شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

هل يمكن صياغة سياسة ثقافية في لبنان؟ (2/2)

صورة للأخبار
حفل افتتاح مهرجانات بيت الدين، 10 تموز 2025. (جوزيف عيد / أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم فابيين توما
نُشر يونيو 17, 2026 - 09:54

في مقال سابق، أشرنا إلى أنه على الرغم من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان، لا يزال المشهد الفني اللبناني يثبت قدرة استثنائية على الصمود، سواء في الداخل أو في بلاد الانتشار. فبين معارض ومهرجانات، وافتتاح صالات عرض، وتأسيس مؤسسات جديدة، فضلاً عن المبادرات المعنية بحفظ التراث، لم ينطفئ بريق الحراك الفني والثقافي المرتبط بلبنان يوماً، متحدياً كل العواصف. بل على العكس من ذلك، يبدو أنه يستعيد اليوم دينامية متجددة تساهم في بلورة ديبلوماسية ثقافية على الساحة الدولية، وتستشرف ملامح سياسة ثقافية نوعية خاصة ببلد الأرز.

 

 ولكن، هل يتيح لنا هذا الواقع، تحديداً، التحدث عن سياسة ثقافية حقيقية؟ سؤال يفرض نفسه في وقت تكثّف فيه وزارة الثقافة اللبنانية مبادراتها، وتُبدي رغبة واضحة في إعادة تموضع الثقافة كقطاع حيوي يساهم في النهوض بالبلاد.

 

وعموماً، يُقصد بالسياسة الثقافية مجمل الإجراءات التي تتخذها السلطات العامة بهدف دعم الإبداع، وحماية التراث، ونشر الثقافة على أوسع نطاق، وتحفيز الإدماج الاجتماعي، وتحقيق الإنصاف بين المناطق. وهي تفترض وجود رؤية وطنية متماسكة، إلى جانب آليات كفيلة بضمان استدامة العمل الثقافي.

 

بيد أن قراءة المشهد الثقافي اللبناني الراهن تضعنا أمام خلاصة بديهية: ثمة حراك كثيف يشهده البلد، إلا أن غالبية المبادرات لا تزال حكراً على بيروت. ومع ذلك، فإن هذه المركزية لا ينبغي أن تنسينا الحيوية المتجددة في المناطق. ويشكّل إعادة افتتاح سينما "إمباير" في طرابلس، على سبيل المثال، إشارة دالة في هذا السياق، من شأنها إنعاش الثقافة وإحياء الذاكرة الجماعية للمدينة، واستعادة المكانة التي طالما احتلتها طرابلس في تاريخ السينما اللبنانية.

 

وتشهد مبادرات أخرى أيضاً على انتعاش النشاط الثقافي خارج العاصمة. ففي زحلة، يجسد مشروع المتحف المخصص لسعيد عقل الرغبة في تعزيز البنى التحتية الثقافية في المناطق. وفي صور، تساهم اليوم إعادة تأهيل دور السينما القديمة، مثل سينما "ريفولي"، في إعادة إنشاء مساحات للقاء والحوار، وهي مساحات تكتسي أهمية خاصة في سياق طبعته صدمات النزاعات الأخيرة.

 

وفي الشوف، تساهم المشاريع المتعلقة بالتراث، والتي تدور حول دير القمر وبيت الدين، فضلاً عن تطوير الإقامات الفنية، هي الأخرى في تحقيق حضور أفضل للنشاط الثقافي على كامل الأراضي اللبنانية. هذا دون أن ننسى المهرجانات في مناطق عدة من لبنان: جبيل، الأرز، جونيه، بعلبك، بيت الدين، وغيرها. وتظل هذه المبادرات أحياناً متفرقة وأقل وضوحاً للعيان من تلك التي تشهدها بيروت، إلا أنها تذكر بأن الحيوية الثقافية اللبنانية لا تقتصر على العاصمة وحدها.

 

بناء منظومة ثقافية

 

على الرغم من جهود اللامركزية هذه، فإن مواقع العرض الرئيسية، والمؤسسات الثقافية الكبرى، وغالبية التمويل لا تزال تتركز في بيروت. إذ تفتح صالات عرض جديدة أبوابها بانتظام، وتعيد مؤسسات أخرى هيكلة نفسها، بينما يستأنف بعضها الآخر نشاطه تدريجياً، كما حدث مؤخراً مع "سينماتيك بيروت" (خزانة السينما)، وسينما "متروبوليس"، أو حتى، عما قريب، "السينما الكبيرة" (le Grand théâtre) في بيروت؛ في حين تعيد الوزارة إطلاق العديد من الفعاليات والمشاريع المرتبطة بالتراث.

 

ومع ذلك، فإن الأسئلة المطروحة منذ سنوات عدة – والتي جرى تحديدها بالفعل في تقارير وزارة الثقافة – لا تزال قائمة. فكيف يمكن الحديث عن سياسة ثقافية وطنية حقيقية في وقت لا تزال فيه مشكلات النقل، والوساطة الثقافية، واللغة، أو حتى الوصول إلى المناطق، غير مستوفاة الحلول إلى حد كبير؟

 

ولعلّه يتعيّن علينا حينها قراءة الوضع من منظور آخر. فهذه التقارير الأخيرة نفسها الصادرة عن وزارة الثقافة، لا سيما تلك المخصصة للصناعات الثقافية والإبداعية وكذلك منتدى الفنون البصرية، تُظهر أن الهدف الحالي ربما لا يكمن بعد في إرساء سياسة ثقافية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل في صياغة استراتيجية. وبناءً على ذلك، يبدو أن الأولوية تكمن في مكان آخر: بناء أسس منظومة ثقافية حقيقية قادرة على أن تصبح شريكاً اقتصادياً استراتيجياً وقائماً بذاته.

 

إن الرهان هنا يكمن في تحويل صمود الفنانين والمؤسسات الثقافية إلى تنمية مستدامة، ووظائف، ونمو اقتصادي. بيد أن هذا الطموح يكشف عن واقع غالباً ما طواه النسيان: إن مشكلة القطاع الثقافي اللبناني لا تكمن في غياب الفاعلين، طالما أن البنى التحتية والمؤسسات قائمة بالفعل. ففي مجال الفنون البصرية، على سبيل المثال، تحظى جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت وكذلك نقابة محترفي الفنون التشكيلية والبصرية باعتراف رسمي. ومع ذلك، فإن العديد من الفنانين يجهلون آليّة عملهما أو حتى وجودهما. وعليه، فإن المشكلة لا تعود إلى غياب المنظمات، بقدر ما ترتبط بضعف حضورها، أو نقص أنشطتها، أو الصعوبة التي تواجهها في توحيد أهل المهنة.

 

عجز في المواكبة والدعم

 

تطرح هذه المسألة نفسها أيضاً في قطاع الموسيقى والفنون الحية. إذ يختار العديد من الموسيقيين والمغنين اللبنانيين اليوم إيداع أعمالهم أو التصريح عنها لدى جمعية مؤلفي الملحنين وناشري الموسيقى "ساسيم" (Sacem) في فرنسا، على سبيل المثال، بدلاً من الاعتماد على الآليات القائمة في لبنان. وغالباً ما يكشف هذا الوضع عن نقص في المعلومات، فضلاً عن ضعف ظهور آليات حماية الحقوق وإدارتها على المستوى المحلي.

 

وعلى نطاق أوسع، يعاني القطاع الثقافي اللبناني من عجز في المواكبة والدعم في مجال الملكية الفكرية. فبينما تمتلك فرنسا مؤسسات محددة بوضوح مثل "ساسيم" للمؤلفين والملحنين، و"ساسد" (SACD) لمؤلفي الأعمال الدرامية والسمعية البصرية، و"سبيديدام" (Spedidam) لفناني الأداء، أو حتى المعهد الوطني للملكية الصناعية (INPI) لشؤون هذا القطاع، فإن الهياكل الموازية لها في لبنان تظل غير معروفة كفاية من قِبل الجمهور العريض، بل وحتى من قِبل المهنيين في هذا القطاع أحياناً. ومع ذلك، يمتلك لبنان، على سبيل المثال، مصلحة حماية الملكية الفكرية التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة، والمكلفة خصوصاً بالمسائل المرتبطة بحقوق المؤلف، والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع. وعليه، يبدو أن التحدي لا يكمن في الغياب التام للآليات والتدابير، بقدر ما يرتبط بظهورها، وإمكانية الوصول إليها، واستيعابها من قِبل الفاعلين الثقافيين أنفسهم.

 

وينطبق الوضع نفسه على الوضع المهني للفنانين. إذ يعمل الكثير منهم بلا عقود، ومن دون حماية اجتماعية، ودون معرفة حقيقية بحقوقهم. وتظل المسائل المرتبطة بالملكية الفكرية، أو حقوق المؤلف، أو آليات الحماية القانونية، غير معروفة في كثير من الأحيان. ويواجه العديد من الفنانين اللبنانيين صعوبات في الخارج لمجرد نقص المعارف القانونية لديهم أو عدم فهم الرهانات المرتبطة بالملكية الفكرية؛ وهي مواقف كان يمكن تجنبها غالباً بفضل تأهيل وتدريب أفضل.

 

وفي التقارير الصادرة مؤخراً، جرى بالفعل تحديد هذه المشكلات، وتتمثل في: غياب وضع مهني للفنانين، ونقص التنسيق بين المؤسسات، وعدم كفاية آليات التمويل، والصعوبات المرتبطة بحماية التراث، فضلاً عن المركزية المفرطة للأنشطة الثقافية. بيد أن هذه التقارير تقترح أيضاً مسارات ملموسة، ومنها: تعزيز المنظمات القائمة، وتدريب المهنيين، وحماية الأرشيف، ودعم الإبداع، وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، أو حتى تحسين الاعتراف القانوني بالفاعلين في هذا القطاع.

 

ولهذا السبب، تبرز مأسسة القطاع وتأهيله مهنياً اليوم كأحد أبرز الرهانات. إذ بات من الضروري تدريب الفنانين على حقوقهم، وكذلك تدريب المهنيين الثقافيين على واقع القطاع. وفي هذا الصدد، توجد بالفعل مبادرات عدة؛ ومن بينها على سبيل المثال، برنامج الماجستير في إدارة الفعاليات في جامعة القديس يوسف، وهو البرنامج الوحيد من نوعه في لبنان، إذ يساهم تحديداً في تأهيل الكوادر الثقافية المستقبلية من خلال تناول إدارة المشاريع، والإدارة الثقافية، والوساطة، والتواصل، فضلاً عن الرهانات المرتبطة بالسياسات الثقافية.

 

وعلى المنوال نفسه، تقدم كلية إدارة الأعمال (ESA) برامج تدريبية في الإدارة الثقافية وإدارة الفنون، وهي برامج تدمج أيضاً الأبعاد القانونية والتعاقدية وتلك المرتبطة باقتصاد الثقافة.

 

الحراك الثقافي يستعيد نبضه

 

يُعدّ هذا البعد جوهرياً؛ فإلى جانب الإبداع الفني، تبرز الحاجة أيضاً إلى تأهيل الكوادر التي ستتولى غداً بناء المؤسسات والمشاريع والآليات الكفيلة بمواكبة تطوير هذا القطاع على نحو مستدام. وتتقاطع هذه الرؤية مع التوجهات التي يدافع عنها حالياً وزير الثقافة، غسان سلامة، والذي يسعى إلى إعادة الثقافة إلى مكانة مركزية في مشروع إعادة إعمار البلاد، سواء داخل لبنان أو لدى الاغتراب والشركاء الدوليين. وبناءً على ذلك، فإن الركائز أصبحت قائمة بالفعل.

 

إن ما يبدو أنه آخذ في التبلور اليوم ليس سياسة ثقافية ناجزة بالكامل بقدر ما هو استراتيجية تهدف إلى هيكلة قطاع ظل لفترة طويلة يرتكز، بشكل شبه حصري، على التزام فاعليه وصمودهم. وقد تأتي السياسة الثقافية الحقيقية في مرحلة لاحقة؛ وغالباً لن تتبع نموذجاً أوروبياً أو فرنسياً، بل ستأخذ شكلاً يتلاءم مع الواقع اللبناني، وآليات العمل المؤسساتي في البلاد، وتنوعها، فضلاً عن الدور الأساسي الذي تلعبه المبادرات الخاصة والأهلية والجامعية.

 

ومع ذلك، ثمة أمر واحد مؤكد: الحراك الثقافي يستعيد نبضه في لبنان. وإذا كان على الفنانين مواصلة الإبداع، فقد بات من المهم بالقدر نفسه تأهيل أولئك الذين سيشاركون غداً في تنظيم هذه الثقافة، ووساطتها، وإدارتها، ونقلها. ذلك أن إعادة بناء قطاع ثقافي مستدام يمر عبر الأعمال الإبداعية بقدر ما يمر عبر البنى والهياكل التي تمنحها الحياة وتضمن استمراريتها.

 

إقرأ أيضاً:

الدبلوماسية الثقافية اللبنانية: بين التألق والتضامن والمقاومة (1/2)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل