شعار Levant Time

ثقافة

عن راهنية فكر هابرماس
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر
أغسطس 24, 2026 - 15:04

في زمن يبدو فيه النقاش العام وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، يتجلى فكر الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) كبوصلة فريدة لا تزال، حتى يومنا هذا، تمسّ أبعاد واقعنا الراهن بصورة صارخة. فهو يخوض في عمق الحداثة العلمانية، ودور الدين، والدولة-الأمة، والقومية في السياق الأوروبي، فضلاً عن مقاربته للفكر النقدي عموماً من بوابة "أخلاقيات المناقشة" و"الحوار الخالي من أي هيمنة". في هذا الإطار، يتعارض فكره مع الطرح القائل بأن الخير والشر يمكن أن تحددهما سلطة مطلقة، أو تقليد جامد، أو حقيقة ميتافيزيقية لا تقبل التشكيك. وعلى الضفة المقابلة، يدافع هابرماس عن وجوب نقاشهما عقلانياً بين أفراد أحرار ومتساوين، داخل فضاء حواري مفتوح. ولد هابرماس عام 1929 في ألمانيا التي كانت تعصف بها آنذاك الأزمات، ونشأ في بيئة بورجوازية محصّنة نسبياً، لكنها لم تكن بمعزل عن الانقسامات الأيديولوجية التي طبعت عصره. انضم والده إلى الحزب النازي، وهي حقيقة عائلية ثقيلة تندرج في سياق بات فيه الانخراط في النظام، بالنسبة للعديد من الناس، بمثابة تحصيل حاصل اجتماعي بقدر ما كان إكراهاً سياسياً. وعانى هابرماس في طفولته أيضاً من الشفة المشقوقة، وهو تشوه ظاهري في مجتمع لم يكن يتقبل الاختلافات الجسدية. خضع في طفولته لعمليات جراحية عدة، مما عمّق لديه الشعور المبكر بالهشاشة وبثقل نظرة المجتمع. وفي مرحلة المراهقة، جرى تسجيله لفترة وجيزة في "شبيبة هتلر"، شأنه في ذلك شأن الغالبية الساحقة من أبناء جيله. غير أن نهاية الحرب العالمية الثانية والاكتشاف التدريجي لجرائم النازية شكّلا لديه صدمة تأسيسية. هذه التجربة القاسية المتمثلة في الانقطاع التاريخي – بما حملته من تعايش بين التلقين العقائدي، ومرحلة إعادة الإعمار، وضرورة التفكير بمنظور مغاير – لعبت دوراً حاسماً في صياغة رؤيته المستقبلية حول الذاكرة والعقل. في مرحلة ما بعد الحرب، واصل دراسته في ألمانيا التي كانت لا تزال تحت تأثير قامات فكرية تورطت مع النظام النازي. وفي سن مبكرة، خاض نقداً لاذعاً للفيلسوف مارتن هايدغر، لا سيما بشأن صمته وانخراطه خلال الحقبة النازية. أثار هذا المقال اهتمام تيودور أدورنو، القامة البارزة في "مدرسة فرانكفورت"، فضمّه إليه كمساعد. على إثر ذلك، اندمج هابرماس في مسار هذه المدرسة النقدية، لكنه سرعان ما بدأ يبتعد عنها تدريجياً. ففي الوقت الذي طوّر فيه روّاد فرانكفورت الأوائل رؤية تشاؤمية حيال الحداثة والعقلانية، حافظ هابرماس على ثقة راسخة بقدرة اللغة والحوار على نسج الروابط الاجتماعية وإنتاج العقلانية. وفي هذا السياق تحديداً، صاغ ما أسماه "أخلاقيات المناقشة"؛ ومفادها أن المعيار لا يكتسب مشروعيته إلا إذا حظي بقبول جميع المعنيين في ظل حوار حر خالٍ من أي هيمنة. وعليه، فإن الأخلاق لا تستند إلى حقيقة خارجية، بل إلى جودة العملية التداولية ذاتها. وبخلاف سقراط، الذي كان يسعى إلى استخراج حقيقة يُفترض أنها موجودة مسبقاً، يشدد هابرماس على الإجراء نفسه: فالمناقشة هي التي تؤسس للشرعية والصلاحية. أفضت هذه التأملات إلى بلورة نظريته حول "الفعل التواصلي". فاللغة، في منظوره، ليست مجرد أداة للتبادل، بل هي فضاء محكوم بمتطلبات ضمنية: الحقيقة، والصدق، والعدالة. أن تتكلم يعني أن تدخل حكماً في علاقة اعتراف متبادل. ومن هنا تنبع رؤيته للفضاء العام، باعتباره ساحة للتداول الديمقراطي يتكافأ فيها المواطنون في طرح حججهم ومقارعتها. تتمدد هذه الرؤية لتطال تأملاته السياسية حول "الوطنية الدستورية"؛ إذ لم يعد الانتماء السياسي، في مفهومه، يستند إلى الهوية الوطنية أو الثقافية، بل إلى الالتزام بالمبادئ الديمقراطية التي يكفلها الدستور. وتتجذر هذه الفكرة في رفضه للقومية، التي جعلت منها أهوال التاريخ الألماني في القرن العشرين موضوعاً شائكاً بامتياز. وفي هذا السياق، يسعى التزامه بالخيار الأوروبي إلى تجاوز منطق القوة الذي تتبعه الدول-الأمم، ليس بهدف إضعاف ألمانيا، بل لمنع أي هيمنة وطنية على مستوى القارة. وهكذا أضحت أوروبا فضاءً تتقدم فيه لغة التعاون والحوار على منطق موازين القوى. وفي مرحلة لاحقة، أعاد هابرماس النظر في المسألة الدينية. فبعد طول تحفّظ حيال الدين، اتخذ موقفاً أكثر انفتاحاً؛ إذ لا يتعلق الأمر بدمج الإيمان في الفلسفة، ولا بنبذه بوصفه فكراُ غير عقلاني، بل بالاعتراف بأنه لا يزال يكتنز موارد أخلاقية نافعة للنقاش العام. فالأديان، برأيه، لم تعد تنتج رؤية شمولية للعالم، لكنها تصون رؤى أخلاقية جوهرية وتنقلها: كإيلاء العناية للهشاشة الإنسانية، وتعميق الشعور بالمسؤولية، والاعتراف بالمعاناة، والتأكيد على واجب التضامن. كما يشدد على أن الحداثة العلمانية لم تولد من قطيعة تامة مع الدين، بل إنها تحتفظ ببعض من موروثاته. وبالنتيجة، يظل هابرماس فيلسوفاً يحاكي واقعنا الراهن بصورة صارخة، ويجدر بنا اكتشافه أو إعادة قراءته.

«بيبلوس» في معهد العالم العربي: مقاومة ثقافية في مواجهة الحرب

في زمن تتسبب فيه النزاعات بزعزعة التوازنات الثقافية وتهدد مباشرة كنوز الماضي، تتجاوز بعض المعارض الإطار الفني البحت لتتحول إلى أفعال حقيقية من المقاومة الثقافية. وهذا بالضبط ما ينطبق على معرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، المقام حتى 23 آب 2026 في معهد العالم العربي في باريس. فمن خلال نحو 400 قطعة، يستعيد المعرض التاريخ القديم لجبيل، أحد أقدم المرافئ في العالم، فيما يرتبط بشكل مباشر بالراهن وبالنزاع الذي يطاول اليوم لبنان والشرق الأوسط. فالمعرض نفسه، شاء أم أبى، صاغته الحرب أيضاً. ما كان تأثير الحرب على هذا المشروع، سواء على مستوى تنظيمه أو سينوغرافيته؟ فقد تضمّنت هذه الأخيرة عنصراً لافتاً بشكل خاص، هو عبارة «عمل عالق بسبب الحرب». لماذا هذا الخيار؟ هل هو رغبة متعمدة في إثارة مشاعر الجمهور؟ أم فعل مقاومة في مواجهة الراهن؟ أم أمر آخر؟ ثم ماذا اكتشفنا من جديد عن المدينة الألفية؟ وهل أعادت هذه الاكتشافات النظر في بعض الفرضيات التاريخية المتعلقة بالمدينة القديمة؟ وماذا يبقى أيضاً لاكتشافه في هذا الإطار؟ هذه أسئلة تناولناها مع أنييس كارايون، المسؤولة عن المعارض في معهد العالم العربي، في المقابلة المرفقة بالفيديو. تحمّل غياب بعض الأعمال العالقة كان من المقرر أصلاً إقامة معرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية» عام 2024، غير أنه أُرجئ بسبب النزاع في منطقة المشرق، الذي حال دون نقل عدد كبير من الأعمال من لبنان. وبعد عامين، وعلى الرغم من استمرار الوضع غير المستقر، أُعيد إطلاق المعرض، لكن بعض القطع لا تزال عالقة في مكانها. هذه الحقيقة لا يسعى القائمون على المعرض إلى إخفائها، بل يتحملونها بالكامل. فالأعمال الغائبة يُشار إليها داخل المسار بعبارة «أعمال عالقة بسبب الحرب»، بما يجعل الآثار المباشرة للنزاع على حركة التراث مرئية، ويمنح قيمة لا تُقدّر بثمن للأعمال المعروضة كما لتلك الغائبة. ومن خلال تحمّل هذه الغيابات، يكتسب المعرض بُعداً آخر، ويقدّم سرديتين متوازيتين: سردية ذاكرة تمتد آلاف السنين، وسردية تراث هشّ، عالق بفعل الوقائع المعاصرة. إن الحفاظ على معرض من هذا النوع في مثل هذه الظروف يتجاوز الإطار المتحفي البحت. فالأمر يتعلق بالتأكيد أن الثقافة قادرة على الاستمرار رغم الحرب، وعلى مواصلة الانتقال ونقل المعرفة. وهكذا يتخذ معرض «جبيل، مدينة لبنان الألفية» شكل مبادرة مقاومة ثقافية، مذكّراً بأن صون التراث بات اليوم، أكثر من أي وقت مضى، قضية أساسية. غوص في 9 آلاف عام من التاريخ يأخذ المعرض الزائر في رحلة داخل مدينة مأهولة منذ نحو 9000 عام، شكلت ملتقى رئيسياً لحضارات المتوسط وأول مرفأ بحري دولي كبير. فقد أقامت جبيل علاقات وثيقة مع مصر وبلاد ما بين النهرين والعالم الإيجي، وأدت دوراً أساسياً في انتشار الأبجدية الفينيقية. وتشهد الكنوز الملكية والحلي الذهبية وقطع الزينة والاكتشافات الأثرية الحديثة على غنى هذه الحضارة وإشعاعها. وتتواصل هذه الرحلة من خلال برنامج ثقافي يضم مؤتمرات وعروضاً ولقاءات، تتيح التعمق في الرهانات التاريخية والمعاصرة المرتبطة بلبنان وتراثه. وبالتوازي مع المعرض، تعرض قناة ARTE خصوصاً الوثائقي «لبنان، أسرار مملكة جبيل» لفيليب عرقتنجي، والمتاح حتى 9 تشرين الأول 2026 على موقع arte.tv ، بما يمدد الاكتشاف إلى ما هو أبعد من قاعات المتحف. يمكن زيارة المعرض حتى 23 آب 2026. لمزيد من المعلومات، يمكن الدخول إلى: https://www.imarabe.org/fr/agenda/expositions-musee/byblos-cite-millenaire-du-liban

3m 41s
هل يمكن صياغة سياسة ثقافية في لبنان؟ (2/2)
بقلم
فابيين توما
نُشر
يونيو 17, 2026 - 09:54

في مقال سابق، أشرنا إلى أنه على الرغم من الأزمات المتلاحقة التي عصفت بلبنان، لا يزال المشهد الفني اللبناني يثبت قدرة استثنائية على الصمود، سواء في الداخل أو في بلاد الانتشار. فبين معارض ومهرجانات، وافتتاح صالات عرض، وتأسيس مؤسسات جديدة، فضلاً عن المبادرات المعنية بحفظ التراث، لم ينطفئ بريق الحراك الفني والثقافي المرتبط بلبنان يوماً، متحدياً كل العواصف. بل على العكس من ذلك، يبدو أنه يستعيد اليوم دينامية متجددة تساهم في بلورة ديبلوماسية ثقافية على الساحة الدولية، وتستشرف ملامح سياسة ثقافية نوعية خاصة ببلد الأرز. ولكن، هل يتيح لنا هذا الواقع، تحديداً، التحدث عن سياسة ثقافية حقيقية؟ سؤال يفرض نفسه في وقت تكثّف فيه وزارة الثقافة اللبنانية مبادراتها، وتُبدي رغبة واضحة في إعادة تموضع الثقافة كقطاع حيوي يساهم في النهوض بالبلاد. وعموماً، يُقصد بالسياسة الثقافية مجمل الإجراءات التي تتخذها السلطات العامة بهدف دعم الإبداع، وحماية التراث، ونشر الثقافة على أوسع نطاق، وتحفيز الإدماج الاجتماعي، وتحقيق الإنصاف بين المناطق. وهي تفترض وجود رؤية وطنية متماسكة، إلى جانب آليات كفيلة بضمان استدامة العمل الثقافي. بيد أن قراءة المشهد الثقافي اللبناني الراهن تضعنا أمام خلاصة بديهية: ثمة حراك كثيف يشهده البلد، إلا أن غالبية المبادرات لا تزال حكراً على بيروت. ومع ذلك، فإن هذه المركزية لا ينبغي أن تنسينا الحيوية المتجددة في المناطق. ويشكّل إعادة افتتاح سينما "إمباير" في طرابلس، على سبيل المثال، إشارة دالة في هذا السياق، من شأنها إنعاش الثقافة وإحياء الذاكرة الجماعية للمدينة، واستعادة المكانة التي طالما احتلتها طرابلس في تاريخ السينما اللبنانية. وتشهد مبادرات أخرى أيضاً على انتعاش النشاط الثقافي خارج العاصمة. ففي زحلة، يجسد مشروع المتحف المخصص لسعيد عقل الرغبة في تعزيز البنى التحتية الثقافية في المناطق. وفي صور، تساهم اليوم إعادة تأهيل دور السينما القديمة، مثل سينما "ريفولي"، في إعادة إنشاء مساحات للقاء والحوار، وهي مساحات تكتسي أهمية خاصة في سياق طبعته صدمات النزاعات الأخيرة. وفي الشوف، تساهم المشاريع المتعلقة بالتراث، والتي تدور حول دير القمر وبيت الدين، فضلاً عن تطوير الإقامات الفنية، هي الأخرى في تحقيق حضور أفضل للنشاط الثقافي على كامل الأراضي اللبنانية. هذا دون أن ننسى المهرجانات في مناطق عدة من لبنان: جبيل، الأرز، جونيه، بعلبك، بيت الدين، وغيرها. وتظل هذه المبادرات أحياناً متفرقة وأقل وضوحاً للعيان من تلك التي تشهدها بيروت، إلا أنها تذكر بأن الحيوية الثقافية اللبنانية لا تقتصر على العاصمة وحدها. بناء منظومة ثقافية على الرغم من جهود اللامركزية هذه، فإن مواقع العرض الرئيسية، والمؤسسات الثقافية الكبرى، وغالبية التمويل لا تزال تتركز في بيروت. إذ تفتح صالات عرض جديدة أبوابها بانتظام، وتعيد مؤسسات أخرى هيكلة نفسها، بينما يستأنف بعضها الآخر نشاطه تدريجياً، كما حدث مؤخراً مع "سينماتيك بيروت" (خزانة السينما)، وسينما "متروبوليس"، أو حتى، عما قريب، "السينما الكبيرة" (le Grand théâtre) في بيروت؛ في حين تعيد الوزارة إطلاق العديد من الفعاليات والمشاريع المرتبطة بالتراث. ومع ذلك، فإن الأسئلة المطروحة منذ سنوات عدة – والتي جرى تحديدها بالفعل في تقارير وزارة الثقافة – لا تزال قائمة. فكيف يمكن الحديث عن سياسة ثقافية وطنية حقيقية في وقت لا تزال فيه مشكلات النقل، والوساطة الثقافية، واللغة، أو حتى الوصول إلى المناطق، غير مستوفاة الحلول إلى حد كبير؟ ولعلّه يتعيّن علينا حينها قراءة الوضع من منظور آخر. فهذه التقارير الأخيرة نفسها الصادرة عن وزارة الثقافة، لا سيما تلك المخصصة للصناعات الثقافية والإبداعية وكذلك منتدى الفنون البصرية، تُظهر أن الهدف الحالي ربما لا يكمن بعد في إرساء سياسة ثقافية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل في صياغة استراتيجية. وبناءً على ذلك، يبدو أن الأولوية تكمن في مكان آخر: بناء أسس منظومة ثقافية حقيقية قادرة على أن تصبح شريكاً اقتصادياً استراتيجياً وقائماً بذاته. إن الرهان هنا يكمن في تحويل صمود الفنانين والمؤسسات الثقافية إلى تنمية مستدامة، ووظائف، ونمو اقتصادي. بيد أن هذا الطموح يكشف عن واقع غالباً ما طواه النسيان: إن مشكلة القطاع الثقافي اللبناني لا تكمن في غياب الفاعلين، طالما أن البنى التحتية والمؤسسات قائمة بالفعل. ففي مجال الفنون البصرية، على سبيل المثال، تحظى جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت وكذلك نقابة محترفي الفنون التشكيلية والبصرية باعتراف رسمي. ومع ذلك، فإن العديد من الفنانين يجهلون آليّة عملهما أو حتى وجودهما. وعليه، فإن المشكلة لا تعود إلى غياب المنظمات، بقدر ما ترتبط بضعف حضورها، أو نقص أنشطتها، أو الصعوبة التي تواجهها في توحيد أهل المهنة. عجز في المواكبة والدعم تطرح هذه المسألة نفسها أيضاً في قطاع الموسيقى والفنون الحية. إذ يختار العديد من الموسيقيين والمغنين اللبنانيين اليوم إيداع أعمالهم أو التصريح عنها لدى جمعية مؤلفي الملحنين وناشري الموسيقى "ساسيم" (Sacem) في فرنسا، على سبيل المثال، بدلاً من الاعتماد على الآليات القائمة في لبنان. وغالباً ما يكشف هذا الوضع عن نقص في المعلومات، فضلاً عن ضعف ظهور آليات حماية الحقوق وإدارتها على المستوى المحلي. وعلى نطاق أوسع، يعاني القطاع الثقافي اللبناني من عجز في المواكبة والدعم في مجال الملكية الفكرية. فبينما تمتلك فرنسا مؤسسات محددة بوضوح مثل "ساسيم" للمؤلفين والملحنين، و"ساسد" (SACD) لمؤلفي الأعمال الدرامية والسمعية البصرية، و"سبيديدام" (Spedidam) لفناني الأداء، أو حتى المعهد الوطني للملكية الصناعية (INPI) لشؤون هذا القطاع، فإن الهياكل الموازية لها في لبنان تظل غير معروفة كفاية من قِبل الجمهور العريض، بل وحتى من قِبل المهنيين في هذا القطاع أحياناً. ومع ذلك، يمتلك لبنان، على سبيل المثال، مصلحة حماية الملكية الفكرية التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة، والمكلفة خصوصاً بالمسائل المرتبطة بحقوق المؤلف، والعلامات التجارية، وبراءات الاختراع. وعليه، يبدو أن التحدي لا يكمن في الغياب التام للآليات والتدابير، بقدر ما يرتبط بظهورها، وإمكانية الوصول إليها، واستيعابها من قِبل الفاعلين الثقافيين أنفسهم. وينطبق الوضع نفسه على الوضع المهني للفنانين. إذ يعمل الكثير منهم بلا عقود، ومن دون حماية اجتماعية، ودون معرفة حقيقية بحقوقهم. وتظل المسائل المرتبطة بالملكية الفكرية، أو حقوق المؤلف، أو آليات الحماية القانونية، غير معروفة في كثير من الأحيان. ويواجه العديد من الفنانين اللبنانيين صعوبات في الخارج لمجرد نقص المعارف القانونية لديهم أو عدم فهم الرهانات المرتبطة بالملكية الفكرية؛ وهي مواقف كان يمكن تجنبها غالباً بفضل تأهيل وتدريب أفضل. وفي التقارير الصادرة مؤخراً، جرى بالفعل تحديد هذه المشكلات، وتتمثل في: غياب وضع مهني للفنانين، ونقص التنسيق بين المؤسسات، وعدم كفاية آليات التمويل، والصعوبات المرتبطة بحماية التراث، فضلاً عن المركزية المفرطة للأنشطة الثقافية. بيد أن هذه التقارير تقترح أيضاً مسارات ملموسة، ومنها: تعزيز المنظمات القائمة، وتدريب المهنيين، وحماية الأرشيف، ودعم الإبداع، وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، أو حتى تحسين الاعتراف القانوني بالفاعلين في هذا القطاع. ولهذا السبب، تبرز مأسسة القطاع وتأهيله مهنياً اليوم كأحد أبرز الرهانات. إذ بات من الضروري تدريب الفنانين على حقوقهم، وكذلك تدريب المهنيين الثقافيين على واقع القطاع. وفي هذا الصدد، توجد بالفعل مبادرات عدة؛ ومن بينها على سبيل المثال، برنامج الماجستير في إدارة الفعاليات في جامعة القديس يوسف، وهو البرنامج الوحيد من نوعه في لبنان، إذ يساهم تحديداً في تأهيل الكوادر الثقافية المستقبلية من خلال تناول إدارة المشاريع، والإدارة الثقافية، والوساطة، والتواصل، فضلاً عن الرهانات المرتبطة بالسياسات الثقافية. وعلى المنوال نفسه، تقدم كلية إدارة الأعمال (ESA) برامج تدريبية في الإدارة الثقافية وإدارة الفنون، وهي برامج تدمج أيضاً الأبعاد القانونية والتعاقدية وتلك المرتبطة باقتصاد الثقافة. الحراك الثقافي يستعيد نبضه يُعدّ هذا البعد جوهرياً؛ فإلى جانب الإبداع الفني، تبرز الحاجة أيضاً إلى تأهيل الكوادر التي ستتولى غداً بناء المؤسسات والمشاريع والآليات الكفيلة بمواكبة تطوير هذا القطاع على نحو مستدام. وتتقاطع هذه الرؤية مع التوجهات التي يدافع عنها حالياً وزير الثقافة، غسان سلامة، والذي يسعى إلى إعادة الثقافة إلى مكانة مركزية في مشروع إعادة إعمار البلاد، سواء داخل لبنان أو لدى الاغتراب والشركاء الدوليين. وبناءً على ذلك، فإن الركائز أصبحت قائمة بالفعل. إن ما يبدو أنه آخذ في التبلور اليوم ليس سياسة ثقافية ناجزة بالكامل بقدر ما هو استراتيجية تهدف إلى هيكلة قطاع ظل لفترة طويلة يرتكز، بشكل شبه حصري، على التزام فاعليه وصمودهم. وقد تأتي السياسة الثقافية الحقيقية في مرحلة لاحقة؛ وغالباً لن تتبع نموذجاً أوروبياً أو فرنسياً، بل ستأخذ شكلاً يتلاءم مع الواقع اللبناني، وآليات العمل المؤسساتي في البلاد، وتنوعها، فضلاً عن الدور الأساسي الذي تلعبه المبادرات الخاصة والأهلية والجامعية. ومع ذلك، ثمة أمر واحد مؤكد: الحراك الثقافي يستعيد نبضه في لبنان. وإذا كان على الفنانين مواصلة الإبداع، فقد بات من المهم بالقدر نفسه تأهيل أولئك الذين سيشاركون غداً في تنظيم هذه الثقافة، ووساطتها، وإدارتها، ونقلها. ذلك أن إعادة بناء قطاع ثقافي مستدام يمر عبر الأعمال الإبداعية بقدر ما يمر عبر البنى والهياكل التي تمنحها الحياة وتضمن استمراريتها. إقرأ أيضاً: الدبلوماسية الثقافية اللبنانية: بين التألق والتضامن والمقاومة (1/2)

