شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

الأكورديون الذي يخدع العنف

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم نانيت زيادة-ريتر
نُشر أبريل 7, 2026 - 17:20

بينما كنت أتجول في شوارع حيي، صادفت مشهدًا من أغرب المشاهد: عازف أكورديون يعزف لا لأحد وللجميع. ليقدم لحظة سعادة في بلد يبدو أنه مفتون بالعنف. إنه لا يبحث عن مال ولا اهتمام. يعزف ليشارك سحر الموسيقى مع أولئك الذين ما زالوا يعرفون كيف يشعرون بها.

توماس قسيس. هذا هو اسمه. الاسم الذي منحه إياه والداه بالتبني بعد أن تنقل من دار إلى أخرى، واللذان اختارا الاحتفاظ به في النهاية. والداه البيولوجيان؟ لا يعرفهما. يعمل توماس أيضًا في قطاع البناء، وهو قطاع تضرر بشدة من الوضع الحالي. لكنه مع آلة الأكورديون يعيش قصة حب حقيقية. قصة حب عذري بدأت تتفتح في عام 2017.

عندما كان طفلاً، كانت آلة الهارمونيكا التي يعزفها في المنزل تزعج العائلة. استسلم... حتى يوم من الأيام، وبصفته عصاميًا، قرر أن يعزفها في الشوارع، على أمل أن يلامس قلوب الأطفال. من بين 1000 طفل، يأمل أن ينجذب اثنان أو ثلاثة منهم إلى الآلة.

الأكورديون، آلة موسيقية عمرها آلاف السنين

وُلد الأكورديون في أوائل القرن التاسع عشر في أوروبا، وتم تسجيل براءة اختراعه رسميًا عام 1829 في فيينا على يد سيريل ديميان. ومع ذلك، يعتمد عمله على مبدأ أقدم بكثير: القصبة الحرة، الموروثة من آلة الشينغ، وهي آلة موسيقية صينية عمرها آلاف السنين. صُممت منذ البداية كآلة عملية، قادرة على إنتاج اللحن والمرافقة في آن واحد، وقد شهدت تطورًا سريعًا طوال القرن التاسع عشر بفضل الابتكارات التقنية التي أثرت لوحة مفاتيحه ووسعت إمكانياته الصوتية.

سرعان ما تبناه الأوساط الشعبية، وسافر الأكورديون مع الهجرات الأوروبية واستقر بشكل دائم في العديد من الثقافات الموسيقية: من الموسيت الفرنسي إلى تقاليد أوروبا الشرقية، مروراً بالأنماط اللاتينية الأمريكية. يأتي في عدة أشكال - دياتوني، كروماتيكي، أو لوحة مفاتيح بيانو - ويزداد تعقيدًا تدريجيًا. بعد أن ارتبط لفترة طويلة بصورة فولكلورية، فرض نفسه اليوم في الموسيقى التقليدية، الجاز، الإبداع المعاصر، والمسرح الكلاسيكي.

شغف يُورث

لطالما ارتبط الأكورديون بالموسيقى الشعبية، لكنه يكتسب معناه الكامل عندما يقدمه توماس قسيس، العاشق الكبير لهذه الآلة، لأولئك الذين يعرفون كيف يُصغون. وكما يقول، هذه الآلة تغذي روحه وتفتح الأبواب السماوية. يعرف الأشخاص الذين يتمتعون بالإنسانية والحساسية كيف يقدرون البعد الروحي للأكورديون، الذي يهدده اليوم عالم "مُجرد من الإنسانية تمامًا"، كما يعرب توماس عن أسفه.

بالنسبة له، الأهم هو أن يظل الأكورديون موجودًا. ومن هنا تأتي أهمية تعريفه للأطفال بطريقة طبيعية، وليس من خلال آلات مبسطة حيث يكفي الضغط على زر لإنتاج لحن. بالنسبة لتوماس، هذا هرطقة تخنق أي إبداع.

قوة الموسيقى في بلد يمر بأزمة

ربما لا تكون قصة توماس قسيس استثنائية، لكنها تصبح فريدة من نوعها في السياق الحالي للعنف المطلق، حيث يكافح الحلم والشعر لإيجاد مكانهما. ومن سخرية القدر، فإنه في خضم ربيع الشعراء، الذي كان موضوعه هذا العام "الحرية. قوة حيوية، منطلقة"، يجوب توماس الشوارع، ينثر بعض النغمات القادرة على بث القوة والطاقة في نفوس اللبنانيين، الذين أرهقتهم الحروب والأزمات، ولكنهم ما زالوا يحملون دافعًا هشًا للحياة.

دليل آخر على أن هذه الآلة، التي يعود صوتها الفريد إلى البهجة، يمكن أن توحد، وتحفز على إعادة التفكير في السعادة، تلك اللحظة العابرة التي لا تتوقف عن الهروب منا.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل