفض زيارة بيروت آنذاك في رسالةٍ صريحة: "لا لحِلف الأقليّات، لا للادولة، لا للفساد، لا لتماهي الكنيسة مع السلطة السياسيّة، ولا لتحويل لبنان منصّة للحروب". كان ذلك إعلانًا بأنّ الدولة تتآكل وأنّ صيغة لبنان الحضاريَّة مهدَّدة. اليوم، يأتي البابا لاوُنُ الرابع عشر حاملاً عنوانًا يتجاوز البروتوكول: "السَّلام". والسَّلام هنا ليس نقيض الحرب فحسب، بل نقيض "الانهيار الأخلاقيّ"، و"الاستقالة الوطنيّة"، و"التواطؤ على قتل الدولة". وهو فعل مقاومة في وجه السلاح غير الشرعي، وفي وجه التحالفات التي تُنتج أقليّات مُتخيّلة، وفي وجه العصبيّات التي تُطيح بالدستور، وتُعطّل المؤسسات، وتُهدّد العيش المشترك. يأتي البابا لاوُن ليقول إنّ لبنان يستحقّ الحياة، ويستحقّ القيامة، ويستحقّ دولة تُشبه رسالته. ويأتي ليعيد شحذ إرادة شعبٍ مُرهق، ويُذكّر نخبةً متردّدة بأنّ العالم لا يزال يرى في لبنان مساحة حريّة ومسؤوليّة. أما إختيار لبنان محطة أولى بعد تركيا فليس صدفة، بل رسالة بأنّ انهياره يضرب التعدديّة والعيش معًا، في الشرق كلّه. في العالم كُلّه. رسالة البابا للّبنانيين/ات واضحة: " إمّا أن تُنقذوا دولتكم… أو تضيع رسالتكم". لا مكان لـ"نصف دولة" أو "نصف سيادة". ولا لخلط الحوكمة الرَّشيدة بالدَّجل السياسي. ولا للخضوع لابتزاز السِّلاح بذريعة السّلم الأهلي. فالسِّلم الحقيقي يقوم على المواطنة، وعلى الالتزام بالدّستور والشرعيّة الدوليّة، وليس على الخوف أو المساكنة القسريّة. ولهذا يوجّه البابا رسالته إلى جوهر المأزق، "إستعادة الدَّولة". لا حماية جماعة. ولا مساومة على الحق والحقيقة والعدالة والحريّة. وللعالم أيضًا، يحمل البابا رسالة جوهريّة: "إنقاذ لبنان هو دفاع عن الإنسان"، وعن التعدديّة المهدّدة، وعن نموذج قادر على البقاء جسرًا بين الشرق والغرب. فالفاتيكان يدرك أنّ انهيار لبنان يفتح انهيارًا أوسع في المنطقة، ولذلك يتحرّك بثبات روحي–سياسي بعيدًا عن الاصطفافات. وهكذا يصبح "السلام" مشروع تحرير. تحرير الإنسان من الخوف، والدولة من الارتهان، والكنيسة من التماهي الملتبس، والسِّياسة من الفساد، والهويّة اللُّبنانيَّة من التَّشويه. من هُنا تغدو زيارة البابا لاوُن الرابع عشر فرصة لكتابة فصل جديد، الاستقلال الثالث إستقلال الدَّولة عن الفوضى، وإستقلال الحقيقة عن التزوير، وإستقلال الإنسان عن كلّ منظومة تُسقط إرادته في الخير العامّ. هذه لحظة لا تقبل "الرماديّة". والبابا يقولها بنبرة أبويَّة، وبصراحة نبويَّة، وبصلابة رجل دولة أخلاقيّ يعرف أنَّ الوقت يضيق، وأنَّ لُبنان، رغم كلّ شيء، لا يزال يستحقّ أن يُنقَذ.

