شعار Levant Time
العودة إلى المقال
ثقافة

وليد رعد و"فولسفاكن الحرب الطائرة "

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم يقظان التقي
نُشر مايو 17, 2026 - 15:20

عودة فنيّة استثنائيّة للفنان  التشكيلي اللبناني وليد رعد بعد أربعين عامًا أو نحو ذلك قضاها في نيويوك ليعرض مجدداُ أعماله في معرض يقام في بينالي فينيسيا ، ثم في مهرجان الخريف في باريس.معرض كبير يبدأ بـ "هيكل مقلوب" لسيارة فولكسفاغن بيتل ، في فضاء تشكيلي طليعي متسع بالأفكار الموهوبة الصادرة عن تصميم الخيالات في إدانة تنظيم الحروب والقنابل الجديدة بدون أي ملل في الموازين أو آليات التصميم. وهو فن ينسج التلاعب بالافكار، بالأرشيفات الخيالية حول الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وحول "سوق الحرب"، التي  تستمر في موقع المنافسة  الفنيّة، وجعل الأفضل ينتصروهمياً في تصميم الخيالات ، التي تتميز بسخرية شعرية تمّ إنشاؤها في ثقوب ذاكرة لبنان.
من لا يتذكر القصف الذي شنته البحرية الأمريكية بعد أولى الهجمات االدموية / االانتحاريّة  التي نفذتها حركة حزب الله العقائدية  في شباط /  فبراير 1984 ضد "قوات المارينز" ألأميركية  المتمركزة في لبنان، وحيث أطلقت الباخرة الحربية "يو إس إس نيوجيرسي" المتجهة إلى لبنان 16 قذيفة بحجم 300 بوصة باتجاه مواقع سورية ودرزية، قذائف يزن كل منها وزن سيارة فولكسفاغن بيتل - ومن هنا جاء الاسم الذي أطلقه اللبنانيون على هذه القذائف، "فولكسفاغن الطائرة".

 سقطت إحدى هذه القذائف في حديقة الشاب المراهق في في بلدة بمريم في  جبل لبنان. آنذاك ، حول وليد رعد، هو وأبناء عمومته فوهة القنبلة إلى مسبح للعب فيه.

إنها الحرب التي يمكن اختبارها مجدداً، أو اللعب  فيها من أجل عيش السلام بعد زمنٍ مع فنان كبير، الشخصية البارزة في الفن المعاصر اللبناني، المولود عام 1967، مؤيد ومتحمس لقناعاته القوية في أن الحقيقة  الإنسانية تتعرض لهجوم. فتصبح الحرب شيئاً عادياً .هكذا عليه الأمور في تقارير القوة . كأنه تجهيز الخطأ. ليس أقل جاذبية من الحقيقة، ما دام التقدم إليها هو شيئ آخر تماماً.


منذ عام 1993، يعيش وليد رعد في الولايات المتحدة، ويعود إلىه مرات تقريبًا كل شهر، حيث لا يزال يعيش أفراد عائلته في بيروت. كان شارك العام 1997 في أنشطة "مؤسسة الصور العربية"، التي تهدف إلى جمع وتقييم التراث البصري لشرق أوسط وشمال أفريقيا والشتات العربي.

على مدى عقود، تمايزت أعماله التي تم عرضها في متحف الفن الحديث في نيويورك أو في "دوكيومينتا" في كاسل، كشخصية رئيسية في "SFA"، بالخيال العلمي العربي، الذي ينتقد الروايات الرسمية، والذي يتم التعرف عليه بشكل خاص اجتراحات فنيّة لمجموعة من الفنانين اللبنانيين، الذين يعيشون هناك ، أو أعضاء في الشتات، والذين يشتركون في هاجس واحد حول فجوات ذاكرة بلدهم. وهو شارك عروض العديد من زملائه، مثل ربيع مروة، أكرم زعتري، خليل جريج، أو جوانا حاجي توما ، وحاليًا معًا في مؤسسة "سايكاليس باي" في ميلانو، ضمن معرض"Crossroads: Beirut contemporary"  . يحكيّ المعرض عن "مدينة شكلتها دورات البناء والتدمير وإعادة بناء ما بعد الحرب ليس كتراث خطيّ، بل مع الأرشيفات التالفة، والأرض غير المستقرة، والمواد الهشة، والانفصالات الزمنية."


عرف وليد رعد بأنه "مبدع في الأخبار الكاذبة حول الشرق الأوسط، "، مخترع أرشيفات وهمية حول الحرب التي عاشها في طفولته في حركة الفن الحر، كما الشعر الحر، جزءاً من قصص الشباب السياسية والاجتماعية والثقافية بين الالتزام واليوتوبيّة الواقعية والتمرد.

 يعرض حالياً صورًا أرشيفية بالأبيض والأسود لأسطول أمريكي، كما في في احساس فردي بقصص الأسلحة والأطفال. ولكن، أين تبدأ الحدود بين الخيال والحقيقة في ما ترى العين من نار الحرب الكثيفة في الشرق الأوسط  وسبل النجاة والصورة لا تزال مرئية هناك ، يستطيع أن يراها في كثير من طبقات الذاكرة المجمدة / المسكونة بهوة حفرة الحرب واللعب. يعيد نظره توصلاً لإكتشاف ما تبقى من تلك الطفولة حين تعرى من ادعاءاتها الخاطئة. فلا مصدر للجمال إلا من خلال الجرح الاستثنائي الظاهر في أعماله، حيث يقرر كسر الانزواء عن العالم وإعلان وحدة مرحليّة وإن عميقة.  

 إنها نفس الحقبة في الثمانينيات، حيث كانت الميليشيات المسلحة اللبنانية تطلق على زعماء القوى المختلفة أسماء رموز، وأن كل واحد كان يحمل اسم زهرة. يقول رعد في غاتلوغ المعرض" كانت المرأة المسؤولة عن وضع هذا الترميز ، قد درست علم النبات في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد قامت أيضًا بعمل "كولاج" لصور حسني مبارك برأس زهرة "الفاوانيا". ويروي "كيف أن ياسر عرفات، الذي كان هدفًا للعديد من محاولات الاغتيال، لم ينم أبدًا في نفس السرير ، وأن مؤرخًا مهووسًا وجد هذه الطبقات المختلفة من خلال تصفح- كما قد تفعل صوفي كالي-  لغرف الفنادق في باريس والقاهرة لالتقاط الصور التي يعرضها وتشبه وثائق تلك الفترة. وهذه الملاحظات تبدو معلومات "موثوقة " قبل أن تكتشف أنه يلعب في "محفورات الحرب" ، كما لعب الطفل  في "فوهة القنبلة". وأن هذه الصور "المزيفة". هذه "الأسرة الفارغة" التي شغلها أحيانًا "قادة منظمة التحرير الفلسطينية" في "استراحة المحارب المستحيلة"، وعن طريقها ترى شعبًا بأكمله. تبحث عن "جثث ناجية"، أو عن "قضية لا تنام أبدًا". بعض هذه الصور حقيقية، والبعض الآخر تم تشكيله ليصبح كذلك في متاهات الخيال،  كما كان  يفعل منذ عام 1989، تاريخ تأسيس مؤسسته المسماة "مجموعة أطلس"، وهي مجموعة من "الباحثين المزيفين" (أنهت نشاطها في عام 2004، ولا تضم سوى عضو واحد، وهو وليد رعد). وببساطة، اليوم، هو يؤرخ للأرشيفات الزائفة الجديدة في مواجهة "نقص الأرشيفات الموثوقة" حول تاريخ لبنان المعاصر.

وباستخدام تقنية "الخيال العلمي العربي" (SFA)، يضع وليد رعد، في سياق ما بعد الحرب، أسئلة حول البنى السياسية والذاكرة والتعويض في بلد شهد حروبًا متتالية. من خلال مقاربة ساخرة حداثية وأسطورية وشاعرية، مشغولة بنوع من الهوس المتكرر، تستجيب جميعها بطريقتها الخاصة لمنطق الصدمة والتكرار الايقاعي التركيبي لحرب الأمس،  أوغداً ، ضمن مصائر يحذف منها الموت في آلأمه ، وفي  سخرية من القدر والتاريخ ، لأن الحرب لم تتوقف أبدًا، حقائق مصنوعة لتبقى قاسية جداً للتعبير عن الصراع  الأبدي. ورعد ضد الرمزية الهشة ، اي الوقوف عند ذاكرة الأطفال فقط ، لا يستطيع أن يعيش الطفل من دون أن يكبر شيئاً . ليس سوى صانع ألعاب، وأي أهمية لذلك كما يقول نيتشيه. فيلعب رعد دور السلطة الفنية وما إليها وما فيها وما عليها. ليس بالمعنى السياسي الحاسم ، بل بالمعطى الدرامي لحالة الحرب، كأداة سخرية من لعبة العبث وما يرتكب من اتنهاكات وهفوات واعتداءات. قد يساعد هذا على التخلص من الشعور بالاحباط، ولو تمكنا من ذلك، كان يمكن أن يكون كل شيئ ممكناً في لبنان .

سينضم بعضهم إلى وليد رعد في بينالي البندقية  ستة فنانين لبنانيين آخرين من  مجموعة تقول شيئًا عن المكانة الاستراتيجية لهذه الساحة الفنيّة في النقاشات المعاصرة حول الذاكرة والأرشيف والسرد وأشكال التعبير في سياق جيوسياسي قاسٍ لظروف الحروب الحالية.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل