شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (3/3)

صورة للأخبار
«لننهضْ معاً، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران)
صورة المؤلف
بقلم ميشا مسلم
نُشر مايو 21, 2026 - 20:56

كما أشرنا في مقالات سابقة، جبران خليل جبران فنانٌ متعدد المواهب فهو الشاعر والمفكّر والكاتب والرسام ذو الموهبة الفذة. ورغم أن شهرته في الغرب تقوم أساسًا على مؤلَّفه الأدبي «النبي»، الذي نُشر بلغات عديدة، فإن رسوماته لا تقلّ تميزًا، وقد حظيت بالتقدير والاعتراف بها في حياته.

 

«الفن هو تعبير عن الفكر بالفرشاة، أو الإزميل، أو القلم، أو النغم.
إنه تلك الشرارة الإلهية التي تشتعل في أعماق كلّ منا».

 «أودّ أن أرسم ما يكمن في أعمق أعماق القلب البشري».

 

أظهر جبران براعة في الرسم منذ طفولته. وفي عام 1904، عُرضت رسومه الأولى في محترف فريد هولاند داي في بوسطن، بفضل ماري هاسكل، مرشدته وراعيته. وفي عام 1908، وبتشجيع منها، التحق بأكاديمية جوليان وبمحترف النحات أوغست رودان في باريس، بهدف صقل تقنيته في الرسم. وقد ترك هذا اللقاء مع رودان أثراً عميقاً في رؤيته للجسد البشري، حتى إن رودان شبّه جبران بالفنان وليم بليك. وعلى غرار بليك، حرص جبران على تزيين نصوصه برسومه الخاصة، سعياً منه لتقديم عمل فني «متكامل» يتناغم فيه الحرف والصورة صدىً واستجابة.

 

وفي باريس أيضاً، تتلمذ جبران على يد الرسام بيير مارسيل بيرونو، الذي نالت مزاياه ونزعاته الروحية إعجاباً خاصاً منه.

 

إن جبران الرسام، تماماً كجبران الكاتب، خلاصة دمجٍ بين عالمين: من جهة، الولايات المتحدة الأميركية ودراسته الأكاديمية الباريسية، ومن جهة أخرى، جذوره اللبنانية الغارقة في جمال الجبل وروحانيته الغيبية.

 

self contemplate

«الاستغراق في الذات، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران)

نتاجه الفني

 

يُعدّ جبران في الجوهر فناناً عصامياً، وقد أنتج أعمالاً فنية غزيرة. فمنذ بداياته، عُرضت نتاجاته في قاعات مرموقة، لا سيما في «غاليري مونتروس» (Montross Gallery) وعند «إم كْنودلر أند كو» (M. Knoedler & Co) في نيويورك.

 

أسلوبه: الرمزية الغيبية

 

«لا يكمن الفن في محاكاة الواقع،
بل في التقاط العاطفة

التي يوقظها هذا الواقع في نفوسنا».

 

تأتي أعمال جبران التشكيلية امتداداً لفلسفته؛ فنتاجاته لم تُصنع لمجرد النظر إليها، بل لتكون محطّ تأمل عميق.

 

يندرج أسلوب جبران ضمن رمزية رومانسية وروحانية، نأت بنفسها عن التيارات السائدة في عصره كالتكعيبية أو الوحشية. فقد منح الصدارة للجسد البشري، الذي رأى فيه هيكلاً للروح و«الجمال في أصفى تجلياته». ومن خلال الملامح البشرية، سعى إلى التقرب من الخالق وإظهار وحدة الكون. وتبدو شخوصه، وغالباً ما تكون عارية، تجسيداً للبشرية في حالة طهرها الأصيل، مجردةً من القيود والاعتبارات الاجتماعية. أما الأجساد ذات الخطوط الضبابية والأثيرية، فتبدو وكأنها تنبثق من ضباب أو حلم، في إشارة إلى أن الروح تنعتق من المادة.

 

غالباً ما وظّف جبران الألوان الخافتة، بتدرجات البني، والأزرق الشاحب، والبيج الوردي. وتأتي ضربات ريشته المائية خفيفة، تكاد تكون شفافة.

 

وقد برع في الرسم بأقلام الرصاص، والفحم، والألوان المائية. كما حافظت لوحاته الزيتية على النعومة الانسيابية ذاتها، مُغلِّبةً العاطفة على حساب الواقعية.

 

Mona Lisa triste

«الموناليزا الحزينة، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران)

أين يمكن مشاهدة أعماله؟

 

يضمّ متحف جبران في بشرّي بلبنان المجموعة الأكبر من أعماله. كما تتوزّع نتاجاته الفنية على كبرى المتاحف الأميركية، وفي مقدّمها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، ومتحف نيوارك، بالإضافة إلى متحف للفن الحديث في قطر.

 

متحف جبران

 

يقع المتحف في مسقط رأسه، بشرّي، الرابضة في وادي قاديشا، وتحديداً في دير مار سركيس القديم، وهو موقع محفور في الصخر تعود جذوره إلى القرن السابع للميلاد.

 

في أواخر أيام حياته، تمنّى جبران تملّك هذا الدير ليكون صومعته الأخيرة ومدفناً له. وبعد وفاته، حققت شقيقته ماريانا أمنيته بشرائها المكان، مدعومةً من راعيته ماري هاسكل.

 

وقد افتتح المتحف أبوابه رسمياً عام 1975، حيث يتوزع على ست عشرة قاعة، ويحتضن ضريح جبران بالإضافة إلى أكثر من 440 لوحة وعملاً فنيّاً أصليّاً. كما يضم مقتنياته الشخصية، ومكتبته الخاصة، وأثاث محترفه في نيويورك، ومخطوطاته، والأهم من ذلك كله، كتابه المقدس.

 

وتتولى اللجنة الوطنية لجبران إدارة هذا الصرح، ساهرةً بحرص شديد على صون إرثه الثقافي ونقله إلى الأجيال.

 

Exiled from love

«المنفيّ عن الحب، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران)

(إعادة) اكتشاف جبران

 

«عندما تبلغون قمة الجبل، تبدأون حينها بالصعود».

 

إن السبيل الوحيد لـ (إعادة) اكتشاف جبران الرسام، يكمن في زيارة متحفه في بشرّي، والانغماس في الأجواء الفريدة التي يكتنزها المكان والطبيعة المحيطة به، ومن ثمّ التمهّل للتأمل أمام لوحاته.

 

أما بالنسبة إلى الكاتب، فالأمر يتطلب اقتناء مؤلفاته الكاملة وقراءتها رويداً رويداً بلغتها الأصيلة، مع تذوّق كل كلمة كرحيق ثقيل وثمين.

 

«بُرهة وجيزة، وقفة راحة على أجنحة الريح، وتلدني امرأة أخرى». (النبي)

 

اقرأ أيضاً: 

جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (1/3)

جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (2/3)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل