شعار Levant Time

تحليل

عندما تصبح قاعات التدريس ساحات قتال
بقلم
مكرم رباح
نُشر
أبريل 14, 2026 - 17:58

في لبنان، التعليم مُعَدٌ لتحرير العقول، لكن أذرع إيران حوّلته سلاحاً. اعتزّ لبنان طويلاً بشيء نادر في هذه المنطقة: الإيمان بأن التعليم ليس امتيازاً بل مساراً. بلدٌ لا يزال فيه الآباء، رغم الحروب والانهيارات المتتالية والتفسّخ السياسي، يجمعون ما تيسّر لهم ليُرسلوا أبناءهم إلى المدارس. بلدٌ أنتجت فصوله الدراسية تاريخياً أطباءً ومهندسين وكتّاباً ومفكّرين، لا شهداء في خدمة الحرس الثوري الإيراني. الأرقام تروي جزءاً من هذه القصة. يمتلك لبنان أحد أعلى معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في المنطقة، إذ يقترب من 98 بالمئة. وطوال سنوات، صنّفته المؤشرات الدولية في مقدمة الدول من حيث جودة التعليم. الرياضيات والعلوم ليست هنا ترفاً بل ضرورة، تُدرَّس في الغالب بالإنجليزية أو الفرنسية منذ السنوات الأولى. والتعليم هنا ليس مجرد تحصيل معرفة؛ إنه حراك اجتماعي وكرامة وطريق للخروج من أسر الطائفية والعنف والحدود الخانقة التي تفرضها الجغرافيا. غير أن هذه الفكرة نفسها باتت اليوم تحت الهجوم. التهديدات والأفعال الأخيرة للحرس الثوري الإيراني ضد المؤسسات الأمريكية في لبنان والمنطقة ليست مجرد حلقة إضافية في سلسلة تصعيد طويلة. إنها تكشف شيئاً أعمق وأشد خطورة: محاولة متعمّدة لإعادة تعريف ما يعنيه التعليم في بلدان كلبنان. لأن حزب الله، أكثر أذرع الحرس الثوري ترسّخاً في لبنان، لا يرى في التعليم أداةً للتحرر. بل يراه أداةً للسيطرة. حيث ترى العائلات اللبنانية في المدارس جسوراً نحو العالم، يرى فيها حزب الله مصانع ولاء. وحيث يأمل الآباء أن يتعلم أبناؤهم الجبر ليبنوا مستقبلاً، يرى الحزب في الهندسة وسيلةً لحساب المسارات. الفيزياء لم تعد لفهم العالم الطبيعي؛ صارت وسيلة لضبط مسار صاروخ أو ضمان ثبات طائرة مسيّرة. والكيمياء جُرّدت من فضولها وأُعيدت صياغتها أداةً للفتك. هذا ليس مجازاً. إنه عقيدة. المنظومة التعليمية لحزب الله — مدارسه وكشّافته وبرامجه الشبابية ومؤسساته الثقافية — تعمل منذ أمد بعيد كنظام موازٍ يحاكي الدولة في شكله لكنه يُقوّض غايتها في جوهره. الأطفال لا يتعلمون القراءة والكتابة فحسب؛ يتعلمون الطاعة والتبجيل، وفي النهاية القتال. خطاب المقاومة يتسلّل مبكّراً، مُلفّفاً برموز الشهادة والتضحية، حتى يغدو جزءاً لا ينفصل عن الهوية ذاتها. وفي هذا السياق، فإن استهداف المؤسسات الأمريكية مؤخراً، سواء على الصعيد الخطابي أو العملياتي، يندرج في منطق متسق تماماً. جامعات كالجامعة الأمريكية في بيروت ليست مجرد مبانٍ. إنها تجسّد فكرةً تتعارض رأساً مع ما يسعى حزب الله والحرس الثوري إلى فرضه. إنها تجسّد الشك في مواجهة العقيدة. التساؤل في مواجهة التلقين. مساحةٌ يستطيع فيها الطالب أن يُسائل السلطة بدل الاستسلام لها. ولهذا بالضبط تُعدّ تهديداً. ولعل أشد التداعيات دماراً ليس تسليح التعليم في حد ذاته، بل التدمير الصامت للبيئة التي جعلت التعليم اللبناني استثنائياً يوماً ما. لقد أخذ حزب الله، بالتواطؤ مع طبقة سياسية اختارت تطبيع نظامه الموازي والتكيّف معه وإضفاء الشرعية عليه في النهاية، يُفكّك تدريجياً التنوّع الذي كان يغذّي الحياة الفكرية في هذا البلد. لم يكن النموذج التعليمي اللبناني يوماً مسألة مناهج أو تصنيفات فحسب؛ كان مسألة تعدّدية. فصول دراسية تتقاطع فيها اللغات، وتتنازع فيها الروايات التاريخية، وتتعايش فيها الهويات دون أن تذوب بعضها في بعض. هذه البيئة الهشّة لكن الحيوية كانت محرّك إبداع أنتج أجيالاً قادرة على التفكير خارج أسوار الطائفة والأيديولوجيا والخوف. أمّا اليوم فهذه المساحة تتضيّق، لا بمرسوم رسمي بل تحت وطأة الضغط والترهيب والخنق البطيء للمعارضة. ما يُفقَد ليس الاستقلالية المؤسسية فحسب، بل الشرط الأساسي الذي جعل للتعلّم معنىً في لبنان: حرية أن تكون مختلفاً. وليس من قبيل الصدفة أن الأنظمة والميليشيات المبنية على الجمود الأيديولوجي تخشى الحرم الجامعي أكثر مما تخشى الجيوش. يمكن ردع الجيوش والتفاوض معها وحتى هزيمتها. أمّا الأفكار فإذا انطلقت يصعب احتواؤها. طالبٌ نشأ على التفكير النقدي يشكّل خطراً على أي مشروع سلطوي أشد بكثير من أي خصم خارجي. لبنان يقف اليوم عند مفترق هاتين الرؤيتين. من جهة، إيمانٌ هشٌ لكنه عنيدٌ بالتعليم وسيلةً للبقاء والتجاوز. ومن جهة أخرى، مسعىٌ منضبطٌ جيد التمويل لإفراغ هذا الإيمان من مضمونه واستبداله برؤية مُسلّحة للعالم لا تخدم فيها المعرفة إلّا ميدان القتال. المأساة ليست فقط في تعايش هذين النظامين. بل في أن أحدهما يتمدّد بلا هوادة على حساب الآخر. حين يتعلّم طفلٌ الرياضيات لحل المعادلات، يُعَدّ لبناء شيء ما: اقتصاداً أو مهنةً أو حياةً. وحين تُعاد توجيه هذه المعرفة نفسها نحو ضبط مدفع أو برمجة طائرة مسيّرة، تتحوّل إلى شيء آخر كلياً: سلاحٌ متنكّر في هيئة تعليم. وفي لبنان، يجري هذا التحوّل على مرأى من الجميع. الهجوم على المؤسسات التعليمية، سواء اتّخذ شكل التهديد أو الترهيب أو ما هو أشد، ليس عرضياً إذن. إنه استراتيجي. إنه محاولة لقطع لبنان عن إحدى ركائزه القليلة الباقية التي تربطه بالعالم وبنفسه. لأن لبنانَ الذي يواصل تعليمه بحرية لا يمكن السيطرة عليه كلياً. وهذا في النهاية هو ما يدور حوله الأمر. ليس الصواريخ. ولا الطائرات المسيّرة. ولا حتى الجيوسياسة بمعناها الأضيق. بل المعركة الأشد حسماً على الإطلاق: المعركة حول ما ستتعلّمه الأجيال اللبنانية القادمة، وما ستصير إليه.

الكارثة كصورة
بقلم
ريتا باروتا
نُشر
أبريل 13, 2026 - 14:00

مئات الصور يوميًا. الرمادي كلون أساسي، لربما بعض من البرتقالي، ودفتر تلوين ودمية. أحيانًا أخرى، تصل الصور ملطّخة بذكريات أناس، لا نعرفهم، ولا يعرفوننا، ولا حتى هم انفسهم، يتعرفون على تلك الذكريات. إنها ذكريات معلّقة، تمر سريعًا، ومضات على شاشات الهواتف. سريعة على شاشات التلفزة، وخط أحمر أسفلها، كُتب على عجالة، بأخطاء نحوية وإملائية، يذكر اسم المكان، من اجل الدقّة، أو تخرج على شكل مقاطع قصيرة، تضمن التدفّق الذي لا ينقطع. في هذا التدفّق، لا تعود الصورة حدثًا، بل تصبح جزءًا من نظام بصري مستمر، يُعيد تشكيل علاقتنا بالحرب، وبما نراه منها. ومع التحولات التقنية التي جعلت الالتقاط فوريًا، والنشر لحظيًا، والتداول بلا حدود، تبدّل موقع الصورة، وتبدّل معه موقع من ينظر إليها: فهي تتكون داخل الحدث، وتصلنا، في الآن نفسه. تنتشر والحدث لا يزال يحدث. ونحن، المتلقون العائمون في بحر من القصف البصري، نتساءل عن الألم، عمّا يصلنا منه، عمّا نسقطه، عمّا نخزّنه، وما الذي يفلت منّا. ولربما ايضا، عن جدوى النظر. ضمن هذا النظام البصري المتسارع، تتحول الكارثة إلى حضور دائم يترك أثرًا غير مكتمل في الذاكرة. هذا إن ترك أثرًا أصلًا. عمِلت بعد حرب تموز 2006، على مشروع أطروحة يضع المصور الصحافي كزاوية بحث أساسية: تساءلت عن موقعه، القرارات التي يتوجب عليه اتخاذها، والقرارات التي تسبق الصورة. وقد أجابني العديد ممن التقيتهم آنذاك، بأن الصورة لم تكن نتيجة لحظة عابرة، بل بناءً يتشكّل من زاوية وتوقيت واختيار. اخبرني أحدهم بأنه كان يشعر دومًا بمسؤولية كبيرة، كونه يحدّد كيف تُرى الحرب، ويقرّر ما يدخل في الإطار وما يُستبعد منه. الصورة، منذ عقدين من الزمن، كانت تُشاهَد وتُحفَظ، وكان لها زمنها الخاص. ووقعها. وصيرورتها وديمومتها. أما اليوم، فهي تتراكم إلى حدّ يصعب احتواؤها داخل سرد واحد. هذا التراكم لا يترسّخ كذاكرة، بل يخلق حالة من التشتت. في كتابها “فيما يتعلق بألم الآخري”، تتوقف سوزان سونتاغ عند علاقة الصورة بالألم وحدود ما يمكن أن تنقله. “الصور لا تشرح، بل تُقِرّ بوجود ما حدث”. فهي إذ تثبّت وقوع الحدث، لا تقدّم مفاتيح فهمه. ومع الوتيرة المتسارعة لبث الصورة، تفقد قدرتها على حمل معنى ثابت، فتتحول إلى عنصر ضمن تدفّق بصري. يرتبط التبلّد الذي تتحدث عنه سوزان سونتا بكثافة الصور وسرعة تداولها، كما بشروط النظر نفسها، وبالموقع الذي يُوضع فيه المتلقي داخل هذا النظام البصري. هنا تتعقّد مسألة المعنى. “الوعي بالمعاناة ليس أمرًا معطًى، بل هو أمر يُبنى”. ما نراه لا يكفي وحده لإدراك الكارثة، إذ إن المعنى يتشكّل ضمن سياق، ومن خلال موقع من ينظر ومن يتلقى. لتحذّر من افتراض وحدة التجربة في النظر: “لا ينبغي افتراض وجود “نحن” واحدة حين يكون الموضوع هو النظر إلى ألم الآخرين”. وقد كتب الكثير حول "صمت العالم" امام هول الابادة في غزة. كيف يصمت "الآخرون" امام الاطفال العراة؟ وها نحن أيضًا نكتب اليوم في لبنان، أشياء شبيهة، حول ردود أفعالنا تجاه بلدة أبيدت. هل نملك نفس العلاقة بالبلدة؟ هل نستعين بالاسقاط، لنستشعر بعضًا من تعاطف؟ هل يصل البعض منا إلى اللامبالاة كاستراتيجية دفاعية؟ النظر ليس تجربة مشتركة، لانه يتحدد بالمسافة وبإمكانية التعرّض وبالعلاقة مع الخطر. فالدراسات الحديثة حول صور العنف والتي بدأت بالسؤال عمّا تفعله هذه الصور بنا، باتت تسائل فعل النظر ذاته: كيف ننظر، ومتى، وتحت أي شروط؟ في لبنان، أخذ التحول البصري شكلًا مكثفًا خلال العقد الأخير. فالصورة خرجت من موقع التوثيق إلى موقع التجربة المباشرة. من يصوّر يصبح في كثير من الأحيان داخل الحدث نفسه. أصبح الهاتف امتدادًا للجسد: الاهتزاز، الصوت، والصدمة، كل تلك الأمور انتقلت لتستقر داخل إطار الصورة. في هذه اللحظة، لم يعد موقع النظر مستقرًا. فالمُشاهد يعيش داخل الصورة، ويراقبها في الوقت نفسه. فنحن، إن صحّ الحديث عن «نحن» واحدة، لم نعد من ينظر إلى الكارثة عن بعد، بل أصبحنا من يُنظر إليه. هذا التحول لا يتوقف عند حدود الحدث. فها هو يتكرّر مع كل أزمة، ومع كل تصعيد، ومع كل “كارثة جديدة”. لكن، منذ حرب غزة، مرورًا بالحربين الأخيرتين على لبنان (وما زلنا فيها)، ظهرت طبقة إضافية داخل هذا النظام البصري: فالصور لم تعد تقتصر على التوثيق، بل شملت صورًا مزيّفة، مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو منزوعة من سياقات أخرى. هذه الصور تنتشر بالسرعة نفسها، وتُنتج استجابات حقيقية رغم غياب الحدث الذي تدّعيه. بقدر ما يتعلق الأمر بخطأ في التمثيل، فهو ايضا يتعلّق بزعزعة موقع الصورة كدليل. وفي كثير من الحالات، لا يكون من الممكن الجزم بحقيقتها. “الصورة ليست بديلًا عن الواقع” تكتب سونتاغ. فهي انتقلت من الاشارة إلى حدث، الى التحرك داخله، واعادة تشكيل إدراكه، لتصبح جزءًا من تجربته. في هذا المشهد، ينزاح موقع النظر ويرتبط أكثر بالتعرّض المستمر، ويبتعد عن الفهم المتماسك. لتصبح الصورة حضورًا مستمرًا بلا لحظة تركيز. ... . تحتاج الذاكرة، لكي تتماسك، إلى حدود زمنية واضحة، إلى بداية ونهاية. وفي حالة التدفّق الذي نعيش داخله، فإن ما يبقى هو أثر عام، غير محدد. تكتب سونتاغ بأن “التعاطف شعور غير مستقر، يحتاج إلى أن يتحول إلى فعل، وإلا يذبل”. ضمن تدفّق الصور، يتبدد التعاطف مع الصورة التالية. فبعض الصور يظل عالقًا دون تفسير. والبعض يختفي رغم شدته. وعليه، ما يُحفظ لا يتبع منطق الأهمية، بل منطق القدرة على الاستمرار داخل هذا التدفق. في بعض الحالات، يتعامل العقل مع هذا الفيض عبر الإزاحة أو المحو الجزئي. في الحالتين، لا يترتبط السبب بغياب الأهمية، بل بسبب فائض التعرض. فالصورة لا تختفي، لكنها لا تترسّخ. من هنا، يبرز احتمال آخر: الامتناع عن النظر، كموقف. فبعض الصور، مع تكرارها، تتحول إلى استنزاف لمعناها، أو إلى إعادة إنتاج للعنف الذي تحمله. ومع ذلك، لا يقدّم هذا الامتناع مخرجًا واضحًا، إذ إن حجب الصور لا يلغي وجودها، ولا يوقف أثرها. ما ترانا فاعلين بهذا الكم الهائل من المباني التي تسقط؟ القطط التي تفقد عيونها؟ قرى وبلدات عرفناها ربما، لكنها تظهر وكأنها نتاج فيلم ابوكالبتيّ؟ يعتقد البعض بأن النظر، فعل طبقّي، أي أن من ينظر اليوم إلى الحرب، باستطاعته أن ينظر. هذا لأنه حي، وفي مأمن، لأن من سقط تحت الركام، صار الصورة. ويؤمن البعض الآخر، بأننا اصبحنا نعيش داخل صورة، تعاد صناعتها من دون تدخلنا. ليجيب آخرون بأن النظر أيضًا فعل سياسي، بمعنى أننا، أي الشهود الأحياء، نلعب دورًا حقيقيًا في صيرورة الكارثة، امتدادها وتوثيقها. ولكننا لا نوثق شيئًا. لا نشعر بالكثير، هذا لأننا “اعتدنا” النظر. لعل الكارثة الفعلية، هي تحديدًا بأننا، اعتدنا على المشهد.

المسألة الشيعية
بقلم
المركز اللبناني للبحوث والدراسات
نُشر
أبريل 13, 2026 - 13:35

هناك "مسألة شيعية" باتت مطروحة بقوة في الواقع العربي غير المعزول عن جواره الاقليمي وسياسات الدول الكبرى. ثمة من يعتبر أن "المسألة الشيعية" توشّر في بعض تجلياتها وملابساتها الى ضعف او اهتزاز ولاء الشيعة العرب لدولهم الوطنية، جراء تأثرهم بمركزية ايرانية تسعى الى مدّ نفوذها في المنطقة العربية مستغلة ثغرات ومُحدثة اخرى في ركائز تلك الدول. والمعنيين بهذا الاتهام من الشيعة يردون بجملة، ويزعمون ان حراكهم في بلدانهم إنما يأتي رفعاً للمظالم ومطالبة للانصاف السياسي الاجتماعي (العراق والخليج مثلا)، أو نهوضاً مع ابناء أوطانهم بواجب مكافحة العدوان الاسرائيلي (لبنان وفلسطين). تفاقمت "المسألة الشيعية" بعد حرب اميركا على ايران في آذار 2026، حتى وصلت الى حدود استفاقة الشياطين القديمة وإثارة اجواء من الطائفية والمذهبية ورفض الآخر كلياً. ويزيد هذا الرفض بسبب سلوك بعض الجماعات كـ"حزب الله" وتورطه بالقتل في لبنان وسوريا والعراق و.. ناهيك عن قصف واستهداف ايران للعواصم العربية في الخليج خلال الحرب الدائرة. لبنان له اليد العليا في المساهمة في معالجة الاعوجاج الذي بات معمماً على مساحة العالم العربي بسبب تنوعه. ويشكل هذا التنوع مساهمة لبنان في إغناء الحضارة الانسانية. وهي مساهمة ضرورية في هذه الحقبة من تاريخ البشرية التي تشهد مخاضاً عسيراً، ويُطرح سؤال من طبيعة وجودية: كيف يمكن ان نعيش معاً مختلفين ومتساوين؟ حيث أن هذا الخروج الازمة لا يقتصر على انتظار حرب ايران-اميركا، او المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية، او الاتكال على سياسة موازين القوى. ان معالجة "المسألة الشيعية" يحتاج الى أرضية ثقافية ترتكز على قبول الآخر كما هو. في بداية القرن العشرين كانت "المسألة المسيحية"، وبدل الانفصال عن الآخر اختار الموارنة لبنان الكبير القائم على العيش المشترك. في بداية القرن الواحد والعشرين، تطلّ "المسألة الشيعية" في لبنان، فما هو خيار نُخبها ومفكّريها وزعمائها؟

المفاوضات مع إسرائيل: بيروت تحرم إيران من الورقة اللبنانية

بينما كان بعض سكان بيروت يواصلون، يوم الجمعة 10 أبريل، تفقد المناطق التي تضررت بشدة يوم الأربعاء جراء الغارات الجوية الإسرائيلية، في إطار هجوم مفاجئ استهدف قياديين من حزب الله متمركزين في أحياء مختلفة من العاصمة، استمرت الغارات الجوية في الجنوب على عدة قرى في المنطقة الجنوبية من البلاد. أسفرت إحدى هذه الغارات عن مقتل 12 شخصًا (من ضباط أمن الدولة) في النبطية. ولكن في غياب تطورات عسكرية كبيرة، تركز الاهتمام حاليًا في الأوساط الدبلوماسية والسياسية المحلية على المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والمقرر عقدها مطلع الأسبوع المقبل في واشنطن. تفيد المعلومات المتوفرة يوم الجمعة أن اجتماعًا تمهيديًا سيعقد يوم الثلاثاء في مكتب وزير الخارجية، ماركو روبيو، بين السفيرة اللبنانية في واشنطن، ندى حمادة معوض، والسفير الإسرائيلي، يحيئيل ليتر. ومن المرجح أن يسمح هذا الاجتماع الثلاثي بتحديد الإطار العام أو الخطوط العريضة لجدول أعمال المحادثات اللبنانية الإسرائيلية في المجالات العسكرية والأمنية والسياسية والعلاقات الثنائية، في إطار منظور السلام بين البلدين. ومن المتوقع أن يشكل لبنان قريبًا لجانًا مخصصة ستكون مسؤولة عن إجراء المحادثات الثنائية مع المفاوضين الإسرائيليين في مختلف مجالات الاهتمام المشترك. تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن حزب الله أعلن رفضه لأي مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل. بعد ظهر يوم الجمعة، نظم بضع عشرات من أنصار الحزب الموالي لإيران في زقاق البلاط، في الحمرا وكذلك في وسط المدينة، لا سيما في منطقة السراي الكبير، تجمعات للتنديد بموقف الحكومة بشأن المحادثات مع إسرائيل، متناسين بوضوح أن حزب الله تفاوض، بشكل غير مباشر، مع إسرائيل في منتصف التسعينيات (مما أدى إلى اتفاقات أبريل)، ناهيك عن المحادثات التي أجراها الحزب الموالي لإيران مع إسرائيل في 2021-2022، عبر المبعوث الأمريكي عاموس هوكستين (وهو أيضًا ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي) بهدف ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل. إن أنصار حزب الله الذين نزلوا إلى الشوارع بعد ظهر يوم الجمعة هم بلا شك أصغر من أن يعرفوا، علاوة على ذلك، أنه خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، لجأ نظام الملالي الإيراني إلى... إسرائيل للتزود بالأسلحة والذخائر لمواجهة جيش صدام حسين، مما أثار في ذلك الوقت فضيحة إيرانغيت الشهيرة. ومن الجيد أيضًا التذكير بالمفاوضات (المباشرة) التي جرت بين لبنان وإسرائيل عام 1983، في أعقاب حرب 1982 («عملية سلام الجليل»). كان المفاوضون اللبنانيون والإسرائيليون يجتمعون آنذاك، وجهًا لوجه، بالتناوب في خلدة ومدينة نتانيا الإسرائيلية. رهان استراتيجي بعيدًا عن المزايدات الشعبوية التي يطلقها حزب الله، لا بد من الإشارة في السياق الحالي إلى أن رهان المفاوضات المباشرة مع إسرائيل يحمل للبنان طابعًا استراتيجيًا عاليًا. تم تحديد هذا الرهان بوضوح يوم الخميس، خلال مجلس الوزراء، من قبل الرئيس جوزيف عون الذي أكد بصراحة أن «لبنان وحده يفاوض لنفسه، ولا يمكن لأحد أن يفاوض باسم لبنان». الإشارة إلى الجمهورية الإسلامية واضحة، حيث يصر النظام الإيراني على إدراج لبنان في وقف إطلاق النار المبرم بين طهران وواشنطن. بعبارة واضحة، هذا يعني أن إيران ستكون قد منحت نفسها، في هذه الحالة، الحق في احتكار الورقة اللبنانية في محادثاتها مع إدارة ترامب. من خلال الانخراط في مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يعيد الرئيس عون وحكومة سلام التأكيد على تصميمهم على فصل ملف لبنان تمامًا عن المناورات الإيرانية، مما يعني انتزاع الورقة اللبنانية من أيدي الجمهورية الإسلامية. هذا الفصل حيوي للسلطة اللبنانية لضمان تسوية النزاعات مع الدولة العبرية. في منتصف التسعينيات، يذكر في هذا الصدد، كانت هناك مفاوضات مباشرة تجري في واشنطن بين لبنان وإسرائيل لكنها لم تسفر عن النتائج المرجوة لأن بيروت ربطت موافقتها على اتفاق مع تل أبيب بنجاح محادثات إسرائيل مع النظام السوري، الذي امتنع آنذاك عن التوقيع مع الحكومة الإسرائيلية، مما نسف الاتفاق اللبناني الإسرائيلي. تسعى حكومة سلام بذلك بوضوح إلى فصل ملف لبنان عن الملف الإيراني لتجنب تكرار السابقة المؤسفة للتزامن المزعزع للاستقرار بين المسارين اللبناني والسوري في ذلك الوقت. هذا الفصل أساسي اليوم للبنان لدرجة أن الحرس الثوري لا يبدو متحمسًا بشكل خاص لإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، كما يشير موقفهم بشأن مضيق هرمز. «من الآن فصاعدًا، نحن من سيقرر أي السفن سيسمح لها بعبور المضيق»، أكد الحرس الثوري يوم الجمعة. عبارة قصيرة قد تنسف، إذا تحققت بالفعل، محادثات إسلام أباد، التي كان من المفترض أن تبدأ يوم السبت.

لبنان والحرب: كلفة المواجهة وأسئلة الدولة المؤجّلة
بقلم
زياد عبد الصمد
نُشر
أبريل 8, 2026 - 18:45

منذ اندلاع التصعيد العسكري الأخير على الحدود الجنوبية، عاد لبنان إلى واجهة المشهد الإقليمي بوصفه ساحة مواجهة مفتوحة، ما أعاد طرح أسئلة قديمة تتعلق بدوره وحدود قراره وقدرته على تحمّل كلفة الانخراط في صراعات تتجاوز حدوده. وفي ظل هذا الواقع، يبرز تساؤل أساسي: كيف يمكن تقييم جدوى هذه المواجهة من منظور لبناني داخلي، في ضوء ما ترتّب عليها من نتائج ميدانية واقتصادية واجتماعية؟ المعطيات الميدانية تشير إلى كلفة مرتفعة. فقد شهدت مناطق واسعة من الجنوب أضرارًا كبيرة في البنية التحتية والممتلكات، وترافق ذلك مع موجات نزوح داخلي طالت مئات الآلاف من السكان، ما ألقى أعباء إضافية على مناطق الاستضافة وعلى الدولة التي تعاني أصلًا من أزمة اقتصادية ومالية عميقة. كما تأثرت قطاعات إنتاجية أساسية، لا سيما الزراعة والسياحة، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد اللبناني إلى أي فرصة للتعافي. في المقابل، تختلف القراءات حول ما تحقق ميدانيًا. فهناك من يرى أن الانخراط في المواجهة يندرج ضمن استراتيجية ردع أوسع، مرتبطة بتوازنات إقليمية، وأنه يهدف إلى فرض معادلات جديدة أو تثبيت معادلات قائمة. فيما يعتبر آخرون أن النتائج لم تؤدِّ إلى تغيير نوعي في ميزان القوى، وأن سقف المآلات السياسية لا يزال قريبًا من ترتيبات سابقة لوقف الأعمال العدائية، بما في ذلك العودة إلى مفاعيل تلك الترتيبات التي كانت قائمة قبل التصعيد الأخير، ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الكلفة والنتائج، لا سيما في ضوء كون هذا التصعيد قد جاء في سياق تفاعلات إقليمية أوسع وتقاطعات تتجاوز الإطار اللبناني الداخلي. هذا التباين في التقييم يعكس، إلى حد كبير، اختلافًا في تحديد موقع لبنان ضمن الصراع الإقليمي. فهل هو طرف مباشر يملك هامش قرار مستقل، أم أنه جزء من شبكة تحالفات أوسع تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية؟ الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية فقط، بل تنعكس مباشرة على كيفية فهم الحرب وتقدير جدواها. في الداخل، أعاد التصعيد إحياء النقاش حول دور الدولة وحدود سلطتها. فمسألة احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم تبقى من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية اللبنانية. يرى فريق أن حصر هذا القرار بمؤسسات الدولة يشكّل شرطًا أساسيًا لتعزيز السيادة وبناء استقرار طويل الأمد. في المقابل، يعتبر فريق آخر أن الواقع الأمني والتوازنات القائمة تفرض صيغًا مختلفة، وأن أي مقاربة لهذا الملف يجب أن تأخذ في الاعتبار المخاوف والهواجس المتبادلة بين المكونات اللبنانية. هذا الجدل ليس جديدًا، لكنه يكتسب بعدًا إضافيًا في ضوء التطورات الأخيرة. إذ تبيّن التجربة أن تعدد مراكز القرار يطرح تحديات على مستوى التنسيق الداخلي وعلى مستوى إدارة الأزمات، كما يؤثر على موقع لبنان في علاقاته الخارجية، سواء في ما يتعلق بالمسار الدبلوماسي أو بقدرته على الاستفادة من الدعم الدولي. يرتبط ذلك أيضًا بسؤال أوسع حول طبيعة النظام السياسي. فمنذ إقرار اتفاق الطائف، وُضعت أسس لإعادة بناء الدولة وتعزيز دور مؤسساتها، إلا أن التطبيق بقي متفاوتًا نتيجة تعقيدات داخلية وتوازنات سياسية متحركة، محلية وإقليمية. هذا التفاوت في التطبيق ساهم في إبقاء بعض القضايا الأساسية، ومنها السيادة والإصلاح المؤسسي، في دائرة النقاش المفتوح من دون حسم. إلى جانب البعد السيادي، تبرز مسألة ثقة المواطنين بالدولة. فالأزمات المتتالية، من الانهيار المالي إلى تداعيات الحرب، أضعفت هذه الثقة، وجعلت شرائح واسعة من اللبنانيين تعتمد على شبكات بديلة لتأمين احتياجاتها. وهذا الواقع ينعكس بدوره على إمكانية بناء عقد اجتماعي فعّال، يقوم على علاقة متبادلة بين الدولة والمواطنين، قائمة على الحقوق والواجبات. في هذا السياق، يمكن فهم ما يوصف أحيانًا بـ "الانتقائية" في التعامل مع القوانين أو في مقاربة القضايا العامة. فهذه الانتقائية قد تكون، جزئيًا، نتيجة لانعدام الثقة بالمؤسسات أو لشعور بعض الفئات بأن تطبيق القواعد لا يتم بشكل متساوٍ. لكنها، في الوقت نفسه، تساهم في إضعاف فكرة الدولة كمرجعية جامعة، ما يعقّد أي محاولة لإرساء قواعد مستقرة للحكم. على المستوى الإقليمي، لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن سياق أوسع يشمل تفاعلات بين قوى دولية وإقليمية. وقد أظهرت تجارب السنوات الماضية في المنطقة، في أكثر من ساحة/دولة، كيف يمكن أن تتحول الدول ذات الهشاشة الداخلية إلى مسارح لتقاطع هذه الصراعات. وفي هذا الإطار، يبدو لبنان معرّضًا بشكل خاص لتأثير هذه التوازنات، نظرًا لتركيبته الداخلية وتعقيد علاقاته الخارجية. في هذا السياق، يندرج أيضًا التطور الأخير المتمثل في الإعلان عن وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لمدة 15 يوما وبوساطة باكستانية، تمهيدًا لإطلاق مسار تفاوضي بين الطرفين بهدف التوصل إلى تسوية للأزمة بينهما. غير أن هذا المسار يثير جملة من التساؤلات بالنسبة إلى لبنان، إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كان هذا التفاهم يشمله بشكل مباشر أو غير مباشر. كما يطرح مسألة موقع لبنان في مثل هذه الترتيبات، في ظل غياب تمثيل رسمي له على طاولة المفاوضات، في حين يُفترض أن تكون الدولة اللبنانية الجهة المخوّلة حصراً التفاوض باسمه. ويعكس هذا الواقع إشكالية مستمرة تتصل بحدود السيادة الوطنية، حيث تُطرح قضايا تمسّ لبنان ضمن أطر تفاوضية خارجية من دون أن يكون للدولة الدور المركزي في تحديد موقعها وخياراتها. أمام هذا المشهد، لا تبدو الخيارات سهلة أو أحادية. فالمقاربة الواقعية تقتضي الاعتراف بتشابك العوامل الداخلية والخارجية، وبأن أي مسار للخروج من الأزمات يتطلب معالجة متوازنة لهذه العوامل، على قاعدة ترسيخ الدولة لا مهادنتها أو تقويضها. ويشمل ذلك، من جهة، تعزيز دور مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة الملفات السيادية والخدماتية، بما يضمن قيام دولة عادلة تحتكم إلى القانون وتكفل الحقوق بالتساوي، ومن جهة أخرى، العمل على تخفيف حدة الاستقطاب الداخلي وبناء حد أدنى من التوافق حول القضايا الأساسية، بما يعزز الشرعية الوطنية ولا ينتقص من دور الدولة أو سيادتها. في المحصلة، تطرح الحرب الأخيرة في لبنان أكثر مما تقدّم من أجوبة. فهي تكشف حجم الكلفة التي يمكن أن تترتب على الانخراط في صراعات مفتوحة، كما تعيد تسليط الضوء على أسئلة بنيوية تتعلق بالدولة والسيادة والعقد الاجتماعي. وبينما تختلف القراءات والتقديرات، يبقى التحدي الأساسي في كيفية تحويل هذه التجربة إلى فرصة لإعادة تقييم الخيارات، بدل أن تكون مجرد محطة إضافية في مسار أزمات متكررة.

هل نحن قريبون من نهاية الحرب في إيران؟
بقلم
جاك مشعلاني
نُشر
أبريل 7, 2026 - 18:49

بعد تسعة وثلاثين يوماً من بدء الحرب، لم يعد السؤال الذي يحوم فوق الشرق الأوسط هو ما إذا كان هذا الصراع سيغير إيران. لقد فعل ذلك بالفعل. السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نقترب من اللحظة التي ستنتقل فيها الحرب من مرحلتها التدميرية إلى مرحلتها السياسية — تلك اللحظة التي تبلغ فيها الصراعات ذروتها تاريخياً وتبدأ فيها أسس نظام ما بعد الحرب بالظهور. كل حرب تتبع مساراً وحشياً ولكنه يمكن التعرف عليه. أولاً تأتي الصدمة. ثم التصعيد. ثم الدمار. وأخيراً — عندما تصبح التكاليف البشرية والاقتصادية والسياسية غير محتملة — يبدأ البحث عن توازن جديد. بعد ما يقرب من ستة أسابيع من العمليات العسكرية المتواصلة، يبدو أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم تدخل هذه المرحلة بالتحديد. الإشارات أصبحت من الصعب تجاهلها. تكلفة الحرب حصيلة الصراع هائلة. في جميع أنحاء إيران، تضررت أو دمرت أجزاء كبيرة من البنية التحتية العسكرية. تعرضت منشآت استراتيجية وقواعد صواريخ ومراكز قيادة وعناصر من نظام الطاقة لضربات متعددة. كما تضررت البنى التحتية المدنية بشكل كبير. تعطلت شبكات الكهرباء ومراكز النقل والمجمعات الصناعية في عدة محافظات. التكلفة الاقتصادية تقدر بالفعل بعشرات المليارات من الدولارات، في بلد كان اقتصاده يعاني بالفعل من سنوات من العقوبات وأوجه القصور الهيكلية. التكلفة البشرية أكثر تدميراً. لقد قُتل آلاف الأشخاص. وأصيب العديد غيرهم. نزح عدد كبير من المدنيين داخل البلاد مع تصاعد العمليات العسكرية حول مناطق استراتيجية رئيسية. على الصعيد المالي، الضغط شديد بنفس القدر. انهارت العملة الإيرانية مجدداً، وتسارع التضخم، وأصبح الهيكل الميزاني الهش للبلاد يخضع لضغوط غير عادية. الحروب بهذا الشدة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، تبدأ الحسابات السياسية في التغير. المفاوضات السرية خلف الخطاب العام للمواجهة الشاملة، يبدو أن قنوات دبلوماسية أكثر سرية قد فتحت. وفقاً لدونالد ترامب وعدة مصادر إقليمية، فإن مباحثات قد جرت بين الولايات المتحدة وإيران. ولكن اللافت للنظر أن هذه المباحثات لا يبدو أنها تشمل الحرس الثوري الإيراني (IRGC). بل إنها تتعلق بضباط كبار في الجيش الإيراني النظامي — الأرتش — مع قيام الجيش الباكستاني على ما يبدو بدور الوسيط. إذا تأكد ذلك، فسيكون تطوراً استراتيجياً كبيراً. منذ عقود، تعتمد البنية العسكرية الإيرانية على نظام مزدوج. من جهة، يوجد الحرس الثوري، الجيش الأيديولوجي الذي تأسس بعد ثورة 1979 لحماية الجمهورية الإسلامية ومذهبها الثوري. ومن جهة أخرى، يوجد الجيش الوطني الإيراني التقليدي، الذي تسبق ثقافته المؤسسية الثورة، وكانت مهمته تاريخياً هي الدفاع عن الدولة الإيرانية بدلاً من تصدير نفوذ أيديولوجي. لطالما حدد التوازن بين هاتين المؤسستين البنية الداخلية للنظام الإيراني. لذلك، فإن ظهور مفاوضات تتجاوز الحرس الثوري قد يشير إلى شيء أعمق بكثير من مجرد دبلوماسية حرب. قد يشير ذلك إلى أن مستقبل إيران السياسي يُناقش الآن بشكل سري. مرحلة الإنذار الأخير غالباً ما تنتهي الحروب ليس بوقف إطلاق نار مفاجئ، بل بإنذار أخير. يخدم الإنذار الأخير هدفاً استراتيجياً محدداً. إنه يجبر اللاعبين الداخليين على الاختيار. إنه يعيد تعريف توازن القوى داخل المعسكر الخاسر. ويخلق الظروف اللازمة للانتقال السياسي. تشير الإشارات الواردة من القنوات الدبلوماسية إلى أن الصراع قد يدخل هذه المرحلة. الإنذار الأخير لا يوجه فقط للقادة الإيرانيين. إنه يستهدف هيكل السلطة في إيران. في جوهره، يطرح سؤالاً أساسياً: من سيسيطر على الدولة الإيرانية بعد انتهاء الحرب؟ الحرس الثوري — أم الجيش الوطني؟ الصراع الداخلي في إيران هذا الصراع الداخلي موجود منذ عقود، على الرغم من أنه نادراً ما كان مرئياً من الخارج. اكتسب الحرس الثوري نفوذاً كبيراً خلال الأربعين سنة الماضية. إنه يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني. ويهيمن على المؤسسات الأمنية الرئيسية. ويشرف على برامج الصواريخ في البلاد وشبكاتها الإقليمية من القوات الحليفة. لكن الجيش الإيراني النظامي يظل مؤسسة واسعة ومهنية، متجذرة بعمق في الدولة الإيرانية وتتمتع بتماسك داخلي قوي. غيرت الحرب حتماً التوازن بين هذه القوى. عندما تواجه الدول أزمات وجودية، تتطور الهياكل المؤسسية غالباً بسرعة. التاريخ يقدم العديد من السوابق. تخرج المؤسسات العسكرية أحياناً من أزمات الحرب كالقوى الوحيدة القادرة على استعادة النظام والاستقرار. لذلك، لم يعد احتمال ظهور سلطة انتقالية يقودها الجيش في إيران غير وارد. تحول ديني محتمل سيكون لمثل هذا التغيير أيضاً تداعيات أيديولوجية عميقة. منذ عام 1979، يعتمد النظام السياسي الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه، وهي وصاية الفقيه الإسلامي، التي أسسها آية الله الخميني وتتركز حول المؤسسة الدينية في قم. هذا النموذج يدمج السلطة الدينية والسلطة السياسية. ولكن داخل اللاهوت الشيعي نفسه توجد تقليد آخر. لقد طورت المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، بالعراق، تاريخياً مذهباً مختلفاً، يشدد على الفصل بين السلطة الدينية والحكم السياسي. لعقود، دافع علماء النجف عن دور سياسي أكثر محدودية لرجال الدين. وبالتالي، فإن إيران ما بعد الحرب التي يهيمن عليها الجيش قد تمثل ابتعاداً جذرياً عن النموذج الثوري الكهنوتي في قم لصالح حكم أقرب إلى تقليد النجف، حيث يحتفظ الدين بنفوذ لكنه لا يحكم الدولة مباشرة. مثل هذا التحول سيشكل أحد أعمق التغييرات السياسية في الشرق الأوسط منذ الثورة الإيرانية. ما بعد الحرب غالباً ما تبدو الحروب فوضوية أثناء وقوعها. لكن نهايتها تكشف عادة القوى السياسية العميقة التي تراكمت تحت السطح. بعد تسعة وثلاثين يوماً من بدء هذه الحرب، ربما بدأت ملامح هذه النهاية في الظهور. دمر الصراع البنى التحتية والاقتصاد الإيراني. يبدو أن قنوات دبلوماسية تفتح في الكواليس. لقد حانت مرحلة الإنذار الأخير. وفي إيران نفسها، قد يؤدي الإنذار الأخير — وعواقب عدم الامتثال له — إلى تحول في ميزان القوى بين الحرس الثوري والجيش الوطني. إذا استمرت هذه الديناميكيات في التطور بهذا الاتجاه، فقد لا تنتهي الحرب بمجرد وقف إطلاق نار. بل قد تنتهي بإعادة تشكيل الدولة الإيرانية نفسها. نادرًا ما يكون سقوط الأنظمة ناتجاً عن الضغط الخارجي وحده. غالباً ما يحدث ذلك عندما تبدأ الركائز الداخلية للسلطة في إعادة الاصطفاف. إذا تأكدت الإشارات الحالية، فقد تقترب إيران من مثل هذه اللحظة بالضبط. وعندما تصمت الأسلحة أخيراً، قد يكتشف الشرق الأوسط أن التحول الحقيقي بدأ للتو. شرق أوسط جديد حيث يتم سحب تدمير دولة إسرائيل من الدستور الإيراني، وحيث يتم فصل الدين عن إدارة الدولة، وحيث يتم توقيع اتفاقيات سلام بين إيران وجيرانها في الخليج، وحيث يتم تقديم ضمانات لحرية الملاحة في مضيق هرمز.

أي مصالح خلف الحرب بين ايران وأميركا؟
بقلم
منى فياض
نُشر
أبريل 5, 2026 - 12:28

من قاموا بدراسة الحروب، كبوتول او مارفن هاريس، لم يحصروها ببعدها الجيوسياسي المباشر، ولا يطرحون سؤال: "لماذا اندلعت؟" فقط، بل أيضاً: "ما الذي تفعله؟" و"من تخدم؟". ذلك ان المجتمعات، حين تعجز عن حل تناقضاتها الداخلية، تميل إلى تصديرها نحو الخارج، حيث تتحوّل الحرب إلى وسيلة لإعادة ترتيب الداخل عبر العنف الموجّه إلى الخارج. هذه المقاربة تتيح قراءة الحروب المعاصرة خارج اختزالها في بعدها العسكري أو الجيوسياسي المباشر. فالحرب الدائرة اليوم في المثلث الإيراني–الأميركي–الإسرائيلي لا يمكن فهمها فقط كصراع نفوذ أو ردع متبادل، بل كعملية مركّبة تؤدي وظائف متعددة: تثبيت شرعيات داخلية مأزومة، إعادة رسم توازنات إقليمية، وإنتاج سرديات تعبئة تعيد تعريف "العدو" و"الذات" في آن واحد. بالنسبة لبوتول، الحرب هي التي ولدت التاريخ، الذي بدأ مع تاريخ المعارك المسلحة؛ وهي الحدود التي تطبع جميع التحولات الكبرى. إنها صورة من صور الانتقال المعجل. في كتاب "مقدسات ومحركات وحروب" لمارفن هاريس، يحاول تفسير الظواهر الثقافية والدينية والحروب أيضاً، من زاوية مادية - اقتصادية - بيئية. وهو يساعدنا في فهم أهمية الموارد كعامل صراع، وإظهار أن الاقتصاد والدور الجيوستراتيجي هما الخلفية للصراعات الظاهرة. وهذا يساعدنا في فهم لماذا بعض الجماعات تبقى في صراع طويل رغم الخسائر (وظائف اجتماعية داخل البنية المادية). كما يربط البنية التحتية، الاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا، بالبنية الفوقية (الدين، الرموز، المعتقدات). لكنه لا يفسر دور الأيديولوجيا الدينية والسياسية (شيعية/سنّية، صهيونية، قومية.) ودور العواطف، الكراهية والذاكرة التاريخية، التي تأكدت في عدوان ايران على دول الخليج. إضافة الى التفاعلات الفورية، بين قادة الدول الذي يحصل حالياً. لذا يجدر النظر إلى الحرب الدائرة الآن كصراع متعدد الأهداف: هناك دور للموارد الاستراتيجية في دخول أميركا الحرب: تأمين نفوذ في الخليج، والسيطرة: على خطوط الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، تأكيد التفوق التكنولوجي؛ أما تكتيكاتها للحفاظ على الهيمنة: نجده في موازنة اميركا بين نفوذها والتهديدات الصاعدة. وهناك دور للبنى الاجتماعية داخل الدول: النخب السياسية والصناعية تستغل عدم الاستقرار لتحقيق مصالحها. البنى الاقتصادية والعسكرية أيضاً تستفيد من استمرار التوتر. يخدم الصراع ايضاً في حفظ التماسك الداخلي لبعض الأنظمة خصوصاً لنتنياهو. كما يتحول "التهديد الخارجي" إلى أداة ضبط اجتماعي، كما في إيران. وهنا يلعب العامل الرمزي والنفسي والسياسي المباشر، فالرموز والذاكرة والهويات، تلعب في الشرق الأوسط تحديداً دوراً مركزياً. فالحرب الحالية تتحرك أيضا بدوافع أيديولوجية ودينية وقومية لا تفسرها المادية الثقافية وحدها. إنه صراع على الهويات، وعلى السرديات الدينية والتاريخية، وصراع أمن وجودي، كما أنه صراع على الشرعية الداخلية. يكشف تفكيك الصراع بين الدول الثلاث المصلحة المادية خلف الخطاب الأيديولوجي، ومن يستفيد بنيوياً من استمرار الحرب؟ سنجد بالنسبة للجغرافيا والموارد، أن إيران قوة إقليمية ذات عمق جغرافي وموارد طاقة ضخمة. إسرائيل دولة صغيرة جغرافياً، تعتمد على التفوق التكنولوجي والعسكري، والدعم الأميركي، لضمان بقائها. المسرح الاستراتيجي للصراع هنا هو الخليج وممرات الطاقة والمياه الإقليمية. ميزان القوة بينهما، إسرائيل تخفي تفوقها النووي، مقابل مشروع نووي إيراني يسعى لردع استراتيجي، مع سباق صواريخ وطائرات مسيّرة وحروب سيبرانية. بالنسبة لأميركا، يتعلق الأمر بالبنية الاقتصادية العالمية: العقوبات على إيران تخلق اقتصاد مقاومة داخلي، بينما تستفيد الصناعات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية من بيئة التهديد في المنطقة، كما أن هذا التوتر المستمر يبرر تحالفات عسكرية وأمنية عالمية. الصراع إذن يتعدى "العداء العقائدي"، فهو أيضاً صراع على الهيمنة والردع وتوزيع القوة في بيئة غنية بالموارد الاستراتيجية. السؤال الآن كيف يخدم الصراع البنية الداخلية لكل طرف؟ في إيران عزّز "التهديد الإسرائيلي-الأمريكي" طويلاً، سردية الحصار، وبرّر القبضة الأمنية، وعزز مكانة الحرس الثوري كمؤسسة مركزية. في إسرائيل عزز التهديد الإيراني مركزية الأمن في السياسة، وقوّى التيارات التي ترى الخطر وجودياً، ووحّد المجتمع حالياً بشكل غير مسبوق، رغم الانقسامات الداخلية. سمح للولايات المتحدة، بالحفاظ على التوازن الإقليمي، ودعم الحلفاء، وإدارة النفوذ في مواجهة قوى صاعدة. هنا نرى ان الصراع يؤدي وظيفة اجتماعية داخلية: انتاج تماسك عبر الخوف المشترك. بالنسبة للبنية الرمزية(Superstructure) : اللغة، الدين، الهوية، ندخل دائرة الشعارات الكبرى: محو إسرائيل، والدفاع عن الوجود، ودعم محور المقاومة، والتهديد النووي. كل ذلك ليس مجرد خطابات، بل أدوات تعبئة. يضاف الى ذلك البعد الميتافيزيقي في الخطاب الإيراني، والصدمة التاريخية، التي انبعثت بشكل أقوى بعد حرب 7 أكتوبر، في الوعي الإسرائيلي، فاستغلت الذاكرة الجماعية والعامل النفسي الوجودي. هل الصراع بين إيران وإسرائيل صراع قابل للحل بنيوياً؟ أم أنه أصبح جزءاً من توازن وظيفي يخدم بقاء الأنظمة نفسها؟ ألا يحتاج نتنياهو حاجة ماسة لإبقاء الحروب مستمرة لمصلحته؟ وحاجة ترامب للتوازن الاستراتيجي لمنع الصين من التحالف مع إيران وزيادة نفوذ الصين ودعم طريق الحرير. وحاجة إيران للحفاظ على النظام ضد الشعب الثائر! لكن يبدو أن التوازن الوظيفي الذي تكلمنا عند بدأ يخرج عن السيطرة. فالأنظمة التي تعتقد أنها تدير التصعيد، عُرضة لحدث مفاجئ (اغتيال، خطأ حسابي، ضربة كبرى)، وها نحن في خضم حرب مكلفة للجميع، وبقاء النظام الإيراني على المحك.

الدولة والسلاح الغير شرعي في لبنان
بقلم
قاسم الصدّيق
نُشر
أبريل 2, 2026 - 15:54

لم يعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة في لبنان مجرد مسألة سيادية أو قانونية، بل أصبح اختبارًا فعليًا لقدرة الدولة نفسها على القيام بوظائفها الأساسية. فالإشكالية لم تعد في مبدأ احتكار الدولة للقوة، الذي يحظى بإجماع نظري واسع، بل في غياب القدرة والاستراتيجية الوطنية التي تجعل هذا الهدف قابلًا للتحقيق، في ظل غياب الروافع الداخلية، وتعقّد الارتباطات الإقليمية، إضافة إلى الهشاشة الاقتصادية والمؤسساتية غير المسبوقة. فغياب المسار، واستمرار سياسة المراوحة، وتأكل عامل الوقت، قد تتحول بحد ذاتها إلى أكبر تهديد لاستقرار لبنان ومستقبل دولته . لم يعد النقاش حول حصر السلاح بيد الدولة في لبنان مجرد نقاش سيادي تقليدي حول تطبيق الدستور أو تنفيذ القرار 1701، بل تحوّل إلى اختبار وجودي لقدرة الدولة نفسها على ممارسة وظائفها الأساسية. فالمعضلة اليوم لم تعد تتعلق بصوابية المبدأ، إذ يكاد يوجد إجماع نظري على أن احتكار الدولة للسلاح هو شرط قيامها، بل باتت تتعلق بالفجوة الهائلة بين القرار السياسي والقدرة الفعلية على تنفيذه من ضمن رؤية وطنية واستراتيجية مجتمعية جامعة. وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فالمسألة لم تعد مسألة إرادة سياسية فقط، بل أصبحت مسألة قدرة بنيوية. الدولة اللبنانية تعيش وضعا غير مسبوق من انعدام الروافع: لا تمتلك رافعة داخلية حاسمة ضد الحزب، ولا رافعة إقليمية داعمة، ولا رافعة دولية كافية تترجم تضامنًا سياسيًا أو أمنيًا أو اقتصاديًا فعالا. هذه الوضعية لا تعني فقط ضعفًا ظرفيًا، بل تعني أن قرار حصر السلاح، لهما كان صحيحًا من حيث المبدأ، بات معلقًا داخل مثلث من العجز: عجز عن فرضه، وعجز عن التفاوض حوله من موقع قوة، وعجز عن تحمّل كلفة فشله. استعادة سيادة الدولة خطورة هذا الواقع لا تكمن فقط في استمرار السلاح خارج إطار الدولة، بل في أن الهوة بين القرار والقدرة أصبحت بحد ذاتها عامل عدم استقرار. فالحكومة (وضمناً العهد) التي تعلن هدفًا سياديًا استراتيجيًا دون أن تمتلك الأدوات الواقعية لتحقيقه، تدخل منطقة خطرة حيث تصبح مصداقيتها نفسها على المحك باعتبارها لاعباً رديفاً وليس أصيلاً. وهنا تحديدًا يبدأ التحدي الحقيقي: ليس فقط في كيفية معالجة السلاح، بل في كيفية إعادة مواءمة الطموح السيادي مع القدرة الواقعية من جهة وضمان الاستقرار المجتمعي الداخلي من جهة أخرى. لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى السياق الذي تبلورت فيه مسألة حصر السلاح في مرحلتها الحالية. فقد جاء طرح الملف نتيجة مسار تراكمي طويل بدأ منذ اتفاق الطائف، لكنه بقي معلقًا لعقود بفعل التوازنات التي نشأت بعد الحرب الأهلية. الجديد اليوم هو أنه خرج من دائرة الخطاب السياسي ودخل دائرة القرارات التنفيذية، خصوصًا بعد حرب الاسناد 2024 وما رافقها من ترتيبات أمنية أكثر إلزاما وافق عليها وهندسها حزب اللّٰه من خلال حليفه رئيس حركة أمل ورئيس البرلمان اللبناني، باعتباره اللاعب الأصيل، وليس الدولة أو الحكومة اللبنانية، في صيغة إعلان وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 26-27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وما رافقها من إعادة طرح مسألة تطبيق القرار 1701. لكن الانتقال إلى التنفيذ كشف سريعًا حدود القدرة. فعلى الرغم من عدم قدرة الدولة على بلورة هذا الاتفاق أصلاً، فإنّ النجاح النسبي الذي تحقق في تعزيز حضور الدولة جنوب الليطاني لم يكن نتيجة حسم سياسي داخلي بقدر ما كان نتيجة ظروف ميدانية فرضته نتائج حرب السناد وضغوطها. أما الانتقال إلى بقية الأراضي اللبنانية، فقد كشف التعقيدات البنيوية للنظام اللبناني، حيث تتداخل اعتبارات السيادة مع اعتبارات الاستقرار، وتتقاطع الحسابات الداخلية مع الحسابات الإقليمية، مما جعل الدولة عرضةً لوصفها بعدم الجدّية في إتمام مندرجات الاتفاق. وعليه، بدا ملف حصر السلاح وكأنه دخل مرحلة يمكن وصفها ب"المراوحة أو التسويف الاستراتيجي" (على غرار المراوحات الأخرى في ملفات بنفس القدر من الحساسية والاهمية، ومنها: ملف الفجوة المالية، الملف المتعلق بجريمة انفجار مرفأ بيروت وغيرها): فلا الدولة قادرة على المضي قدمًا بشكل حاسم، ولا الحزب مستعد للتراجع، ولا المجتمع الدولي قادر على فرض تسوية، ولا البيئة الإقليمية تسمح بحل سريع ولا البنية الداخلية متوافقة على خيار. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة لم تعد تقنية أو أمنية، بل أصبحت تعبيرًا عن خلل أعمق في بنية التوازنات التي تحكم الدولة والمجتمع اللبناني برمّته. ضمن هذا السياق، لا يمكن تجاهل التحول الأهم الذي طرأ على البيئة السياسية اللبنانية، وهو التراجع التدريجي للشرعية الوطنية الواسعة التي كان يتمتع بها مفهوم المقاومة. فمرحلة ماقبل العام 2000 ليس كما بعدها، إذ بدأت الركائز الثلاث التي استندت اليها شرعية المقاومة تتعرض للاهتزاز والتآكل تدريجيًا: تحرير الأرض، ردع إسرائيل، والعمل ضمن إطار وطني جامع. فأولا، تركز موقع الحزب وازداد حضوره وارتباطه العضوي الريعي في "بيئته الاجتماعية" على حساب الدولة من خلال وافر الرعاية التي وفرها - بالأصالة والوكالة - بدلاً عن الدولة الريعية آنذاك. وتعزز ذلك باستئثار التمثيل الشعبي وفرض مُقايضات داخلية تؤمن استمراريته واستمرارية دوره العقائدي والاجتماعي والسياسي، ولو على حساب حليفه ولكن ضمن معادلة صيغت بميزان الذهب. وثانياً، لم يتحول السلاح إلى جزء من استراتيجية دفاع وطنية متفق عليها، بل بقي خارج إطار المؤسسات، كجزء من بنية عسكرية بامتداد إقليمي، لا مجرد فاعل لبناني. تقادم مفهوم "المقاومة" وثالثاً، أدى الانخراط في النزاعات الإقليمية، خصوصًا في سوريا، إلى نقل صورة السلاح من أداة مقاومة ودفاع (كما كان يُروّج لها) إلى أداة ضمن نفوذ إقليمي أوسع. ورابعاً، جاءت الانهيارات الاقتصادية والحروب المتكررة لتضيف عاملًا جديدًا يتمثل في الكلفة الاجتماعية الباهظة التي باتت تتحملها شرائح واسعة من اللبنانيين نتيجة خيارات لم تشارك في اتخاذها. إلا أنّ هذا التحول لم يؤد إلى سقوط كامل لشرعية "المقاومة"، لكنه أدى إلى تحولها من شرعية وطنية جامعة إلى شرعية جزئية مرتبطة ببيئة سياسية واجتماعية محددة. وهنا يظهر التحدي الحقيقي والسؤال الأكثر حساسية في النقاش اللبناني اليوم: إذا كان نموذج المقاومة فقد جزءًا من - أو كامل - شرعيته، فهل الدولة قادرة فعلًا على ملء هذا الدور؟ هذا السؤال يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية أدى طرحها المتكرر الى تسويف مضمونها، ولكنها تبقى حاضرة لا يمكن تجاهلها: المشكلة ليست فقط في السلاح، بل في غياب استراتيجية ومقومات دفاع وطنية بديلة تحظى بثقة اللبنانيين. فالدولة اللبنانية، رغم شرعيتها القانونية، لم تمتلك حتى الآن قدرات ردع تقليدية تسمح لها بمواجهة إعتداءات إسرائيل وخاصة أن البلدين مازالا في حالة هدنة وعُرضة لتعديات متكررة. وهذا ليس فقط سبب ضعف الموارد فقط، بل بسبب طبيعة العقيدة العسكرية التي تركز منذ الطائف على الاستقرار الداخلي أكثر من الردع الخارجي، وبسبب طبيعة الدعم الدولي الذي عزز دور الجيش كقوة استقرار لا كجيش مواجهة تقليدية. وهذا ما يجعل النقاش حول حصر السلاح ناقصًا إذا لم يُربط بمسألة بناء استراتيجية دفاع وطنية قابلة للتطبيق. في هذا السياق، يمكن فهم النقاش اللبناني الحالي عبر ثلاث مقاربات رئيسية. المقاربة الأولى هي (أ) المقاربة السيادية التي ترى أن المشكلة الأساسية هي ازدواجية السلطة، وأن الحل يبدأ بفرض احتكار الدولة للسلاح كما نصّ اتفاق الطائف وقرارات الشرعية الدولية. هذه المقاربة قوية من حيث المبدأ، وهي حاضرة في خطاب الرئاسة والحكومة اللبنانية، لكنها غالبًا ما تتجاهل ميزان القوى؛ (ب) المقاربة الثانية هي المقاربة الواقعية التي ترى أن أي حل يجب أن يمر عبر تدرّج وتفاهم وطني وبالتالي تسوية بأثمان سياسية (وهذا سبب تأخرها أو عدم وضعها على الطاولة)، وليس صدامًا مباشرًا، لأن البيئة اللبنانية الطائفية والهشاشة الاقتصادية والأمنية تجعل أي فرض قسري سريع محفوفًا بخطر المواجهة المسلحة والانفجار الداخلي. إلا أنها تبدو اسراتيجية مترنحة، فهى دائمة الحضور في النقاشات وغالباً ما تتحول إلى إدارة للأزمة بدل حلها. أما (ج) المقاربة الثالثة النقدية ترى أن توقيت طرح الملف مرتبط بالضغط الخارجي وتحديداً بتوازنات ما بعد الحرب والضغط الأميركي-الإسرائيلي أكثر من كونه نتاج توافق لبناني مكتمل، وهي تشكك في إمكان تنفيذه كاملًا بينما تواصل إسرائيل خروقاتها واحتلالها واستمرار ضرياتها من جهة، وتفرّد الحزب في قرار الحرب والسلم من ناحية أخرى، وتحذر من مخاطر فرضه دون شروط سياسية مناسبة. إلا أنها لا تُقدم حلاً بديلاً متكاملاً. في المحصلة، تعكس هذه المقاربات الثلاث اختلافًا اساسياً في تصور طبيعة الدولة المنشودة نفسها: هل لبنان دولة قادرة على استعادة احتكارها للسلاح ووظيفة الدفاع؟ أم نظام توازنات داخلية هشة يجب الحفاظ عليه أو تغييره داخليا من خلال الأدوات الدستورية؟ أم ساحة صراع إقليمي يجب تحييدها؟ غياب الإجابة الموحدة عن هذا السؤال، وربما عدم الثقة بالخيار الأول وفشل الخيار الثاني عقب ثورة 2019 وتعثر الطرح الثالث، هو ما جعل النقاش حول السلاح يتحول في كل مرة إلى نقاش حول طبيعة الدولة وكيفية هندستها أو استعادتها. إسناد دور سيادي للجيش هذا يقود إلى البعد الأكثر تعقيدًا، وهو البعد الإقليمي. فواقع الحال يظهر أن قرار السلاح في لبنان لم يكن يوماً قرارًا لبنانيًا صرفًا. فارتباط حزب اللّٰه بإيران، وارتباط ملف السلاح بترتيبات وقف النار مع إسرائيل، وتحول الملف عبر السنوات إلى جزء من التفاوض الأميركي-الإيراني، كلها عوامل جعلت هذا القرار يتجاوز الدولة اللبنانية (المفاوض الرديف الذي لا يملك خيوط اللعبة ويفتقد القدرة). هنا تظهر معضلة الدوران في حلقة مفرغة، إذ تصبح السيادة مسؤولية دون أدوات. فلبنان مطالب بتنفيذ قرار سيادي، بينما جزء كبير من شروط نجاحه يتحدد خارج حدوده. وما يزيد من حدّة التناقض حاليا هو الضغط الدولي على لبنان لاتخاذ خطوات داخلية، مقابل محدودية القدرة الدولية على فرض شروط الاستقرار الإقليمي اللازمة لنجاح هذه الخطوات. وهنا تجدر الاشارة الى انسداد الأفق الاقليمي أيضاً، إذ أن الرهان على فك الارتباط بين حزب اللّٰه وإيران وهما يتعرضان لضغوطات عسكرية وأمنية غير مسبوقة، غير مؤكد، بل لربما أصبح أبعد منالاً. ففي لحظات الحصار الوجودي، تميل الشبكات والأذرع الحليفة إلى التشبث بعضها ببعض بدل التفكك. إذ أنَ منطق "الضغط الأقصى" قد يفضي إلى نتيجتين متعاكستين: إما دفع الحزب إلى تراجع تكتيكي إذا شعر بأن بيئته الاستراتيجية تتهاوى، سعياً للحفاظ على ما تبقى من امتيازات وتجنّب تحميل بيئته أثمان داخلية أكبر، وإما أن يدفعه إلى مزيد من التصلب لأنه يرى في السلاح آخر ضمانة لبقائه السياسي والتنظيمي وبالتالي ضماناً لبيئته أيضاً، وورقة تفاض إضافية للوكيل الأصيل. وهنا يصبح السلاح أكثر من كونه مجرد أداة عسكرية، لاعتباره آلية نجاة سياسية ونفسية وتنظيمية. هذا يُضفي هشاشة على هشاشة المقاربة اللبنانية الرسمية، إذ تُطالب الدولة بخفض النفوذ الإقليمي للحزب في اللحظة ذاتها التي يشعر فيها الحزب بأن هذا النفوذ هو ما يحول دون إخضاعه الكامل. استعادة احتكار السلاح في صلب هذه المعضلة يقف واقع الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي يُطلب منها احتكار السلاح هي نفسها دولة تعاني من هشاشة مالية غير مسبوقة، وضعف مؤسساتي، وانقسام سياسي، وضغط اجتماعي ناتج عن النزوح، وقيود أمنية كبيرة. فالاقتصاد لم يتعاف بعد، المؤسسات لم تستعد ثقة المواطنين، والقدرة على إدارة الأزمات ما زالت محدودة. بالاضافة الى الضغط الاقتصادي والمالي والاجتماعي والأمني غير المسبوق، يتصاعد خطر التوتر وانعدام الثقة بين النازحين والمجتمعات المضيفة. فالنزوح الواسع من الجنوب، مع اقتراب الأعداد من 800 ألف وما فوق، لا يمثل مجرد أزمة إنسانية، بل ضغطًا مباشرًا على التوازنات المحلية، والخدمات، والإيجارات، والموارد البلدية، وشبكات التضامن الهشة أصلًا. إذ تشير التقارير إلى أنّ استمرار النزوح وتكراره، مع غياب الدعم الكافي، يفتح الباب سريعًا أمام التوتر وتسييس الاستضافة. وقد بدأنا نتلمّس كيف يمكن لهذا الاحتكاك أن يتحول، في بلد منقسم سياسيًا وطائفيًا، من ضغط اجتماعي إلى وقود لتوتّر أهلي كامن، خصوصًا عندما يُربط النازحون بخيارات عسكرية لم تقررها المجتمعات المضيفة. آثار الانقسامات السابقة أما الجيش اللبناني، الذي يُفترض أن يكون الأداة التنفيذية لهذا القرار، فيتصرف بحذر شديد. فالجيش اللبناني نجح نسبيًا في جنوب الليطاني، ضمن قواعد أرساها الحزب ومن خلفه راعيه الاقليمي رغم الخسائر المدوية التي منيا بها، وأعلن في كانون الثاني/يناير 2026 أنه أمسك بالمنطقة عملياتيا، لكن الانتقال إلى شمال الليطاني أثبت أنه يختلف جوهريًا لأنه يمس لبّ التوازنات الداخلية. هذا الحذر لا يعكس فقط محدودية القدرات العسكرية، بل يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي صدام داخلي واسع قد يهدد تماسك المؤسسة نفسها، مستحضرًا ذاكرة انقسامات سابقة خلال الحرب الأهلية. ولذلك، فإن ما يُفسر أحيانًا كسلبية هو في الواقع استراتيجية بقاء مؤسسي وتعبير عن إدراك أن أي خطوة غير محسوبة قد تضرب آخر مؤسسة وطنية ما زالت تحتفظ بقدر من التماسك. ويزداد هذا الحذر مع هشاشة الدولة المالية والقضائية والأمنية. فحتى لو افترضنا وجود قرار سياسي موحّد، فإن تنفيذه يتطلب أجهزة قادرة على الانتشار، والضبط، والتحقيق، والمصادرة، والتفكيك، والمراقبة، والحماية المجتمعية، إضافة إلى قدرة قضائية وإدارية يمكنها إدارة التداعيات. تعاني الدولة من هامش مناورة ضيق للغاية إلا أنّ واقع الحال يُشير إلى المؤسسات على اختلافها "مُنهكة"، نتيجة الانهيار المالي والاقتصادي منذ 2019 وتسعى جاهدةً للحفاظ على الحد الأدنى من الأداء عبر ترتيبات ترقيعية لتأمين دفع الرواتب والخدمات الأساسية ودعم خارجي غير كافٍ. إلى جانب ذلك، تُعاني الدولة، حكومة ورئاسة، من ضعف موقعها الإقليمي والدولي. فلا تملك أوراق ضغط، ولا تحالفات حاسمة، ولا ضمانات أمنية، باعتبارها الطرف الثالث الغير أصيل في الصراع وبالتالي في المفاوضات. فحتى عندما تُطالب الدولة بوقف كامل لإطلاق النار كمدخل لأي تفاوض، تُظهر محدودية تأثيرها وعجزها عن امتلاك ما يكفي من أوراق الضغط لجعل هذا الشرط مُلزمًا لأي طرف؛ فهي لا تستطيع ردع إسرائيل، ولا الضغط على حزب الله. وقد أظهرت المعطيات الأخيرة أن فرنسا نفسها اعتبرت أنه من غير المعقول مطالبة لبنان بنزع سلاح حزب اللّٰه بينما يتعرض للقصف من قبل إسرائيل، وللتسويف من قبل الحزب في آن. وهذا يعني ضمنًا أن بعض العواصم الغربية باتت تُقرّ بالفجوة بين التوقعات المفروضة على الدولة اللبنانية وبين واقع قدرتها الفعلية. لكن الاعتراف بهذه الفجوة لا يعني بالضرورة ترجمتها إلى حماية سياسية للبنان؛ بل قد يتحول إلى مجرد توصيف لعجز مؤكّد. وهكذا يجد لبنان نفسه أمام معادلة قاسية: مطالب باتخاذ قرارات سيادية كبيرة من دون وزن تفاوضي يسمح له بفرض إيقاعه أو أولوياته، ومن دون قدرة فعلية على لجم خيارات الحزب وإيقاعاته التي أصبحت أكثر التصاقاً بالمسار الاقليمي من أي وقت مضى. وفي جميع الأحوال، فإنه لا يمتلك الأدوات السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لتنفيذ هذه القرارات أو حصر تداعياتها. في المُحصلة، تعيش الدولة اللبنانية وضعًا غير مسبوق من انعدام الروافع - الداخلية منها والخارجية. فهي تواجه توحّشاً واحتلالاً مستمراً، وضغوطًا إقليمية متصاعدةً، وهامشًا دوليًا ضيقًا، وانهيارًا اقتصاديًا واجتماعيًا متواصلا، وهشاشةً أمنية متزايدةً. ولهذا، فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم قد لا يكون في السلاح نفسه، بل في استمرار الغياب شبه الكامل لرؤية واستراتيجية وطنية واقعية تحدد من أين يبدأ المسار، وما هي مراحله لوقف العدوان وتسليم السلاح، وما هي كلفة كل منهما، ومن يتحملها، وما هي الضمانات التي تمنع توسع العدوان أو انفجار السلاح وسقوط ما تبقى من دولة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاستمرار في سياسة المراوحة وتضييع الوقت وغياب المسار - التأجيل يصبح نفسه أخطر من القرار.

لبنان بين دوّامة العنف وإعادة تشكيل المجتمع
بقلم
منى فياض
نُشر
مارس 24, 2026 - 04:46

ما يجري في لبنان اليوم لم يعد يُفهم ضمن إطار حرب أو صراع تقليدي، بل ضمن ما وصفه رينيه جيرار بـ"دوّامة العنف"، حيث لا يعود العنف وسيلة، بل يصبح نظاماً قائماً بذاته، يُعيد إنتاج نفسه عبر الخطاب قبل الميدان. في هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب حزب الله، ولا تصريحات شخصيات مثل محمود القماطي، كتعابير ظرفية أو انفعالية. نحن أمام بنية خطابية متكاملة، تتجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل المجتمع بالقوة الرمزية والمادية معاً، حيث يصبح الخطاب ذاته أداة لإعادة تشكيل الواقع، لا مجرد انعكاس له. من هنا، تبرز خطورة الخطاب السياسي الذي يعتمد على التخوين والتهديد، ليس بوصفه انحرافاً ظرفياً، بل كجزء من بنية أعمق تسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم الدولة، والمجتمع، والشرعية. يقدّم رينيه جيرار إطاراً تحليلياً بالغ الأهمية لفهم ما يحدث، من خلال مفهومه عن "العنف المؤسس" و"آلية كبش الفداء". فالعنف، بحسب جيرار، لا يستمر إلا إذا أُعيدت شرعنته عبر خطاب أخلاقي يُضفي عليه طابع الضرورة أو القداسة. في الحالة اللبنانية، نلاحظ بوضوح: تحويل الحرب إلى واجب أخلاقي، وإعادة تعريف الخسارة كـ"تضحية"، واختزال المعارضة في مفهوم "الخيانة". بهذا المعنى، لا يُستخدم التخوين كأداة توصيف، بل كآلية إقصاء، تمهّد لعزل المختلف وتجريده من شرعيته. في نظريته عن كبش الفداء، يوضح جيرار أن المجتمعات في لحظات الأزمات تميل إلى تحويل التوتر الداخلي نحو ضحية بديلة تُحمَّل مسؤولية الفوضى. وما نشهده اليوم هو انتقال تدريجي من: عدو خارجي واضح، إلى عدو داخلي متعدد الأوجه يشمل: الإعلام والمعارضين وحتى المواطنين القلقين. هذا التحول ليس تفصيلاً، بل مؤشر على أزمة عميقة في بنية الشرعية، حيث يصبح الحفاظ على التماسك الداخلي مشروطاً بإنتاج "عدو داخلي". دوّامة العنف كآلية ذاتية من ناحيتها تقدم لويس في كتابها: "L’engrenage de la violence" إطاراً مكمّلاً، يوضح كيف يتحول العنف إلى منظومة مغلقة تعيد إنتاج نفسها: فالعنف يولّد الخوف، والخوف يولّد الصمت، والصمت يسمح بمزيد من العنف. في الحالة اللبنانية، تتجلى هذه الحلقة بوضوح: حرب مستمرة تستنزف المجتمع، خطاب يبررها ويمنع مساءلتها، ضغط اجتماعي وإعلامي لإسكات الأصوات المختلفة. النتيجة ليست فقط استمرار العنف، بل ترسيخه كقاعدة. التكيف على العنف يقرأ البعض تكيّف المجتمع مع هذا العنف بإيجابية، وهذا ما تعارضه كتابات بوريس سيرولنيك، من خلال تحليله لظاهرة "التكيّف مع الصدمة". فالمجتمعات التي تتعرض لصدمات متكررة قد تطوّر آليات دفاع تجعلها تتقبل ما كان يُعتبر سابقاً غير مقبول. في لبنان، يظهر هذا التكيّف في: تطبيع التهجير الجماعي لمئات الآلاف، تقبّل الدمار كأمر واقع، الصمت أمام خطاب التهديد الداخلي. هذا التكيّف لا يعني التعافي، بل على العكس، يشير إلى خلل عميق في إدراك الواقع، حيث يتم استيعاب الصدمة بدل معالجتها. يبقى التحول الأبرز في خطاب حزب الله الحالي، هو انتقاله من التعبير إلى الفرض. لم يعد الخطاب يسعى إلى الإقناع، بل إلى: فرض تعريف محدد للوطنية، واحتكار تحديد العدو، وترهيب المخالفين. ما يعني عملياً نشوء سلطة غير شرعية موازية: تملك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية (كالحرب)، لا تخضع للمساءلة المؤسساتية. لكن المفارقة الفجوة الهائلة بين السردية والواقع: ففي مقابل خطاب القوة والانتصار، يواجه لبنان واقعاً مغايراً تماماً: تهجير مئات آلاف المواطنين، تدمير واسع للبنية التحتية، تعميق الانهيار الاقتصادي، تآكل مؤسسات الدولة. هذه الفجوة بين السردية والواقع ليست مجرد تناقض، بل عنصر أساسي في استمرار الأزمة، إذ تمنع أي مراجعة جدية أو مساءلة حقيقية. يأخذنا هذا الى تفكك العقد الاجتماعي نفسه: في أي دولة، يشكل قرار الحرب أحد أهم مظاهر السيادة، ويخضع لمبدأ المساءلة. لكن في الحالة اللبنانية: يُتخذ القرار خارج الأطر الرسمية، تُفرض نتائجه على المجتمع، يُمنع النقاش حوله. هذا الواقع يؤدي إلى تفكك العقد الاجتماعي، حيث يفقد المواطن دوره كشريك في القرار، ويتحول إلى متلقٍ للنتائج. لبنان اليوم يقف أمام مفترق حاسم. المسألة لم تعد فقط في مواجهة خارجية، بل في طبيعة النظام الداخلي الذي يتشكل تحت ضغط الحرب والخطاب المصاحب لها. إذا استمرت دوّامة العنف، كما وصفها جيرار، دون كسر، فإنها لن تؤدي إلى استقرار، بل إلى مزيد من التصعيد والانفجار. وإذا استمر التكيّف مع الصدمة، كما يحذر سيرولنيك، فإن المجتمع سيفقد تدريجياً قدرته على التمييز بين الطبيعي وغير الطبيعي. إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الحرب، بل في تحوّلها إلى حالة دائمة، تُعيد تشكيل المجتمع على أساس الخوف، لا المواطنة. كسر هذه الحلقة يبدأ بإعادة طرح الأسئلة الأساسية: من يملك قرار الحرب؟ من يتحمل المسؤولية؟ وأين موقع المواطن في كل ذلك؟ من دون ذلك، لن يكون لبنان دولة، بل ساحة مفتوحة لصراعات تتجاوز قدرته على الاحتمال.

عندما يصبح رفض التفاوض جهلاً أو خيانة
بقلم
منى فياض
نُشر
مارس 18, 2026 - 16:26

في اللحظة التي يعيشها لبنان اليوم، لم يعد النقاش يدور حول تفاصيل تقنية من نوع: هل تكون المفاوضات مع إسرائيل مباشرة أم غير مباشرة؟ هل تسبقها هدنة أم تأتي بعدها؟ هذه أسئلة ثانوية أمام السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا نفاوض أصلاً، وماذا يعني أن ترفض دولة التفاوض؟ في أبسط تعريفاته، التفاوض في العلاقات الدولية ليس علامة ضعف ولا استسلاماً. التفاوض هو الأداة الطبيعية التي تستخدمها الدول لإدارة الصراعات عندما تصبح كلفة الحرب أعلى من قدرتها على الاحتمال. هكذا تعمل الدول العاقلة. فالحروب نفسها تنتهي دائماً بالتفاوض: بعد الدماء، بعد الدمار، بعد أن يكتشف المتحاربون أن القوة وحدها لا تحل المشاكل، ولا تصنع استقراراً دائماً. لهذا السبب تفاوضت دول خاضت حروباً طاحنة. تفاوضت الولايات المتحدة مع فيتنام بعد حرب طويلة، وتفاوضت مصر مع إسرائيل بعد حربين كبيرتين، وتفاوضت قوى أوروبية خاضت قروناً من الحروب قبل أن تبني نظاماً سياسياً جديداً في القارة. التفاوض ليس استثناءً في التاريخ السياسي، بل هو القاعدة. لهذا تحديداً يصبح رفض التفاوض، عندما تكون البلاد مدمرة ومئات آلاف المواطنين مهجّرين، موقفاً لا يمكن قبوله أخلاقا، ولا تفسيره بسهولة. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون رفض التفاوض موقفاً بطولياً، بل يتحول إلى أحد الأمور التالية: جهل بطبيعة العلاقات الدولية، أو تهرب من المسؤولية، أو استهتار بحياة الناس ومصير البلد، أو أن من يمنع التفاوض لا يملك القبول به دون موافقة مرجعيته، وهنا إيران، ويكون هو من يلعب دور حكومة فيشي، وليس حكومة لبنان على ما هدّد به القماطي، الذي هو نائب في البرلمان بالمناسبة. يعيش لبنان اليوم إحدى أخطر لحظاته منذ نهاية الحرب الأهلية. أكثر من ثمانمئة ألف لبناني نزحوا من بيوتهم في الجنوب ومناطق أخرى، ومن غير الواضح إمكانية عودتهم او توقيتها، قرى بأكملها تحولت إلى مناطق أشباح. الاقتصاد الذي كان بالكاد يتنفس قبل الحرب أصبح أقرب إلى الانهيار الكامل. ومع ذلك، ما زال النقاش في البلاد يدور وكأن المشكلة مجرد خلاف نظري حول شكل التفاوض. لكن الحقيقة البسيطة والمرة والقاسية: هي ان هذه الحرب لم تقررها الدولة اللبنانية، ولم يعلنها مجلس الوزراء، ولم يصادق عليها البرلمان، ولم يطلبها الشعب. الذي قرر فتح الجبهة هو حزب الله، الذي يتصرف منذ سنوات كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة وتهيمن عليها، وترتبط استراتيجياً بإيران وتندمج في صراعاتها الإقليمية. وهنا تكمن العقدة الأساسية. فالحرب بالنسبة للحزب ليست محاربة إسرائيل او الدفاع عن لبنان، بل جزء من معركة إيران الإقليمية. ولذلك يقول قادته إنها «معركة وجودية». لكنها في الواقع معركة وجودية بالنسبة للحزب نفسه ودوره الإقليمي، لا بالنسبة للشعب ولا للدولة اللبنانية التي تدفع ثمنها دماراً وتهجيراً وانهياراً اقتصادياً. في المقابل، تنظر إسرائيل إلى الحرب بمنطق مختلف تماماً. بالنسبة لها، ما يجري هو فرصة قد لا تتكرر لتصفية الخطر العسكري الذي يمثله حزب الله على حدودها الشمالية. لهذا ليس من الواقعي الاعتقاد أن إسرائيل ستوقف عملياتها بسهولة، أو أنها ستكتفي بوقف إطلاق نار مؤقت يعيد الأمور إلى ما كانت عليه. المنطق العسكري والسياسي في إسرائيل يقول إن هذه قد تكون الفرصة الأخيرة لتغيير المعادلة في لبنان. بين هذين المنطقين يقف لبنان الدولة شبه عاجز. دولة لم تقرر الحرب لكنها تدفع ثمنها، ودولة يُطلب منها التفاوض بينما قرار القتال ليس بيدها أصلاً. ولهذا يطرح رئيس الجمهورية فكرة التفاوض. ليس لأن التفاوض خيار مريح أو لأن الظروف مثالية، بل لأن استمرار الحرب يعني ببساطة دفع لبنان إلى الخراب التام. التفاوض في هذه الحالة ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية ما تبقى من المجتمع والدولة. غير أن المشكلة لا تكمن في فكرة التفاوض نفسها، بل في البيئة السياسية التي تحيط بها. ففي بلد لا تحتكر فيه الدولة السلاح ولا القرار العسكري، يصبح التفاوض مهمة شبه مستحيلة. كيف يمكن لدولة أن تفاوض على وقف الحرب بينما طرفاً داخلياً يستمر بالحرب، ويمتلك القدرة على إشعالها من جديد متى شاء، ووفق حسابات إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية المباشرة؟ هنا تحديداً يظهر الخطر الأكبر. فلبنان قد يجد نفسه في أسوأ السيناريوهات الممكنة: حرب طويلة لا يستطيع حسمها، وتسوية، ستكون مهينة، تُفرض عليه من الخارج بعد دمار أكبر بكثير. وهذا ليس احتمالاً نظرياً. تاريخ لبنان الحديث مليء بقبول اوضاع فُرضت عليه بعد أن عجز عن اتخاذ قراره بنفسه. إن النقاش الحقيقي الذي يجب أن يخوضه اللبنانيون اليوم ليس حول شكل المفاوضات، بل حول استعادة الدولة لقرار الحرب والسلم. فدولة لا تملك هذا القرار لا تستطيع حماية شعبها، ولا تستطيع حتى أن تفاوض باسمهم. في نهاية المطاف، لا توجد دولة في العالم تستطيع العيش إلى الأبد في حالة حرب مفتوحة، ولا يوجد مجتمع يستطيع تحمّل تهجير مئات آلاف من أبنائه بلا أفق للعودة. ولهذا فإن التفاوض ليس خياراً أخلاقياً أو أيديولوجياً، بل واجب سياسي وأخلاقي تجاه المواطنين. أما تحويل رفض التفاوض إلى شعار بطولي بينما يدفع الناس ثمن الحرب من حياتهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أولادهم، فليس بطولة. إنه في أفضل الأحوال وهم سياسي خطير، وفي أسوأ الأحوال استخفاف بمصير بلد كامل وخيانة للجمهور الذي اعتمد عليه لحمايته. السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان لم يعد: هل نفاوض أم لا؟ السؤال الحقيقي أصبح أبسط وأكثر إلحاحاً: ما هو مصير لبنان؟