شعار Levant Time

تحليل

هل سيتم تسليم بشار من قبل روسيا؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مايو 30, 2026 - 12:57

لا شكّ أنّ تسليم فارٍّ إلى أعدائه أمر مشين! ففي بلادنا، يعود «واجب إيواء المستجير»، وهو التزام لا مفرّ منه، إلى الجاهلية أي إلى ما قبل الإسلام. ولم يكن يُعدّ من نبل الأخلاق أن يسلّم المستجار به شخصاً إلى مطارديه، إذ إن العار قد يلحق بسلالته بأسرها. لكن ماذا عن التسليم القضائي في عالمنا المعاصر؟ هل يصبح مقبولاً بحجة أن الاتفاقيات الدولية قد حددت شروطه وآلياته؟ لقد وجد بشار الأسد وزمرته، الذين يُعدّ أفرادها بالعشرات، ملاذاً لهم منذ ديسمبر 2024 في روسيا الاتحادية، كما في إيران والعراق ولبنان. فهل من فرصة لأن يمثل كل هؤلاء أمام العدالة، في دمشق أو في أي مكان آخر؟ هل طلبت سوريا من روسيا تسليم بشار؟ هذا السؤال، بصيغته المباشرة، ما فتئ يُطرح على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي دأب، بصفته دبلوماسياً متمرساً، على التهرب من الإجابة عنه. غير أن ردوده الملتبسة لم تمنع الرئيس السوري أحمد الشرع من أن يطلب من فلاديمير بوتين، خلال زيارته إلى موسكو في أكتوبر 2025، تسليمه «كل الذين ارتكبوا جرائم حرب» خلال النزاع الأهلي الأخير، وعلى رأسهم بطبيعة الحال الرئيس المخلوع وشقيقه ماهر. لكن عودة على بدء، واضطرت السلطات السورية إلى إعادة الطلب في مايو الماضي، متقدمة إلى موسكو بطلب تسليم هؤلاء المطلوبين، وذلك في إطار إجراءات العدالة الانتقالية التي انطلقت مسيرتها أواخر أبريل في دمشق، وفق ما تؤكده مصادر قضائية. التسليم أم المحاكمة لا يتمتع الرئيس المخلوع، بصفته رئيس دولة سابقاً، بأي حصانة من الملاحقة في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. وقد رأينا ما جرى لأوغستو بينوشيه الذي أُوقف في لندن في أكتوبر 1998. أما سلوبودان ميلوشيفيتش، فقد وُجهت إليه التهم في مايو 1990 ومثل أمام المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. بل إن المحكمة الجنائية الدولية باشرت إجراءات قضائية ضد زعيمين لا يزالان في السلطة، هما فلاديمير بوتين في مارس 2023 وبنيامين نتنياهو في نوفمبر 2024. لكن ما قيمة مذكرات التوقيف الدولية في بعض السياقات المحددة؟ لا شيء سوى حركات عبثية مثيرة للشفقة! وهكذا يبدو الملف السوري اليوم: فموسكو ترفض الانخراط في لعبة العدالة الدولية السليمة والمعتمدة بين أمم الأرض. والمبدأ القائل «إما التسليم أو المحاكمة» لا يبدو أنه ينطبق على روسيا اليوم! ففي الوقت الراهن، لا يبدو أن بشار أو ماهر الأسد معرضان لأي ملاحقة. وفي ظل قيادة فلاديمير بوتين، لن يُسلَّما إلى عدالة بلدهما، لا بل لن يُحاكما في روسيا أيضاً! لكن لنتصور بدلاً من ذلك أن هذين الفارين كانا موجودين في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. فغالب الظن أنهما كانا سيُحاكمان أمام محكمة في بلد اللجوء أو أمام محكمة خاصة تُنشأ لهذه الغاية. لكن لم يكن ليحدث أي تسليم أبداً! والسبب بسيط: فلا برلين ولا روما ولا باريس ولا أي عاصمة «متحضرة» أخرى كانت لتسلّم مستفيدين من حق اللجوء إلى دول قد يواجهون فيها عقوبة الإعدام. إذ من المعروف أن المشنقة هي ما ينتظر، في بلاد الشام، أولئك الذين شاركوا في مجازر الحرب الأهلية. بشار في موسكو… تقاعد مبكر يحق لسوريا أن تضع حداً لأكثر من خمسين عاماً من الإفلات من العقاب. ففي السادس والعشرين من أبريل الماضي، افتُتحت في عاصمة الأمويين «محاكمات دمشق» التي ستبت في أهوال الحرب الأهلية. غير أن الجلسة الأولى انعقدت، ولسبب معلوم، في غياب بشار وشقيقه، وهما الفاعلان الرئيسيان في المأساة. ذلك أن الرئيس السوري السابق فرّ وترك أعوانه وأزلامه لمصيرهم: وبالنتيجة سيدفعون الثمن عنه. فبعد أن هرب بشار بالأموال كأي مجرم عادي، سيقضي أياماً هانئة على ضفاف نهر موسكفا. وإلى جرائم الدم التي اقترفها، ستُضاف أيضاً جرائم الفساد والجبن!

لبنان, نعيم قاسم والدولة المعلّقة
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
مايو 28, 2026 - 19:50

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الملفات الأمنية في لبنان مع مسار المفاوضات الإقليمية والدولية، تبرز في المشهد الداخلي ثلاثة عناوين مترابطة: تهديدات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والجدل حول محاولة إعادة تموضع “الورقة اللبنانية” في التفاوض الإقليمي، ثم ملف النازحين وتجمعاتهم داخل العاصمة بيروت، خصوصاً في مناطق مكتظة مثل بشارة الخوري. هذه العناوين، رغم اختلافها الظاهري، تعكس في العمق سؤالاً واحداً: إلى أي مدى ما زال لبنان دولة قادرة على ضبط قرارها الداخلي وحدودها الأمنية والاجتماعية؟ تهديدات نعيم قاسم الأخيرة لم تكن مجرد خطاب سياسي داخلي، بل جاءت في سياق إقليمي متوتر يرتبط بمسار التفاوض حول مستقبل الجنوب اللبناني، وتطبيق القرار 1701، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بعد الحرب الأخيرة. في هذا الإطار، يمكن قراءة الخطاب كرسالة مزدوجة: داخلياً، تأكيد أن ملف السلاح والدور العسكري للحزب لا يزال خارج أي تسوية داخلية منفردة، وخارجياً، الإشارة إلى أن أي ترتيبات تخص لبنان لا يمكن فصلها عن إيران ودورها في المنطقة. هذا ما يعيد طرح فكرة أن “الورقة اللبنانية” يريد حزب الله إعادتها إلى ايران بالكامل وسحبها من يد الدولة اللبنانية. من هنا، يصبح لافتاً أن الرد السياسي المباشر لم يأتِ من الداخل اللبناني بشكل قوي، بينما برز موقف وزير الخارجية الأميركي باعتباره الأكثر وضوحاً. هذا التفاوت في الردود يعكس حقيقة دقيقة في النظام اللبناني: الدولة تتجنب التصعيد الداخلي المباشر في الملفات السيادية الحساسة، في حين تعتبر الولايات المتحدة أن أي تهديد للاستقرار أو للمسار الدبلوماسي هو مساس مباشر بمصالحها وبالدور الذي تلعبه في إدارة التوازنات الإقليمية. في المقابل، لا يمكن فصل هذا المناخ السياسي عن الواقع الاجتماعي والأمني داخل العاصمة اللبنانية. فبيروت نفسها تعيش تحت ضغط مزدوج: ضغط الانقسام السياسي الإقليمي، وضغط التدهور الاجتماعي والاقتصادي الداخلي. وفي هذا السياق، يبرز ملف تجمعات النازحين في مناطق مثل بشارة الخوري كأحد مظاهر هشاشة الدولة في إدارة المجال العام. التجمعات العشوائية على جوانب الطرق وفي الأحياء المكتظة لا يمكن التعامل معها فقط كقضية إنسانية أو فقط كقضية أمنية. فهي نتيجة مباشرة لغياب سياسة دولة واضحة لإدارة النزوح داخل المدن، وغياب قدرة بلدية وإدارية على تنظيم الفضاء الحضري في العاصمة. ومع الوقت، تتحول هذه التجمعات إلى بيئات ضغط اجتماعي: ازدحام، ضعف خدمات، احتكاك يومي مع السكان، وغياب رقابة تنظيمية فعالة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذه التجمعات بحد ذاتها، بل في البيئة العامة التي تحيط بها: دولة مأزومة، انقسام سياسي حاد، ضغط اقتصادي خانق، وتوتر إقليمي مفتوح. في مثل هذه الظروف، أي فراغ إداري أو اجتماعي يمكن أن يتحول إلى نقطة هشاشة قابلة للاستغلال أو الانفجار عند أول أزمة. هنا يصبح الربط بين المستويين السياسي والأمني والاجتماعي ضرورياً. فحين تتصاعد الرسائل السياسية من أطراف إقليمية وداخلية حول مستقبل القرار اللبناني، وفي الوقت نفسه تتراجع قدرة الدولة على ضبط تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة، يتشكل مشهد واحد عنوانه الأساسي: تآكل تدريجي لمفهوم الدولة المركزية. ومع ذلك، من غير الدقيق توصيف الوضع بأنه انهيار أو “قنبلة موقوتة” حتمية. فلبنان، رغم كل أزماته، لا يزال يمتلك هامش استقرار نسبي ناتج عن توازنات داخلية وإقليمية معقدة تمنع الانفجار الشامل. لكن هذا الاستقرار هش، وأي تداخل بين التصعيد السياسي من جهة، والتدهور الاجتماعي من جهة أخرى، يمكن أن يرفع منسوب المخاطر بشكل كبير. في الخلاصة، تهديدات نعيم قاسم تعكس استمرار الصراع على تعريف من يملك القرار في لبنان، فيما تكشف تجمعات النازحين في بيروت عن حدود قدرة الدولة على إدارة شؤونها اليومية. وبين هذين المستويين، يظهر لبنان كدولة تعمل ضمن مساحة ضيقة جداً بين السيادة المنقوصة والضغوط الداخلية المتراكمة، ما يجعل أي ملف صغير قابلاً لأن يتحول إلى عنوان أزمة أكبر إذا لم تتم معالجته ضمن رؤية شاملة للدولة لا للمحاور.

هل مشكلتنا تكمن حقاً مع عقيدة حزب الله؟
بقلم
منى فياض
نُشر
مايو 27, 2026 - 21:38

يشيع رأي في لبنان، أن مشكلة اللبنانيين مع عقيدة حزب الله واتباعه لولاية الفقيه التي ابتدعها الخميني. لكن السؤال هل المشكلة حقاً في العقيدة نفسها، سواء وافقنا عليها او رفضناها، أم في فرض هذه العقيدة وما يترتب عليها من ممارسات علينا جميعاً وعلى الدولة؟ ليس لدينا أي حق في الاعتراض على ما يؤمن به الآخرون، ولا على حقهم الكامل في اعتناق ما يشاؤون من أفكار وعقائد مهما كانت. إن من حق أي فرد أو جماعة اعتناق ما يشاؤون من أفكار، دينية أو سياسية. هذا يدخل ضمن حرية الضمير، وهي حرية تدخل في صلب الدستور اللبناني، وهي في جوهرها، ليست موضع نقاش ولا ينبغي أن تكون. لكل فرد أو جماعة أن ترى العالم كما تشاء، وأن تبني منظومتها الفكرية والروحية كما تقتنع، دون وصاية من أحد. لكن ما يصبح موضع اعتراض ورفض، بل وقلق عميق، هو في تلك اللحظة التي تتحول فيها العقيدة من خيار شخصي أو جماعي حر، إلى قوة تفرض قانونها على الآخرين، وإلى مشروع يسعى لجرّ مجتمع بأكمله إلى مسارات لم يخترها. والمشكلة تتفاقم عندما تتحول العقيدة إلى: سلطة فوق سلطة الدولة أو أداة لفرض خياراتها على مجتمع متنوع ومتعدد، هنا لا نعود في مجال "الاعتقاد"، بل في مجال الإكراه. إن الاعتراض إذن ليس على "بماذا تؤمن" بل على "كيف ولماذا تريد أن تُلزم الآخرين به"؟. فهنا، لا نعود أمام اختلاف في الرأي أو التنوع في المعتقد، بل أمام انتقال خطير من مساحة الحرية إلى مساحة التسلط والهيمنة. وإذا كنت أؤمن بأن لا شأن لي بما تؤمن به، لكن لي شأن كامل عندما يصبح هذا الإيمان سبباً لجرّي إلى حرب، أو لتغيير نمط حياتي، أو فرض واقع سياسي عليّ دون إرادتي. وهذا ليس من موقف العداء تجاه أي طائفة أو فكر، بل هو دفاع عن: التعددية وحق الاختلاف واحترام حدود السلطة. إذن ليست المشكلة في "بماذا نؤمن"، بل في "كيف نتعامل مع هذا الإيمان على أرض الواقع". فحين يصبح الاعتقاد مبرِراً لفرض قرارات مصيرية على مجتمع متعدد، أو لاحتكار السلاح واستخدامه للتهديد، ومن ثم لتحديد خيارات الحرب والسلم خارج إطار الدولة ومؤسساتها، فإننا نكون قد تجاوزنا حدود الحرية، ودخلنا في منطق الاستبداد والهيمنة. وظهر ذلك مؤخراً في إعلان البعض من مسؤولي الحزب وجماعته: "بأن سلاحهم باقٍ حتى ظهور المهدي"!! هنا يتخطى الأمر المنطق العاقل ليلامس الهذيان الجماعي. في مجتمع كلبنان، قائم بطبيعته على التعدد والتوازن الدقيق، إن أي محاولة لفرض نموذج واحد - أيديولوجي أو ديني - لا يمكن إلا أن تؤدي إلى اختلال عميق. ليس لأن هذا النموذج خاطئ بالضرورة في ذاته، بل لأنه يُفرض خارج التوافق، وخارج قواعد العيش المشترك. من هنا، يصبح من الضروري إعادة وضع الأمور في نصابها: الدفاع عن حرية الاعتقاد لا يعني القبول بفرضه على الآخرين. والتعددية لا تعني أن يتحول فريق إلى وصي على خيارات الجميع. إن ما نحتاجه اليوم ليس نقاشاً عقائدياً يُعمّق الانقسام، ويكون خارج الموضوع؛ نحتاج الى اتفاق واضح على حدود الممارسة: حيث تنتهي حرية الفرد أو الجماعة عندما تبدأ حرية الآخرين، وحيث لا يجوز لأي فكرة - مهما كانت - أن تتحول إلى سلطة فوق المجتمع والدولة. غير أن هذه الإشكالية لا يمكن فهمها بالكامل، إذا اكتفينا بمستوى السلوك أو القرار السياسي الظاهر من قبل جماعة حزب الله. هنا تبرز أهمية المقاربة التي قدمها وضاح شرارة، الذي لم ينظر إلى الظاهرة بوصفها مجرد ممارسات، بل كبنية متكاملة تُنتج نمطاً خاصاً من الالتزام والانضباط والولاء. في دولة حزب الله، يظهر الحزب كفضاء يتجاوز التنظيم السياسي إلى "مجتمع داخل المجتمع"، له منطقه الخاص في تعريف الشرعية، والانتماء، والواجب. من هذا المنظار، يصبح انخراط الأفراد المنتمين الى منظومة حزب الله، أو امتثالهم لا يعود مجرد خيار فردي بسيط، بل يصبح جزءاً من عقل جمعي يُعيد تشكيل إدراكهم للعالم ولموقعهم فيه. هذا العقل الجمعي لا يقوم فقط على القناعة، بل على منظومة رمزية ومعنوية عميقة: الشهادة، التضحية، القداسة، والانتماء إلى قضية تتجاوز الحدود الوطنية. وهنا تحديداً تكمن صعوبة النقاش، لأننا لا نكون أمام قرار سياسي قابل للأخذ والرد فقط، بل أمام بنية ذهنية وأخلاقية متماسكة. لكن حتى مع فهم هذه البنية، يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل يبرر هذا التماسك الداخلي تحويله إلى قوة تُفرض على الخارج؟ وهل يمكن لعقل جمعي - مهما كان متماسكاً أو مؤمناً بذاته - أن يختزل مجتمعاً متنوعاً ويفرض عليه مساره؟ إن التحدي الحقيقي، إذًا، ليس في تفكيك المعتقد بحد ذاته، ولا في الدخول في سجال عقائدي قد يكون عقيماً، بل في رسم الحد الفاصل بين المجال الذي يحق فيه لهذا العقل الجمعي أن يعيش ويعبّر عن نفسه بحرية، والمجال الذي لا يحق له تجاوزه عندما يتعلق الأمر بمصير مجتمع بأكمله. ` بهذا المعنى، يصبح النقاش الأكثر دقة: ليس صراعاً بين معتقدات، بل صراعاً على حدود السلطة، وعلى من يملك حق تقرير المصير المشترك. وهنا، لا يكفي فهم الظاهرة، بل لا بد من إعادة تأكيد مبدأ بسيط وحاسم: لا شرعية لأي قوة تتجاوز المجتمع الذي يفترض أن تنتمي إليه، ولا لأي فكرة تتحول إلى قدر مفروض على الآخرين.