«روفنا»، متعة الأحجار القديمة
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر
يونيو 14, 2026 - 21:20

بعد أكثر من عشرين عاماً أمضتها في قلب كبرى دور المجوهرات الراقية والترف العالمي، من كارتييه إلى هيرميس، ومن دي بيرز إلى LVMH، بين باريس ولندن ونيويورك، كان بإمكان ماري بيرتلون أن تواصل مساراً مرسوماً بإتقان في قمة هذا النظام. لكنها اختارت أن تبتعد عنه لتوقظ دار Rouvenat، تلك الدار التي اختفت في القرن التاسع عشر، والتي تعيد اليوم تفعيلها كمساحة حيّة، على تخوم الإرث والطليعة. على رأس بنية صغيرة ومندفعة إلى أقصى حد، تدافع ماري هناك عن رؤية فريدة للمجوهرات الراقية: ترف يقوم على الدائرية والذاكرة، حيث لا يسعى الذهب المعاد تدويره، ولا الأحجار القديمة التي عُثر عليها في خزائن منسية، ولا المواد الخام أو المصقولة، إلى الكمال، بل إلى الضوء. إنها مجوهرات لا تُضاف إلى العالم، بل توقظه، بتحويل ما كان موجوداً أصلاً إلى حضور معاصر. لم يكن هذا النص مقرراً، ولم يكن يفترض أن يوجد بهذا الشكل. وُلد من غداء تحت السقف الزجاجي في 416 شارع سانت أونوريه، لدى روفينا، بحضور ماري بيرتلون، المؤسسة المشاركة للدار، ومن خلال حديث أخذ، شيئاً فشيئاً، يتجاوز إطار اللحظة. كانت الطاولة طويلة، مغطاة بالزهور الطازجة. وكان المطبخ دقيقاً ومضيئاً، بتوقيع Servan. وفي ذلك الضوء المتسلل عبر السقف الزجاجي، استقر الغداء بهدوء، وبشكل يكاد يكون طبيعياً، كما لو أن المكان نفسه كان يمنح الإيقاع للتبادل. دار وُلدت من مفارقة حيّة تبدأ ماري من دون مواربة. Rouvenat هي «شركة ناشئة بتاريخ يمتد إلى 150 عاماً». في هذه العبارة، يكمن كل شيء، قبل أن يُفصَّل بعد. دار وُلدت عام 1852، ثم اختفت، قبل أن تُفعَّل اليوم من جديد كحضور معاصر، كما لو أن الزمن انطوى فيها من دون أن يمحوها أبداً. قبل ذلك، هناك مسار طويل داخل كبرى دور الترف: كارتييه، هيرميس، دي بيرز، بين باريس ولندن ونيويورك. لا تتنكر ماري لأي من ذلك، لكنها تبتعد عنه تدريجياً، إلى أن تبلغ نقطة التحول التي تفرض فيها ضرورة نفسها: «مغادرة عالم الشركات شديد التنظيم للعودة إلى شيء أكثر تجسداً، أكثر حرية، وأكثر إنسانية». في هذا الانتقال، تنكمش Rouvenat حول صيغة نادرة: خمسة أشخاص فقط في الفريق، ولكل واحد منهم تعددية في المهن. تقول: «كل شخص يقوم تقريباً بست وظائف»، لا بوصف ذلك تنظيماً، بل باعتباره طريقة للبقاء على أقرب مسافة من المادة. الترف كذاكرة حيّة سرعان ما تظهر قواعد أخرى للترف، أقل نظرية وأكثر حساسية، تكاد تكون عضوية. تتحدث ماري عن ترف «بقلب ووعي ودائرية»، لكن هذه الكلمات لا تصف نظاماً، بل تصف انتباهاً. فهنا، لا يبدأ أي شيء فعلاً من الخلق. كل شيء ينطلق من النظرة. تقول أولاً: «صنع الجديد من القديم»، ثم توضح بعد ذلك مباشرة تقريباً: الأمر يتعلق قبل كل شيء بـ«إلقاء نظرة جديدة على ما هو موجود أصلاً». في هذا الفارق الضئيل جداً تستقر فلسفة الدار كلها. يتطلب ذلك نوعاً خاصاً من النظر، يكاد يكون انضباطاً: أن نتعلم أن نرى بطريقة أخرى، أن نبطئ، وأن نقبل بالبحث حيث لا تزال الأشياء نائمة. ويتطلب أيضاً شكلاً من الشجاعة، شجاعة عدم الذهاب نحو الجديد البديهي، بل العودة إلى ما كان ينتظر أصلاً أن يُوقظ. ومن هذا الانتباه تولد قطع لا تبحث عن الأثر، بل عن الحضور: «قطع لها قلب وروح». مادة حيّة، ضوء فاعل في هذه المجوهرات الراقية، لا تكون المادة أبداً مجرد عنصر تزييني. إنها توتر وعبور ودوران. خامة أو مصقولة، مجتمعة أو قائمة بذاتها، يلتقط الذهب أو الفضة المعاد تدويرهما الضوء من دون أن يجمّداه. بل يحولانه بحسب الزوايا، كما لو أن لكل سطح تنفسه الخاص. تتجاوز الإبداعات فكرة إعادة التدوير. إنها تنتمي إلى حركة تحول مستمر، حيث يُعاد تفسير المواد الموجودة بدلاً من استبدالها. تُستعاد الأحجار القديمة من خزائن منسية، فُتحت بعد سنوات من الصمت، وأحياناً بعد عقود، وفي عودتها إلى السطح تبدأ قصتها من جديد. تقول ماري: «كلها مواد موجودة أصلاً»، كأنها تذكر بأن لا شيء هنا يبدأ من الصفر، بل إن كل شيء يبدأ من جديد في مكان آخر. ليون روفينا وذاكرة العلامة لفهم هذه الرؤية، لا بد من العودة إلى القرن التاسع عشر. أسس ليون روفينا، شريك Christofle، الدار عام 1852، في لحظة كانت فيها المجوهرات تتحول إلى صناعة فنية حقيقية، منظمة ودولية. وتميزت الدار حينها بحداثة لافتة بالنسبة إلى زمنها. وكان ختمها التاريخي، وهو تفصيل خفي، يكاد يكون سرياً، عبارة عن قفل. علامة صُممت كدعوة: فتح الجوهرة، كشف داخلها، وجعلها موضوع عبور لا موضوعاً مغلقاً. يروي هذا الرمز اليوم نهضة الدار، ويلهم خصوصاً مجموعة Unlock، حيث يتحول شكل ثقب القفل إلى لغة معاصرة، بين العتبة والحميمية. حول هذا الإرث، تتشكل خطوط عدة تنظم العالم الحالي للدار، ومنها Unlock تحديداً، حيث تصبح الجوهرة عبوراً وسراً وانفتاحاً، وكذلك Bolt، ذات الكتابة الأكثر معمارية، حيث تبدو الأشكال وكأنها تنغلق ثم تتحرر في الضوء. أما Frame، فتؤطر الحجر كصورة حيّة، من دون أن تجمّده أبداً. في هذا الامتداد، لا تسعى روفينا إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى مواصلة حركته: حركة جوهرة تُفكر كشيء يُقرأ، ويُفتح، ويُعبر. إعادة الاكتشاف كنقطة انطلاق ومع ذلك، لا يبدأ أي شيء كاستراتيجية. تولد المغامرة عند بائع كتب قديمة في باريس. هناك، تكتشف ماري أكثر من 3000 لوحة غواش قديمة تعود إلى روفينا. مادة سليمة، لا تزال نابضة. كان وقع الاكتشاف هادئاً، لكنه فورياً. منذ تلك اللحظة، لا تنظم ماري عملية إعادة بناء، بل تحاول إعادة تفعيل. تقول ببساطة: «شعرت برغبة في أن أعيد إليها صوتها». في المتجر تحت السقف الزجاجي، تصبح هذه الفكرة ملموسة. ذهب معاد تدويره، فضة معاد تدويرها، أحجار قديمة عُثر عليها في خزائن، مواد موثقة ومعاد العمل عليها: كل شيء موجود أصلاً، لكن لا شيء جامد. ما يهم ليس أصل العناصر، بل الطريقة التي تُعاد بها إلى التداول. وفي هذه الحركة، تصبح المادة لغة: لغة ضوء وتباين وكثافة وتنفس. العلب كامتداد للحركة على نطاق أوسع، تفتح Rouvenat عالمها على حوارات مع فنانين معاصرين، توكل إليهم الدار ابتكار علب مجوهراتها: هذه العلب، المعاد تدويرها، تتحول عندئذ إلى قطع فريدة، امتدادات لعوالمهم الإبداعية. وهكذا، تدخل المجوهرات في فضاء تبادل بين المادة والأثر والذاكرة، وتتوقف عن كونها موضوعاً معزولاً لتصبح أرضاً مشتركة. في هذا السياق تندرج الشراكة مع Senz، الفنان المتعدد الاختصاصات الذي يستكشف الطباعة والحروفية والتصوير والطباعة الرقمية من خلال كولاجات ثقافية كثيفة ورمزية. يتدخل على العلب الموجودة أصلاً، الآتية من صناديق قديمة جرى العثور عليها ثم تحويلها، فيعيد تفسيرها عبر إيماءات تشكيلية وتدخلات مستمدة من فن الشارع، ناقلاً بذلك مكانتها الأولى من دون أن يجمّدها، بل معيداً إياها إلى التداول. على امتداد الغداء والأحاديث، تعبر فكرة واحدة النص كله من دون أن تثبت في مكانها. لم يعد الترف تراكماً، بل علاقة بالمواد، وبالذاكرات، وبالأزمنة المتراكبة. وربما، قبل كل شيء، طريقة في النظر، ببطء كافٍ يسمح لما كان مدفوناً بأن يظهر من جديد. لعل الترف الحقيقي اليوم هو هذا: أن نعرف كيف نكشف، بإبداع، صدى الأحجار الذي كان موجوداً أصلاً. في الختام، حين ينتهي الغداء، لا ينغلق شيء حقاً. تبقى الزهور على الطاولة كما لو أنها تواصل السكنى في الضوء، ويستمر السقف الزجاجي في تمرير شيء بطيء، يكاد يكون معلقاً. أما الأحاديث، فتبدو كأنها لا تتوقف، بل تنتقل فحسب إلى مكان آخر. لدى ماري، لا شيء يشبه القطيعة. بل هو أقرب إلى انزلاق متواصل بين الأزمنة، والحركات، والمواد، والذاكرات. وفي Rouvenat، يتشكل شيء ما ببداهة خفية. مجوهرات راقية لا تضيف ولا تُثقل، بل تنقل النظرة إلى أن تعود الأشياء إلى الظهور. دار يعبرها الفنانون والمواد، حيث تطيل العلب والمجموعات والحركات المعاصرة الحركة نفسها: حركة ذاكرة مجوهرات لا تزال تواصل الدوران.

الدبلوماسية الثقافية اللبنانية: بين التألق والتضامن والمقاومة (1/2)

يتم تنظيم متجر POP UP لبناني في 30 و31 مايو في باريس، بمعرض “عالمنا”، من قبل شركة إلفان ELFAN لدعم الفنانين اللبنانيين. تندرج هذه المبادرة الجديدة من إلفان في إطار ديناميكية عامة واسعة تهدف إلى دعم الفنانين اللبنانيين من خلال تطوير الحضور الثقافي اللبناني في فرنسا وأوروبا. قبل تسليط الضوء على سياق هذا المتجر المنبثق اللبناني الجديد، يبدو من المفيد إلقاء نظرة سريعة على الديناميكية العامة الجارية حالياً والتي يشارك فيها وزير الثقافة غسان سلامة. منذ عدة سنوات، وخاصة منذ أحداث عام 2019 والانفجار في ميناء بيروت في أغسطس 2020، شهدت الثقافة اللبنانية ازدهاراً متزايداً في الخارج. من الواضح أن المبادرات الثقافية اللبنانية خارج لبنان ليست حديثة: فالشتات لطالما لعب دوراً أساسياً في نشر وتعزيز الهوية الثقافية اللبنانية. لكن اليوم، يبدو أن هذه الظاهرة تكتسب زخماً جديداً. غادر العديد من الفنانين والمبدعين والمثقفين والمتخصصين في المجال الثقافي لبنان في السنوات الأخيرة، أحياناً من الضرورة، وأحياناً بحثاً عن فرص لم تعد الدولة قادرة على توفيرها. فلطالما ظلت الثقافة في لبنان في موضع ثانوي بعد الضروريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، بالرغم من هذا الضعف البنيوي، تستمر المشهد الثقافي اللبناني في إعادة اختراع نفسه والتوجه نحو العالمية. في هذا السياق، يبدو من المهم النظر في المبادرات الثقافية اللبنانية في فرنسا، حيث نشهد منذ عدة سنوات تكاثراً في الفعاليات والمشاريع المتعلقة بلبنان. اليوم، تتعاظم المبادرات الثقافية لتعزيز إشعاع الدول في الخارج، بالفعل، لكن أيضاً لدعم الفنانين اللبنانيين والحفاظ على التراث اللبناني، أو الحفاظ على رابط حي مع لبنان في هذه الفترة الصعبة من الأزمة والحرب. حضور لبناني واسع مهرجان كليرمون فيران الدولي للأفلام القصيرة المرموق هو مثال بارز على ذلك. منذ عامين، تم تكريم لبنان من خلال تركيز خاص مخصص للسينما اللبنانية. حضر العديد من المخرجين والمنتجين ومتخصصي القطاع لهذه المناسبة وساهموا في إعداد البرنامج، مما يوضح الأهمية المتزايدة للسينما اللبنانية على الساحة الثقافية الدولية. يلعب المعهد العالمي للعالم العربي دوراً مهماً في هذه الديناميكية لتعزيز التراث والإبداع اللبناني. يشكل المعرض الحالي عن جبيل، الذي تم تأجيله منذ عامين بسبب الحرب ثم تم الحفاظ عليه رغم غياب بعض الأعمال التي لا تزال محجوزة، حالة مهمة من هذا الحيث. كان وزير الثقافة غسان سلامة حاضراً، مما يعكس الأهمية التي توليها اليوم لهذه المبادرات الثقافية في الخارج. في نفس الإطار، معرض توثيق تراث لبنان 1864-1970، بعد عرضه في باريس، مفتوح للجمهور في مرسيليا حتى سبتمبر. حفل إبراهيم معلوف وهبة طوقي في المعهد العالمي، برفقة عدة فنانين قدموا من لبنان، وكذلك حضور خالد مزقار وناديا لبكي في مهرجان كان - حيث كان خالد مزقار أيضاً عضواً في لجنة تحكيم نظرة معينة - يوضح مدى أهمية المكانة التي تحتلها الشخصيات الثقافية اللبنانية اليوم على الساحات الدولية. تجسدت هذه الديناميكية أيضاً مؤخراً في سان مالو، حيث كان لبنان ضيف الشرف في مهرجان المسافرون المذهلون. شارك كتاب وفنانون ومثقفون لبنانيون في عدة لقاءات حول الذاكرة والنفي والإبداع المعاصر اللبناني. كان غسان سلامة أيضاً حاضراً خلال هذه الفعالية. «كلما تتابعت المآسي، اعتاد الشعب اللبناني أكثر على التعبير عنها. بينما أتحدث إليكم، الرسامون اللبنانيون في بينالي البندقية، والسينمائيون اللبنانيون في مهرجان كان، والكتاب اللبنانيون في مهرجان سان مالو»، كما أشار بحكمة غسان سلامة في خطابه في مهرجان سان مالو. يواصل الوزير سلامة منذ عدة أشهر تنقلاته واجتماعاته بالخارج للترويج للتراث والإشعاع الثقافي اللبناني. بالتوازي مع ذلك، يتم تصميم العديد من الفعاليات الفنية كمساحات للتضامن الملموس مع لبنان. وهذا هو الحال بشكل خاص لمبادرة «لحظات من أجل لبنان»، وهي مبادرة فنية وإنسانية مقرها باريس، أسسها تجمع من اللبنانيين في الشتات، ويُخطط بالفعل لدورتها الثانية في مدينة النور في يونيو 2026 لمتابعة التعبئة الفنية والإنسانية حول لبنان. المبادرة الجديدة لمنظمة إلفان هذه الديناميكية الشاملة هي أيضاً في صميم مشروع مؤسسة إلفان للترويج للفنانين اللبنانيين. كرست هذه المؤسسة نفسها لمهمة تكوين متخصصي الثقافة في المستقبل، حتى يتمكنوا من دعم وتنظيم هذا القطاع الذي يشهد نمواً سريعاً. في هذا الإطار، يتم تنظيم متجر لبناني منبثق جديد في 30 و31 مايو بباريس في معرض علامونة. ستجمع الفعالية المبدعين والفنانين ورجال الأعمال لتسليط الضوء على الخبرة اللبنانية، وفي الوقت ذاته دعم لبنان والصليب الأحمر اللبناني. بنفس الرؤية، سيتم تنظيم أسبوع موضوعي حول لبنان في يوليو المقبل في كليرمون فيران، بمبادرة من إلفان، في معرض أتلييه الملكة ماتيلد. البرنامج يتضمن: معرض للرسامين اللبنانيين؛ ورش عمل للخط والدبكة؛ عروض أفلام؛ إفطار لبناني... الهدف هو تعريف الثقافة اللبنانية لجمهور فرنسي في الأساس، مع هدف موازٍ وهو دعم الصليب الأحمر اللبناني. في ضوء هذا التكاثر للمبادرات، يطرح سؤال مهم نفسه بشكل متكرر في المجال الثقافي: هل نشهد اليوم قيام دبلوماسية ثقافية لبنانية؟ أم أن الأمر يتعلق بشكل من أشكال المقاومة الثقافية؟ لأنه على عكس الدبلوماسية الثقافية المؤسسية التي يفكر فيها الدولة وتنظمها، فإن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع تنبع اليوم من مبادرات فردية أو جمعوية، على المستوى المحلي أو على مستوى الشتات، تماماً كما هو الحال مع لبنان. إنهم فنانون وتجمعات ومنظمو فعاليات يحملون هذه الرؤية اللبنانية إلى الخارج، غالباً بدون دعم رسمي. هذا التفكير بدأ بالفعل يظهر حتى في النقاشات على مستوى وزارة الثقافة. قال الوزير غسان سلامة مؤخراً أن «ما أنقذ الثقافة في لبنان هو أنها متجذرة في المجتمع وليس في الدولة. عندما انهارت الدولة، استمرت الثقافة في الحياة». ومع ذلك، فإن تنقلاته العديدة في هذه الفعاليات الثقافية تظهر أيضاً أن الثقافة بدأت تحتل مكاناً غير تافه في أعمال الدولة اللبنانية وتفكيرها. بعيداً عن الإشعاع الدولي أو الحفاظ على الهوية الثقافية، يبدو سؤال جوهري آخر الآن: ما يمكن أن تكون المساهمة الحقيقية للثقافة والفن في تنمية لبنان؟ هل يمكن للثقافة أن تساهم في إعادة البناء الاقتصادي وخلق الفرص والحفاظ على الصلة بين لبنان وشتاته؟ كل هذه الأفكار تفتح أيضاً النقاش حول السياسة الثقافية اللبنانية ذاتها... المقالة القادمة: السياسة الثقافية للبنان

جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (3/3)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
مايو 21, 2026 - 20:56

كما أشرنا في مقالات سابقة، جبران خليل جبران فنانٌ متعدد المواهب فهو الشاعر والمفكّر والكاتب والرسام ذو الموهبة الفذة. ورغم أن شهرته في الغرب تقوم أساسًا على مؤلَّفه الأدبي «النبي»، الذي نُشر بلغات عديدة، فإن رسوماته لا تقلّ تميزًا، وقد حظيت بالتقدير والاعتراف بها في حياته. «الفن هو تعبير عن الفكر بالفرشاة، أو الإزميل، أو القلم، أو النغم. إنه تلك الشرارة الإلهية التي تشتعل في أعماق كلّ منا». «أودّ أن أرسم ما يكمن في أعمق أعماق القلب البشري». أظهر جبران براعة في الرسم منذ طفولته. وفي عام 1904، عُرضت رسومه الأولى في محترف فريد هولاند داي في بوسطن، بفضل ماري هاسكل، مرشدته وراعيته. وفي عام 1908، وبتشجيع منها، التحق بأكاديمية جوليان وبمحترف النحات أوغست رودان في باريس، بهدف صقل تقنيته في الرسم. وقد ترك هذا اللقاء مع رودان أثراً عميقاً في رؤيته للجسد البشري، حتى إن رودان شبّه جبران بالفنان وليم بليك. وعلى غرار بليك، حرص جبران على تزيين نصوصه برسومه الخاصة، سعياً منه لتقديم عمل فني « متكامل » يتناغم فيه الحرف والصورة صدىً واستجابة. وفي باريس أيضاً، تتلمذ جبران على يد الرسام بيير مارسيل بيرونو، الذي نالت مزاياه ونزعاته الروحية إعجاباً خاصاً منه. إن جبران الرسام، تماماً كجبران الكاتب، خلاصة دمجٍ بين عالمين: من جهة، الولايات المتحدة الأميركية ودراسته الأكاديمية الباريسية، ومن جهة أخرى، جذوره اللبنانية الغارقة في جمال الجبل وروحانيته الغيبية. «الاستغراق في الذات، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران) نتاجه الفني يُعدّ جبران في الجوهر فناناً عصامياً، وقد أنتج أعمالاً فنية غزيرة. فمنذ بداياته، عُرضت نتاجاته في قاعات مرموقة، لا سيما في «غاليري مونتروس» (Montross Gallery) وعند «إم كْنودلر أند كو» (M. Knoedler & Co) في نيويورك. أسلوبه: الرمزية الغيبية «لا يكمن الفن في محاكاة الواقع، بل في التقاط العاطفة التي يوقظها هذا الواقع في نفوسنا». تأتي أعمال جبران التشكيلية امتداداً لفلسفته؛ فنتاجاته لم تُصنع لمجرد النظر إليها، بل لتكون محطّ تأمل عميق. يندرج أسلوب جبران ضمن رمزية رومانسية وروحانية، نأت بنفسها عن التيارات السائدة في عصره كالتكعيبية أو الوحشية. فقد منح الصدارة للجسد البشري، الذي رأى فيه هيكلاً للروح و«الجمال في أصفى تجلياته». ومن خلال الملامح البشرية، سعى إلى التقرب من الخالق وإظهار وحدة الكون. وتبدو شخوصه، وغالباً ما تكون عارية، تجسيداً للبشرية في حالة طهرها الأصيل، مجردةً من القيود والاعتبارات الاجتماعية. أما الأجساد ذات الخطوط الضبابية والأثيرية، فتبدو وكأنها تنبثق من ضباب أو حلم، في إشارة إلى أن الروح تنعتق من المادة. غالباً ما وظّف جبران الألوان الخافتة، بتدرجات البني، والأزرق الشاحب، والبيج الوردي. وتأتي ضربات ريشته المائية خفيفة، تكاد تكون شفافة. وقد برع في الرسم بأقلام الرصاص، والفحم، والألوان المائية. كما حافظت لوحاته الزيتية على النعومة الانسيابية ذاتها، مُغلِّبةً العاطفة على حساب الواقعية. «الموناليزا الحزينة، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران) أين يمكن مشاهدة أعماله؟ يضمّ متحف جبران في بشرّي بلبنان المجموعة الأكبر من أعماله. كما تتوزّع نتاجاته الفنية على كبرى المتاحف الأميركية، وفي مقدّمها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، ومتحف نيوارك، بالإضافة إلى متحف للفن الحديث في قطر. متحف جبران يقع المتحف في مسقط رأسه، بشرّي، الرابضة في وادي قاديشا، وتحديداً في دير مار سركيس القديم، وهو موقع محفور في الصخر تعود جذوره إلى القرن السابع للميلاد. في أواخر أيام حياته، تمنّى جبران تملّك هذا الدير ليكون صومعته الأخيرة ومدفناً له. وبعد وفاته، حققت شقيقته ماريانا أمنيته بشرائها المكان، مدعومةً من راعيته ماري هاسكل. وقد افتتح المتحف أبوابه رسمياً عام 1975، حيث يتوزع على ست عشرة قاعة، ويحتضن ضريح جبران بالإضافة إلى أكثر من 440 لوحة وعملاً فنيّاً أصليّاً. كما يضم مقتنياته الشخصية، ومكتبته الخاصة، وأثاث محترفه في نيويورك، ومخطوطاته، والأهم من ذلك كله، كتابه المقدس. وتتولى اللجنة الوطنية لجبران إدارة هذا الصرح، ساهرةً بحرص شديد على صون إرثه الثقافي ونقله إلى الأجيال. «المنفيّ عن الحب، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران) (إعادة) اكتشاف جبران «عندما تبلغون قمة الجبل، تبدأون حينها بالصعود». إن السبيل الوحيد لـ (إعادة) اكتشاف جبران الرسام، يكمن في زيارة متحفه في بشرّي، والانغماس في الأجواء الفريدة التي يكتنزها المكان والطبيعة المحيطة به، ومن ثمّ التمهّل للتأمل أمام لوحاته. أما بالنسبة إلى الكاتب، فالأمر يتطلب اقتناء مؤلفاته الكاملة وقراءتها رويداً رويداً بلغتها الأصيلة، مع تذوّق كل كلمة كرحيق ثقيل وثمين. «بُرهة وجيزة، وقفة راحة على أجنحة الريح، وتلدني امرأة أخرى». (النبي) اقرأ أيضاً: جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (1/3) جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (2/3)

جبران خليل جبران: جسر من نور بين الشرق والغرب (2/3)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
مايو 18, 2026 - 10:10

في مقالنا السابق أوجزنا المحطات الأساسية في حياة جبران خليل جبران. وفي هذا الجزء الثاني، نغوص في بعض جوانب فكر هذا التأملي؛ بدءاً بتأثره بنيتشه، وصولاً إلى جبران الثائر والأب الروحي للقومية اللبنانية. « أنا ابن الأرض والسماء. الغابة كنيستي، والحقل هيكلي، والنجوم رفاق تأملي ». جبران خليل جبران « الإنسان حبل مشدود بين الحيوان والإنسان المتفوق، حبل فوق هاوية ». نيتشه خلال إقامته في باريس، اكتشف جبران نيتشه، فأحدث الأخير تحولاً جذرياً في فكره وأسلوبه؛ إذ تحول من الشاعر الحزين الغارق في الحنين، إلى النبي الصادح بالحق. ومنذ تلك اللحظة، صارت كتابته قائمة على الحِكَم، نبوية وقوية. بيد أن جبران، وعلى عكس نيتشه الملحد والساخر والمتشائم، ظل مؤمناً عميقاً ومفعماً بالرجاء. والحال أن جبران طوّع مفهوم نيتشه عن «الإنسان المتفوق» ليتناسب مع حساسيته الشرقية، وتصوره للقومية اللبنانية وحرية الشعوب. وعلاوة على ذلك، فإن البنية السردية لكتاب «النبي» (حيث يخطب المصطفى في الحشود قبيل إقلاعه) تستحضر بشكل لافت بناء كتاب «هكذا تكلم زرادشت» لنيتشه. «المُتشرّد، 1928». رسمٌ بالفحم. (متحف جبران خليل جبران) العلاقة بالكنيسة: مؤمن متمرّد «إيمانكم في داخلكم، وهو نبض قلوبكم». «الدين قلب ينفتح، لا عقيدة تنغلق». جبران خليل جبران اتسمت علاقة جبران بالكنيسة بجدلية عاصفة من «الحب والنفور». مسيحي ماروني النشأة والثقافة، وقد تشربت روحه خلال طفولته من روحانية وادي قاديشا المقدّس، ملجأ الرهبان عبر التاريخ. وقد تأثر أسلوبه بشكل مباشر بالكتاب المقدس الذي قرأه مراراً وتكراراً؛ ففي كتابه «النبي»، تتحدث الشخصية الرئيسية بالأمثال على طريقة الأسفار المقدسة. ومع ذلك، أصبح جبران من أشدّ منتقدي للمؤسسة الكنسية. أثار كتابه «الأرواح المتمردة»، الصادر عام 1908، ضجة واسعة؛ إذ انتقد فيه بقسوة تحالف رجال الدين مع الاقطاع في وجه الفلاحين، واصفاً بعض الكهنة بأنهم «ذئاب في ثياب حملان». وعند صدوره، وُصف الكتاب بأنه «هرطوقي وثوري». إلا أن جبران لم يهاجم الإيمان في حد ذاته، بل نفاق المؤسسة. كتب يقول: «لكم دينكم ولي ديني». ورغم تأثره بالتصوف والهندوسية، ظل جبران مسيحياً في الجوهر؛ مسيحياً يعود إلى الينابيع الأولى، ويرد كل شيء إلى يسوع الذي كَنَّ له عبادة مطلقة. وفي ظل تأثره العميق بالرومانسية الأوروبية والحركة التعالية الأمريكية، لم يرَ في المسيح كائناً متألماً ومستسلماً، بل رآه «أسداً» هصوراً، وثائراً يحطم أغلال الدين المؤسساتي. واليوم، غدت علاقته بالكنيسة مصالحة وهادئة، وبات يلقى تقديراً واسعاً في الأوساط الكنسية. ففي الولايات المتحدة، يبارك بعض الكهنة عقود الزواج بقراءة مقاطع من كتاب «النبي»، كما تُخصَّص له أطروحات جامعية من قبل رجال دين. ومن اللافت إن أول ترجمة عربية لكتاب «النبي» وضعها كاهن أرثوذكسي. «الرَّامِي، 1923». لوحة مائية. (متحف جبران خليل جبران) فكرة الهوية اللبنانية «لبنان تربة روحي ومهد أحلامي». «لبنانكم حكومة-أخطبوط متعددة الأذرع». جبران خليل جبران في الوقت الذي كان فيه لبنان يرزح تحت الحكم العثماني ثم الانتداب الفرنسي، لعب جبران دوراً محورياً في صياغة الهوية اللبنانية الحديثة. ومع ذلك، لم يكن منظّراً سياسياً؛ فمن نيويورك، حيث أسس «الرابطة القلمية»، أحدث ثورة في الأدب العربي وأعطى بعداً جديداً لعبقرية الاغتراب اللبناني، ليتحول إلى رمز وطني يجسد لبنان الفكر، والحرية، والروحانية. وبتأثير من نيتشه، دعا جبران إلى هوية لبنانية قوامها الحرية والقوة وتجاوز الذات؛ فلم يكن يريد شعباً لبنانياً ضحية أو خاضعاً، بل كان يتطلع إلى أمة متحررة من الفساد، ومنفتحة فكرياً على العالم: «لبنان الجسر» بين الثقافات، المتميز عن محيطه العربي بروحانيته وتاريخه وانفتاحه. وخلال المجاعة الكبرى عام 1914، ساند لبنان كثيراً عبر كتاباته، ولكن عندما عرض عليه الرئيس أيوب تابت حقيبة وزارية، رفض العرض يقيناً منه بأن السياسة ليست مساره. واليوم، يجري بانتظام استغلال كتابات جبران من قبل السياسيين اللبنانيين وتحويرها لخدمة قومية شعبوية نفعية. إن استحضار جبران يتيح لبعض المسؤولين السياسيين إضفاء هالة فكرية وأخلاقية على خطاباتهم، في حين يتجاهلون تماماً انتقاداته اللاذعة لفساد الحكام ونفاقهم. جبران.. أيقونة رغماً عنه للثقافة المضادة خلال ستينيات القرن الماضي، تحول كتاب «النبي»، الصادر عام 1923 في الولايات المتحدة، إلى ما يشبه مرجع «الثقافة المضادة»؛ إذ جذب أوساط «الهيبيز» بروحانيته الكونية وأبعاده المسكونية المنفتحة. وكان الطلاب يقرؤونه في الجامعات ويرفعونه كبيان لسعيهم الروحي خارج عن إطار المؤسسات التقليدية. بيد أن هذه الصورة تظل اختزالية؛ فجبران لم يكن يوماً «عراباً» أو نبيّاً لحركة «العصر الجديد» (New Age)، بل كان ثائراً مسيحياً، تسكن روح المسيح عمق وجدانه. اقرأ في الموضوع نفسه: جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (1/3)

وليد رعد و"فولسفاكن الحرب الطائرة "
بقلم
يقظان التقي
نُشر
مايو 17, 2026 - 15:20

عودة فنيّة استثنائيّة للفنان التشكيلي اللبناني وليد رعد بعد أربعين عامًا أو نحو ذلك قضاها في نيويوك ليعرض مجدداُ أعماله في معرض يقام في بينالي فينيسيا ، ثم في مهرجان الخريف في باريس.معرض كبير يبدأ بـ "هيكل مقلوب" لسيارة فولكسفاغن بيتل ، في فضاء تشكيلي طليعي متسع بالأفكار الموهوبة الصادرة عن تصميم الخيالات في إدانة تنظيم الحروب والقنابل الجديدة بدون أي ملل في الموازين أو آليات التصميم. وهو فن ينسج التلاعب بالافكار، بالأرشيفات الخيالية حول الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط، وحول "سوق الحرب"، التي تستمر في موقع المنافسة الفنيّة، وجعل الأفضل ينتصروهمياً في تصميم الخيالات ، التي تتميز بسخرية شعرية تمّ إنشاؤها في ثقوب ذاكرة لبنان. من لا يتذكر القصف الذي شنته البحرية الأمريكية بعد أولى الهجمات االدموية / االانتحاريّة التي نفذتها حركة حزب الله العقائدية في شباط / فبراير 1984 ضد "قوات المارينز" ألأميركية المتمركزة في لبنان، وحيث أطلقت الباخرة الحربية "يو إس إس نيوجيرسي" المتجهة إلى لبنان 16 قذيفة بحجم 300 بوصة باتجاه مواقع سورية ودرزية، قذائف يزن كل منها وزن سيارة فولكسفاغن بيتل - ومن هنا جاء الاسم الذي أطلقه اللبنانيون على هذه القذائف، "فولكسفاغن الطائرة". سقطت إحدى هذه القذائف في حديقة الشاب المراهق في في بلدة بمريم في جبل لبنان. آنذاك ، حول وليد رعد، هو وأبناء عمومته فوهة القنبلة إلى مسبح للعب فيه. إنها الحرب التي يمكن اختبارها مجدداً، أو اللعب فيها من أجل عيش السلام بعد زمنٍ مع فنان كبير، الشخصية البارزة في الفن المعاصر اللبناني، المولود عام 1967، مؤيد ومتحمس لقناعاته القوية في أن الحقيقة الإنسانية تتعرض لهجوم. فتصبح الحرب شيئاً عادياً .هكذا عليه الأمور في تقارير القوة . كأنه تجهيز الخطأ. ليس أقل جاذبية من الحقيقة، ما دام التقدم إليها هو شيئ آخر تماماً. منذ عام 1993، يعيش وليد رعد في الولايات المتحدة، ويعود إلىه مرات تقريبًا كل شهر، حيث لا يزال يعيش أفراد عائلته في بيروت. كان شارك العام 1997 في أنشطة "مؤسسة الصور العربية"، التي تهدف إلى جمع وتقييم التراث البصري لشرق أوسط وشمال أفريقيا والشتات العربي. على مدى عقود، تمايزت أعماله التي تم عرضها في متحف الفن الحديث في نيويورك أو في "دوكيومينتا" في كاسل، كشخصية رئيسية في "SFA"، بالخيال العلمي العربي، الذي ينتقد الروايات الرسمية، والذي يتم التعرف عليه بشكل خاص اجتراحات فنيّة لمجموعة من الفنانين اللبنانيين، الذين يعيشون هناك ، أو أعضاء في الشتات، والذين يشتركون في هاجس واحد حول فجوات ذاكرة بلدهم. وهو شارك عروض العديد من زملائه، مثل ربيع مروة، أكرم زعتري، خليل جريج، أو جوانا حاجي توما ، وحاليًا معًا في مؤسسة "سايكاليس باي" في ميلانو، ضمن معرض"Crossroads: Beirut contemporary" . يحكيّ المعرض عن "مدينة شكلتها دورات البناء والتدمير وإعادة بناء ما بعد الحرب ليس كتراث خطيّ، بل مع الأرشيفات التالفة، والأرض غير المستقرة، والمواد الهشة، والانفصالات الزمنية." عرف وليد رعد بأنه "مبدع في الأخبار الكاذبة حول الشرق الأوسط، "، مخترع أرشيفات وهمية حول الحرب التي عاشها في طفولته في حركة الفن الحر، كما الشعر الحر، جزءاً من قصص الشباب السياسية والاجتماعية والثقافية بين الالتزام واليوتوبيّة الواقعية والتمرد. يعرض حالياً صورًا أرشيفية بالأبيض والأسود لأسطول أمريكي، كما في في احساس فردي بقصص الأسلحة والأطفال. ولكن، أين تبدأ الحدود بين الخيال والحقيقة في ما ترى العين من نار الحرب الكثيفة في الشرق الأوسط وسبل النجاة والصورة لا تزال مرئية هناك ، يستطيع أن يراها في كثير من طبقات الذاكرة المجمدة / المسكونة بهوة حفرة الحرب واللعب. يعيد نظره توصلاً لإكتشاف ما تبقى من تلك الطفولة حين تعرى من ادعاءاتها الخاطئة. فلا مصدر للجمال إلا من خلال الجرح الاستثنائي الظاهر في أعماله، حيث يقرر كسر الانزواء عن العالم وإعلان وحدة مرحليّة وإن عميقة. إنها نفس الحقبة في الثمانينيات، حيث كانت الميليشيات المسلحة اللبنانية تطلق على زعماء القوى المختلفة أسماء رموز، وأن كل واحد كان يحمل اسم زهرة. يقول رعد في غاتلوغ المعرض" كانت المرأة المسؤولة عن وضع هذا الترميز ، قد درست علم النبات في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد قامت أيضًا بعمل "كولاج" لصور حسني مبارك برأس زهرة "الفاوانيا". ويروي "كيف أن ياسر عرفات، الذي كان هدفًا للعديد من محاولات الاغتيال، لم ينم أبدًا في نفس السرير ، وأن مؤرخًا مهووسًا وجد هذه الطبقات المختلفة من خلال تصفح- كما قد تفعل صوفي كالي- لغرف الفنادق في باريس والقاهرة لالتقاط الصور التي يعرضها وتشبه وثائق تلك الفترة. وهذه الملاحظات تبدو معلومات "موثوقة " قبل أن تكتشف أنه يلعب في "محفورات الحرب" ، كما لعب الطفل في "فوهة القنبلة". وأن هذه الصور "المزيفة". هذه "الأسرة الفارغة" التي شغلها أحيانًا "قادة منظمة التحرير الفلسطينية" في "استراحة المحارب المستحيلة"، وعن طريقها ترى شعبًا بأكمله. تبحث عن "جثث ناجية"، أو عن "قضية لا تنام أبدًا". بعض هذه الصور حقيقية، والبعض الآخر تم تشكيله ليصبح كذلك في متاهات الخيال، كما كان يفعل منذ عام 1989، تاريخ تأسيس مؤسسته المسماة "مجموعة أطلس"، وهي مجموعة من "الباحثين المزيفين" (أنهت نشاطها في عام 2004، ولا تضم سوى عضو واحد، وهو وليد رعد). وببساطة، اليوم، هو يؤرخ للأرشيفات الزائفة الجديدة في مواجهة "نقص الأرشيفات الموثوقة" حول تاريخ لبنان المعاصر. وباستخدام تقنية "الخيال العلمي العربي" (SFA)، يضع وليد رعد، في سياق ما بعد الحرب، أسئلة حول البنى السياسية والذاكرة والتعويض في بلد شهد حروبًا متتالية. من خلال مقاربة ساخرة حداثية وأسطورية وشاعرية، مشغولة بنوع من الهوس المتكرر، تستجيب جميعها بطريقتها الخاصة لمنطق الصدمة والتكرار الايقاعي التركيبي لحرب الأمس، أوغداً ، ضمن مصائر يحذف منها الموت في آلأمه ، وفي سخرية من القدر والتاريخ ، لأن الحرب لم تتوقف أبدًا، حقائق مصنوعة لتبقى قاسية جداً للتعبير عن الصراع الأبدي. ورعد ضد الرمزية الهشة ، اي الوقوف عند ذاكرة الأطفال فقط ، لا يستطيع أن يعيش الطفل من دون أن يكبر شيئاً . ليس سوى صانع ألعاب، وأي أهمية لذلك كما يقول نيتشيه. فيلعب رعد دور السلطة الفنية وما إليها وما فيها وما عليها. ليس بالمعنى السياسي الحاسم ، بل بالمعطى الدرامي لحالة الحرب، كأداة سخرية من لعبة العبث وما يرتكب من اتنهاكات وهفوات واعتداءات. قد يساعد هذا على التخلص من الشعور بالاحباط، ولو تمكنا من ذلك، كان يمكن أن يكون كل شيئ ممكناً في لبنان . سينضم بعضهم إلى وليد رعد في بينالي البندقية ستة فنانين لبنانيين آخرين من مجموعة تقول شيئًا عن المكانة الاستراتيجية لهذه الساحة الفنيّة في النقاشات المعاصرة حول الذاكرة والأرشيف والسرد وأشكال التعبير في سياق جيوسياسي قاسٍ لظروف الحروب الحالية.

جبران خليل جبران: جسر من نور بين الشرق والغرب (1/3)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
مايو 14, 2026 - 11:11

«ما أنا سوى غيمة صغيرة تسافر عبر السماء، لا تعرف إلى أين تذهب ولا من أين أتت ». ثمة أرواح لا تحدّها حدود، وتعجز التصنيفات عن تعريفها. وجبران خليل جبران واحد من هؤلاء. فهو، علىشهرته الواسعة يبقى شخصية غير معروفة بما يكفي في آن، وأحد أكثر الوجوه إثارة للدهشة في القرن العشرين. ولد في لبنان، ونشأ في صخب بوسطن ونيويورك. عبر نتاجه الأدبي والفني، دحض جبران نظرية كبلينغ القائلة بأن «الشرق والغرب لا يلتقيان»، إذ نجح في أن يجسّد، في آن معاً، أسمى ما في الشرق الصوفي وأفضل ما في الغرب الحديث والعقلاني. وإذ يُختصر جبران غالباً بالنجاح العالمي الهائل لروائع مؤلفاته، ولا سيما كتاب «النبي» (الكتاب الأكثر قراءة في الولايات المتحدة بعد الكتاب المقدس)، إلا أنه فنان شامل، و«باحث عن المطلق» طوّع الريشة بالشغف عينه الذي طوّع به القلم. ولا يزال عمله يتردد صداه اليوم بحداثة مذهلة. فهل كان رساماً، أم مفكراً، أم شاعراً، أم كاتباً، أم كل هؤلاء معاً؟ ويُنقل عن أوغست رودان، الذي التقاه في باريس، قوله عنه: «إن العالم ينتظر ويليام بليك جديداً، وقد وُلد في الشرق». وبالفعل، وعلى غرار ويليام بليك، لم يكن جبران يعتبر نفسه كاتباً يمارس الرسم، بل فناناً يعبّر عن فكره بالقلم أو بالريشة على حد سواء. وفي محاولة للإحاطة بهذه الشخصية، سنتطرق إلى المؤثرات التي صقلت المفكر والكاتب (الذي يُقال إنه الأكثر قراءة في العالم بعد شكسبير ولاو تسي) والرسام الذي تسعى لوحاته الأثيرية إلى تجسيد الروح البشرية، مجردةً من أقنعتها الاجتماعية. 1883-1931: حياة بين عالمين ولد جبران عام 1883 في بشرّي، وهي قرية مسيحية في شمال لبنان كانت آنذاك تحت الحكم العثماني، لنشأة في عائلة مارونية، وكان جده كاهناً. لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره حين هاجرت والدته إلى بوسطن في الولايات المتحدة، مصطحبة إياه مع شقيقتيه، هرباً من البؤس ومن زوج مدمن على الكحول. كانت البدايات في الولايات المتحدة قاسية، إذ طبعها رحيل أخيه غير الشقيق وشقيقته ووالدته، الذين خطفهم مرض السل. وبين عامي 1908 و1910، عاد إلى بيروت للدراسة في مدرسة الحكمة، قبل أن ينتقل إلى باريس حيث التحق بأكاديمية جوليان لعامين، صقل خلالهما تقنياته في الرسم، وهناك التقى، من بين آخرين، بالنحات أوغست رودان. المرأة في حياة جبران «المرأة هي هيكل الحياة». «في عيني المرأة، يمكن قراءة تاريخ الإنسانية، فهي تحمل في ذاتها سرّ الخلق وقوة الحب غير المشروط». لعبت المرأة دوراً جوهرياً في حياة جبران، إذ كان يكنّ لها تقديراً واحتراماً مطلقين، ولم ينظر إليها يوماً كأداة للمتعة. وكما كان يُردد دائماً، فقد حظي طوال حياته بدعم نساء استثنائيات. ورغم أنه لم يتزوج أبداً، إلا أنه أحبّ عدة نساء، ولم يتوقف طوال مسيرته عن الدعوة إلى تحرر المرأة العربية، مشجعاً إياها على كسر قيود التقاليد وهيمنة المجتمع الذكوري. بين النساء اللواتي طبعن حياته، تبرز أولاً والدته التي خصّها بتعلق شديد، معجباً بالشجاعة التي أبدتها حين تركت كل شيء لتهاجر إلى الولايات المتحدة تأميناً لمستقبل أفضل لأولادها. وثمة حادثة تلخّص بوضوح طبيعة علاقة جبران بالمرأة: فخلال إقامته في باريس، تأثرت عارضة كانت تقف عارية أمام الفنانين باحترام جبران الشديد لها، لدرجة أنها تعلّقت به. وتعبيراً عن امتنانها، كانت تغسل له ملابسه يومياً من دون مقابل. ماري هاسكل كانت مرشدته وراعيته، ولعبت دوراً كبيراً في حياته. هي من أدخلته إلى أوساط الفن والنشر في نيويورك، وساهمت في إطلاق مسيرته المهنية. ورغم أنها كانت تكبره بعشر سنوات، إلا أنها المرأة الوحيدة التي طلب جبران يدها للزواج. وقد فُصّلت طبيعة علاقتهما في مذكرات ماري هاسكل الخاصة التي نُشرت بعد وفاتها. مي زيادة هي واحدة من أجمل وأغرب قصص الحب في الأدب العالمي. كان جبران يعيش في نيويورك، بينما كانت مي زيادة، الكاتبة النسوية، تقيم في القاهرة. استمرت مراسلاتهما على مدى عشرين عاماً من دون أن يلتقيا قط، فكانت تبادلاتهما مزيجاً من السجالات الفكرية، والدعم المعنوي، والشغف الروحي. تجسّد هذه العلاقة بوضوح مفهوم جبران للحب: اتحاد الأرواح الذي يتسامى فوق العلاقة الجسدية والحدود الجغرافية، إذ كان يعتبرها «أناه الأخرى» (alter eg o ). ويمكن الإشارة أيضاً إلى علاقة الصداقة التي جمعته بسكرتيرته باربارا يونغ، التي ساعدته في كتاباته باللغة الإنكليزية في أواخر حياته.

ماتيس، عالمٌ تخترقه الألوان
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر
مايو 6, 2026 - 17:44

في قصر غران باليه، يستضيف معرضٌ نادر الاتساع، جامعاً أكثر من ثلاثمائة عمل من مجموعات دولية، يستكشف حتى السادس والعشرين من يوليو المقبل السنوات الثلاث عشرة الأخيرة من مسيرة هنري ماتيس. والمعرض، إذ يكشف لحظةً من الكثافة اخترقتها المرضُ فأعاد فيها الفنان ابتكار لغته من الأساس، ليس خاتمةً بل فتحاً جديداً. لوحاتٌ ورسوماتٌ وكتبٌ ومنسوجاتٌ ونوافذ زجاجية ملونة وغواش مقصوصة تتألف منها رحلةٌ تصوّرت على غرار ورشة حيّة: ورشة رجلٍ اختار، وهو على أعتاب النهاية، أن يظلّ منفتحاً. إشراقٌ وضياء. ثمة معارض تنفتح كالأبواب، وثمة أخرى تفرض نفسها ببطء، في هدوء شبه تام، حتى تزيح شيئاً أقدم من النظرة ذاتها: طريقةً في استيعاب الزمن، وأسلوباً عميقاً كثيفاً في الوقوف أمامه، في بطئه كما في ضوئه. في قصر غران باليه، يقف هذا المسار المكرّس لماتيس في ذلك الفاصل الهشّ بالذات، حيث تضيق الحياة وتتسع الأعمال في الآن نفسه. ففي عام ١٩٤١، إثر عملية جراحية أضعفته طويلاً، كاد الفنان أن يلقى حتفه. وقد تحدّث لاحقاً عن «حياة ثانية»، كفضاء مسروق يعيد فيه كل شيء بدءاً مختلفاً؛ لا بالقطيعة، بل بتكثيف صامت للنظرة. احتضان العالم تحمل القاعات الأولى في خفوتٍ ثقلَ العالم. الحرب تجتاح الحقبة دون أن تتمركز فيها مواجهةً مكشوفة، غير أنها تسري في الغيابات والتحفّظات، وفي حركات ماتيس نفسه إذ بقي في فرنسا ورفض أي تصوير مباشر للعنف. في رسوم «مواضيع وتنويعات» (١٩٤١-١٩٤٢)، يتقدّم الخطّ كنفسٍ محبوس. تبرز الأشكال ثم تتلاشى ثم تعود في مكان آخر، كأن الهيئة لا تسعى إلى الثبات بقدر ما تسعى إلى البقاء حيّة. لا شيء يستقر حقاً، ولا شيء يضيع. ليس هذا انسحاباً من العالم، بل طريقةٌ أخرى في سكنه، أبطأ وأكثر هشاشةً ربما، لكنها من مطالبة نادرة. وفي اقتصاد الكاد ولا شيء ذاك، يستقر شيءٌ ما بالفعل: سلامٌ لا يرتكز على مكتسب، بل على انتباه متواصل. الضوء لا يُعزّي ثم يتفتّح اللون ببطء، دون إيماءة مسرحية. في «البلوزة الرومانية» (١٩٤٠)، تتنفس الخلفية الفاتحة كنسيج كتّاني مكشوف في الهواء، فيما تؤكّد نفسها الأحمرُ والأزرق والأصفر بكثافة كادت تكون جسدية. الضوء لا يليّن شيئاً؛ بل يخترق ويُلحّ ويصمد. عند ماتيس، الضوء ليس ديكوراً. الضوء قرارٌ، موقفٌ داخلي تقريباً: طريقةٌ في البقاء إلى جانب ما يستمر. فانس، الزمن المتمهّل في فانس، يتغيّر للزمن وزنه. في «داخليات فانس» (١٩٤٧-١٩٤٨)، ومنها «الداخلية الحمراء الكبيرة» (١٩٤٨)، لا يغطّي اللون الفضاء بعد الآن: بل يتشرّب فيه. يصير الأحمر مادةً ودفئاً وحضوراً متواصلاً. والأشياء — الطاولة والنبتة والنافذة — ليست سوى نقاط توازن في اهتزاز أوسع. لا يُنظر إلى هذه الأعمال بعد الآن؛ بل يُدخل إليها. وشيئاً فشيئاً، ينفكّ شيءٌ ما في الإدراك ذاته، كأن العالم قَبِلَ ألّا يثقل على النحو ذاته تماماً. القصّ في الضوء مع «جاز» (١٩٤٣-١٩٤٧) ثم الغواش المقصوصة، يجري انزياحٌ أكثر جذريةً مما يبدو للوهلة الأولى. في «إيكار» (١٩٤٧)، يبدو الجسد الأسود طافياً وسط وميض ملوّن يخفق حوله، بين السقوط والتعليق. في «العرايا الزرق» (١٩٥٢)، يصبح الأزرق كثافةً، صمتاً شبه صلب، غير أنه مخترَقٌ بحضور جسدي لافت. في «حزن الملك» (١٩٥٢)، تتجاوب الأشكال كموسيقى بطيئة، تبدو فيها كلُّ لون حاملةً عاطفةً محتبسة، لا تنهمر. مع «الحزمة» (١٩٥٣)، ترتفع الأشكال النباتية في حركة شبه عضوية، كأن اللوحة تسترجع نسغاً قديماً، اندفاعاً من الحياة بلا رواية. ثمة في هذا كله ما يبدو وكأنه أُعيد تقطيره إلى جوهره؛ لا بالاختزال، بل بالتكثيف. فضاءٌ قابل للسكن تمثّل كنيسيّة الوردية في فانس (١٩٤٧-١٩٥١) إزاحةً تامة. لم يعد ماتيس يؤلّف أعمالاً، بل يبني مكاناً. فضاءً تشارك فيه كل عناصره: الجدران والزجاج الملون والخزفيات والأثواب الكهنوتية. تنكمش الخطوط إلى بضعة علامات واضحة، شبه منفوثة، وتُصوَّر الألوان — الأزرق والأخضر والأصفر — لكي يخترقها ضوء النهار. في الصباح، تبدو طازجةً شفيفة. في منتصف النهار، تكتنز وتهتز بقوة أكبر. في المساء، تتراسب، كأن الضوء ذاته يهدأ. كل شيء هنا يرتكز على انتباه لمرور الزمن وأرقّ تدرّجاته. الإيماءة الأخيرة في ختام مسار المعرض، تكاد اللوحة أن تتلاشى كلياً. يمضي ماتيس، المنهَك، يقصّ أوراقاً ملوّنة يُزحزحها حوله كحديقة معلّقة. الأشكال لا تُرسم بعد الآن، بل تُضبَط وتُزاح وتُعاد إلى إيقاعها، كأن الصورة تولد مباشرةً من الحركة والنفَس. لا شيء يبدو اكتمالاً. كل شيء يبدو، على العكس، يتخفّف أكثر، حتى يلمس ضرباً من الضرورة العارية. في مذكرة من عام ١٩٥٠، تعبر هذه الحقبةَ جملةٌ كهمس هادئ، كأنها بوحٌ موجَّه إلى الزمن: «أتمنى أن نموت شباباً مهما طال بنا العمر.» ليس بمعنى الجسد، بل بتلك القدرة على البقاء منفذاً، ما زلنا، لما يأتي. ما يتركه الضوء ما يمنحنا هذا المعرض رؤيته يتجاوز بكثير تسلسل أعمال متأخرة. يكشف عن طريقة في اجتياز الزمن والمرض والقيود دون الانغلاق أبداً. أمام ما يضيق، لا يستجيب ماتيس لا بالمأساة ولا بالقطيعة، بل بحركة معاكسة: انفتاح متواصل، شبه غريزي، تصبح فيه البساطة كثافة. لا تفرض الصور نفسها بصفة دائمة. بل تمضي بطريقة أخرى، كإحساس بطيء منتشر يواصل اشتغاله في النظرة بعد الخروج بوقت طويل. ويبقى ذلك الانطباع، خافتاً لكن راسخاً: أن الفن، حين يبلغ هذا الصواب، لا يمسك بالعالم. بل يدعه يتلوّن حتى يصبح ضوءاً.

/