نهاية ايران المتأرجحة بين الدولة والثورة
بقلم
منى فياض
نُشر
مارس 4, 2026 - 06:32

عشنا طويلا في ظل القوة المتخيلة للبروباغندا الإيرانية، أو لنقل بروباغندا محور الممانعة، التي جعلت من ايران قوة كبيرة ومتماسكة ولا يمكن ان تمس. وبينت الأحداث أن هناك فرقاً كبيراً بين القوة الفعلية والقوة السردية. وسبق ان حصل ذلك مع حزب الله، كثيرون صدقوا صورة تفوقه المطلق. أوهمتنا ايران عبر أتباعها وجيشها الإعلامي من قنوات تلفزيونية مموهة وصحافيين مأجورين ومؤثرين ومؤثرات رقميين وغيرهم، بسرديتها الخيالية عن: صورة التفوق التكنولوجي، وصورة الحلفاء الأقوياء الذين يدعمونها (الصين، روسيا)، فكونت لدى الرأي العام صورة "محور غير قابل للكسر". نسيت ايران انه في النظام الدولي، التحالفات ليست عقائدية بل مصلحية. وأن الصين وروسيا تتحركان وفق حساباتهما، لا وفق رغبات حكام إيران ذوات الإيديولوجيا الثورية. نجحت سياسات إيران في السابق، عندما كانت تراهن على كسب الوقت، وتأجيل الاستحقاقات والتلاعب على الخصوم، والتملص من مسؤوليتها عن ارتكابات أذرعها، وإعطاء الوعود والعهود، ثم تنكث بها. نسيت إيران انها ما كانت ستتمكن من الاستمرار في هذه السياسات لو انها كانت لا تناسب السياستان الأميركية والإسرائيلية. السؤال الذي يطرح نفسه، هل إيران حقا دولة؟ إذا أخذنا تعريف الدولة الكلاسيكي (احتكار العنف، مركزية القرار، سيادة على الأرض)، فإيران دولة كاملة البنية. لكن إذا أخذنا تعريف الدولة الحديثة كمؤسسة عقلانية - بيروقراطية ذات قرار مركزي قابل للمساءلة، وهدفها تأمين مصالح مواطنيها، فالأمر مختلف ومعقّد. وإذا استحضرنا تحليل ماكس فيبر عن احتكار العنف الشرعي، نجد أن إيران كدولة، تحتكر العنف، لكن الشرعية فيها منقسمة بين: مؤسسات جمهورية، ترافقها بنية ثورية وفوق دستورية (المرشد، الحرس الثوري والباسيج)، أي أن النظام يحمل طبيعتين: دولة + ثورة. وهذا ما يولّد توتراً دائماً بينهما. ثم إن الثورات عندما تتحول الى دول، تواجه معضلة: هل تبقى "ثورة دائمة" أم تصبح "دولة طبيعية”؟ لم يحسم النظام الإيراني هذا السؤال منذ 1979. يستخدم خطاب الدولة، ثم يتصرف كحركة عابرة للحدود. ومن هنا يأتي تشابه سلوك النظام مع حزبها: ليس لأن إيران ليست دولة، بل لأنها تُبقي عنصر العقيدة فوق منطق الدولة وحماية النظام هي "أوجب الواجبات". الدولة تقول: نحن كيان سيادي، لكن الثورة تقول: نحن مشروع عابر للحدود. هذه الازدواجية تمنع الاستقرار الكامل. ما تمارسه إيران في تعاملها مع محيطها والعالم، نوع من حرب عصابات مع صواريخ باليستية، وعبر وكلاء توزعهم على بلدان الإقليم، وتعتمد سلوك "حرب غير متماثلة". انه منطق الحركات الثورية. لأن الدولة الكلاسيكية: ترد مباشرة وبواسطة جيشها، وضمن معادلات واضحة. أما نموذج الوكلاء فيولد ضبابية متعمدة، تجعلها قادرة على التنصل من أعمالها. لكن الضبابية سلاح ذو حدين: عندما تنكشف، تتحول إلى ارتباك في القيادة وتضارب في الرسائل. إضافة الى كل ذلك، تغافلت إيران عن الداخل الإيراني وحاجاته. كثير من التحليلات حول إيران تركز على الصواريخ والتحالفات العقائدية، في تجاهل تام للداخل الإيراني وانقساماته وشعوبه، ولتمرد النساء، ورغبات جيل شاب مختلف وتعب اقتصادي وشرعية مهزوزة. الدولة القوية لا تُقاس فقط بترسانتها، بل بقدرتها على دمج مجتمعها. تحولت السردية التاريخية عبئاً، وتحولت من مورد إلى قيد تسجن نفسها فيه. منحت السردية التاريخية النظام المعنى وسمحت بالاستمرارية وحافظت على الهوية الدينية – المذهبية، عبر لجوئها الى التعبئة المستمرة. لكنها تحولت مع الوقت إلى قيد، لأنها منعت إعادة التقييم، وعدت أي تراجع كخيانة، ولجأت الى تقديس رموزها وسياستها وجعلتها أهم من الواقع المعاش، بدل أن تُناقشها وتخضعها لإعادة التقييم بحسب حاجات المجتمع. وهكذا تحولت الثورة الى عبء لم يعد المجتمع الإيراني قادراً على تحمله. واتخذ قرار الاستغناء عن خدمات هذا النظام.

الأزمة اللبنانية: أين نحن اليوم؟
بقلم
خليل حلو
نُشر
فبراير 9, 2026 - 15:46

مسار إعادة بناء الدولة اللبنانية متعثر، رغم بعض التقدم على الصعيد تكنقراطي. بعد أكثر من عام على «حرب الإسناد» التي قادها حزب الله، وتراجع نفوذه على الساحة الإقليمية، أثارت انتخابات رئيس الجمهورية موجة من الحماسة المفرطة. وكان تشكيل حكومة واعدة قد منح الأمل في استعادة سيادة الدولة. بعد عام، تحولت تلك الحماسة إلى خيبة أمل، وتلاشى الأمل. إن رفض حزب الله، بتوجيه من إيران، الانصياع لإرادة غالبية اللبنانيين وتسليم أسلحته للدولة، إلى جانب انتهاكه للقرار الأممي ١٧٠١، كان وما زال ذريعة للهجمات الإسرائيلية التي تستهدف قياداته وبنيته التحتية، مما يعرقل أي تقدم حقيقي في عملية إعادة بناء الدولة اللبنانية. على الرغم من تراجع نفوذ إيران ودعم واشنطن والدول العربية والمجتمع الدولي، يواصل جزء كبير من الفاعلين في السلطات التنفيذية والتشريعية في بيروت، إلى جانب بعض العسكريين السابقين الذين يضللون اللبنانيين بشأن قدرة جيشنا، الخضوع لحزب الله المتغطرس والمتوعد. وهذا الأمر ليس مفاجئًا، إذ اعتاد هؤلاء المسؤولون، من أعلى الهرم إلى أدناه، على الخضوع لهذا النفوذ طوال أربعة عقود. وليس من المستغرب أن يغير هؤلاء الأفراد اتجاههم وينضمون إلى معسكر آخر إذا انجرّ الصراع بين طهران وواشنطن إلى حرب خاطفة أو شاملة لمصلحة الولايات المتحدة. أما في حال حدوث صراع طويل الأمد أو تقديم واشنطن لتنازلات، فسيعتبرون هؤلاء انحيازهم صائبًا ويتفاخرون به, وللوقت الراهن، يظل هؤلاء في حالة انتظار لتحديد أي المعسكرين سيختارون. والمشكلة أنهم يمثلون واجهة لبنان! بينما يقوم صناع القرار الكبار في العالم باحتقارهم سرًا، ومجاملتهم، وحتى إهانتهم علنًا. لجأ حزب الله، وحليفه حركة أمل، الى الشارع والسيطرة على البرلمان، عبر رئيس السلطة التشريعية، لتعزيز نفوذهما. علاوة على ذلك، لجأ حزب الله إلى السلاح والاغتيالات والتهديدات، سواء كانت مستترة أو علنية، لتحقيق الهدف نفسه. وقد ثبت أن هذه الاستراتيجية فعّالة لدى مراكز القوى. ويستمر الحزبان المسلحان في المناورة والعمل داخل الدولة، وفي الوقت نفسه عبر ميليشيتيهما، اللتين تتبعان هيكليًا للحرس الثوري الإيراني. كما تمكنوا من اختراق الدولة العميقة والمؤسسات الرسمية على جميع المستويات. يتحمل كل من السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية مسؤولية إصلاح هذه المؤسسات وتنقيتها. ولم يقم أي من الحزَبين باقتراح مشروع عملي لبناء الدولة اللبنانية. لم يقدما سوى خطاب مقاومة لم يحقق النجاح ولم يولد سوى مشاعر كراهية شاملة. فالغاية الوحيدة التي تسعى إليها هذه الأطراف هي بقاء حزب الله، وبالرغم من كونه أضعف، يواصل الحزب السير على الطريق نفسه الذي اعتمده خلال أربعة عقود. فقط رجال الدولة الحقيقيون قادرون على دفع الأمور قدمًا. إلا أن هؤلاء غائبون بشكل كبير عن المؤسسات الرسمية، باستثناء بعض الشخصيات السيادية القليلة التي لا تزال ثابتة على مواقفها، مما يجعلها عرضة لأشد الهجمات العنيفة ولتهديدات جسدية من حزب الله، الذي يتمسك بيأس بمكاسبه. وهو ما قد يكلف البلاد ثمنًا باهظًا. أما المترددون، الفاسدون، «أهل البازار»، أولئك الذين يعانون من قصر النظر الاجتماعي والسياسي، والجبناء، فهم غير قادرين على الإدارة أو القيادة أو التحلي بمقام القائد الحقيقي. إن لبنان غني بالموارد البشرية والكفاءات، التي تنتظر الفرصة الحقيقية لإحداث نهضة. في هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن سوريا المجاورة قد حققت أرقامًا قياسية في إعادة بناء مؤسساتها الحكومية. ومع ذلك، لا تزال أمامها ثغرات كبيرة لا بد من معالجتها. فهي مطالبة بضمان حقوق الأقليات ودمجها بشكل فعّال، وبناء نظام متكامل. باختصار، لا يزال أمامها طريق طويل نحو تحقيق الاستقرار. وفي المقابل، ما تم إنجازه حتى الآن يعد واعدًا جدًا، خاصة وأن الدولة السورية يقودها رجل دولة اتسم بالتعقل والنضج في مواجهة التحديات، أحمد الشرع. فهو يدرك أن أنظار السوريين والعالم بأسره مسلطة عليه، وقد بادر إلى مواجهة هذا التحدي. أما في لبنان، فلا زلنا ننتظر ظهور رجال دولة حقيقيين.

العدالة الدولية بين الأسطورة والواقع
بقلم
منى فياض
نُشر
يناير 7, 2026 - 17:01

أحدثت الضربة العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد صدمة قوية في السياسة الدولية. أثار الاعتقال حالة من الاستنكار الدولي الواسع؛ العديد من الدول والمنظمات اعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي واعتداءً على السيادة الوطنية لفنزويلا. خبراء القانون الدولي، بما في ذلك في مقالات تحليلية مثل الجارديان، يشيرون إلى أن العملية الأميركية في فنزويلا تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً الفقرة التي تمنع استخدام القوة دون مبرر ذاتي دفاعي أو موافقة مجلس الأمن. انه حدث يعيد كتابة بعض قواعد اللعبة. ليس الاعتقال في حد ذاته ما يغيّر قواعد اللعبة، بل ما يمثّله من تحوّل في فهم السيادة، والقوة، والزمن السياسي في النظام الدولي. يكشف تباين ردود الفعل - من إدانات قوية، إلى تحفظات، وحتى ترحيبات مشروطة - أن العالم يقف عند مفترق مهم: هل يبقى القانون الدولي إطاراً تحميه المؤسسات والاتفاقات، أم أنه يتراجع أمام قوة الأمر الواقع؟ فهذا الحدث ليس مجرد فصل جديد في قصة فنزويلا، بل اختبار للمعايير الدولية نفسها في لحظة حسّاسة من تاريخ السياسة العالمية. ما يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة في العالم الغربي. فلطالما قُدِّمت العدالة الدولية بوصفها أحد أعمدة النظام العالمي الحديث، وركيزة أخلاقية تقوم عليها شرعية المؤسسات العابرة للدول، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية. غير أن مسار هذه العدالة، يكشف عن فجوة لم تعد تُختزل بازدواجية الموقف الغربي وحدها، بل باتت اليوم أكثر تعقيداً مع دخول العالم مرحلة تعدد الأقطاب وصعود قوى تنازع الغرب ليس فقط النفوذ، بل أيضاً تعريف القيم ذاتها. في المرحلة الأولى، كان النقد الموجَّه إلى العدالة الدولية يتركّز على ازدواجية الخطاب الغربي. فقد بدا واضحاً أن تطبيق القانون الدولي لم يكن يوماً منفصلاً عن المصالح السياسية. تدخلات عسكرية جرت تحت عناوين حقوق الإنسان، بينما تم التغاضي عن انتهاكات جسيمة حين يرتكبها حلفاء استراتيجيون. هذه الانتقائية أضعفت مصداقية العدالة الدولية، وحوّلتها، في نظر كثيرين، إلى أداة في يد الأقوياء أكثر منها نظاماً قانونياً كونياً. لم يكن الخلل في القيم المعلنة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى آلية انتقائية، تُستدعى حين تخدم التوازنات، وتُهمَل حين تعرقلها. غير أن التحول الأهم اليوم لا يكمن فقط في استمرار هذا الإرث، بل في انكشاف حدود النظام الليبرالي نفسه مع تراجع قدرته على فرض قواعده. فالعالم لم يعد أحادي القطب، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة، منفردة أو مع حلفائها، على ضبط إيقاع العدالة الدولية. دخول الصين وروسيا كلاعبين وازنين أعاد تشكيل المشهد: لم يعد السؤال لماذا تُطبق العدالة بانتقائية، بل من يملك أصلاً القدرة في تطبيقها. في هذا السياق، تبدو العدالة الدولية عالقة بين قوتين متعارضتين: غربٌ يرفع خطاب القيم (التي يطبقها انتقائياً) لكنه عاجز عن فرضها دون توافق دولي، وقوى صاعدة ترفض ما تسميه "العدالة المسيسة"، لكنها في الوقت ذاته لا تمارس خطابها، ولا تقترح بديلاً قانونياً، بل تكتفي بتعطيل المسار القائم. وهنا تظهر مفارقة لافتة: الاعتراض على العدالة الانتقائية لا يقود إلى عدالة أشمل، بل إلى شلل كامل. هذا الشلل سمح بظهور خطاب "الممانعة" بوصفه رداً أخلاقياً مضاداً. غير أن هذا الخطاب، عند اختباره عملياً، يكشف بدوره ازدواجية صارخة. فالدفاع عن السيادة يُستخدم لتبرير قمع الداخل، ورفض التدخل الخارجي لا يقترن ببناء مؤسسات قضائية مستقلة أو احترام فعلي لحقوق الإنسان. هكذا، تسقط أسطورة العدالة الغربية من جهة، وتسقط معها أسطورة العدالة البديلة التي يدّعيها خصومها. إن ما يمنع تحقق العدالة الدولية اليوم ليس عاملاً واحداً، بل وجود ثلاث معيقات أساسية: أولها، غياب سلطة تنفيذية دولية مستقلة عن موازين القوة؛ ثانيها، تآكل الإجماع القيمي العالمي مع تصاعد الصراع بين نماذج حضارية وسياسية متناقضة؛ وثالثها، استخدام العدالة، من جميع الأطراف، كأداة خطابية أكثر منها التزاما مؤسسياً. في هذا المشهد، تصبح المحكمة الجنائية الدولية مرآة للأزمة لا سبباً لها. فهي محكمة بلا شرطة، وبلا جيش، وبلا إجماع سياسي يحمي قراراتها. قدرتها على الفعل تتوقف على تعاون الدول، وهذا التعاون بات اليوم رهينة الاستقطاب العالمي. ليست المشكلة أن العدالة الدولية "غير عادلة" فحسب، بل أنها لم تعد قادرة على أن تكون عدالة أصلاً. كل ذلك يبرهن عن وجود فجوة متزايدة بين الخطاب الأخلاقي الغربي وآليات تطبيقه الفعلية. إن التعثر في عدم فتح المحكمة الجنائية تحقيقاً في "الوضع في فنزويلا"، مقابل السرعة النسبية في ملاحقة قادة آخرين، يضعف سردية "العدالة الكونية المحايدة"، ويُغذّي خطاب القوى المناهضة للغرب التي ترى في العدالة الدولية أداة انتقائية، لا منظومة قانونية شاملة. وهنا، لا تسقط فقط "أسطورة العدالة الغربية"، بل تتقاطع مع سقوط "أسطورة المقاومة" المقابلة، التي تدّعي بدورها امتلاك احتكار أخلاقي مضاد، بينما تتحرك هي الأخرى ضمن منطق القوة والضرورة لا ضمن منطق القانون. في الحالتين، نحن أمام عالم يتآكل فيه الإطار الرمزي للقيم، ويُستبدل تدريجياً بقانون القوة، في مشهد يذكّر بعودة الإمبراطوريات أكثر مما يعكس نظاماً دولياً قائماً على قواعد مشتركة. هذا الواقع لا يعني نهاية الحاجة إلى العدالة، بل نهاية الوهم القائل بإمكانية فصلها عن السياسة دون إعادة بناء النظام الدولي نفسه. من منظور دوركهايم، نحن أمام لحظة "أنومي" - ليس بمعنى الفوضى، بل بمعنى فقدان المعايير المشتركة. ومن منظور ليفي-شتراوس، نحن أمام لحظة تفكك الأسطورة، حين تعجز عن حل التناقضات التي صُممت لتغطيتها. فالقانون، كما يقول علماء الاجتماع، لا يعيش في الفراغ؛ انه نتاج توازن اجتماعي وأخلاقي. وحين ينهار هذا التوازن، يتحول القانون إلى نص بلا قوة. بين ازدواجية الغرب السابقة، وازدواجية الممانعين الحالية، تضيع العدالة الدولية بين خطابين متناقضين، يتفقان عملياً على شيء واحد: إخضاع القيم لمنطق القوة. وما لم يُعاد التفكير جذريا في العلاقة بين السيادة، والقانون، والعدالة، ستبقى الأخيرة وعداً مؤجلاً، يُستدعى في الخطب… ويُغيب في الوقائع. فيما يتعلق بحالة نتنياهو يُفسَّر النجاح النسبي للمحكمة الجنائية الدولية في المضي بقرارها ضد بنيامين نتنياهو، على غير ما جرى في حالات مشابهة سابقة، بوصفه نتيجة تراكب عوامل سياسية وأخلاقية غير مسبوقة أكثر منه تعبيراً عن استقلال قانوني مطلق. فحجم الانتهاكات المرتكبة في غزة، واتساع نطاقها، وكثافتها الزمنية والبصرية، جعل من الصعب احتواءها داخل خطاب "الدفاع عن النفس" الذي لطالما وفّر مظلة سياسية لإسرائيل وحلفائها. إلى ذلك، لعب التحوّل العميق في الرأي العام الغربي، ولا سيما داخل الولايات المتحدة نفسها، دوراً حاسماً، إذ أظهرت الأجيال الصاعدة حساسية أعلى تجاه معايير حقوق الإنسان وأقل التزاماً بالسرديات الجيوسياسية التقليدية. هذا التحول قيّد هامش المناورة السياسية، حتى لدى أكثر الحكومات دعماً لإسرائيل. كما شكّل التدخل القانوني المنهجي لجنوب أفريقيا نقطة انعطاف، إذ أعاد توجيه النقاش من حلبة السياسة إلى ميدان القانون، وأكسب الملف شرعية أخلاقية آتية من دولة تحمل إرثاً تاريخياً مع الفصل العنصري، ما صعّب الطعن في دوافعها. هكذا، لم يكن قرار المحكمة نتيجة شجاعة مؤسسية معزولة، بل ثمرة تصدّع في منظومة الحماية السياسية التقليدية، وانكشاف غير مسبوق لفجوة بين السلطة والخطاب، جعل الإفلات من المساءلة أكثر كلفة من المضي فيها.

هل أنهت زيارة البابا إلى لبنان فكرة الهجوم الإسرائيلي؟ بين الرمزيات الكبرى والحسابات الواقعية

لم تكن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان مجرد محطة دينية أو رعوية عابرة، بل لحظة سياسية بامتياز في أكثر لحظات المنطقة حساسية. زيارة تحمل معها رسائل إلى الداخل اللبناني بقدر ما تحمل رسائل إلى الخارج، وتحديدًا إلى إسرائيل، وإلى القوى الدولية التي تمسك بخيوط اللعبة الإقليمية. غير أنّ السؤال الذي تردّد بقوة بعد مغادرة البابا هو الآتي: هل تُنهي هذه الزيارة فكرة الهجوم الإسرائيلي على لبنان؟ الجواب ليس بسيطًا. فما بين القيمة الرمزية الهائلة للزيارة، والحسابات الاستراتيجية الباردة على الحدود الجنوبية، تظهر حقيقة واضحة: الزيارة منحت لبنان فسحة نفسية وسياسية مؤقتة، لكنها لم تُلغِ منطق الحرب. إلا أنّها — مع الحراك الفرنسي المتصاعد، وزيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عمان — ساهمت في خلق شبكة ردع سياسية ودبلوماسية جديدة قد تُبطئ قرار الحرب، وربما تُعيد رسم شروطها. زيارة البابا: قوة رمزية… لكن حدودها واضحة يحمل قدوم البابا إلى بلد تعصف به الأزمات رسالة واضحة: العالم لم يترك لبنان نهائيًا، وأنّ الحفاظ على تنوعه ودوره ما زالا أولوية دولية. وقد شجّع البابا اللبنانيين على المصالحة، وعلى الاحتكام للدولة، وعلى نبذ العنف. لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمون خطابها، بل في التوقيت الأكثر حساسية منذ نهاية حرب 2006. إسرائيل تراقب هذه اللحظات بعين استراتيجية. فوجود رأس الكنيسة الكاثوليكية في بيروت رفع كلفة أي اعتداء واسع خلال هذه الفترة. كان من الصعب أن تشنّ إسرائيل حربًا فيما لبنان يستقبل شخصية دينية عالمية بهذا الحجم، وفيما العالم بأسره يصرّح ويعلّق ويتابع. هذا يعني أن الزيارة نجحت — ولو مرحليًا — في خلق مظلة حماية إعلامية ومعنوية. لكن هل تُغيّر هذه الزيارة موازين القوة؟ بالطبع لا. إسرائيل لا تأخذ قرارات الحرب بناءً على المعنويات ولا على الرمزيات، بل بناءً على الحسابات العسكرية والسياسية. لذلك، يمكن القول إن تأثير الزيارة محدود بالزمن وبالإطار الرمزي، وليس كافيًا لردع قرار حرب إذا اتخذته القيادة الإسرائيلية لاحقًا. الدور الفرنسي: بين الوساطة والضغط الدبلوماسي إذا كانت زيارة البابا موجّهة إلى العاطفة والضمير العالمي، فإنّ الدور الفرنسي موجّه إلى قلب اللعبة السياسية. فرنسا، تاريخيًا وواقعيًا، تُعدّ الأكثر انخراطًا بين الدول الأوروبية في ملف لبنان. وقد عملت باريس في الأسابيع الماضية على خطين متوازيين: 1. تهدئة ميدانية عبر قناة مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل. 2. تحريك ملف الحدود وتطبيق القرار 1701 من جديد. ليس سرًا أنّ القيادة الفرنسية تحاول منذ أشهر منع انزلاق الجنوب إلى حرب شاملة. ولطالما لعبت باريس دور الوسيط الذي يُذكّر واشنطن بأن الحرب في لبنان لن تخدم الاستقرار الإقليمي الذي تبحث عنه الإدارة الأميركية. لكن حدود القوة الفرنسية واضحة أيضًا: • فرنسا لا تملك قدرة فرضية على إسرائيل. • تأثيرها قائم أساسًا على “الإقناع” وليس على “الإلزام”. • انسجامها الكامل مع الموقف الأميركي ليس مضمونًا دائمًا. ومع ذلك، فإن الضغط الفرنسي — خصوصًا مع التحركات الدبلوماسية المتسارعة — يدخل مباشرة في حسابات تل أبيب ويُشكل عاملاً من عوامل التردد. فإسرائيل تعلم أن فرنسا قادرة على تحريك أوروبا سياسيًا وإعلاميًا ضد أي اجتياح واسع، وهذا ليس تفصيلاً في لعبة الشرعية الدولية. زيارة الرئيس اللبناني إلى سلطنة عُمان: منصة إقليمية للتهدئة في لحظة تزدحم فيها الساحات الإقليمية بالتوترات، جاءت زيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عُمان كاستثمار ذكي في الدور الهادئ الذي تلعبه مسقط. فالسلطنة ليست دولة ضجيج، لكنها دولة تأثير صامت، تمتلك علاقات متوازنة مع جميع الأطراف: • طهران • العواصم الخليجية • القوى الغربية • وحتى قنوات خلفية مع أطراف دولية حساسة هذا يعني أن زيارة الرئيس ليست بروتوكولية، بل منصة لبناء شبكة من الضمانات الإقليمية، وفتح خطوط وساطة تساهم في تبريد الجبهة الجنوبية. ومسقط تُتقن الدور الذي لا يستطيع أحد سواها لعبه: التواصل الهادئ بين خصوم كبار دون إعلان. وقد يكون هذا الدور أحد الأعمدة غير المعلنة في عملية منع التدهور العسكري. بين ثلاثة أدوار: البابا – فرنسا – عُمان… ماذا تغيّر؟ عند جمع العوامل الثلاثة نلاحظ الآتي: 1. زيارة البابا أعطت لبنان حصانة رمزية ومعنوية، وأعادت وضعه في الضوء العالمي. 2. الدور الفرنسي يدفع نحو تسوية سياسية ويمنع الحرب عبر الضغط الدبلوماسي المتواصل. 3. حراك الرئيس في عُمان قد يكون مقدّمة لخطّ تفاوضي غير مباشر بين أطراف إقليمية ودولية حول ملف الجنوب. لكن هل يكفي كل ذلك لمنع الحرب؟ الحقيقة أنّ الحرب تُمنع فقط عندما تصبح كلفتها أعلى من مكاسبها بالنسبة لإسرائيل. والزيارة البابوية، والدور الفرنسي، والتحرك العُماني، جميعها ترفع هذه الكلفة — لكن لا تلغي خيار الحرب إذا اعتقدت تل أبيب أن أمامها فرصة استراتيجية لا تُعوَّض. إذن، نحن اليوم أمام تجميد مؤقت لمنطق الهجوم، لا إلغائه. أمام توازن هشّ بين ضغط دولي يسعى لتهدئة، وقرار إسرائيلي لا يزال يتأرجح بين التصعيد والحسابات الداخلية. في النهاية. زيارة البابا إلى لبنان لم تنه فكرة الحرب، لكنها جعلت الحرب أصعب. والتحركات الفرنسية خلقت شبكة ردع سياسية. وزيارة الرئيس إلى عُمان فعلت ما تفعله الدبلوماسية الهادئة: فتحت أبوابًا لا تُفتح في العلن. إسرائيل ستظل تراقب، ولبنان سيظلّ ينتظر، لكن الحقيقة أنّ الضغط الدولي على تل أبيب اليوم هو الأقوى منذ سنوات، وهذا وحده ليس ضمانًا… لكنه على الأقل فرصة

سوء تقديــر فــي نبـوءة توينبـي
بقلم
نبيل منوال يونس
نُشر
ديسمبر 2, 2025 - 14:20

في عام 1957، ألقى المؤرخ وفيلسوف التاريخ أرنولد توينبي محاضرةً في «الندوة اللبنانية» بعنوان «لبنان تعبير عن التاريخ». فبعد أن استعرض تعقيدات تاريخ لبنان وتفاعله مع الحضارات المحيطة، وحلّل كيــف شكّل فيها الموقع الجغرافي للبنان وتكوينه المتعدد الطوائف نقطة التقاء وصدام بين الديانات والهويات المختلفة، ختم توينبي محاضرته بتحذير استشرافي إذ قال: "إذا رُسمت، في المشرق، الحدود بين الإمبراطوريتين العالميتين، الأميركية والروسية، على قمّة جبال السلسلة الشرقية، فإن الجمهورية اللبنانية قد تواجه مصير دولة إسرائيل. فلبنان، مثــل إسرائيل، غير قابل للحياة إذا وجد نفسه في حالة عداء دائمة مع جيرانه في الشرق." لقـد أُلقيت هذه المحاضرة في ظل المناخ الثقيل للحرب الباردة، بما حملته من توترات جيوسياسية وصراعات أيديولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وكتلتيهما. فخلال تلك الحقبة، أسـدلَ «الستار الحديدي» السوفياتي على تسعِ دول أوروبية وجعل حدودها متوترةً وعدائيَّـةً واندلعت حروبٌ على الحدود بين الكوريتين، وعلى الحدود المتحركة في الهند الصينية. فكمـا خشــي توينبــي، تثبّت خطّ التماس بين الإمبراطوريتين الأميركية والروسية على قمّة السلسلة الشرقية لجبـال لبنــان أي على الحدود اللبنانية ـ السورية. إزاء هذا الوضع المعقّد، اختار لبنان التموضع في الفلك الأميركي، فأعلن في 16 آذار 1957 انضمامه إلى "مشـروع أيـزنهـاور" بعد أن كان، في إطار التحالفات الدولية للمعسكر الغربي خلال الحرب البارد، قـد درس لبعض الوقــت إمكانيَّــة الانضمام إلــى «حلف بغداد». وفي المقابل، وعلى الجهة الأخرى من الحدود الفاصلة بين منطقتــي النفوذ، فلقـد دفع رفض الغرب مساعدة الدول العربية — وفي مقدّمها سوريا — والدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، بسوريا، ذات التوجّه اليساري آنذاك، وكذلك بـ«الجمهورية العربية المتحدة» التي أُعلنت عام 1958 بنتيجــة اتحاد مصر وسوريا، إلى الارتماء بأحضان الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. لم يُعر اللبنانيون اهتمامًا كبيرًا لتحذير توينبي بسبب اطمئنانهم إلى التفوّق العالمي للولايات المتحدة وإلــى تفوّقها العسكري على الاتحاد السوفياتي. وهكذا، أصبحت الحدود اللبنانية ـ السورية، كما هي محدّدة ومكرّسة في الدستور اللبناني — وهو الدستور الوحيد في العالم الذي يُصــف الحدود فــي نص دستوري — أكثر من مجرّد خط إداري أو نـص قانوني، إذ اكتسبت تلك الحدود طبيعتين في آن واحد، فهــي حدودٌ بين دولتين، وهي خطٌّ فصل سياسي واقتصادي وأيديولوجي بين منطقتَي النفوذ الأميركيَّـة والسوفياتيَّة. فعندما التقى الرئيس فؤاد شهاب الرئيس جمال عبد الناصر تحت خيمة نُصبت على الحدود، تمسّك كلُّ منهما بالبقاء على أرض بلاده، وقـد هـدف الرئيــس شهاب مـن اختيــار مكان الاجتماع وإخراجــه إلــى إبراز الأهمية الوطنية والإقليمية لهذه الحدود. لكنـه تبيَّــن أن نبوءة توينبي كانـت غير صحيحة، إذ أنَّ خطّ التماس هذا بين مجالَي النفوذ، حمى لبنان لمدّة من الزمن من الطموحات السورية التوسعية السياسية والأمنية والاقتصادية والأيديولوجية، وكان نعمةً حقيقيةً للبنان طوال أكثر من ربع قرن. فالكارثة حلّت بلبنان عندما بدأت الولايات المتحدة، فـي إطار البراغماتيــة وبنتيجـة قابليتهــا لمقايضة تحالفاتها بـ«صفقات» — من بينها الصفقة مع سوريا الأسد — بطمــس هذا الخط قبل أن تمحوه شبــه كليًا، وذلك عبر تنظيـم دخول الجيش السوري إلى لبنان في نيسان 1976 ومــن ثم، أوكلت عمليًا واشنطن إلى دمشق الوصاية على لبنان بمناورات مستوحاة من هنري كيسنجر. إن إلغاء هذا الخط الفاصل، الذي كان ثمرة اتفاق أميركي ـ سوري انعقـد من دون أدنى اعتبار للبنانيين الذين كانوا لا يزالوا يؤمنــون أن التحالفات الأميركية تقـوم على مبادئ، أتاح لسوريا فرض هيمنتها على لبنان وتبين أن التحالف بين الولايات المتحدة ولبنان لم يكن سوى اتفاقٍ عابرٍ وظرفي، تحكمه مصالح واشنطن خلال الحرب الباردة. كما أخطأ توينبي أيضــاً فــي أنَّ البديل للحدود المتوترة ليس بالضرورة السلام — بل قد يكون الهيمنة.

المشرق في خضم الاضطرابات: سلام صعب المنال (١/٣)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
ديسمبر 1, 2025 - 10:52

بلغ المشرق بلا شك نقطة تحول حاسمة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣، مع الهجوم الدموي الذي شنّه حماس على الأراضي الإسرائيلية من قطاع غزة. أدت ظروف وتداعيات هذه الهجمة السريعة والدامية إلى ما يشبه الزلزال، وقد ظهر أثره بوضوح على غزة وإسرائيل، كما امتد إلى مراكز أخرى في المشرق، لا سيما لبنان وسوريا، وعلى نحو موسع، إلى إ يران واليمن. أعادت التداعيات الكارثية للهجوم الذي شنّه حماس على غزة وسكانها إلى الواجهة كامل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. كان البعض يأمل أن يشكّل منعطف ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ مدخلاً لحل الصراع القديم في الشرق الأوسط، الذي يعصف بالمنطقة منذ أكثر من سبعة عقود. إلا أن الواقع الحالي يشير إلى بعد هذا الهدف، على الأقل في الظاهر . ومن المؤسف أن السلطة الفلسطينية لم تتمكن ‏بعد من استعادة المبادرة وبدء حوار سريع وواعد مع الإسرائيليين. في الجانب المقابل، من المشروع التساؤل عما إذا كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مستعدًا لاستشراف وقبول نهاية هذه الصراعات الإقليمية المتكررة، حتى لو كان ذلك يعني مواجهة بداية مشاكله القضائية. ليس من المؤكد أن لديه الإرادة الحقيقية للقيام بذلك. بعد النصر العسكري، هل يتصور هزيمته في ميدان التواصل؟ يبدو أن الإجابة لا. صحيح أنه طالما أعلن الفلسطينيون صراحة أن هدفهم هو زوال الدولة العبرية، سيواصل بنيامين نتنياهو وحلفاؤه تحقيق أهدافهم القاتلة. فلا نخدع أنفسنا: هناك من جهة شعب يعاني ويموت – ولكن من انتخب حماس؟ – ومن جهة أخرى أمة ودولة أعداؤها لا يريدون مجرد هزيمة بلا شروط، كما حدث مع ألمانيا عام ١٩٤٥، بل الزوال التام. لم يعد الأمر يتعلق بالانتقام من ‏أحداث ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ التي لا تُحتمل. الأمر أصبح مسألة بقاء. ومع ذلك، لا تزال هناك بارقة أمل تظهر في الأفق. أصوات بارزة تُسمع داخل إسرائيل نفسها للمطالبة بوقف المجزرة في غزة، مدركة أن إسرائيل، التي وُلدت من لا إنسانية، لا يمكن أن تستمر في هذا النهج ، وأن الرأي العام العالمي قد يتغير في أي لحظة، وقد يتخلى عن الدولة العبرية. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، يمكن للرأي العام أن يغير مساره بسرعة وبشكل لا رجعة فيه. يظهر التاريخ المعاصر مدى استحالة الاستمرار في قتال يفتقر إلى الدعم المعنوي من الشعب ومن جميع الحلفاء في تلك المرحلة . والأمثلة في هذا السياق بالغة الدلالة: ففرنسا في الهند الصينية لم تحظِ بدعم كامل من الشعب الفرنسي وبعض الدول الرئيسية، ‏ولاحقًا، في الجزائر لم تحظِ بالدعم الكامل من شعبها ومن العديد من الدول الأخرى؛ كما اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التخلي عن السلطة في جنوب فيتنام، ولاحقًا انسحبت من أفغانستان بطريقة مذلّة لها وللبلدان التي دعمتها منذ البداية، ‏ ‏على مدى عشر سنوات. وقد انسحبت بعد أن تركت وراءها العديد من القتلى. يجب على بنيامين نتنياهو أن يدرك أن الظروف مؤاتية لإعادة النظر في منهجيته بشكل جذري. لا شيء أسوأ من عدم ‏الحوار أو عدم الرغبة في الحوار مع أعدائه. وربما يكون ذلك أسوأ له ولإسرائيل من مواجهة عدالة بلاده. ومع ذلك، سيواجهها، وإذا استمر على هذا ‏النهج، لن يكون قادرًا على الادعاء بأنه يتمتع بمكانة رجل دولة أنقذ بلاده. ألمانيا حتى أبريل ١٩٤٥، واليابان حتى يوليو ١٩٤٥، ودول أخرى في ظروف مختلفة، رفضت التفاوض مع أعدائها. وحتى اليوم، لا تحاول العديد من الدول التفاوض مع خصومها، مما يؤدي إلى مقتل المدنيين يوميًا، ويزيد من حدة الضغائن والكراهية. بالمقابل، تظهر الأزمة الشهيرة المعروفة بأزمة صواريخ كوبا أن الحوار يمكن أن يمنع مواجهات غير ضرورية وكارثية. وبالطبع، حدثت في بعض الحالات مفاوضات وتنازلات، ولكن أليس ذلك ثمنًا زهيدًا مقابل السلام؟ على إسرائيل أن تتصرف كدولة طبيعية، حتى لو شعرت أنها محاصرة ومهددة. فدولة إسرائيل ‏التي تحترم جيرانها ستحظى بدعم كبير في الشرق الأدنى والشرق الأوسط، وكذلك في العالم الغربي وما وراءه، لا تواجه خطر الانقراض على يد حماس، التي إن لم تكن على وشك الموت، فه ي على الأقل ضعيفة جدًا. ومن الواضح أن اعتماد مثل هذا النهج يجب ‏أن يكون دون سذاجة، مع الحرص الشديد على منع استفاقة " الهيدرا" مرة أخرى. المقال التالي: المشرق في خضم الاضطرابات: آفاق لبنانية وسورية

البابا في لبنان: بلا سلام.. لن يبقى "لبنان الرسالة"
بقلم
علي الأمين
نُشر
نوفمبر 29, 2025 - 13:51

يحمل البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان عنواناً لافتاً لزيارته المرتقبة: "طوبى لصانعي السلام". وهو عنوان ذو بُعد ديني جامع تتقاطع عنده الديانات التوحيدية، لكنه في جوهره رسالة سياسية صريحة من الفاتيكان إلى بلد استنزفته الحروب والصراعات لعقود طويلة، وحان الوقت لأن ينتقل من أنفاق العنف إلى فضاء السلام. أولاً: دعم الوجود المسيحي وترسيخ دوره الوطني تأتي هذه الرسالة من متابعة دقيقة للكرسي الرسولي لما عاشه ويعيشه لبنان، ولا سيما المسيحيون فيه. فالفاتيكان ينظر إلى لبنان باعتباره المختبر الأكثر حساسية في الشرق للتعايش بين الإسلام والمسيحية، ولإمكان أن يكون نموذجاً لما وصفه يوحنا بولس الثاني قبل ثلاثة عقود بـ"لبنان الرسالة". وفي هذا السياق، تحمل الزيارة دعماً واضحاً للوجود المسيحي في لبنان، وتثبيتاً للدور المرجعي الذي تلعبه الفاتيكان في احتضان هذا المكوّن وإسناده دولياً. فالمسيحيون في لبنان ليسوا أقلية معزولة، بل جزء من منظومة روحية وسياسية تمتدّ من الشرق إلى الغرب، وهذه الزيارة تعيد التأكيد على أن دورهم غير قابل للتهميش في الدولة اللبنانية. لكن الرسالة البابوية لا تقف عند حدود الطمأنة، بل تتضمّن دعوة داخلية: الخروج من العصبية الطائفية إلى المشروع الوطني. فالمسيحيون، كما تُفهم الرسالة، ليسوا "جماعة" بل حاملين لرسالة إنسانية جامعة داخل هذا الوطن. ثانياً: رسالة إلى إيران… وإلى العالم النداء البابوي للسلام ليس مجرّد دعوة أخلاقية، بل موقف سياسي مُعلن. فالفاتيكان يوجّه عبر بيروت رسالة واضحة لإيران: لا يمكن للبنان أن يستمرّ إذا بقي ساحة صراعات وحروب وعمليات تصفية حسابات إقليمية ودولية. وجملة "طوبى لصانعي السلام" هنا ليست تعبيراً لاهوتياً فقط، بل رفضٌ مُقنّع لمنطق السلاح والعنف، وتأكيد أن الحلول الدبلوماسية والسياسية هي الطريق الوحيد لإنقاذ لبنان من دوامة الانهيارات. ثالثاً: "لبنان الرسالة" بين الأمس واليوم عام 1997، حمل يوحنا بولس الثاني إلى لبنان وثيقة تاريخية بعنوان "لبنان الرسالة"، وكانت موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اللبناني، لترسيخ فكرة العيش المشترك والدور الريادي للدولة. أما اليوم، فتأتي رسالة البابا لاوون الرابع عشر لتشكّل امتداداً خارجياً لتلك الوثيقة. فلا يمكن للبنان أن يكون "رسالة" ما لم يستعِد سلامه، وينأى بنفسه عن صراعات الإقليم، ويستعيد علاقاته الطبيعية مع محيطه والعالم، وحتى مع خصومه. فالسلام ليس خياراً أخلاقياً فقط، بل شرط وجود للبنان الدولة: دولة قادرة على بناء اقتصاد، وترتيب أولوياتها، وفرض سيادتها على أرضها. السلام هو السبيل إلى "الرسالة" زيارة البابا ليست حدثاً بروتوكولياً، بل تدخل سياسي رفيع المستوى يعيد تذكير اللبنانيين بأن دولتهم يمكن أن تنهض فقط إذا خرجت من محاور الحرب، واستعادت حيادها، وقرّرت أن تكون عنصر سلام لا ساحة صراع. فلبنان الرسالة لا يولد إلا من لبنان السلام.

/