لبنان والتحولات الكبرى: الدولة في مواجهة المحاور
بقلم
نجيب زوين
نُشر
مايو 26, 2026 - 12:01

تبدو المنطقة اليوم بأسرها أمام تحوّلاتٍ كبرى تعيد رسم التوازنات والمعادلات السياسية والعسكرية. فالحرب التي اندلعت بين اميركا واسرائيل من جهة وبين إيران وحزباللا من جهة اخرى، ليست مجرّد مواجهةٍ عابرة أو جولةٍ محدودة، بل حدثٍ مفصلي ستكون له تداعياته العميقة على مختلف الدول، وخصوصًا على لبنان الذي يجد نفسه مجددًا في قلب العاصفة. لقد أثبتت التجارب أنّ الحروب الكبرى لا تنتهي عند حدود الدول المتقاتلة، بل تمتدّ نتائجها لتصيب الكيانات الضعيفة والممزقة، والدول التي تعجز عن تثبيت سيادتها وحصر قرارها بمؤسساتها الشرعية. ومن هنا، فإنّ استمرار ربط لبنان بمحاور إقليمية، وإبقائه ساحةً مفتوحة لصراعات الآخرين، يضع اللبنانيين أمام أخطارٍ وجودية لا يمكن الاستهانة بها. إنّ العالم منشغل اليوم بمراقبة المفاوضات الامريكية -الإيرانية ، وما يمكن أن تنتجه من تغييرات في الخرائط السياسية والأمنية والعسكرية. لكنّ الخطر الحقيقي يكمن في أنّ لبنان هو عمليًا من أكثر الدول المعرّضة لدفع أثمانها، بسبب استمرار وجود السلاح الخارج عن سلطة الدولة، وبسبب إصرار بعض القوى على إبقاء لبنان جزءًا من مشروع إقليمي يتجاوز مصالح اللبنانيين ووطنهم ودولتهم. لقد دخلت المنطقة بالفعل مرحلة جديدة، مرحلة يُعاد فيها رسم مفاهيم الحرب والسلم، وحدود النفوذ، وأدوار الدول والجماعات المسلحة. وفي ظلّ هذا المشهد، يصبح من الواضح أنّ أي وقفٍ لإطلاق النار بين اميركا وإيران لن يكون تفصيلًا عابرًا، بل سيكون مقدّمةً لمرحلة سياسية جديدة ستنعكس حتمًا على مختلف ساحات المنطقة، وفي مقدّمها لبنان. فالمطلوب من اميركا ان تفرض على ايران تصفية اذرعها وعدم توريد السلاح والمال الى اي فريق في المنطقة وخاصة الى حزباللا. إنّ الرهان على استمرار الواقع السابق، أو على إمكانية بقاء لبنان خارج مسار التغييرات المقبلة، هو رهانٌ خاطئ وخطير في آنٍ معًا. فالمجتمع الدولي، والدول العربية، باتت أكثر اقتناعًا بأنّ استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق في ظلّ وجود دولٍ عاجزة عن الإمساك بقرارها السيادي، أو في ظلّ استمرار ظاهرة الجيوش الموازية والتنظيمات المسلحة الخارجة عن الشرعية. لقد شكّل خطاب رئيس الجمهورية الأخير محطةً لافتةً في مقاربته لمسألة التفاوض المباشر ولمسألة الحرب والسلم، حين شدّد بوضوح على أنّ قرار وقف إطلاق النار هو قرارٌ سياديّ يعود إلى الدولة اللبنانية وحدها، وليس إلى أي جهة أخرى. كما أكّد بما لا يقبل الالتباس أنّ لا أحد يحقّ له التحدّث باسم لبنان إلا الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية. إنّ هذا الموقف يُعبّر عن جوهر فكرة الدولة، وعن أبسط قواعد السيادة الوطنية. فلبنان لا يمكن أن يستمرّ كدولة إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسساته الشرعية، وإذا استمرّت بعض القوى في تقديم نفسها بوصفها المرجعية الفعلية فوق الدولة وفوق الدستور وفوق إرادة اللبنانيين. ومن المؤسف أنّ البعض لا يزال يتعامل مع لبنان وكأنّه ساحة مفتوحة لخدمة مشاريع إقليمية، فيما المطلوب اليوم هو إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والقرار الواحد. فلبنان لا يُحمى بالشعارات، ولا بالمزايدات، ولا بخطابات التخوين والتحريض، بل بقيام دولة فعلية قادرة على حماية حدودها وشعبها ومصالحها الوطنية. لقد بات واضحًا أنّ أي مغامرة عسكرية جديدة لن يدفع ثمنها سوى اللبنانيين، وأنّ أي ربط لمصير لبنان بالمواجهة الإيرانية (حزب اللا)– الإسرائيلية سيقود البلاد إلى مزيدٍ من العزلة والانهيار والدمار. كما أنّ أي اتفاقات أو تفاهمات إقليمية ودولية مقبلة ستفرض وقائع جديدة على المنطقة، ولن يكون لبنان قادرًا على حماية نفسه أو الدفاع عن مصالحه إذا بقي عاجزًا عن بناء دولة حقيقية تمتلك وحدها حق استخدام القوة واحتكار السلاح وقرار الحرب والسلم. ان الدولة اللبنانية اليوم أمام امتحان تاريخي: إمّا أن تستعيد دورها الكامل كمرجعية وحيدة لجميع اللبنانيين، وإمّا أن يبقى لبنان ساحةً مستباحة يدفع شعبه أثمان صراعات الآخرين. إنّ المرحلة المقبلة تتطلّب أعلى درجات المسؤولية الوطنية، لأنّ المنطقة تتغيّر بسرعة، ولأنّ التسويات المقبلة ستفرض معادلات جديدة. ومن هنا، فإنّ إنقاذ لبنان يبدأ بالعودة إلى الدستور، وإلى منطق الدولة، وإلى احترام الشرعية اللبنانية والدولية، وإلى بناء دولة قادرة فعلًا على حماية شعبها وأرضها وسيادتها. إنّ اللبنانيين يستحقون دولةً تحميهم لا دولةً تُستخدم أرضها لتصفية الحسابات. ويستحقون مستقبلًا قائمًا على الاستقرار والسيادة والازدهار، لا على الحروب الدائمة والانقسامات والارتهان للخارج. وفي هذه اللحظة المفصلية، يصبح التمسّك بالدولة ليس مجرد خيارٍ سياسي، بل شرطًا لبقاء لبنان نفسه. إنّ حماية لبنان تبدأ أولًا بفكّ ارتباطه بمحاور الصراع، وإعادة تثبيت هويته العربية، وتأكيد حياده عن حروب الآخرين، وتكريس سلطة الدولة وحدها على كامل الأراضي اللبنانية.

في صدمة "اللاسياسة "
بقلم
يقظان التقي
نُشر
مايو 24, 2026 - 05:44

أثرت صرخة الرجل التسعينس ستيفان هيسل في مقالته "Indignez-vous" (اغضبوا) في الملايين من الشباب تحريراً بعد أن قرأوا في كتابه الصغير،"لكم الحق في الغضب، في الرفض، في المعارضة." لكن هذه الصرخة لم تكن كافية بالتأكيد. كانت بداية ما في نزولهم إلى الشارع في مواجهة الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية . لكن الأمور قد تغيرت بالفعل، وأحد أكبر انتصارات القوى السائدة ، هو تشويه سمعة مصطلح "ناشط"، أو "معارض"، وهو مصطلح يُطلق أحيانًا لمهاجمة الشباب الذين تمكنوا من تحقيق تقدم جوهري. اليوم، يتم الاحتفاء بفكرة انخراط الشباب مجدداً. ولكن عندما ينخرطون، فإنهم لا يفعلون ذلك بالطريقة الصحيحة، ومحاولاتهم تُفقد مصداقيتها، أو تسخر لتسويات دون التركيز على الدوافع المشروعة الأساسية. وهذا ما يبرر القمع المتزايد من قبل السلطات التي تحاول منع التغيير الصيروري، وتتنكر للديمقراطية كحتمية في تعددية المجتمع وفي اختلاف الأفكار.لم يعد النضال أمرًا سهلاً، والتعقيدات كبيرة مع التغيير الجوهري في طبيعة الصراعات. فالحقائق تتحرك وتتحول ولا تصبح واقعاً، وتواجه تهديدًا حقيقيًا بكافة أشكال العنف في السياسة والاقتصاد والاجتماع ولأمن والتنوع البيولوجي والاحتباس الحراري والأوبئة والتلوث.. هذا غير شكل "الاضطهاد "التقليدي" في الأنظمة التوتاليتارية. وعلى العكس تخضع الناس دون نقاش لتحولات بسبب الرأسمالية والتكنولوجيا والصناعة بخلاف المبادئ والأفكار والفلسفات التنويرية التي وضعت حقائق كبيرة . الاضطهاد الحالي يكمن في المجتمعات السائلة التي تنهار بسرعة ، وتبتلع معها كل شيء، الروابط، المأساة، المخاوف. وأي تساؤل حول معنى النظام وحرية الفرد وحقوق الإنسان في هيكلية المجتمعات الديمقراطية، يُنظر إليه على أنه سخيف أو مرضي. والمعارض الذي يشكك في كيفية سير العالم، صار يُنظر إليه على أنه مجنون أو أحمق، يمثل اختراعاً لواقع جديد ليس قائماً على أساس ما يُفترض أن يقيم الحياة، أي المال، الإعجابات، السلطة. هذا الانتصار لوظائف تخدم أغراض استهلاكية، أو دعائية، أو سياسية شعبويّة ،هو شكل مختلف تمامًا عن أشكال الاضطهاد في الديكتاتورية السابقة، لأنه لا يوجد خصم مباشر. كان العدو واضحًا، يتألف في الماضي من عسكريين واقطاعيين وقاتلين للسكان الأصليين وذكوريين عنصريين. ولهذا السبب كانت هناك موجة عامة من الحرية وثقافة مضادة نسوية وحركات تحرر"غيفاريّة "، ومن السكان الأصليين. النضال ضد الديكتاتورية ليس بسيطاً. لكن اليوم، التعقيد كبير أمام الظلم، تدمير الحياة، حيث لا يوجد شيء يجب تحقيقه، ولا شيء لرؤيته، وحيث العزلة تجعل الالتزام محزنًا للغاية في صراع يعتمد على علاقات القوة التي تمر عبر الحياة المهنية، الحساب المصرفي، الهاتف الخليوي، الذكاء الاصطناعي في المنزل. أصبحت النخب السياسية أشبه بشركة واسعة لتوزيع الامتيازات والمكاسب، بدلاً من أن تكون حاملة لرؤية متماسكة للعالم، ومستوى الكوادر السياسية انحدر إلى سياسات منفصلة عن الواقع. ومن يتبع رغبته بالنضال يخاطر دائمًا بحياته قليلاً.هذا سبينوزي إلى حد ما، مما يعطي صورة محزنة للغاية للالتزام بلحظات من المتعة والحب والراحة أمام خطورة اليأس الذي يلتهم المجتمعات. لذلك من الصعب جدًا العثورعلى الرغبة والزخم والطاقة. التشاؤم لدى الشباب اليوم كبير عندما يكونوا مقتنعًين بأن الأسوأ مؤكد، وأن المؤسسات لم تتكيف مع التطورات المتسارعة، ما يدعو إلى "صدمة في السياسة"، تتضمن تبسيط الإجراءات وتقليل دور الدولة، وإلى إصلاحات مؤسسية مثل الشفافية المالية وإعادة توزيع السلطات .والجميع يسخر من المبادرات التي تحاول إعادة اختراع العالم في شكل من أشكال المثالية. هذا لا يمنع من وضع أهداف ملموسة ، ومن دون تطوير الرغبة في وعود وهمية لتجنب إحباط الفشل. هذه الوهم بالقدرة المطلقة يؤدي إلى خيبة الأمل. فالدولة لا يمكنها ولا يجب عليها فعل كل شيء. والإفراط في سياسة المجتمع مضر، على وهم أن الخلاص الفردي سيأتي من السياسة. إنه أمر مروع. الناس فقراء، يتم قطع الإعانات للمستشفيات، والمهاجرين والجامعات تتعرض للهجوم، والمظاهرات تُقمع. كل ذلك نتيجة عدم ترتيب المعارك، لأن كل شيء مترابط. ولا يمكن الفصل بين صعود الفكر المتطرف والأزمات السياسية والتمييز وعدم المساواة (لم يحدث هذا دون موافقة أغلبية صامتة) .وغالباً ما يكون لدى السلطات الحاكمة أغلبية يستغلونها لتدمير كل شيء، خاصة عندما يصل القادة المناهضون للديمقراطية إلى السلطة عبر القنوات القانونية مع قلب الخطاب لمن يدافعون عن الديمقراطية. خلال حملتها، تحدثت كامالا هاريس عن ترامب باعتباره خطراً فاشياً. رد الأخير الهجوم، داعياً إلى انتخابه لإنقاذ الديمقراطية. الشيء نفسه حدث في البرازيل: بولسونارو، الذي حاول الانقلاب، حاول أن يضع نفسه في صف المضطهدين، وفكتور أوربان في المجر حاول أن يقيم نظاماً تحت مسمى" الديمقراطية اللاليبرالية". هؤلاء الأشخاص وآخرون مثل الرئيس التركي رجا الطيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يندرجون في هذه الشعبوية التي اتسعت أطرها في العالم. إنهم يستحضرون خيالات الحرب العالمية الثانية. يضربون التمازج والتقاء الشعوب في انفتاح الأقليات الأثنية والدينية والسياسية، بينما يروجون للقمع، ويهرمون تدرجياً بين حياة البشر، وهم يدمرون القوى المضادة والأفكار في استرجاع الأيديولوجيات القديمة. وتأكيداً على موت أبطال التنوير ونهاية عصر الافكار التعددية، يهاجمون الصحافة والقضاء، ويحرمون المواطنين من وسائل العمل الديمقراطي. لم يعرف العالم كراهية جذريّة كما يعرفها اليوم. كان يُفترض أن يؤدي هذا التحالف بين الطبقتين الحاكمتين، السلطويين والمثقفين إلى تحقيق التوازن في القوة ، وتعزيز مجتمع متناغم. كان يمكن للنخب الطبيعية أن توجه الطبقة العاملة والناشئة بفعالية، وتمنحها النظام والمعنى في آن واحد، وتتقاسم معها الامتيازات والمنافع. هذا لم يحدث،على ما اعتقد عالم الأنثروبولوجيا جورج دوميزيل. يعيد التاريخ اليوم هذه القسمة السيئة للمنافسة بين النخب. من ناحية، اليمين التجاري، الوطني، الذي يحب أن يقدم نفسه على أنه مناهض للمثقفين، ويتجسد في الولايات المتحدة من قبل دونالد ترامب والجمهوريين. من ناحية أخرى، اليسار المتعلم، الليبرالي، والعالمي عبر المحيط الأطلسي من قبل الديمقراطيين. لكن مؤيدي ترامب يعتمدون أيضًا على مئات الخبراء والجامعيين، الذين تم جمعهم في مراكز فكر قوية. والبرنامج الرأسمالي المفرط الذي يدعمونه في دفاع عنيف عن التسلسلات الهرمية الاجتماعية في التركيز الشديد للسلطة والثروة والضرائب الداعمة للأغنياء، لا يختلف كثيرًا عن البرنامج الذي يتبعه الاقتصاديون الديمقراطيون. والحقيقة أن لهذه النخب المتعددة مصلحة في المبالغة في هذه الاختلافات للتناوب على السلطة، حتى لو كانت خياراتها الأساسية لا تختلف كثيرًا (كيفن بروكس) . لم تحكم العالم دائمًا النخب. في أعقاب الثورات الاجتماعية في القرن التاسع عشر وصعود الاقتراع العام في القرن العشرين، تمكنت الطبقات الشعبية ومنظماتها النقابية والسياسية من فرض تحول اجتماعي عميق، أحيانًا بالوصول المباشر إلى السلطة (السويديون الاشتراكيون الديمقراطيون من عام 1932 إلى 1976، والعمال البريطانيون في عام 1945، والاشتراكيون والشيوعيون الفرنسيون في عام 1936 و 1945، والديمقراطيون الروزيليتيون في عام 1932)، وبشكل عام من عام 1910 إلى عام 1990، سمحت هذه الجدلية المحركة بوضع تقليل عدم المساواة الاجتماعية في صميم الصراع السياسي. انهار هذا النظام الطبقي بين عامي 1980-1990 و 2010-2020 في الديمقراطيات الغربية، بدءًا من تعقيد الهيكل الاجتماعي والارتفاع المذهل للصدع الإقليمي، ضرب استقلالية الدول، ومعها الخيارات السياسية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. وللخروج من الأزمة الحالية والمواجهة الوهمية بين النخب، يجب على اليسار أن يجدد طموحه، وأن يجمع الطبقات الشعبية من جميع الأقاليم، مع الاعتراف بأن النخب تتحد ضدها.هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة إمكانية التناوب الحقيقي ومواجهة تفكك الديمقراطية.

فاروق الشرع و"الرواية المفقودة"
بقلم
نبيل مملوك
نُشر
مايو 20, 2026 - 18:59

لم تكن تجربتي عمومًا مع أدب المذكّرات موفّقة، وينطبق ذلك بوضوح على الجزء الأوّل من مذكّرات وزير الخارجيّة السوري الأسبق فاروق الشرع المعنون "الرواية المفقودة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – 2015). فالكتاب يبدو، منذ مطلعه الشاعريّ الذاتيّ والانطباعيّ، وكأنّه يعد القارئ بنصّ تأمّلي شخصي، قبل أن يوقعه في قراءة تاريخ سياسي مكتوب بانحياز كامل لسلطة آل الأسد وشخصيّة الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد. حافظ الأسد بين الأسطورة السياسيّة وصناعة الصورة يظهر حافظ الأسد في أوراق الشرع كأنّه بطل خارق أو "فرنكشتاين دمشق": رجل يغلق الهاتف في وجه الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ويفرض على وزير الخارجيّة الأميركي جيمس بيكر نقل مؤتمر السلام من أمستردام إلى مدريد، فيما يبدو الشرع نفسه مقرّبًا ومدلّلًا على حساب نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام. هذا البناء السردي لا يقدّم قراءة نقديّة للسلطة، بل يعيد إنتاج روايتها الرسميّة. الغائب الأكبر: أحداث مفصليّة خارج النص تغيب عن المذكرات أحداث مفصليّة في التاريخ السوري واللبناني، أبرزها: اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه. أحداث حماة عام 1982. اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط. سياسة "ترييف المدينة" عبر التضخّم الوظيفي في القطاع العام، وهي الظاهرة التي تناولها الأكاديمي زياد ماجد بالتفصيل في كتابه سوريا: الثورة اليتيمة. إنّ هذا الغياب لا يبدو سهوًا بقدر ما يعكس اختيارًا واعيًا بالقفز فوق محطات إشكاليّة. الوزير المطيع لا صاحب التجربة لا يمنح الشرع نفسه في هذه الأوراق سوى دور "الوزير المطيع" للرئيس؛ وزير ينجز المعاملات السياسيّة للأسد، يظهر مرنًا مع ياسر عرفات، ومفاوضًا مع صدام حسين، من دون بناء سرديّة شخصيّة مستقلّة أو مراجعة ذاتيّة لتجربته السياسيّة. أوراق سياسيّة لا مذكّرات ما كتبه الشرع أقرب إلى ملفّ سياسي مفصّل منه إلى مذكّرات بالمعنى الأدبي أو الإنساني. وهو ما يذكّر بما فعله الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل حين عرض مواقفه السياسيّة في كتاب توثيقي من دون أن يبني مشهديّة التجربة الشخصيّة للقارئ. مقارنة مع تقاليد المذكرات السياسيّة على خلاف مذكّرات شخصيّات سياسيّة عالميّة مثل هنري كيسنجر، التي تجمع بين توثيق الحدث وبناء التجربة الذاتيّة، يعتمد الشرع سياسة "القفز فوق الأحداث" والتحايل السردي عبر كتابة تاريخ سياسي ذاتي، لا سيرة حيّة لصاحبها. خلاصة: لماذا تبقى "الرواية" مفقودة؟ باختصار، لا يبدو "الرواية المفقودة" مذكّرات بقدر ما هو دفاع سياسي متأخّر عن مرحلة وسلطة. لذلك يستحق الجزء الأوّل عنوانه تمامًا: رواية مفقودة فعلًا، وربّما ستبقى كذلك، وهو ما لا يشجّع كثيرًا على متابعة الجزء الثاني ما دام النهج نفسه قائمًا على تغييب الأسئلة الصعبة بدل مواجهتها.

حين تتحول المقاومة إلى سؤال ممنوع
بقلم
منى فياض
نُشر
مايو 19, 2026 - 15:16

هناك كلمات مفتاحية، حالما تلفظها، تستنفر محدثك الممانع؛ فحال ذكر فلسطين او المقاومة او اميركا او اسرائيل، يحصل سويتش في ذهنه، فيتصلب بحيث يستحيل عندها اجراء اي نقاش هادئ وموضوعي. لم تعد المشكلة في لبنان اليوم في اختلاف الآراء، بقدر ما أصبحت في غياب عملية التفكير نفسها. المواقف الجاهزة تُستدعى فوراً، والخطابات تُعاد كما هي، والخيارات تستمر رغم تغيّر ما يحدث من حولها. وكأننا لا نراجع انفسنا، ولا نقيّم، ولا نسأل: هل ما زلنا نفكر فعلاً في ما نقوم به، أم أننا نكرر ما اعتدنا عليه فقط لأنه أصبح جزءاً من هويتنا؟ هنا تحديداً تبدأ المخاطر، حين يتحول التكرار إلى بديل عن التفكير. إن ما يحدث في ذهن الممانع هو أقرب إلى آلية دفاع ذهني مُبرمجة، أكثر منه مجرد رأي سياسي. عندما نذكر احى الكلمات التالية: "فلسطين - المقاومة- أمريكا- إسرائيل"، يحصل في ذهن الممانع ما يشبه "تشغيل برنامج جاهز"، يشبه ملابس ال prêt à porter، وهو يحدث على عدة طبقات: اولاً: حصرية الهوية واختزالها، القضية (فلسطين) لم تعد قضية سياسية قابلة للنقاش او لوزن الموقف الانجع لصالحها، لقد أصبحت جزءاً من الهوية الشخصية. وبالتالي فإن أي نقاش حولها يُستقبل كأنه هجوم على الذات، لا كتحليل سياسي. ثانياً: الاستجابة الشرطية (réponse conditionnée) على غرار ما يطلق عليه في علم النفس: stimulus محفّز، عند ذكر كلمة "إسرائيل"، الرد الجاهز "عدو مطلق"، كان سيهاجمنا قبل ان نهاجمه. بدون تحليل او حتى نقاش الاحتمالات او الطريقة الامثل لمواجهتها، او مراجعة نتائج مواجهتها حتى الآن. ثالثاً: التنافر المعرفي (cognitive dissonance)، عندما تتعارض الوقائع مع القناعة (مثلاً: نتائج سياسات المحور على لبنان)، يحصل توتر داخلي ambivalence، ينتج عنه تبني الحل الأسهل، فيحصل إنكار للواقع مع إعادة تفسيره أو مهاجمة من يطرحه مباشرة. رابعاً: نصل الى الانغلاق الجماعي والامتثال conformité، التماثل مع الجماعة، فداخل بيئة مثل بيئة حزب الله، الرأي ليس فردياً بل جماعياً، ويعتبر أي خروج عن الخط كخيانة. يصبح التفكير النقدي تهديداً للتماسك. من هنا إن ما يبدو لنا أحياناً تصلّباً أو رفضاً للنقاش، ليس مجرد موقف سياسي متشدّد، بل هو نتيجة بنية خطابية- ذهنية متكاملة تُبنى بعناية وتُكرَّر وتعاد بعناية والحاح، حتى تتحوّل إلى آلية تلقائية في التفكير. هذه البنية تبدأ من نقطة حاسمة: تعريف الواقع مسبقاً؛ جميع المصطلحات الأساسية مثل "العدو" و"المقاومة" لا تُطرح كمواضيع للنقاش، بل كحقائق نهائية. ضمن هذا الإطار، تُقدَّم أميركا واسرائيل كعدو مطلق، وتُمنح "المقاومة" شرعية مطلقة. وهكذا، لا يعود النقاش يدور حول الخيارات، بل داخل حدود مرسومة سلفاً لا يُسمح بتجاوزها. بعد تثبيت هذا الإطار، تأتي المرحلة الثانية: شحن اللغة بالعاطفة، فتُستخدم مفردات مثل "التضحيات"، "الصمود"، "الكرامة"، و"العدوان" ليس لوصف الواقع، بل لإثارة استجابة شعورية قوية. وعندما تتقدّم العاطفة، يتراجع التحليل، ويصبح الاعتراض أقرب إلى خيانة أخلاقية منه إلى اختلاف في الرأي. ثم تُبنى فوق ذلك "ثنائية مغلقة" لا تقبل التدرّج: إما أن تكون مع المقاومة، أو مع العدو. تختفي المنطقة الرمادية، ويُلغى التعقيد الطبيعي لأي واقع سياسي. فلا يعود هناك مجال للتفكير في حلول وسط، أو تسويات مرحلية، أو حتى في مصلحة وطنية مستقلة عن هذا الانقسام الحاد. ولكي تكتمل هذه الدائرة، يتم نزع شرعية اي بديل. فكل طرح مختلف يُوصَف فوراً بأنه "انحراف" أو "تآمر" أو "تنكّر للتاريخ وللتضحيات". هنا لا تُناقَش الفكرة بحد ذاتها، بل يُجري تشويهها مسبقاً، بحيث يصبح مجرد التفكير بها خطوة تحمل مجازفة معنوية. في موازاة ذلك، يُستدعى مفهوم "الجماعة" كمرجعية عليا. يتم التحدَّث باسم "الشعب" و"الثوابت الوطنية" و"الشرفاء"، كما في خطاب حزب الله، بحيث يُفهم ضمناً أن من يعارض لا يختلف في الرأي فحسب، بل يخرج عن الجماعة نفسها. وهنا يتدخّل عامل الخوف: الخوف من العزل، أو من الاتهام بالخيانة، أو من فقدان الانتماء. لكن أخطر ما في هذه البنية هو الربط بين الداخل والخارج. فعندما يُقدَّم الخلاف الداخلي كخطر يفوق الخطر الخارجي، كما يظهر في تصريحات نواب حزب الله، يتحوّل المُعارض إلى تهديد وجودي، لا إلى شريك في النقاش. عند هذه النقطة، يصبح التصعيد الداخلي مبرَّراً سلفاً. وفي نهاية هذا المسار، يُقدَّم خيار واحد على أنه الحل الوحيد: لا بديل عن "المقاومة" بصيغتها الحالية، مهما تغيّرت الظروف أو تبدّلت موازين القوى أو تعارضت مع مصالح البلد. وهكذا تُغلق الدائرة بالكامل. مع تكرار هذه البنية عبر الزمن، تتحوّل إلى ما يشبه "زر" نضغط عليه في العقل: كلمة واحدة كفيلة بإطلاق سلسلة كاملة من الأحكام الجاهزة. لا يعود التفكير ضرورياً، لأن النتيجة معروفة مسبقاً. عندها، لا يصبح النقاش مواجهة بين أفكار، بل صداماً بين هويات. وفي هذا المستوى تحديداً، يتوقف العقل عن العمل، لا لأنه عاجز، بل لأنه لم يُدرَّب أصلاً على الخروج من هذا الإطار المغلق.

؟بكين: ما هي تداعيات قمة الإمبراطوريتين
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
مايو 15, 2026 - 01:18

كان العالم يوم الخميس 14 مايو يراقب عن كثب ما يجري في بكين حيث يمكن لقاء الرئيس الأمريكي، الذي لا يزال يرغب في الظهور بقوة، مع الرئيس شي جين بينج، الذي يطمح لأن يكون أعظم منه، أن يكون له عواقب مهمة على عديد الدول، سواء على المدى القصير أم الطويل. وبالنسبة للبعض، وربما الكثيرين منهم، قد تكون هذه العواقب كارثية. فكيف ستكون حال العالم بعد ذلك؟ لا أحد يستطيع التأكيد على ذلك حتى الآن. لا شك أن الرئيس ترامب تحدث أولاً عن التجارة. والرئيس شي فعل الشيء نفسه. سيسارع الأول للحديث عن انتصاراته، وهي الكلمة التي يعشقها، عبر موقعه الإلكتروني، كعادته. سيظهر الرئيس الصيني ابتسامته الغامضة الثابتة التي تكشف عن رضاه لأنه حصل على ما يريده. يمكننا أن نتوقع أن الاتفاقيات التجارية كانت الأولى التي تم مناقشتها والتوصل إليها. لكن هل ستكون متوازنة؟ ليس بالتأكيد... الرئيس الأمريكي في حاجة ملحة لإرضاء الرأي العام والشعب الأمريكي الذي بات متعباً من ارتفاع أسعار النفط والتضخم والبطالة المتزايدة، وأرهقه أيضاً نقص بعض المواد الضرورية، خاصة الأسمدة المحاصرة في الخليج العربي-الفارسي. وهناك مواد أخرى ضرورية لتشغيل الآلة الاقتصادية الأمريكية التي لم تحقق بحقيقة الهدف المطالب به خلال الحملة الانتخابية والمكرر بصيغته الشهيرة MAGA ( Make America Great Again ). سنعرف المزيد عن هذا الموضوع عندما يتم الإعلان عن انتصارات أحدهما دون أن يذكر نظيره - وليس شريكه - ما حققه. لكل هذه النقاشات والمفاوضات طعم جيوسياسي يرتبط بالأوضاع الداخلية الأمريكية، والحاجة الملحة للصين لاستعادة مستويات الإمدادات النفطية والمواد الضرورية لنموها وتطورها المتزايد الإلحاح. الموضوعان الأولويتان في هذه الخلفية الجيوسياسية هما بلا شك إيران ومضيق هرمز، المتداخلان بشكل وثيق، وكذلك تايوان. الموضوع الثاني سيكون مهماً على المدى الطويل. في البداية، ركزت النقاشات بلا شك على وقف الدعم الأمريكي لدفاع تايوان مقابل تقليل الصين من تهديداتها والعروض الاستفزازية ضد الجزيرة. وبالتالي الحفاظ على الوضع الراهن في المدى القريب. لا يريد أحدهما الدخول في مواجهة. لدى شي الوقت...حتى عام 2049. وقبل ذلك، ستحدث ضغوط ومفاوضات أخرى وقد تكون حالة الغرب مختلفة تماماً، كما يعتقد شي. قد يكون الغرب منشغلاً بمواضيع أخرى غير الدفاع عن تايوان البعيدة جداً عن أمريكا، حتى لو كانت حرية الملاحة في مضيق فورموز (بعرض 150 كيلومتراً) ستبقى نقطة خلاف دائمة. محنة ترامب لكن الأمور ليست بهذه البساطة للرئيس الأمريكي. يجب ألا يبدو أنه يتخلى عن تايوان لمصيرها المؤسف دون أن يؤثر على موقفه، الذي تضرر بالفعل، كمدافع عن دول شبه الجزيرة العربية وبدون تشويه صورته كقوة وسلطة تجاه حرس الثورة الإيرانية. كما أشار مقال سابق في Levant Time، قد تعتقد هذه الدول سريعاً أن الدفاع الأمريكي يمثل خطراً، مما قد يدفع واحدة أو أكثر منها لترغب في رحيل الأمريكيين من القواعد التي يحتلونها في هذه المنطقة. ربما لهذا السبب قررت إسرائيل تزويد الإمارات العربية المتحدة بقبة حديدية. هل فرض السيد ترامب هذا الإجراء؟ لصالح من ستؤول هذه الفراغات؟ وإذا كانت الصين، بفضل علاقاتها مع إيران، تضمن لها بمجرد وجودها هذه الأمان المطلوب للتحول نحو أنشطتها في السياحة والفعاليات العالمية والتكنولوجيا العالية والفنون الرفيعة والمالية، كما كان الحال سابقاً؟ ستكون الصين هي الرابح الأكبر في صياغة وتطوير طرقها الحريرية. الرئيس ترامب الذي اعتقد عند وصوله للبيت الأبيض لولاية ثانية أنه سيضطر فقط للاهتمام بالوضع الأمني الداخلي - محاربة الهجرة والاتجار بالمخدرات - والصين خارجياً، منافسه الوحيد من وجهة نظره، يدرك الآن أن كون بنيامين نتنياهو سحبه من الكم قد وضعه في فخ وقع فيه بسذاجة. إيران ومضيق هرمز المفتاح إذن هو الاهتمام بمعالجة الموضوع الأول معالجة جيدة حتى لا نعود إليه وحتى لا نعلق فيه. هناك في هذا الموضوع المشترك، إيران ومضيق هرمز، جانبان يتقاسم الرئيسان اهتماماً مشتركاً فيهما: النووي وحرية الملاحة البحرية. الصين معارضة لانتشار الأسلحة النووية. لقد أعلنت هذا دائماً. أما بخصوص حرية الملاحة في مضيق هرمز، فلديها أكبر اهتمام برؤيتها تستعاد في أسرع وقت ممكن. ما لن يمنعها من رغبتها في تحديد أو حتى حظر حرية الملاحة في مضيق تايوان. الجيوسياسة أحياناً ماكرة! من المبكر جداً الذهاب أبعد من ذلك في التكهنات. دعونا ننتظر إعلانات النصر للسيد ترامب التي بلا شك ستظهر وما سيقوله أو لن يقوله شي. فيما يتعلق بالملاحة البحرية وجميع عواقب القرارات التي سيتخذها أو يعتمدها الغربيون بشأن مضيق هرمز، يبدو من المفيد التذكير بأن تنظيم هذه الملاحة لا يقتصر على اتفاقات ذات دلالة تجارية أو جيوسياسية فحسب. هذه المسألة تتعلق بتطبيق المعاهدات واللوائح الدولية. وقعت إيران في 10 ديسمبر 1982، في مونتيغو باي، على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، المعروفة باتفاقية مونتيغو باي (UNCLOS). لكنها لم تصادق عليها أبداً. إيران إذن دولة موقعة لكنها ليست دولة طرفاً في الاتفاقية، مما يعني أنها غير ملزمة بجميع الالتزامات الاتفاقية للاتفاقية، كما هو الحال للدول التي صادقت على المعاهدة. هذا الموقف يشبه موقف الولايات المتحدة: هي أيضاً وقعت على بعض النصوص المتعلقة باتفاقية UNCLOS لكنها لم تصادق على الاتفاقية نفسها. الموضوع مهم بشكل خاص لمضيق هرمز. تؤكد إيران منذ وقت طويل أنها غير مقيدة بالكامل ببعض قواعد "المرور العابر" المنصوص عليها في اتفاقية UNCLOS في الممرات المائية الدولية، وبالضبط لأنها لم تصادق على الاتفاقية. ولهذا السبب يتخذ حرس الثورة الإيرانية لنفسه حق فرض رسوم على المرور (رسم عبور). مع ذلك، تعتبر دول عديدة أن عدة أحكام أساسية في اتفاقية UNCLOS - خاصة حرية الملاحة - تشكل الآن "قانوناً دولياً عرفياً"، وبالتالي تكون قابلة للتطبيق حتى على الدول غير الطرف فيها. سيكون من الحيوي للعالم أجمع أن نرى كيف سيتم التعامل مع هذا الموضوع وحله. ممرات وممرات مائية عديدة قد تكون معنية بهذه القضية وقد تفرض دول ساحلية رسوماً على الملاحة. قبل إغلاق - مؤقتاً - هذا الموضوع، من المهم عدم الثقة في بعض المعلقين الذين يظهرون على قنوات التلفزيون أو الراديو للحديث عن موضوع الممرات المائية والذين يتناولون دون تمييز حالات القنوات مثل قناة السويس أو بنما. القنوات ليست ممرات مائية. الدردنيل تشكل حالة خاصة أخرى كذلك البوسفور الذي ينظم المرور فيه بموجب معاهدة مونترو لعام 1936، والتي تطبق وتحترم بدقة، خاصة فيما يتعلق بوجود القوات البحرية التابعة للدول غير الساحلية لبحر أسود.

بين ترامب وبوتين وشي جين بينغ وإيران، ملامح جيوسياسية جديدة تلوح في الأفق (1/2)

تتبلور في العالم اليوم تحولات جذريّة، في ظلّ احتضار النظام العالمي الذي ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مسارٍ مستمر منذ عقدين، ليفسح المجال أمام ولادة نظام دولي جديد بدأت معالمه تلوح في الأفق. منذ انطلاق ولايته الثانية، وبناءً على استراتيجيته للأمن القومي (NSS 2025)، أعاد الرئيس دونالد ترامب تحديد أولويات الولايات المتحدة. وتتمثل هذه الأولويات، في المقام الأول بالشؤون الداخلية (أميركا أولاً) والقارة الأميركية. أما بالنسبة لبقية العالم، فيرى ترامب أن على أوروبا الاعتماد على قدراتها الدفاعية الذاتية وألا تعول بعد الآن على الولايات المتحدة كما فعلت منذ عام 1945. وفي تقديره، لم تعد روسيا تشكل خطراً داهماً رغم سلوكها العدائي؛ بعدما أثبتت عجزها عن حسم المعركة في أوكرانيا، وبالتالي عجزها عن غزو أوروبا. ويعتقد سيد البيت الأبيض، علاوة على ذلك، أن التنافس العسكري مع الصين بشأن تايوان وبحر الصين الجنوبي لا يحول دون حدوث انفراج على الصعيد الاقتصادي مع بكين. فالمستهلك الأميركي بحاجة إلى سلع صينية بأسعار تنافسية، وفي المقابل، تفتقر الصناعات الصينية بشدة إلى السوق الأميركية التي تشكل 25% من السوق العالمية، ناهيك عن رغبتها في نفاذٍ أوسع إلى التكنولوجيا الأميركية. أما الاستراتيجية الوطنية الصينية، فهي ترتكز على الحزب الشيوعي الصيني والزعيم شي جين بينغ، صاحب السلطات المطلقة. وهي تهدف إلى أن تصبح قوة عالمية، وإلى تحقيق استقلال ذاتي في المواد الأساسية للصناعة. وإذا كان هذا الاستقلال قد تحقق بالفعل في قطاعات عدة، إلا أن الصين تعاني نقصاً حاداً في الإنتاج المستقل للرقائق الإلكترونية المتطورة، ولا سيما تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والتي لا تملك سوى الولايات المتحدة تزويدها بها. من جهة أخرى، يواجه شي جين بينغ انهيار القطاع العقاري وفائضاً في الإنتاج الصناعي، يوازيه ضعف في الاستهلاك المحلي الذي بات امتصاصه لهذا الفائض يتضاءل، وخصوصاً في قطاعي السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. لذا، فهو أمام حاجة ملحة ومزدوجة: إعادة فتح السوق الأميركية أمام الصناعة الصينية، وضمان استمرارية سلاسل التوريد انطلاقاً من الولايات المتحدة، وخصوصاً على مستوى المواد الغذائية، والرقائق الإلكترونية، والنفط والغاز، وطائرات بوينغ، والمنتجات التقنية المتقدمة. الحالتان الروسية والإيرانية أما في ما يخص فلاديمير بوتين، فهو يواجه تباطؤاً في النمو ونقصاً في اليد العاملة. وتعمد حكومته إلى بيع أصول الدولة ومواقعها التاريخية لتأمين إيرادات مالية، تجنباً لطبع العملة وتفادياً لانخفاض قيمتها. وإذ يصبّ ارتفاع أسعار النفط في مصلحة روسيا، في سياق إغلاق مضيق هرمز، إلا أن وصول إنتاجها إلى حده الأقصى لم يقدّم حلولاً للمشكلات الاقتصادية، ناهيك عن الأعباء الثقيلة التي يفرضها تمويل الحرب في أوكرانيا. وباتت وسائل الإعلام الروسية تتحدث الآن علانية عن هذه الصعوبات. علاوة على ذلك، تعاني قواته تراجعاً في المعنويات، في وقت تفقد فيه الحرب المستمرة منذ أربع سنوات شعبيتها. ويواجه بوتين ضغوطاً داخلية وخارجية، لا سيما من الرئيس ترامب، لإنهاء هذه الحرب؛ لذا فهو بحاجة إلى مخرجٍ لائق. أخيراً، تعاني إيران وطأة حصار بحري مستمر منذ أكثر من شهر، في أعقاب الضربات الأميركية-الإسرائيلية في حزيران 2025 وحرب شباط-نيسان 2026. وبالنسبة للرئيس ترامب، تشكل الجمهورية الإسلامية خطراً نووياً كبيراً، وعائقاً أمام استقرار الشرق الأوسط وحرية الملاحة في مضيق هرمز. أما طهران، فلا تزال من جانبها متمسكة بموقفها الرافض لأي حل وفق الشروط التي تفرضها واشنطن. تشابك التحديات في القضية الإيرانية تعيق روسيا والصين صدور قرار عن مجلس الأمن الدولي يطالب إيران بفتح مضيق هرمز، وتواصلان تقديم الدعم العسكري لها في مجالي الاستخبارات والتكنولوجيا. وفي حين تمدّها روسيا بالذخائر، يغيب هذا الدعم عن الجانب الصيني. ومع ذلك، يظل هذا الدعم دون سقفٍ معين، تفادياً للدخول في مواجهة مفتوحة مع واشنطن. لا يوجد محور واضح المعالم يجمع طهران وموسكو وبكين؛ بل على العكس، تبرز منذ نيسان 2026 اتصالات ثنائية منفصلة بين الولايات المتحدة وكل دولة من هذه الدول الثلاث. فالمشاورات ناشطة بين ترامب وبوتين، كما عُقدت قمة ترامب-شي جين بينغ في بكين هذا الأسبوع، في حين لا تزال المفاوضات غير المباشرة عبر باكستان قائمة بين واشنطن وطهران، رغم إغلاق إيران لمضيق هرمز والحصار البحري الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية. وتجري هذه القنوات بمعزل عن موسكو، فيما تضطلع بكين فيها بدور متكتم. الأولوية للمفاوضات يبدو جلياً أن كلاً من ترامب، وشي جين بينغ، وبوتين، وخامنئي، باتوا في حاجة إلى التفاوض بفعل الضغوط الداخلية والخارجية التي يواجهها كل منهم. فالجميع يرزح تحت وطأة ضغوط اقتصادية، ويواجه انتقادات ومعارضة داخلية. فبالنسبة إلى الولايات المتحدة، تكمن المشكلة في غلاء المعيشة الذي يثقل كاهل المستهلك الأميركي نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، والرسوم الجمركية التي رفعت تكلفة السلع الصينية. أما الحروب والعقوبات المفروضة على روسيا وإيران، فقد باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على اقتصاد البلدين وتستنزف سلاسل التوريد لديهما. من جهتها، تقف الصين على أعتاب الركود جراء ارتفاع أسعار النفط، وحاجتها الماسة إلى المواد الزراعية والمنتجات التقنية المتقدمة، فضلاً عن ضرورتها في الانفتاح بشكل أكبر على السوق الأميركية. ملامح تموضع جيوسياسي جديد بين ترامب وبوتين كان ترامب قد دعا بوتين للقاء في ألاسكا في آب 2025، وعرض عليه رفع العقوبات وإرساء علاقات في مجالي الاقتصاد والطاقة مقابل السلام في أوكرانيا. وبعد ثلاثة أشهر، كاد ترامب يقرّ بسيادة روسيا على الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها، وذلك ضمن خطته للسلام المكونة من عشرين نقطة. ويبدو جلياً أنه لم يعد يخشى روسيا، بل يطمح إلى إرساء توازن استراتيجي بينها وبين أوروبا، وهو أمر يمرّ حتماً عبر بوابة إنهاء الحرب في أوكرانيا. لم يبدُ أن هذه الحوافز الاقتصادية والميدانية التي قدمها ترامب قد نجحت في ثني بوتين عن موقفه؛ غير أن الأخير بادر، في التاسع والعشرين من نيسان الماضي، إلى الاتصال بالرئيس ترامب في خطوة باغتت سيد البيت الأبيض، حيث استمرت المحادثة بينهما تسعين دقيقة. وقد جاء هذا الاتصال قبل خمسة عشر يوماً من قمة ترامب-شي جين بينغ، ما يشي بحجم الصعوبات الداخلية التي يواجهها بوتين، ويلمح إلى خشيته من تقارب صيني-أميركي قد يفضي إلى تهميش روسيا. خلال المحادثة، ركز الرئيس الروسي بشكل أساسي على تفعيل التبادل الاقتصادي والتعاون في مجال الطاقة بين البلدين، واللذين تراجعا إلى حد التوقف منذ غزو أوكرانيا عام 2022؛ علماً أن ترامب كان قد أعاد بالفعل إطلاق التبادلات التجارية مع روسيا، حيث سجلت قيمتها 4.4 مليارات دولار عام 2025، بعدما كانت قد انعدمت تماماً منذ 2022، مع الإشارة إلى أنها بلغت 37 مليار دولار في عام 2021. وكانت كشوفات لصحيفة "وول ستريت جورنال" في أواخر عام 2025 قد تحدثت عن مشروع سري بين موسكو وواشنطن يتعلق باستثمارات أميركية ضخمة في روسيا. وخلال الاتصال الهاتفي المذكور، تمكن ترامب من إقناع بوتين بوقفٍ وجيز لإطلاق النار في أوكرانيا، امتد من 9 إلى 11 أيار، وترافق مع تبادل لألف أسير من الجانبين. ورغم آمال ترامب في تمديد هذه الهدنة، إلا أن الأعمال القتالية استؤنفت فور انقضاء المدة. ومع ذلك، يبدي بوتين اليوم مرونة لافتة رغم ضراوة المواجهات ميدانياً؛ إذ أعلن في التاسع من أيار، خلال احتفالات ذكرى النصر في الحرب العالمية الثانية، أن الحرب في أوكرانيا تقترب من نهايتها، معرباً عن رغبته في إنهائها عبر مفاوضات تشرك الأوروبيين، في إشارة واضحة إلى تطلعه لصياغة علاقة جديدة مع القارة العجوز. إن التسوية المحتملة في أوكرانيا باتت رهينة التموضع الذي ستتخذه الصين وأوروبا، بناءً على مخرجات قمة ترامب-شي جين بينغ وردود الفعل الأوروبية على خطاب بوتين الأخير. فالأخير يخشى أن يؤدي أي تقارب بين بكين وواشنطن إلى تعميق عزلة موسكو، ومن هنا ينبع انفتاحه المستجد على أوروبا.

مدن قوية… روايات أقوى
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر
مايو 12, 2026 - 18:36

لم يعد النفوذ في الشرق الأوسط يُقاس فقط بقدرة الدول على فرض السيطرة العسكرية أو السياسية، بل بات مرتبطًا بقدرتها على بناء مدن جاذبة وصياغة روايات مقنعة. في هذا التحول، تتقدّم مدن مثل Riyadh وDubai وDoha كمراكز نفوذ جديدة، فيما تتراجع دول غير قادرة على إنتاج مدينة فاعلة أو رواية متماسكة. بين الاقتصاد والإعلام، يتشكّل نموذج حكم مختلف، يطرح سؤالًا أساسيًا: من يحكم فعلًا؟ في هذا السياق، لم تعد المدينة مجرّد فضاء عمراني أو مركز إداري، بل تحوّلت إلى أداة سياسية متكاملة. فصعود هذه المدن لا يمكن فهمه فقط من زاوية النمو الاقتصادي، بل من زاوية أعمق تتعلّق بإعادة تعريف القوة نفسها. لم تعد المدن تُبنى لاستيعاب السكان فحسب، بل لتكون منصات نفوذ عابرة للحدود، قادرة على جذب الاستثمارات، واستقطاب الكفاءات، وفرض حضورها في الاقتصاد العالمي. هي مدن تُنافس دولًا، وتُقدّم نفسها كنماذج ناجحة للاستقرار والانفتاح في منطقة لطالما ارتبطت بالصراع وعدم اليقين. بهذا المعنى، تتحوّل المدينة إلى واجهة الدولة، وربما إلى بديل عنها في بعض السياقات، حيث يُقاس النجاح بقدرتها على الجذب لا على السيطرة، وعلى الإنتاج لا على الخطاب. لكن القوة العمرانية والاقتصادية لا تكفي وحدها. فكل مدينة تحتاج إلى رواية تُشرعن صعودها وتمنحه معنى. هنا، لم يعد الإعلام مجرّد ناقل للواقع، بل أصبح شريكًا في صناعته. المنصات الرقمية، القنوات الإخبارية، وحتى المؤثرون، يساهمون في بناء صورة متكاملة: مدن حديثة، مستقرة، قادرة على قيادة المستقبل. هذه الروايات لا تُخاطب الخارج فقط، بل تُعيد تشكيل وعي الداخل أيضًا، حيث تتحوّل إلى أداة لإعادة تعريف الشرعية. لم يعد السؤال: من يملك السلطة؟ بل: من يملك القدرة على تعريف الواقع؟ ومن ينجح في فرض روايته، ينجح في تثبيت موقعه، حتى لو كانت الوقائع أكثر تعقيدًا مما تُظهره الصورة. اللافت في هذا النموذج أنه يُذيب الحدود بين الاقتصاد والإعلام. فالمدن الصاعدة لا تكتفي ببناء البنية التحتية، بل تستثمر في الصورة الذهنية بنفس القدر. المشاريع الضخمة، الفعاليات الدولية، والانفتاح الاقتصادي، ليست فقط أدوات تنمية، بل أدوات سردية أيضًا. إنها تُستخدم لإنتاج قصة متماسكة عن النجاح، تُقدَّم إلى العالم باعتبارها واقعًا، وإلى الداخل باعتبارها مسارًا لا بديل عنه. بهذا المعنى، تتحوّل القوة الناعمة إلى امتداد مباشر للقوة الاقتصادية، وتصبح الرواية أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد المادية. هذا التحوّل يطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة هذه القوة: هل نحن أمام قوة حقيقية، أم أمام قوة مُصمّمة بعناية؟ الواقع أن الفصل بين الاثنين لم يعد ممكنًا. فالرواية لا تنجح من دون أساس واقعي، لكنها قادرة في الوقت نفسه على إعادة تأطير هذا الواقع، تضخيمه، أو حتى تبسيطه بما يخدم أهدافًا سياسية. لم تعد الرواية تعكس الواقع فقط، بل تُعيد إنتاجه. وما يُقدَّم كنجاح قد يكون مزيجًا من الإنجاز الفعلي والإدارة الذكية للصورة. في مقابل هذا المشهد، يبدو لبنان خارج المعادلة. بيروت، التي كانت يومًا مركزًا إقليميًا للإعلام والثقافة والاقتصاد، فقدت تدريجيًا قدرتها على أداء هذا الدور. لم تعد المدينة قادرة على جذب الاستثمار، ولا على إنتاج نموذج يُحتذى، ولا حتى على تقديم نفسها كمساحة استقرار نسبي. لكن الخسارة الأعمق ليست فقط في تراجع الدور، بل في غياب الرواية. لم يعد هناك خطاب لبناني متماسك يشرح ما يحدث أو يُقدّم رؤية للمستقبل، بل سرديات متناقضة تعكس انقسامًا أعمق في بنية الدولة والمجتمع. في زمن تُدار فيه المنطقة عبر المدن والروايات، يبدو لبنان بلا مدينة فاعلة، وبلا رواية قادرة على المنافسة. في ضوء هذه التحولات، لم يعد من السهل الإجابة عن سؤال من يحكم الشرق الأوسط اليوم. هل ما زالت الدولة هي الفاعل الأساسي، أم أن المدن، مدعومة بقوة اقتصادية وسرديات متماسكة، أصبحت اللاعب الأكثر تأثيرًا؟ ربما لا تكون الإجابة حاسمة بعد، لكن المؤكد أن موازين القوة تتغيّر، وأن النفوذ لم يعد يُقاس فقط بما تملكه الدول من أدوات تقليدية، بل بما تستطيع إنتاجه من نماذج قابلة للإقناع. في الشرق الأوسط اليوم، لا يكفي أن تكون موجودًا. لا يكفي أن تمتلك الموارد أو الموقع. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على إنتاج مدينة تجذب، ورواية تُقنع. ومن يفشل في ذلك، يجد نفسه خارج اللعبة، حتى لو بقي حاضرًا على الخريطة. في زمن المدن الصاعدة والروايات المتنافسة، لم يعد النفوذ مسألة سيطرة فقط، بل مسألة معنى.