شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

مالي : تشريح صراع

صورة للأخبار
صورة أ ف ب
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر أبريل 30, 2026 - 13:50

تشهد مالي منذ عام 2012 أزمة متعددة الأبعاد، تمتد جذورها، بشكل لا لبس فيه، إلى الانهيار الليبي، الذي أطلق في منطقة الساحل تدفقات هائلة من الأسلحة والمقاتلين، فأعاد، بصورة مستدامة، تشكيل التوازنات الأمنية في كامل الإقليم.

في ذلك العام، أعلن متمردون طوارق استقلال شمال البلاد، قبل أن يُقصَوا سريعاً على يد حلفائهم الإسلاميين المرتبطين بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وتدخّلت فرنسا عسكرياً في عام 2013 لاحتواء التقدم الجهادي، من دون أن تنجح، في أي مرحلة، في القضاء عليه نهائياً.

أما العقد الذي تلا، فقد كان بالنسبة إلى مالي عقد التدهور المتواصل. فالاتفاقات السلمية التي وُقّعت في الجزائر عام 2015 بين باماكو والحركات المسلحة في الشمال لم تُنفَّذ يوماً بشكل كامل. وامتد الإرهاب تدريجياً نحو وسط البلاد وجنوبها، فيما تصاعدت وتيرة العنف بين المكونات المجتمعية. وفي عامي 2020 و2021، قاد انقلابان متتاليان إلى وصول العقيد عاصمي غويتا إلى السلطة، حيث أطلقت الطغمة العسكرية على نفسها اسم “المرحلة الانتقالية” (في انتظار العودة إلى النظام الدستوري)… غير أن المؤقت، بحكم طبيعته حين يطول، بات دائماً، إذ تمضي هذه “المرحلة الانتقالية” منذ خمس سنوات من دون أي أفق انتخابي ذي مصداقية.

ظلّ بوتين على إفريقيا

باشرت الطغمة العسكرية فوراً بقطع علاقاتها مع الشركاء التقليديين. فقد طُلب من فرنسا سحب قواتها. كما جرى تقليص مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام قبل طردها نهائياً. وفي المقابل، وصل… مجموعة فاغنر، الميليشيا الروسية الخاصة التي أُعيدت تسميتها لاحقاً “الفيلق الإفريقي”، وانتشرت على الأراضي المالية بعدة آلاف من العناصر.

ثم انضمت مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تخضعان أيضاً لسلطات عسكرية منبثقة عن انقلابات، لتشكيل “تحالف دول الساحل” (AES)، الذي قطع علاقاته مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، وهي المنظمة الإقليمية التي تضم خمسة عشر بلداً، واتجه نحو موسكو طلباً للدعم الأمني.

ولا يمكن، بأي حال، اعتبار الوجود الروسي في مالي عملاً خيرياً في مجال الأمن. فهو يقوم على نموذج سبق أن اختُبر في إفريقيا الوسطى والسودان وليبيا، ويقضي بمقايضة الحماية العسكرية بإتاحة الوصول إلى الموارد الطبيعية. وفي الحالة المالية تحديداً، يتمثل ذلك في الذهب، حيث جرى توثيق وجود “الفيلق الإفريقي” في مواقع التعدين الحرفي الرئيسية في البلاد.

وإلى جانب ذلك، تسعى موسكو إلى تحقيق أهداف أوسع، من بينها ترسيخ سردية الغرب “الاستعماري الجديد”، وضمان حلفاء داخل منظومة التصويت في الأمم المتحدة، ومراقبة التحركات العسكرية والدبلوماسية الفرنسية والأميركية في منطقة الساحل، وفتح أسواق جديدة لصناعاتها العسكرية، وغير ذلك.

المغرب والجزائر

يبدو الصراع المالي الحالي، في قراءة أولى، وكأنه مواجهة بين حكومة عسكرية ضعيفة مدعومة بحلفائها الروس، وبين نوعين من الخصوم المسلحين: الجماعات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” (GSIM/JNIM)، التي تمثل البنية العملياتية الرئيسية في الساحل، والحركات الانفصالية في الشمال، المجمَّعة ضمن “جبهة تحرير أزواد” (FLA)، وهي الامتداد المعاد تشكيله لحركات التمرد الطوارقية لعام 2012.

غير أن هذه القراءة، القائمة على توازنات القوة الفعلية، تبقى قاصرة من دون إدراج البعد الجيوسياسي الإقليمي، حيث يتقابل في الواقع مشروعان متنافسان للنفوذ: مشروع الجزائر، التي مارست طويلاً تأثيراً على الملف المالي عبر وساطاتها وشبكاتها، ومشروع المغرب، الذي بنى، بتدرج وصبر، حضوراً إفريقياً قائماً على التعاون الاقتصادي والديني والأمني.

وقد جاء التحول الدبلوماسي المالي في 10 نيسان 2026 — والمتمثل في سحب الاعتراف بـ“الجمهورية الصحراوية” المدعومة من الجزائر — ليكشف هذه المنافسة بشكل فجائي وعلى الملأ.

هجوم 25 نيسان

في هذا السياق، جاءت هجمات 25 نيسان 2026، اليوم الذي شنّت فيه جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد سلسلة من الهجمات المنسقة على باماكو وكاتي وموبتي وسيفاري وغاو وبوريم وكيدال، أي على كامل المحور الممتد من الشمال إلى الجنوب، من الصحراء الكبرى إلى العاصمة.

كانت تلك عملية هجومية ذات طابع منظومي، تجاوزت خطوط الجبهة التقليدية لتصل إلى عمق الجغرافيا السياسية الإقليمية، كاشفة في الوقت ذاته عن تصدعات حاولت الدبلوماسية إخفاءها. فقد استهدفت الهجمات، في آن واحد، قلب النظام السياسي في الجنوب وقواعده العسكرية في الشمال.

وتُعد سيفاري/موبتي، على سبيل المثال، المركز العصبي وعقدة الطرق الأساسية في البلاد، حيث يؤدي سقوطها إلى عزل الشمال عن الجنوب. أما غاو، عاصمة الشمال، فهي مركز عسكري رئيسي للجيش المالي وتضم جسراً استراتيجياً على نهر النيجر. وبوريم تمثل نقطة تقاطع بين غاو وتمبكتو. أما كيدال، الواقعة على بعد 1500 كيلومتر من باماكو، بالقرب من الحدود الجزائرية، فهي المعقل التاريخي للتمردات الطوارقية.

أما مجرد الوصول، ولو بشكل عابر، إلى باماكو، حيث تمكن مقاتلو الجماعة الجهادية من التسلل إلى ضواحيها واحتلال محيط مطار موديبّو كيتا الدولي، فيمثل رسالة سياسية غير مسبوقة.

وعليه، فإن خطورة الوضع الراهن غير مسبوقة منذ أحداث آذار 2012، عندما سيطر متمردون طوارق، سرعان ما أزاحهم حلفاؤهم الإسلاميون المرتبطون بالقاعدة، على كيدال وغاو وتمبكتو.

طبيعة الهجوم

بحسب الحكومة المالية، لم تكن الهجمات الجهادية تهدف فقط إلى بث الرعب، بل إلى كسر التماسك الوطني وإسقاط مؤسسات “المرحلة الانتقالية”.

وكان الحدث الأكثر رمزية بلا شك مقتل وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، إثر هجوم بسيارة مفخخة يقودها انتحاري داخل مقر إقامته في كاتي، على بعد خمسة عشر كيلومتراً فقط من العاصمة… وفي قلب أهم قاعدة عسكرية في البلاد.

بعد ذلك، سقطت كيدال بالكامل تحت سيطرة جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، بعد أن أبرمت القوات الروسية التابعة للفيلق الإفريقي (الوريث المؤسسي لمجموعة فاغنر المنتشرة في مالي منذ 2021) اتفاق انسحاب، وتم إجلاؤها إلى تيساليت، فيما وقع الجنود الماليون الذين بقوا في الموقع في الأسر.

وهذه النقطة الأخيرة تستحق التوقف عندها، نظراً لكونها، على الأرجح، الحدث الاستراتيجي الأثقل خلال تلك الأسبوع. ففي نوفمبر 2023، كانت السيطرة على المدينة قد قُدمت بوصفها الانتصار المؤسس لشرعية الطغمة العسكرية. وفي أقل من ثلاثين شهراً، تم محو هذا “الأسطورة التأسيسية”.

وأبعد من ذلك، تكشف خسارة كيدال عن هزيمة عملياتية للنموذج الأمني الذي تبنته السلطة المالية منذ 2021، والقائم على سيادة مسلحة مدعومة بشراكة مع الفيلق الإفريقي الروسي، بديلاً عن الأطر متعددة الأطراف التي جرى التخلي عنها. غير أن هذه الشراكة، التي بنت عليها باماكو جزءاً كبيراً من شرعيتها الداخلية ومكانتها الدولية، لم تصمد أمام هجوم منسق استهدف نقطة مفصلية في الشمال.

وقد جاءت حصيلة الهجوم كارثية: شلل الطرق المؤدية إلى باماكو، ووضع المدن المركزية التي تربط الشمال بالجنوب تحت السيطرة أو تحت النيران، وانتقال خط الجبهة من الشمال والوسط إلى أبواب العاصمة نفسها.

تشابك الفاعلين

يتضح، في أعقاب ذلك، أن التنسيق بين جبهة تحرير أزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين يتجاوز بكثير السياق العسكري البحت. فالفكرة التي طالما جرى الترويج لها، والقائلة بوجود تمرد أزوادي محصور في مطالب هوياتية منفصلة عن البنى الجهادية، تبدو اليوم وقد تزعزعت بشكل عميق. إذ بات من الصعب، في المرحلة الراهنة، الفصل بين هذه الملفات.

وفي الواقع، كانت المؤشرات على هذا التداخل تتراكم منذ سنوات، من دون أن تحظى بالاهتمام الكافي الذي تستحقه.

الرد المغربي

في هذا السياق، اتسم موقف المغرب بوضوح واتساق لافتين. فقد عبّرت وزارة الشؤون الخارجية، بقيادة ناصر بوريطة، في بيان رسمي، عن إدانتها الشديدة للهجمات الإرهابية التي شهدتها مالي، مؤكدة تضامنها الكامل مع السلطات والشعب المالي، ومقدمة تعازيها لأسر الضحايا.

كما ذكّرت بأن المغرب حذّر منذ فترة طويلة من خطورة الوضع في عدد من دول الساحل، وشدد على ضرورة تعزيز قدرات حكوماتها ومؤسساتها في مواجهة التهديدات الإرهابية والانفصالية.

ويندرج هذا الموقف ضمن نهج ثابت، بُني على مدى سنوات، يقوم على احترام سيادة الدول، والرفض القاطع للإرهاب، ودعم المؤسسات الوطنية في مواجهة التفكك. وهو نهج يكتسب قوة إضافية من كونه يتقاطع، في الوقت ذاته، مع المصالح الاستراتيجية الواقعية للرباط في منطقة توسع فيها نفوذها بشكل ملحوظ، بحيث إن تلاقي المبدأ مع المصلحة يمنحه، تحديداً، تلك الاستمرارية التي يعجز الحساب التكتيكي البحت عن إنتاجها.

وكان مصدر دبلوماسي مغربي قد أوضح، منذ 25 نيسان، أن الرباط تابعت بقلق بالغ الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت باماكو ومدناً أخرى، مشيراً إلى أنها طالت بشكل متعمد مناطق مدنية وعسكرية. وتعكس هذه السرعة في التفاعل مستوى التقارب الاستراتيجي الذي بلغته العلاقات بين الرباط وباماكو، والذي وصل إلى ذروة دبلوماسية بارزة قبل أسابيع قليلة فقط من وقوع الهجوم.

منعطف 10 نيسان

في 10 نيسان 2026، سحبت مالي رسمياً اعترافها بـ“الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية”، وهي الكيان الذي أعلنه “جبهة البوليساريو”، الحركة الانفصالية الصحراوية المدعومة من الجزائر منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي حظيت تاريخياً بدعم عدد من الدول الإفريقية بوصفها ورقة ضغط على الرباط. وكانت باماكو قد حافظت على هذا الموقف لعقود طويلة.

ويعكس هذا التحول الدبلوماسي رغبة السلطات الانتقالية في مالي في انتهاج سياسة خارجية مستقلة وبراغماتية، قائمة على تحالفات تمليها المصالح المتبادلة والمكاسب الملموسة. وقد كانت نتائجه فورية: إلغاء مرتقب لتأشيرة السفر الإلكترونية للمواطنين الماليين المتجهين إلى المغرب، إلى جانب مضاعفة عدد المنح الدراسية المخصصة للطلبة الماليين، لتصل إلى ثلاثمئة منحة سنوياً.

ويندرج هذا التقارب ضمن سياق دولي أوسع، مدعوم بقرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025 بأغلبية أحد عشر صوتاً، والذي مدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، مع تأكيد الدعم الكامل للمسار التفاوضي القائم على مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، فيما اختارت الجزائر، كما في العام السابق، عدم المشاركة في التصويت.

انعكاسات القرار على الجزائر

بالنسبة إلى الجزائر، لا يشكل التحول المالي في 10 نيسان مجرد انتكاسة دبلوماسية، بل يتجاوز ذلك بكثير. إذ أدت هذه الخطوة إلى زيادة عزلة كيان البوليساريو على الساحة الإفريقية، وإلى تكريس شراكة استراتيجية بين باماكو والرباط، ما حرم الجزائر من أحد أهم أدوات نفوذها التاريخية في منطقة الساحل.

وقد جاءت هجمات 25 نيسان بعد خمسة عشر يوماً فقط من هذا التحول، في بلد كانت الشروط الموضوعية لشن هجوم واسع من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد قائمة فيه بشكل مستقل عن الإيقاع الدبلوماسي. فقد كان تعطيل المحاور الطرقية في الشمال، الموثق منذ خريف 2025، يشكل بالفعل مقدمة للتصعيد.

صحيح أن ردّ كل الأسباب إلى التسلسل الدبلوماسي وحده يُعد تبسيطاً مفرطاً؛ غير أن التزامن الزمني يتيح استخلاص نتيجة أكثر توازناً، مفادها أن هجمات 25 نيسان قد جرى استغلالها، وربما التعجيل بها، في سياق كان لبعض الفاعلين الإقليميين فيه دوافع حديثة وقوية لإبراز هشاشة الخيار المالي.

حرب السرديات

لا تقتصر هذه الأزمة على ساحة المواجهة العسكرية، بل تمتد أيضاً إلى ساحة أخرى قد تكون أكثر حساسية على المدى الطويل. إذ تتقاطع عدة مؤشرات لتشير إلى وجود هجوم معلوماتي منسق، يهدف إلى استغلال الهجمات لتقويض صورة مالي وبث الشكوك حول خياراتها الاستراتيجية.

وقد تجلّى ذلك في نشاط مكثف على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنصات شبه الإعلامية، حيث جرى تداول محتويات غير موثقة، وشائعات عن هروب مسؤولين ماليين، وأرقام مبالغ فيها للخسائر، وسيناريوهات انهيار مؤسساتي جرى تعميمها على نطاق واسع… بهدف مزدوج يتمثل في إضعاف الثقة الداخلية، وتشويه صورة البلاد خارجياً.

ومن الضروري، في هذا السياق، التمييز بين الوقائع القابلة للتحقق والتفسيرات. فازدهار حملات التضليل في الساعات التي تلت الهجمات، عبر شبكات تداخلت فيها الأخبار الكاذبة مع المزايدات القومية والدعوات إلى العنف، هو أمر موثق، ويعود إلى ما قبل أحداث نيسان ضمن سياق أطول من التوترات الجزائرية المالية.

أما فرضية وجود تنسيق مركزي لهذه الحملات، فهي فرضية معقولة ومنسجمة مع أنماط معروفة في ساحات تنافس إقليمي أخرى، لكنها تظل بحاجة إلى أدلة إضافية لإثباتها بشكل قاطع.

غير أن منطق المصلحة لا يحتاج إلى إثبات: إذ إن زعزعة السردية المالية، في هذا التوقيت تحديداً، لا تخدم إلا الجهات التي لها مصلحة في إظهار فشل التحول الدبلوماسي في 10 نيسان.

أزواد ليست الصحراء

من بين المناورات الخطابية الأكثر دلالة في الأيام الأخيرة، تبرز محاولة إقامة معادلة بين قضية أزواد وقضية الصحراء المغربية. غير أن هذه المقارنة مصطنعة بالكامل، وتهدف إما إلى تقويض الموقف المغربي من خلال ربطه بعنف الساحل، أو إلى إضفاء شرعية دولية على المطالب الأزوادية، وهي شرعية نسفتها أحداث 25 نيسان بشكل واضح.

فالقضية الصحراوية تندرج ضمن مسار دولي يسعى إلى حل سياسي قائم على حكم ذاتي تحت السيادة المغربية، وهو مسار يحظى بدعم متزايد. صحيح أنه لا يخلو من اعتراضات قانونية، ولا تنفرد الجزائر بطرحها، لكنه يستند إلى أرضية أممية متينة، وإلى اعتراف غربي واسع، وإلى عملية دبلوماسية نشطة.

أما الوضع في شمال مالي، فينتمي إلى سياق مختلف تماماً، يتمثل في أزمة داخلية تتسم بالعنف المسلح، وبالتداخل مع البنى الجهادية، وبغياب أي مسار تفاوضي مماثل. وقد أظهرت هجمات 25 نيسان، بشكل لا لبس فيه، أن الانفصالية والإرهاب باتا، في هذا المسرح، جسداً عملياتياً واحداً.

صمت تحالف دول الساحل

ثمة عنصر آخر يستحق الإشارة إليه من دون مواربة. فقد التزم تحالف دول الساحل (AES)، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر منذ عام 2023، قدراً ملحوظاً من الصمت، ولم يقدم أي دعم صريح لباماكو في لحظة الهجمات.

وبحسب صحيفة Le Monde، فإن الإدانات الأكثر وضوحاً للهجوم الجهادي على الطغمة العسكرية جاءت من خصومها على المستوى الجيوسياسي، ولا سيما من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، التي دانت بشدة هجمات 25 نيسان، ودعت إلى توحيد الجهود الإقليمية في مواجهة الإرهاب.

وهكذا، فإن التضامن بين دول الساحل، الذي كثيراً ما جرى التلويح به كأساس أيديولوجي للتحالف، بدا، في اللحظة التي كان يُفترض أن يتجلى فيها، أقرب إلى خطاب منه إلى ممارسة فعلية. وهي مفارقة سيكون على الطغمة المالية، في رفضها البنيوي لإيكواس، أن تواجهها يوماً بالقدر من الوضوح الذي تفرضه عادة اللحظات القصوى.

ما تكشفه الأزمة

بعيداً عن الظرف الآني، تبدو الأزمة المالية أكثر من أي وقت مضى كاشفة لديناميات تنافس إقليمي، حيث تتداخل التحديات الأمنية مع الحروب المعلوماتية وصراعات النفوذ العميقة. كما تكشف حدود نموذج حكم استبدل الشراكات المستقرة بولاءات ظرفية، ليجد نفسه، في لحظة الاختبار، أكثر عزلة مما كان يتصور.

وفي هذا السياق، تجد دول مثل المغرب أو الإمارات العربية المتحدة، المنخرطة في أشكال من التعاون مع باماكو، نفسها في قلب حملات تستهدف تقويض صورتها أو التشكيك في دورها… وهو ما يكشف، على وجه التحديد، عن الأهمية الاستراتيجية لهذه الشراكات في نظر من يسعون إلى مواجهتها.

الدرس الذي تفرضه هذه الأيام يتعلق بطبيعة الخيار المطروح أمام دول الساحل: بين سيادة تستند إلى شراكات قائمة على الاحترام المتبادل، وعلى مكافحة صريحة للإرهاب، وعلى رؤية طويلة الأمد للتنمية الإقليمية، وبين ارتهان لمنطق التلاعب الخارجي الذي يستثمر في هشاشتها من دون أن يعالجها.

لقد اختارت باماكو طريقاً يمكن مناقشة تفاصيله وحدوده، غير أن تماسكه العام يصمد أمام الفحص… وهو خيار بدا مقلقاً بما يكفي لبعض الأطراف، إلى درجة أن تزامن الأحداث في هذه الحالة يفقد كثيراً من براءته.

فمالي ليست مجرد ساحة صراع، بل أيضاً مختبر جيوسياسي.

وما كشفه 25 نيسان هو الحد البنيوي لهذا النموذج.

أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، من دون أن يجد جواباً بعد، فهو التالي: إذا اهتزت الطغمة العسكرية على نحو دائم، فهل ستدافع موسكو عن حليفها… أم عن مناجمه؟

ذلك هو السؤال الأبدي، المؤلم، الذي يطرحه التاريخ، منذ فجر الأزمنة، على كل من يجد نفسه في آن واحد موضع أطماع وموضع هشاشة… حين تأخذه نشوة السلطة، فينسى شرطه الأول.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل