شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

كيف تحوّلت الدولة إلى وسيط…

وبُنيت منظومة الوكلاء بين المواطن والسلطة

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ربيع دندشلي
نُشر أبريل 21, 2026 - 20:24

لم يعد الوصول إلى الدولة في لبنان مسارًا مباشرًا كما يفترض أن يكون في أي نظام حديث. العلاقة التي يُفترض أن تقوم على حقوق واضحة وواجبات متبادلة، تحوّلت تدريجيًا إلى شبكة معقّدة من المسارات غير الرسمية، حيث لم يعد المواطن يتعامل مع الدولة، بل مع من “يوصله” إليها. لكن التحوّل لم يتوقف عند هذا الحد، إذ لم تعد الوساطة مجرد جسر بين المواطن والدولة، بل أصبحت، في كثير من الحالات، بديلًا كاملًا عنها، عبر بناء منظومات موازية تعيد إنتاج الدولة خارجها.



ما نشهده اليوم يتجاوز الفساد التقليدي. لم يعد الأمر خرقًا لقواعد قائمة، بل تبديلًا لهذه القواعد. لم يعد المواطن يحصل على حقه عبر المؤسسة، بل عبر وسيط يعيد تعريف هذا الحق كخدمة، أو عبر مؤسسة بديلة تنشأ خارج الدولة لكنها تؤدي وظيفتها. بهذا المعنى، لم تعد المشكلة في ضعف الدولة فقط، بل في نشوء نظام موازٍ يعمل مكانها ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسلطة.



هذا التحوّل لم يحدث فجأة. بدأ بإضعاف الدولة عبر تعطيل مؤسساتها وتأخير خدماتها وتآكل الثقة بها. ثم دخلت القوى السياسية لملء هذا الفراغ، ليس فقط عبر الوساطة، بل عبر إنشاء مؤسسات بديلة في الصحة والتعليم والخدمات. ومع الوقت، لم يعد المواطن يلجأ إلى الدولة إلا كخيار ثانوي، بل أصبح مرتبطًا بمنظومة مزدوجة: إما وسيط يفتح له الطريق، أو مؤسسة موازية تؤمّن الخدمة.



في مختلف القطاعات، تكرّرت هذه المعادلة. في الخدمات الأساسية، لم تعد الدولة هي المرجع الفعلي، بل شبكات موازية لإنتاج وتوزيع الخدمات. في الصحة، لم يعد الوصول إلى العلاج مرتبطًا فقط بالمؤسسات الرسمية، بل بشبكات دعم ومؤسسات بديلة. في التعليم، ظهرت منظومات منح ودعم خارج الإطار التقليدي. وفي سوق العمل، لم تعد الكفاءة وحدها تحدد الفرص، بل الانخراط في شبكات النفوذ.



في القطاع المالي، يتجلّى هذا التحوّل بشكل أكثر حدّة. لم يعد النظام المصرفي إطارًا موحّدًا يخضع لقواعد واضحة، بل أصبح مجالًا تتداخل فيه العلاقات مع القوانين. خلال الأزمة، لم يكن جميع المودعين متساوين في القدرة على الوصول إلى أموالهم، وظهرت مسارات موازية لإدارة التحويلات والتسويات. لم يعد السؤال ما هو الحق، بل من يستطيع الوصول إليه. وهكذا، تحوّل المال نفسه من حق قانوني إلى امتياز مرتبط بالنفوذ.



رغم كل ذلك، لم تُفرض هذه المنظومة بالقوة فقط، بل نجحت لأنها لبّت حاجة. في غياب الدولة، يبحث المواطن عن حل سريع، لا عن مسار قانوني طويل. ومع تراجع الثقة بالمؤسسات، تصبح العلاقة الشخصية أكثر فاعلية. هذا ما جعل المنظومة الموازية لا تكتفي بالبقاء، بل تتوسع وتترسّخ.



النتيجة لم تعد فقط تراجع الدولة، بل نشوء ازدواجية كاملة. المواطن يعيش بين نظامين: واحد رسمي ضعيف، وآخر موازٍ أكثر فعالية في بعض الأحيان. الحقوق لم تختفِ، لكنها انقسمت بين هذين النظامين، ما يعمّق التبعية ويضعف مفهوم المواطنة.



الأخطر في هذا المشهد ليس وجود الوساطة، بل نجاح البديل. حين تصبح المنظومة الموازية أكثر سرعة وحضورًا، تتحول الدولة إلى خيار ثانوي. لم تعد المشكلة أن الدولة ضعيفة، بل أنها لم تعد ضرورية دائمًا في نظر المواطن.



في هذا الواقع، لم يعد السؤال كيف نصلح الدولة، بل ما إذا كانت العلاقة معها ما زالت قائمة أصلًا. بين وسيط يربط المواطن بها، ومؤسسات بديلة تستغني عنها، يظهر نموذج جديد للحكم لا يقوم على الدولة وحدها، بل على تعدد مراكز النفوذ والخدمة.



وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن أمام دولة ضعيفة تسعى إلى التعافي، أم أمام نظام نجح في بناء بديل عنها؟

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل