

الإيمان هو، قبل كل شيء، اعتناق الإنسان بكل كيانه مثالًا أسمى يتجاوزه. وهو يقوم على الثقة. وعلى حدّ قول القديس بولس، هو «الثقة بما يُرجى والإيقان بأمور لا تُرى» (عبرانيين 11: 1). وهكذا يتجلّى الإيمان ثباتًا ورجاءً يستندان إلى ذبيحة المسيح وإلى اليقين بحقائق غير منظورة. إنه القدرة على الرجاء والإيمان بصدق ما لا يُرى.
تُنقل هذه الحقائق غير المنظورة عبر التقليد، ومنه تستمدّ مشروعيتها. فلا يمكن للمرء أن يؤمن بالمسيح إلا حين يتيقّن من وجوده، ويتعرّف إلى شخصه، ويعي رسالته ومشيئته. وهذه المعرفة تمرّ عبر التاريخ، وفهم تعاليمه، واستيعاب آلامه وانتصاره على الموت. غير أن هذا كلّه لا يُعايَن مباشرة، بل يُنقل إلينا. فالإيمان والتقليد مرتبطان إذن ارتباطًا وثيقًا وبنيويًا.
التجسّد
تتجسّد المسيحية في جسد المسيح، وفي عمق التاريخ، وفي الإرث المنبثق منه. وتغدو ملموسة في التقليد والصلاة والترتيل واللغة والإفخارستيا. ويرى بندكتوس السادس عشر أن الروحانية من دون تجسّد تتحوّل إلى تجريد: فإذا كان الله يدخل التاريخ، فلا يمكن للإيمان أن يكون مجرّدًا أو منزوع التجسّد أو محايدًا ثقافيًا.
يوجد الإيمان دائمًا في صورة تاريخية ملموسة. فلا وجود لمسيحية خالصة، بلا تجسّد، ومنفصلة عن التاريخ. ويقول لنا بندكتوس السادس عشر إن الإيمان الخالي من الهوية الثقافية هو وهم فكري، ينتهي إلى مجرّد بناء نظري.
إن وجودًا مارونيًا يدّعي الانتماء إلى كونية مجرّدة بالتخلّي عن لغته السريانية، سيدخل في مسار من التفكّك، وسيعيش وهم مسيحية بلا تجسّد. فكما يقول بندكتوس السادس عشر، «إن إيمانًا لم يعد يملك شجاعة تحمّل واقعه الثقافي الملموس يذوب في نزعة أخلاقوية، ثم ينتهي إلى أيديولوجيا».
ويكتب أيضًا: «لا تقوم الكونية على تماثل مجرّد، بل على القدرة على الدخول في جميع الثقافات من دون فقدان الهوية الخاصة».
فردنة الإيمان
الإيمان الديني، بوصفه علاقة بما يتجاوز الإنسان، ليس في أصله منظومة مفاهيمية مغلقة. بل يتجذّر في عمق تاريخي ولغوي ورمزي يجعله حيًّا ومتعدّدًا في آن واحد. غير أن الحداثة الغربية فصلت الإيمان تدريجيًا عن شروط تجسّده، فأنتجت صيغة مجرّدة منه قابلة للانزلاق نحو الأيديولوجيا.
وقبل الغرب بوقت طويل، ظهر هذا التجريد في لبنان منذ دستور عام 1926، الذي استبدل بترجمة المصطلح التركي «ملّت» (شعب، أمّة) مصطلحَ «الطائفة». ففي سعيه إلى إخضاع لبنان المتعدّد الإثنيات لنظام على النمط اليعقوبي، محا هذا الدستور البعد الثقافي والتاريخي للجماعات القائمة فيه. وبادّعائه هوية واحدة وإرثًا موحّدًا، حصر الخصوصيات في نطاق إيمان فردي خالٍ من التقليد ومنفصل عن كل ما يتشكّل حول العبادة.
لكن الإيمان المقتلع من جذوره، والمفصول عن وسائطه الثقافية، والخاضع للتجريد، يكفّ عن كونه خبرة معيشة ويفقد جوهره. وتؤكّد سيمون فايل أن لدى الإنسان حاجة أساسية إلى الانتماء إلى استمرارية تاريخية. وتقول: «لعلّ التجذّر هو أهمّ حاجات النفس البشرية». وعندئذ يصبح الدين طريقة للعيش في العالم، تتناقلها الطقوس ولغاتها وذاكرتها الجماعية.
الإيمان، في صورته الأصيلة، هو دائمًا تجربة متجسّدة في ثقافة. فبحسب فايل، يحتاج الإنسان إلى أن يكون جزءًا من نسيج تاريخي معيش ورمزي. ومن دون هذا التجذّر، يصبح الإيمان مجرّدًا ويفقد بُعده الوجودي. فلا يعود «غذاءً للروح»، بل يغدو بناءً فكريًا محضًا.
الحداثة والعلمنة
تميل الحداثة تحديدًا إلى اقتلاع الإيمان من جذوره بفصله عن الوسائط الثقافية التي يتجلّى من خلالها. فتختزله في مجموعة من المبادئ الكونية المستقلة عن الموروث التاريخي. ويُصاغ الإيمان عقلانيًا في نسق نظري، ويُحوَّل إلى شأن فردي منفصل عن الكيان الاجتماعي. وهكذا تُنتج الحداثة، بحسب مارتن هايدغر، علاقة بالعالم منقطعة عن التجربة الحية، تقوم على التجريد وتُختزل في مضمون فكري محض.
وحين يطال هذا التحوّل الدين، فإنه يُنتج إيمانًا منفصلًا عن التجربة الحية، تُضفي عليه العلمنة طابعًا كونيًا بتحويله إلى مجموعة من القضايا المجرّدة، المستقلة عن أي سياق ثقافي أو مكاني. ويرى ألاسدير ماكنتاير في ذلك تفكّكًا للتقاليد الأخلاقية، يؤدي إلى مزيد من الهشاشة وإلى جعل الأفراد أكثر عرضة للتلاعب اجتماعيًا وأيديولوجيًا.
وتطال العلمنة المفاهيم الدينية نفسها، فتُنتج إيمانًا منزوع البُعد المتعالي. وتصبح الفكرة المتعالية مادية ومحايثة. ويفسّر إريك فوغلين هذه الظاهرة بوصفها أيديولوجيا تحاول، بإحلال نفسها محل الإيمان، أن تجعل الخلاص محايثًا للعالم.
وبدلًا من أن تُزيل العلمنة الدين، فإنها تعيد تشكيله في صورة هوية جامدة. فالدين «المعلمن» والمقتلع من جذوره يكفّ عن كونه تجربة روحية ليصبح مجرد علامة على الانتماء الهوياتي. وهكذا يولّد الاقتلاع الثقافي واللغوي هويات جماعية متنازعة، تفتقر إلى العمق التاريخي. ويحلّل بندكت أندرسون هذا التحوّل بوصفه تشكّلًا لـ«جماعة متخيَّلة» توحّد الأفراد حول تصوّرات مجرّدة.
وهكذا، فإن التحديث، الذي يدّعي بناء مجتمع منفتح عبر العلمنة، يميل، على نحو مفارق، إلى إقامة مجتمعات متنازعة تفتقر إلى التجذّر الثقافي والروحي.























