شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

محاولة إعلان ولادة قرار الدولة… أم رفع سقف بلا أدوات؟

قراءة تحليلية في خطاب رئيس الجمهورية

صورة للأخبار
(صورة الرئاسة اللبنانية/AFP)
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي
نُشر أبريل 18, 2026 - 14:15

في لحظة دقيقة أعقبت دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، أطلّ رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بخطاب يمكن اعتباره من أكثر الخطابات وضوحًا من حيث النبرة، والأعلى سقفًا من حيث الطموح السياسي. لم يكن خطاب تهدئة تقليدي، ولا بيان شكر بروتوكولي، بل أقرب إلى إعلان نوايا كبير: إعادة تعريف موقع لبنان، واستعادة “قرار الدولة”، والدخول في مسار تفاوضي يُفترض أنه مختلف عمّا سبق.

 

لكن بين قوة الخطاب وواقع التوازنات، تبرز الأسئلة الحقيقية: هل نحن أمام تحوّل فعلي؟ أم أمام خطاب يتقدّم على القدرة؟

 

أولًا: في بنية الخطاب – من الشكر إلى إعلان المسار

 

يبدأ الخطاب من نقطة جامعة: الشكر.

شكر الدول، وفي مقدمتها "الصديق دونالد ترامب"، والمملكة العربية السعودية، وسائر الجهات التي ساهمت في وقف إطلاق النار. هذا المدخل ليس تفصيلاً، بل يهدف إلى تثبيت مشهد دولي داعم، وإعطاء شرعية خارجية للمسار الذي سيُطرح لاحقًا.

 

لكن سريعًا، ينتقل الخطاب من الشكر إلى ما هو أهم:

إعلان الدخول في “مرحلة الاتفاقات الدائمة”.

 

هنا تحديدًا يبدأ البعد السياسي الحقيقي. فالرئيس لا يكتفي بوصف ما حصل، بل يحدّد ما سيأتي: مفاوضات، اتفاقات، ومسار طويل يتجاوز مجرد وقف النار.

 

ثانيًا: الرسالة الأساسية “استعدنا قرار لبنان”

 

العبارة المفتاحية في الخطاب هي:

“استعدنا لبنان وقرار لبنان، للمرة الأولى منذ نحو نصف قرن”.

 

هذه الجملة تختصر جوهر الخطاب، لكنها في الوقت نفسه تحمل أعلى درجات الإشكالية.

 

ماذا تعني عمليًا؟

 

* أن لبنان لم يكن يملك قراره سابقًا

* أن المرحلة الحالية تمثّل تحوّلًا نوعيًا

* أن الدولة باتت الجهة الوحيدة التي تقرّر وتفاوض

 

لكن هنا يظهر التحدي الأكبر:

هل هذا توصيف واقعي، أم إعلان هدف؟

 

لأن استعادة القرار السيادي في لبنان لا تتحقق بخطاب، بل بتغيير جذري في موازين القوى الداخلية، وتحديدًا في مسألة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني. وهذه مسألة لم تُحسم بعد، لا سياسيًا ولا عمليًا.

 

بالتالي، يمكن قراءة هذه العبارة كـ”إعلان نية” أكثر منها توصيفًا لواقع مكتمل.

 

ثالثًا: الدفاع عن خيار التفاوض وكسر المحرّم السياسي

 

من أبرز ما في الخطاب، الجرأة في طرح التفاوض كخيار مشروع، بل ضروري.

 

الرئيس لم يترك مجالًا للالتباس، فشدّد على أن:

 

* التفاوض ليس ضعفًا

* ليس تراجعًا

* ليس تنازلًا

 

هذه الفقرة تستهدف بشكل مباشر البيئة الرافضة لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، والتي لطالما ربطت التفاوض بفكرة الاستسلام.

 

ما الذي يحاول الرئيس فعله هنا؟

 

هو يقوم بعملية “إعادة تعريف”:

 

* تحويل التفاوض من تهمة إلى أداة سيادية

* ربطه بحماية الشعب، لا بالتفريط بالحقوق

* وضعه ضمن إطار الدولة، لا ضمن صفقات خارجية

 

لكن هذا الطرح، رغم وضوحه، يصطدم بواقع سياسي واجتماعي منقسم، حيث لا يزال جزء كبير من الداخل اللبناني يعتبر أن أي تفاوض يتجاوز خطوطًا حمراء.

 

رابعًا: الخطاب ضد “الحروب العبثية”  مواجهة غير مباشرة

 

في أكثر من مقطع، يهاجم الرئيس منطق الحروب المتكررة، مستخدمًا تعبيرات لافتة:

 

* “الموت العبثي المجاني الدوري”

* “أن نموت من أجل أي كان غير لبنان”

* “بين الانتحار والازدهار”

 

هذه ليست عبارات عادية، بل تحمل اتهامًا ضمنيًا لنهج قائم منذ سنوات، يقوم على ربط لبنان بصراعات إقليمية.

 

أهمية هذا الطرح

 

للمرة الأولى بهذا الوضوح، يتم وضع خيارين أمام اللبنانيين:

 

* إما الاستمرار في منطق الحروب

* أو الانتقال إلى منطق الدولة والحياة

 

لكن، مرة أخرى، المشكلة ليست في التشخيص، بل في القدرة على تغيير هذا الواقع.

 

خامسًا: السلاح والدولة – العبارة الأكثر حساسية

 

من أخطر وأهم ما ورد في الخطاب، التأكيد على:

 

“بسط سلطة الدولة على كامل أرضها بقواها الذاتية حصراً”

و

“قوى مسلحة واحدة تحمينا كلنا”

 

هذه العبارات، رغم أنها لم تُسمِّ جهة معينة، إلا أنها واضحة في دلالتها:

الحديث عن حصرية السلاح بيد الدولة.

 

لماذا هذا مهم؟

 

لأن هذه النقطة تحديدًا هي جوهر الأزمة اللبنانية:

 

* وجود سلاح خارج إطار الدولة

* ازدواجية القرار الأمني

* ارتباط هذا السلاح بحسابات إقليمية

 

الرئيس هنا يضع هذا الملف في صلب المرحلة المقبلة، لكن دون تقديم آلية واضحة لكيفية تحقيق ذلك.

 

وهنا يكمن التحدي:

الانتقال من شعار “حصرية السلاح” إلى خطة تنفيذية يتطلب توافقًا داخليًا غير متوفر حتى الآن.

 

سادسًا: البعد الشعبي خطاب تعبئة عقلانية

 

الخطاب لم يكن موجّهًا فقط للنخب السياسية، بل ركّز بشكل واضح على الرأي العام.

 

دعوة صريحة إلى:

 

* رفض التخوين

* عدم الانجرار وراء الشعارات

* تغليب العقل على الغريزة

 

هذا البعد يعكس إدراكًا بأن أي تغيير سياسي في لبنان يحتاج إلى غطاء شعبي، أو على الأقل إلى تخفيف الاحتقان الشعبي.

 

لكن في المقابل، المجتمع اللبناني منقسم بشدة، ما يجعل أي خطاب توحيدي عرضة للتأويل المتناقض.

 

سابعًا: البعد الدولي – تثبيت الشراكة

 

من خلال شكر الولايات المتحدة والسعودية، يحاول الرئيس تثبيت مظلة دولية للمسار الجديد.

 

هذا له هدفان:

 

1. طمأنة الخارج بأن لبنان يسير في اتجاه الاستقرار

2. تأمين دعم سياسي واقتصادي للمرحلة المقبلة

 

لكن هذا يطرح أيضًا سؤالًا:

هل هذا المسار مستقل فعليًا، أم مرتبط بشروط دولية؟

 

ثامنًا: بين الجرأة والمخاطرة

 

لا شك أن الخطاب يحمل جرأة سياسية واضحة:

 

* طرح التفاوض علنًا

* الحديث عن حصرية السلاح

* رفض الحروب بالوكالة

 

لكن هذه الجرأة تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة:

 

* رفع سقف التوقعات دون ضمان القدرة على التنفيذ

* فتح مواجهة سياسية داخلية غير معلنة

* وضع الدولة أمام اختبار صعب

 

تاسعًا: هل نحن أمام لحظة تأسيسية؟

 

الخطاب يقدّم نفسه كلحظة مفصلية:

 

* نهاية مرحلة “لبنان الساحة”

* بداية “لبنان الدولة”

 

لكن التاريخ اللبناني مليء بلحظات مشابهة لم تكتمل.

 

ما الذي يحدد النتيجة؟

 

1. الإرادة السياسية الفعلية

2. قدرة الدولة على فرض قراراتها

3. موقف القوى الداخلية الأساسية

4. الغطاء الدولي والإقليمي

 

إذا توافرت هذه العناصر، قد يكون الخطاب بداية تحول.

أما إذا غابت، فسيبقى في إطار الطموح.

 

في النهاية خطاب يؤسس لسؤال أكبر

 

خطاب الرئيس جوزاف عون ليس مجرد موقف سياسي، بل محاولة لإعادة طرح السؤال الأساسي في لبنان:

 

هل نريد دولة فعلًا؟

 

الرئيس قدّم إجابة واضحة: نعم، دولة واحدة، قرار واحد، سلاح واحد، ومسار تفاوضي يحمي البلد.

 

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في طرح هذا المشروع، بل في القدرة على فرضه في واقع معقّد، حيث تتداخل المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية.

 

بكلمات أخرى:

الخطاب رسم الاتجاه، لكنه لم يحسم الطريق.

 

وهنا، يصبح الحكم على هذا الخطاب مرتبطًا بما سيليه:

إما أن يكون بداية مسار سيادي فعلي،

أو أن يتحوّل إلى واحد من أقوى الخطابات… التي لم تغيّر شيئًا

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل