

لطالما كان إلياس الحويّك قريباً عن معاناة البيئات الريفية التي نشأ في كنفها. ومع ارتقائه سدّة الأسقفية، أدرك ضرورة التحرّك لتأمين التعليم للفتيات المنحدرات من عائلات متواضعة في بيئته الأولى. وتعكس رسائله ومؤلفاته قناعة راسخة لديه بأن تعليم الفتاة هو ركيزة الأسرة وعمادها؛ فتأمين تعليم متين للمرأة هو الضمانة الأساسية لتحصين المستقبل الأخلاقي والمدني والاجتماعي للمجتمع اللبناني بأسره.
وفي 15 آب 1895، أسس إلياس الحويّك في مدينة جبيل "جمعية الراهبات المارونيات للعائلة المقدسة"، بالتعاون مع الأم روزالي نصر والأخت ستيفاني كردوش، اللتين استدعاهما من ديرهما في الناصرة بالأراضي المقدسة، بناءً على مشورة رؤسائهما وموافقتهم.
كانت الأم روزالي نصر (1840-1899) امرأة ذات شخصية قوية وراهبة متمرسة تولت مناصب ذات مسؤوليات عالية في رهبنتها الأصلية، "راهبات سيدة الناصرة"، ولدى "راهبات الوردية". وشاءت العناية الإلهية أن تلتقي بإلياس الحويّك عندما كان لا يزال أسقفاً، فعرض عليها مشروعه التأسيسي. وبعد حصولها على موافقة بطريرك القدس، كرّست نفسها بالكامل لهذا "العمل"، بمعاونة الأخت ستيفاني كردوش، تلميذتها التي رافقتها من الناصرة.
ولم يكن اختيار اسم "العائلة المقدسة" وليد الصدفة، بل عكس هدفاً تربوياً وروحياً؛ إذ كان على الراهبات أن يمثّلن فضائل عائلة الناصرة المقدسة لدعم وحماية الخلية الأسرية ومجتمع مهدد، كان جزء منه انجرف وراء ملذات ما بعد الحرب والحفلات الراقصة وألعاب الميسر.
واجهت الرهبنة تحديات مبكرة، أبرزها الموت المأساوي للأم روزالي عام 1899. وقعت هذه الفاجعة في ليلة 22-23 آب 1899، عندما أقدمت فتاة شابة، اعتُبرت "مريضة" واستُبعدت لعدم أهليتها للحياة الرهبانية على قتلها طعناً بالسكين. ففي ليلة مقمرة وحارة، مستغلةً معرفتها بمداخل الدير الصغير، توجهت نحو غرفة الأم في الطابق الأرضي، ودخلتها عبر نافذة مفتوحة، ثم اقتربت من سريرها وطعنتها في قلبها مباشرة، فلم تلبث الأم روزالي أن فارقت الحياة. لكن المطران الحويّك سارع إلى التحرك، وفي 30 آب 1899، أي بعد أسبوع واحد من الوفاة، عيّن المؤسس الأخت ستيفاني كردوش، رفيقة الأم روزالي وابنتها الروحية، رئيسة جديدة للرهبنة. ورغم أنها كانت في مطلع الثلاثينيات من عمرها، إلا أن المسؤولية صقلتها، فاستطاعت الأخت ستيفاني، بحزم لافت، أن تضمن استمرارية الرسالة واستقرارها، بفضل رؤيتها وقناعتها بأن هذا العمل يرعاه التدبير الإلهي.
واليوم، لا تزال رهبنة الراهبات المارونيات للعائلة المقدسة رمزاً لهذه الرؤية الرائدة التي تدمج بين الروحانية والتعليم والإنماء الاجتماعي. ويضم الدير الأم للرهبنة في عبرين (البترون) جثمان البطريرك الحويّك، الذي يبدو أنه لم يتحلل إلا ببطء، بالإضافة إلى جانب متحف جميل صُمّم للإحاطة بجميع جوانب شخصية الرجل الذي صاغ روح لبنان.
مهندس وبنّاء
من جهة أخرى، يُعرف البطريرك الحويّك بمساهمته في هندسة وبناء معالم بارزة، كصرح سيدة لبنان في حريصا، والمقرين البطريركيين في بكركي والديمان، ناهيك عن الدير الأم للرهبنة في عبرين، الذي تمتاز كنيسته بنوافذ من الزجاج المعشق الفاخر التي اختارها بنفسه. ويبدو أن حسه الجمالي قد تنامى لديه من خلال تردده على كنائس المدينة الخالدة (روما) وصروحها.
وقد شُيّد صرح حريصا تكريماً لـ "الحبل بلا دنس"، أي العذراء مريم المصونة من "الخطيئة الأصلية". وساهم الآباء اليسوعيون، الذين كانوا يديرون معهد غزير الإكليريكي آنذاك، في تثبيت تمثال برونزي ضخم للعذراء مريم يشرف على خليج جونيه الساحر. ومنذ ذلك الحين، غدت حريصا مزاراً حجّاً وطنياً وعالمياً، يقصده الحجاج من لبنان والشرق الأوسط لطلب شفاعة امرأة يجلّها المسيحيون بوصفها والدة الإله، ويكرّمها المسلمون باعتبارها "أطهر نساء العالمين".
كما عمِل البطريرك الحويّك على تحصين المقر البطريركي في بكركي، الذي كان قد خلف مقر الديمان (شمال لبنان) عام 1830، إثر انتقال الثقل الديمغرافي للموارنة نحو وسط جبل لبنان. فقام البطريرك باستبدال المقر البطريركي القديم ببناء جديد. ومنذ ذلك العهد، أصبحت بكركي على ما هي عليه اليوم: المركز الإداري والروحي للكنيسة المارونية، ونقطة استراتيجية لأنشطتها السياسية والدبلوماسية؛ نحو فرنسا وعصبة الأمم في زمن الحويّك، ونحو العالم أجمع اليوم.
وكما هو معلوم، أصبحت الديمان، المجاورة للأرز، المقر الصيفي للبطاركة الموارنة. ولم تقتصر إنجازات البطريرك على لبنان فحسب، بل تخطت حدوده لتشمل فرنسا ومصر والقدس وروما؛ لتشهد على اندماج التزامه الروحي مع استراتيجيته السياسية، مرسّخةً سلطة الكنيسة المارونية ومشروع لبنان الحر، التعددي، الحديث والموحد.
إقرأ أيضاً: