
إعادة تقييم الانهيار اللبناني الاجتماعي والسياسي

لطالما اعتمدت التحليلات التقليدية للشأن اللبناني على “النموذج الطائفي”، الذي ينظر إلى الدولة بوصفها توازناً هشاً بين الفصائل الدينية. غير أن هذه العدسة تعجز عن استيعاب التفسخ المنظومي الراهن الذي يتخطى الحدود الطائفية. ومن خلال تطبيق نموذج إميل دوركهايم في الأنومي، تذهب هذه الورقة إلى أن الأزمة اللبنانية لا تتسم بالاحتكاك الطائفي بقدر ما تتسم بحالة عميقة من “انعدام المعايير” وفوضى الحياة الاجتماعية. وفي هذا الإطار، لا تمثّل الطائفية السبب الجذري للانهيار، بل هي آلية بقاء متبقية تطفو على السطح في الفراغ الذي خلّفه عقد اجتماعي محطّم.
أولاً: تحديد المنظور — الأنومي الدوركهايمي
في كتابي تقسيم العمل في المجتمع (1893) والانتحار (1897)، عرّف إميل دوركهايم الأنومي بوصفه حالة من تفكك التنظيم الاجتماعي، حيث يعجز الضمير الجمعي عن توفير الإطار الأخلاقي الضروري لتقييد الرغبات والتطلعات الفردية. ينشأ الأنومي في مراحل التحولات المتسارعة والكارثية — الاقتصادية منها والاجتماعية — حين تتلاشى “قواعد اللعبة”. وفي مجتمع أنومي، تفقد المؤسسات التقليدية التي كانت تقوم بدور الوسيط بين الفرد والعالم — الدولة والقانون والاقتصاد — سلطتها، تاركةً الأفراد في حالة من “الاقتلاع” والإحباط المزمن.
ثانياً: الأنومي العام في لبنان — ما وراء الحجاب الطائفي
إذا كان النموذج الطائفي يوحي بأن المواطنين اللبنانيين تحركهم في المقام الأول الولاء لجماعتهم الدينية، فإن المعطيات تكشف عن واقع أعمق يتجاوز الانقسامات الطائفية: الانهيار التام للسلطة الأخلاقية للدولة.
١. تفكك التنظيم الاقتصادي: إن انهيار القطاع المصرفي وتبخّر الطبقة الوسطى ليسا حدثاً طائفياً؛ بل هما حدث أنومي. حين تتلاشى مدخرات العمر ويفقد النقد 98% من قيمته، ينقضّ العقد الاجتماعي القائم على معادلة “العمل مقابل المكافأة”. سواء في الأشرفية المسيحية أم في الضاحية الشيعية، تُفضي قناعة “الجدارة كذبة” إلى حالة مشتركة من انعدام المعايير.
٢. الفراغ المؤسسي: رأى دوركهايم أن المجتمع يحتاج إلى “هيئات وسيطة” لكي يعمل. في لبنان، كل هيئة وسيطة — من السلطة القضائية إلى المنظومة التعليمية — مشلولة. وقد أفرز ذلك “أنومياً جماعياً” لا يعرف فيه المواطنون بعد الآن أي قوانين يطبقون، وأي عملة يتعاملون بها، وكيف سيبدو "الطبيعي” في المستقبل.
٣. التضخم الديموغرافي للشباب بوصفه قوة أنومية: يمثّل “التضخم الشبابي” اللبناني الوجه الديموغرافي للأنومي. بالنسبة لشريحة 15–24 سنة على اختلاف طوائفها، سُدّت المسالك التقليدية لبلوغ مرحلة الرشد — التوظيف والزواج وتملّك السكن. ينتج عن ذلك ما أسماه دوركهايم “داء اللانهائي” — رغبات لا يتيح لها البنيان القائم أي إمكانية للإشباع، مما يفضي إما إلى اللامبالاة التامة (هجرة الكفاءات) أو إلى التطرف (البحث عن نظام جديد كثيراً ما يكون عنيفاً).
ثالثاً: لماذا يتفوق نموذج الأنومي على النموذج الطائفي
النموذج الطائفي عدسة ساكنة؛ يفترض أن المشكلة تكمن ببساطة في تكاثر الهويات. أما نموذج الأنومي فهو عدسة متحركة؛ يُدرك أن المشكلة تتمثل في غياب واقع مشترك.
العَرَض في مقابل السبب: الطائفية في لبنان عام 2026 هي «عَرَض» من أعراض الأنومي. لا يتحصّن الناس في ملاجئ طائفية لأنهم متعصبون في جوهرهم؛ بل يتحصنون لأن الطائفة هي “الهيئة الوسيطة” الوحيدة المتبقية التي تقدّم الحماية في فراغ أنومي. وبتركيز نظره على الطائفية، يعالج المحللون العَرَض متجاهلين السبب: تفكّك التنظيم الكلي للحياة اللبنانية.
عالمية الأزمة: يوحي المنظور الطائفي بأن الأزمة تؤثّر في الجماعات بصورة متفاوتة. أما منظور الأنومي فيُثبت أن الأزمة ذات طابع كوني. المهندس المسيحي في جبيل والعامل السني في طرابلس يعانيان معاً من الانهيار ذاته في منظومة التنظيم الاجتماعي. وكلاهما فقد ثقته في قدرة الدولة على توفير بيئة يمكن التنبّؤ بها.
القدرة التنبؤية: يُفسّر الأنومي سبب إخفاق “الإصلاحات السياسية” — كرئيس جديد أو حكومة جديدة — في تحقيق الاستقرار. إذا كان النسيج الاجتماعي أنومياً، فإن رأساً سياسياً جديداً يغدو عديم الأثر، لأن “المعايير” التي يُفترَض به أن يصونها لم تعد موجودة في وجدان المواطنين.
رابعاً: خاتمة — خارطة الطريق نحو التنظيم
لحل الأزمة اللبنانية، لا بد من السعي إلى إعادة تنظيم المجتمع عوضاً عن “موازنة” طوائفه. وهذا يقتضي تجاوز الهروب إلى الأمام الطائفي والتركيز على أسس عقد اجتماعي جديد. ولن يتحقق الاستقرار إلا حين يحل نظام أخلاقي واقتصادي جديد — نظام مُرتكز على حقائق عام 2026 الفعلية — محل فراغ الأنومي. وحتى ذلك الحين، يبقى لبنان مجتمعاً «منفلتاً» من حدوده ذاتها، حيث غياب الأرضية المشتركة ليس خياراً هوياتياً، بل هو نتيجة موت مؤسسي.