شعار Levant Time
العودة إلى المقال
تحليل

فيكتور أوربان، عرّاب العداء لأوروبا وبطل الفساد

رئيس الوزراء المجري يفقد منصبه بعد 16 عامًا من الحكم

صورة للأخبار
لم يقطع أوربان علاقاته مع بوتين قط، حتى بعد غزو أوكرانيا وعزلة روسيا. (ألكسندر نيمينوف/وكالة فرانس برس)
صورة المؤلف
بقلم روجيه بركه
نُشر أبريل 16, 2026 - 16:23

بعدما أحكم قبضته على السلطة في المجر منذ عام 2010، خسر رئيس الوزراء فيكتور أوربان الانتخابات مؤخراً، مدفوعاً بسأم المجريين من الفساد ومن المساس بدولة القانون. وقد فرض الرجل البالغ من العمر 62 عاماً نفسه على الساحة الدولية عبر صداماته المتكررة مع بروكسل، وعلاقاته المعلنة مع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. كما أثار أوربان الصدمة بمهادنته لتيارات اليمين المتطرف والمجموعات الاستبدادية في أوروبا والعالم.

 

AFP-Tony Blair

فيكتور أوربان في ضيافة توني بلير في «10 داونينغ ستريت» في كانون الثاني 2002، أي قبل عام واحد من الغزو المشؤوم للعراق، والذي استند إلى ذرائع واهية. وبحسب فولتير: «السياسة هي فن الكذب في الوقت المناسب». (جيري بيني/ وكالة الصحافة الفرنسية)

في قمة حلف شمال الأطلسي بـواشنطن عام 1999، التبس الأمر على رجال الأمن فظنوا فيكتور أوربان – وكان حينها رئيساً شاباً لوزراء المجر التي انضمت حديثاً إلى الحلف – مترجماً فورياً. فما كان منه إلا أن ردّ على الشرطي قائلاً: «كلا يا سيدي، أنا رئيس وزراء المجر، ولكن يمكنني العمل كمترجم إذا أردت».

 

تجسد هذه المفارقة، التي كشفت عن غياب شهرته آنذاك، تلك المكانة الهامشية التي كانت تشغلها الديمقراطيات الناشئة في وسط أوروبا ضمن المنظومة الأورو-أطلسية في نهاية التسعينيات. فالمجر التي كانت قد خرجت لتوّها من الفلك السوفياتي، لم تكن تُصنّف بعد كلاعب سياسي محوري، فكيف الحال بـقائدها.

 

بطل «الديمقراطية غير الليبرالية»

 

تحوّل ذاك الرجل الذي التبس أمره على الأمن يوماً فظنوه مترجماً، إلى أحد أبرز وجوه «الديمقراطية غير الليبرالية». وهذا المفهوم الذي روّج له أوربان بنفسه، يجسد نظاماً تُمارس فيه السلطة عبر التفافٍ على الحريات الفردية ودولة القانون وفصل السلطات، مع الحفاظ على القشرة المؤسساتية للديمقراطية.

 

وعلى أرض الواقع، تبقى الانتخابات قائمة، غير أن الصحافة والمعارضة ترزحان تحت الضغوط، في حين تفقد العدالة استقلاليتها وتضعُف السلطات المضادة. وفي الحالة المجرية، يضاف إلى ذلك قومية متطرفة ومحافظة اجتماعية بائدة، ما يجعل التقاطع مع الشعبوية أمراً حتمياً وليس مجرد صدفة.

 

مع أن أوربان الشاب كان قد خبر بنفسه واقع الدكتاتورية الشيوعية حين كانت المجر تدور في الفلك السوفياتي. فهو قد برز كليبرالي عتيد حين شارك في تأسيس «تحالف الديمقراطيين الشباب»، الذي سيشكل لاحقاً العمود الفقري لحزب «فيدس»، وتحدى النظام عام 1989 بـخطاب ناري ناصر فيه الديمقراطية.

 

إلا أن التحول جاء تدريجياً؛ إذ تبنى أوربان خطاباً أكثر تسلطاً، مستهدفاً استقلالية القضاء والإعلام والمؤسسات. ومع عودته إلى السلطة عام 2010 في بلاد أنهكتها الأزمة الاقتصادية، شرع في إحكام قبضة حزبه بشكل منهجي على مفاصل الدولة والجامعات ووسائل الإعلام، وذلك تحت غطاء الدفاع عن «الأمة المجرية».

 

وقد أدى مساسه بالحريات، ولا سيما تلك المتعلقة بمجتمع «الميم»، إلى توترات حادة مع الاتحاد الأوروبي، الذي قرر بدوره تجميد مليارات اليورو من المساعدات المخصصة للمجر.

 

إن الدفاع عن القيم العائلية أو الريفية أو المسيحية ليس أمراً مذموماً في حد ذاته، لكن المذموم هو استخدام استراتيجية محكمة تقوم على استغلال المخاوف سبيلاً للوصول إلى السلطة، ونشر كراهية الأجانب، وتغذية العداء لأوروبا بذريعة الوطنية.

 

ما بعد الشيوعية

 

لقد خاضت أوروبا الشيوعية سابقاً مرحلة انتقالية مؤلمة، حيث واجهت مجتمعات الشرق صدمة حقيقية إبّان التحول نحو الديمقراطية الليبرالية. فبالرغم من قيود النظام القديم، إلا أنه كان يؤمّن شكلاً من الاستقرار و«منطقة راحة» لمواطنيه؛ فكان عليهم أن يتعلموا كيفية إدارة شؤونهم بأنفسهم، دون امتلاكهم لخبرة المجتمعات الغربية في هذا المجال.

 

ولا تزال الفوارق بين شطري القارة العجوز ملموسة حتى يومنا هذا، وكأن الجدار الذي اندثر لا يزال قائماً في حيز غير مرئي.

Voiture

أيلول 1989: مواطنون من ألمانيا الشرقية يعبرون الحدود المجرية في طريقهم إلى ألمانيا الغربية، على متن سياراتهم من طراز «ترابانت» التي باتت أسطورية، بوصفها رمزاً لتداعي الاقتصادات الشيوعية. (كريستوف سيمون/ وكالة الصحافة الفرنسية) 

ففي ألمانيا على سبيل المثال، لا يزال «الغربيون» يسخرون أحياناً من «الشرقيين»، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على توحيد البلاد. ولعل صورة سيارات «ترابانت» الشرقية، المصنوعة من ألياف القطن والراتنج، في مواجهة سيارات «بي إم دبليو» الغربية، خير تجسيد لهذا التباين.

 

هذا الشرخ لا يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا فحسب، بل يمتد ليشمل العقليات أيضاً؛ لذا، ليس من المستغرب أن تحقق أحزاب اليمين المتطرف اليوم نتائج أعلى في المناطق الشيوعية السابقة.

 

الانعطاف القومي

 

بعدما أحكم فيكتور أوربان قبضته على قاعدته المحافظة، اتكأ على شعور قومي متجذر في المجتمع المجري؛ وهو مجتمع يطغى عليه إحساس تاريخي بالعزلة وانعدام الأمان، لكونه يعيش ضمن أمة محاطة بثلاث مجموعات ثقافية كبرى: السلافية، واللاتينية، والجرمانية.

 

رد الفعل هذا ليس حكراً على المجر وحده؛ ففي بولندا وصربيا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، لا يزال التوجس من «الأجنبي» يشكل محركاً سياسياً قويّاً.

 

وفي هذا السياق، يقف أوربان في مواجهة مباشرة مع سياسات الهجرة الأوروبية، وقد ذهب إلى حد تشييد، عام 2015، سياج حدودي يمتد مئات الكيلومترات لمنع دخول المهاجرين.

 

وتقوم استراتيجيته على فكرة «تحديد عدو خارجي»؛ وهي منطق سمح له بالفوز بأغلبية ساحقة في انتخابات 2014 و2018 و2022، كما تؤكد المحللة السياسية والنائبة المجرية سوزانا سيليني.

 

العلاقات الخطرة مع روسيا

 

بعد الشيوعيين والمهاجرين، تصدرت أوكرانيا قائمة الاستهداف في حملته الأخيرة؛ إذ جرى تصويرها كطرف يسعى لجرّ المجر إلى أتون الحرب مع روسيا، لتتحول إلى «كبش فداء» في خطاب يمعن في الاستقطاب.

 

وقد استندت هذه الحملة بشكل خاص إلى التضليل الإعلامي واستخدام محتويات مولدة عبر الذكاء الاصطناعي؛ حيث عمدت الصحف المقربة من السلطة إلى نشر صور متلاعب بها، تولّت شبكات من الحسابات الوهمية تضخيمها ونشرها.

 

Poutine

أوربان لم يقطع يوماً روابطه مع بوتين، حتى بعد غزو أوكرانيا وعزل روسيا دولياً. (ألكسندر نيمينوف/ وكالة الصحافة الفرنسية)

وفي هذا السياق، يتحدث خبراء عن عمليات نفوذ روسية شملت مقاطع فيديو مفبركة (deepfake) ومحتويات قُدّمت للجمهور على أنها مقالات صحفية موثوقة.

 

وتُظهر ملصقات مُموَّلة من أموال عامة فولوديمير زيلينسكي في مظهر سلبي، وأحياناً إلى جانب شخصيات أوروبية، ضمن إخراج يهدف إلى الاستفزاز المتعمد.

 

ولم يتردد أوربان في التصريح خلال أحد التجمعات قائلاً: «علينا أن نختار من سيشكل الحكومة: أنا أو زيلينسكي!»

 

ورغم ما يشوب هذه الخطابة من مبالغات، إلا أنها تضرب على وتر خوف حقيقي: وهو الخشية من رؤية المجر تنجرف إلى صراع مسلح.

 

وتشير سوزانا سيليني، في تصريح نقلته وكالة «فرانس برس»، إلى أن «حزب فيدس يخاطب الحاجة العميقة للأمن الوجودي»، معتبرة أن رسالتهم مفادها: «حين ينهار العالم من حولكم، تمسكوا بما لديكم».

 

النزعة «الهُويّاتية» والروابط اللبنانية

 

على مدى السنوات الأخيرة، عمل فيكتور أوربان بشكل منهجي على بناء شبكة عابرة للحدود، تتمحور حول الهوية وسياسية للمسيحية، باعتبارها حاضنة حضارية وأداة نفوذ في آنٍ واحد.

 

وقد تُرجمت هذه الاستراتيجية من خلال تنظيم مؤتمرات ومنتديات عدة في بودابست، ضمت فاعلين محافظين ومسيحيين من أوروبا والشرق الأوسط، ضمن منطق صريح يسعى إلى التقارب الأيديولوجي. وفي هذا الإطار، شارك رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، منذ عام 2019، في مؤتمر حول «اضطهاد المسيحيين» في المجر، حيث حصل على دعم مالي لمشاريع كنسية.

 

وبالتوازي مع ذلك، وبالروحية نفسها، أطلقت بودابست صندوقاً لـ «إعادة إعمار الكنائس» في لبنان. وقد تعززت هذه النزعة عام 2025 مع انعقاد مؤتمر دولي في بودابست بعنوان «مستقبل لبنان من منظور مسيحي»، بتنظيم ودعم من الحكومة المجرية، وبمشاركة أحزاب مسيحية لبنانية عدة. وتندرج هذه المبادرة ضمن سياسة أوسع تنتهجها بودابست، تهدف إلى تقديم نفسها كـ«حامية لمسيحيي الشرق»، مع نسج تحالفات سياسية مع ممثليهم.

 

وفي هذا المخطط، تبرز الأحزاب المسيحية في الشرق الأوسط، ولا سيما التيار الوطني الحر، كشركاء ثانويين لكنهم ذوو قيمة رمزية كبيرة؛ إذ يتيحون لأوربان ترسيخ مشروعه القائم على «أوروبا القوميات المسيحية» ضمن أبعاد عالمية، جيوسياسية وحضارية في آن معاً.

 

باسم هذه الخطابة نفسها القائمة على «حماية مسيحيي الشرق»، تدخل فلاديمير بوتين في سوريا. علماً أن بودابست كانت قد اعتمدت، منذ منتصف العقد الماضي ومع اندلاع الحرب السورية، خطّاً متفرداً داخل الاتحاد الأوروبي برفضها القطيعة التامة مع دمشق.

 

فمن دون الاعتراف رسمياً بالنظام، حافظت الحكومة المجرية على قنوات اتصال مفتوحة، وعارضت أي سياسة تهدف إلى تغيير النظام في سوريا. ويندرج هذا الموقف ضمن رؤية جيوسياسية أوسع، يرى أوربان من خلالها أن سقوط الأسد سيفتح الطريق أمام القوى الإسلامية الراديكالية وموجات هجرة جديدة نحو أوروبا. ومن هذا المنظور، كفَّ الأسد عن كونه مجرد حاكم سلطوي يطرح إشكاليات، ليصبح في خطاب بودابست الضمني بمثابة سدّ منيع.

 

هذا التقارب غير المباشر تجسّد أيضاً من خلال السياسة المجرية المسمّاة «حماية المسيحيين»، والتي يقودها بشكل خاص برنامج (Hungary Helps). فقد موّل هذا البرنامج مشاريع إعادة إعمار في سوريا، غالباً في مناطق خاضعة لسيطرة النظام، مما أثار انتقادات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث رأى البعض في ذلك شكلاً من أشكال «التطبيع الزاحف» مع دمشق.

 

وهكذا، ومن دون أن يتبنى الأسد صراحةً، ساهم أوربان في إحداث شرخ في الإجماع الأوروبي القائم على العزلة، من خلال إدخال منطق بديل: منطق «البراغماتية الحضارية»، حيث تبرر نجاة المجتمعات المسيحية الحفاظ على علاقات، ولو غير مباشرة، مع السلطة القائمة.

 

العداء لأوروبا

 

على سبيل المفارقة، وبينما تستفيد المجر بشكل كبير من تمويل أوروبي، تبنت حكومة أوربان جحوداً مطلقاً تجاه الاتحاد الأوروبي.

 

فلسنوات، تعين على بروكسل التعايش مع قائد مقرب من موسكو وواشنطن، دأب على عرقلة المبادرات، لا سيما في ما يخص المساعدات الموجهة لأوكرانيا أو العقوبات المفروضة على روسيا.

 

وقد استخدم أوربان حق الفيتو بانتظام لكبح المبادرات الأوروبية، مساهماً بذلك في شلّ ملفات كبرى وحساسة.

 

والأخطر من ذلك، ما كشفته صحيفة «واشنطن بوست» حول تسريبات لمعلومات حساسة إلى روسيا؛ إذ تفيد هذه المعلومات بأن وزير الخارجية المجري كان يطلع موسكو، أولاً بأول، على المداولات الداخلية للاتحاد الأوروبي.

 

وأمام هذه الاتهامات، تتأرجح الردود الرسمية في بودابست بين التهوين من شأن المسألة وبين التحدي.

 

فسادٌ صارخ

لكنَّ الفساد كان، قبل كل شيء، السبب الذي عجّل بسقوط أوربان.

 

فبالرغم من الحملة الانتخابية التي صيغت بدقة، عاقب الناخبون نظاماً طغى عليه الثراء الفاحش للمقربين من رئيس الوزراء، وتدهور الخدمات العامة.

 

رسمياً، يصرّح أوربان بامتلاك ثروة متواضعة؛ ولكن في بلدٍ يُصنف ضمن الدول الأكثر فساداً في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا «الزهد» المعلن لم يعد قادراً على إقناع أحد.

 

ويندد المجريون بنظامٍ «شبه إقطاعي»، حيث يراكم المقربون من السلطة الثروات والنفوذ.

 

فقد شهد والده، وصهره، وحلفاؤه الاقتصاديون تضخماً هائلاً في ثرواتهم، غالباً بفضل صفقات عمومية ممولة من الاتحاد الأوروبي.

 

وبحسب منظمة «الشفافية الدولية» (Transparency International)، تختفي مليارات اليورو سنوياً بسبب ممارسات الفساد، في وقتٍ تواصل فيه بروكسل تجميد أموال ضخمة مخصصة للمجر.

 

ماذا عن البديل؟

 

AFP__20260315__szentgallay-tiszapar260315_npHbx__v1__MidRes__TiszaPartyHoldsAMajorRa

بيتر ماجيار، الفائز في الانتخابات البرلمانية، يرتدي السترة المجرية التقليدية، البوسكاي، في تجمع انتخابي في مارس الماضي. (بالينت زينتجالاي/نورفوتو عبر وكالة فرانس برس)

يرث الفائز في انتخابات الأحد، بيتر ماجيار، ورشة عمل هائلة: تفكيك البنية السياسية التي شيدها أوربان، وترميم المؤسسات، وإعادة وصل ما انقطع مع الاتحاد الأوروبي.

 

وباعتباره عضواً سابقاً في «النظام»، فإنه لا يزال يحتفظ ببعض المواقف الحازمة التي تبناها سلفه، لا سيما في ما يتعلق بالهجرة والقضايا المجتمعية، لكنه يعد بترسيخ دولة القانون ومحاربة الفساد.

 

وبالنسبة للكثير من الأوروبيين، فهو يجسد نموذج «أوربان بلا فساد وبلا عداء لأوروبا»؛ وهي معادلة يبقى اختبارهابرسم المستقبل.

 

بعيداً عن المجر، يبقى الرهان عالمياً؛ فقد تحول أوربان إلى مرجعٍ للكثير من الحركات القومية. لذا، فإن سقوطه يشكل انتكاسة رمزية لليمين المتطرف، دون أن يعني ذلك بالضرورة زواله.

 

ففي أوروبا الوسطى، كما هو الحال في الولايات المتحدة مع معسكر «MAGA» (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، أو في روسيا، لا تزال الديناميكيات التي حملت أوربان إلى السلطة نشطة.

 

ربما تُطوى الصفحة في بودابست، لكن هذا «النموذج» نفسه لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل