شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

مع المنظمة الدولية للفرنكوفونية... الأدب الفرنكفوني يسقط الحدود

صورة للأخبار
صورة المؤلف
نُشر أكتوبر 12, 2026 - 12:22

نثر شعري أم شعر نثري؟ هذا هو الانطباع الأول الذي يأسُر قارئ رواية "هذه الأغنية القديمة التي تحترق" (Cette vieille chanson qui brûle). فالكتابة تشكل جوهر الرواية الثانية للكاتب ألكسندر لينو، وهي تجذب القارئ بجملها الطويلة والغنية أكثر مما تفعل عبر حبكتها الدرامية. تتناول الرواية روابط عائلية مفككة، والتوأمة، والهوية الهجينة، والبحث عن الحب والاعتراف، فضلاً عن البيئة والنضال. وعلى الرغم من تشعب المواضيع، ينساب النص بسلاسة، إذ يجرف الكتابُ القارئ في سلسلة من الأحداث القاسية التي تتناغم مع كتابة ذات قوة كبيرة.

 

هذا النص بالذات هو ما اختارته "جائزة القارات الخمس للفرنكوفونية" لتكريمه في دورتها الخامسة والعشرين. وهو خيار ذو أهمية خاصة، في وقت تحتفي فيه الجائزة بربع قرن مُخَصَّصٍ للأدب الناطق بالفرنسية حول العالم.

 

فمنذ تأسيسها عام 2001، تسعى الجائزة إلى تسليط الضوء على أعمال تعكس تنوع الخيال باللغة الفرنسية. ولا يقتصر هذا التنوع على الجغرافيا فحسب، بل يتجلى أيضاً في العوالم والحساسيات والأشكال الأدبية التي تتيح اللغة الفرنسية الجم بينها. فالمسألة تتعلق أيضاً بالظهور، في مشهد للنشر لا تحظى فيه كل الأعمال بالفرص نفسها للوصول إلى الجمهور.

 

فرواية "هذه الأغنية القديمة التي تحترق" تعبر عن هذا الأدب الفرنكفوني الذي ترعاه الجائزة: أدب لا يتحدد بأصل معين ولا بمدرسة، ولا بإقليم واحد، بل بقدرة اللغة على احتضان قصص وخيالات متنوعة. ولأنه ولد لأب فرنسي وأم مصرية، يجسد لينو، بمسيرته وكتابته، فكرة اللغة الفرنسية التي تتداخل فيها انتماءات عدة. وقد شاركت ست لجان قراءة موزعة على الفضاء الفرنكفوني في الاختيار، قبل أن تحسم القرار لجنة تحكيم دولية تضم كتاباً ومتخصصين من خلفيات متنوعة؛ ما منح النص شرعية أدبية وليدة تقاطُع النظر والآراء.

 

جائزة لتعزيز انتشار الأعمال الأدبية

 

أشادت لجنة التحكيم بلغة الرواية "الساحرة"، وبطبيعة "شبه أسطورية" يتشابك فيها الصمت والحب والحداد وإمكانية الغفران. لكن الكتاب يطرح أيضاً سؤالاً حول قدرة الإنسان على بناء ذاته انطلاقاً من النقص. إنه نص يربك القارئ في صفحاته الأولى، ليشده بعد ذلك بقوة إلى عمق عوالم الرواية.

 

ولا يتوقف التكريم عند منح الجائزة فحسب؛ إذ ترافق المنظمة الدولية للفرنكوفونية الفائز في لقاءات أدبية وفعاليات دولية لتعريف الجمهور الجديد بأعماله. كما يهدف هذا الإطار إلى تشجيع تبادل حقوق النشر والنشر المشترك. فالأمر لا يقتصر إذن على مكافأة نص أدبي، بل يمتد إلى إتاحة الفرص له لتجاوز حدود سوق النشر.

 

الترجمة... جسر آخر بين اللغات

 

تجد هذه الحركة امتداداً طبيعياً لها في جائزة أخرى ترعاها المنظمة الدولية للفرنكوفونية، وهي "جائزة ابن خلدون - ليوبولد سيدار سنغور للترجمة"، التي أُنشئت بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألسكو). وقد مُنحت الجائزة عام 2025 للمترجمة ستيفاني دوجول عن ترجمتها لكتاب "أنا حريتي" (Je suis ma liberté) للكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، لتطرح بعداً آخر: إن نقل الأدب وتداوله يعني أيضاً إتاحة الفرصة لعمل مُصاغ بلغة ما ليدخل خيال لغة أخرى، ويغيّر نظرات قد تكون تشكلت بفعل أحكام مسبقة.

 

النص المقتبس من الأصل العربي "حكاية جدار"، ينقل تجربة سجين فلسطيني يحول جدار خليته إلى كاتم أسرار ومرآة لرحلة بحثه عن الحرية الداخلية. لذلك، لا تعتبر ترجمة دوجول، التي حظيت بالإشادة لدقتها ووضوحها وحساسيتها، مجرد انتقال من لغة إلى أخرى، بل هي إتاحة لفرصة اللقاء. فالترجمة هنا لا تقتصر على نقل حكاية، بل تتطلب استعادة صوت وحساسية وأسلوب كتابة، لكي يتمكن قارئ اللغة الأخرى من الشعور بقوتها.

 

وهنا تتلاقى الجائزتان؛ فالأولى تحتفي بالأصوات التي تمنح اللغة الفرنسية حيوية، بينما تكرم الثانية من يتيحون لهذه الأصوات، ولغيرها، عبور الحدود اللغوية. وفي كلتا الحالتين، يتعلق الأمر بحركة النصوص، وكسر العزلة، والحوار، وقبل كل شيء، توسيع الآفاق وتجاوز الحدود.

 

وفي بيروت، تتجسد هذه الحركة الأدبية بشكل ملموس. ففي إطار معرض "بيروت للكتب" (Beyrouoth Livres)، يُدعى الفائزان للقاء الجمهور؛ إذ تحاور ستيفاني دوجول رنا إدريس حول ترجمة "أنا حريتي"، بينما يتبادل ألكسندر لينو الرؤى مع الكاتب اللبناني شريف مجدلاني. وهما لقاءان يعكسان، كلٌّ بطريقته، هدف هاتين الجائزتين: التعريف بالأعمال الأدبية، وإثارة الحوار، وفتح جسور التواصل بين اللغات والمخيلات.

 

وبتقديم هذين الفائزين في لبنان، لا تكتفي المنظمة الدولية للفرنكوفونية بالدفاع عن لغة فحسب، بل تقرب بين ثقافات ربما ما كان لها أن تلتقي لولا هذه الحركة للأعمال الأدبية.

مقالات ذات صلة
عرض الكل

إيفا غونزاليس، حرية رقيقة بريشة الفنانة

بقلم ياسمينا قمير
نُشر أكتوبر 11, 2026 - 03:41
تم التحديث أكتوبر 11, 2026 - 03:45

أخبار أيلول: معركة لبنان

بقلم نديم تابت
نُشر أكتوبر 4, 2026 - 21:58
تم التحديث أكتوبر 8, 2026 - 03:04

مهرجان سمير قصير، أو لبنان الذي لم يولد بعد

بقلم جاد الاخوي
نُشر سبتمبر 17, 2026 - 21:05
تم التحديث سبتمبر 25, 2026 - 22:12

عن راهنية فكر هابرماس

بقلم نانيت زيادة-ريتر
نُشر أغسطس 24, 2026 - 15:04
تم التحديث سبتمبر 14, 2026 - 20:02

هل يمكن صياغة سياسة ثقافية في لبنان؟ (2/2)

بقلم فابيين توما
نُشر يونيو 17, 2026 - 09:54
تم التحديث سبتمبر 4, 2026 - 06:37

المزيد من نانيت زيادة-ريتر

عرض الكل

المزيد في ثقافة

عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل

الأحدث من Levant Time

عرض الكل