شعار Levant Time

سياسة

بين شبح الحرب وإدارة الاشتباك: ماذا ينتظر لبنان إذا انفجرت المواجهة الأميركية – الإيرانية؟

في كل مرة ترتفع فيها وتيرة التوتر بين الولايات المتحدة وايران، يعود السؤال نفسه ليخيم على بيروت: هل نحن أمام حرب مؤجلة أم أمام مواجهة محتومة؟ وهل لبنان سيكون ساحة أم مجرد متفرج قلق على شاشات الأخبار؟ الواقع أن المنطقة تعيش منذ سنوات حالة “لاحرب ولاسلم”. تصعيد محسوب، ضربات موضعية، رسائل نارية، وتحريك قطع عسكرية في البحر والجو، يقابله انخراط في قنوات تفاوض غير مباشرة، ووساطات إقليمية ودولية. هي إدارة اشتباك دقيقة، تتقدم خطوة وتتراجع خطوتين، لكنها لم تصل بعد إلى قرار الحرب الشاملة. لماذا لا تريد واشنطن الحرب الآن؟ الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تكون عملية جراحية محدودة. إيران ليست دولة معزولة بلا أدوات. لديها شبكة نفوذ إقليمية، وقدرات صاروخية ومسيرات، وتملك أوراق ضغط في أكثر من ساحة. أي حرب مباشرة ستعني: • ضرب منشآت استراتيجية داخل إيران. • ردوداً صاروخية على قواعد ومصالح أميركية. • اشتعال جبهات متعددة في وقت واحد. إضافة إلى ذلك، الأولويات الأميركية العالمية متشعبة: صراع نفوذ مع الصين، حرب في أوكرانيا، وأزمات طاقة وأسواق. حرب جديدة في الشرق الأوسط تعني استنزافاً إضافياً غير مضمون النتائج. ولماذا لا تريد طهران الحرب؟ إيران أيضاً ليست في وارد الانتحار الاستراتيجي. اقتصادها يرزح تحت العقوبات، ووضعها الداخلي حساس. مواجهة مباشرة قد تعرّض بنيتها العسكرية والنووية لضربات قاسية، وقد تفتح الباب لاضطرابات داخلية. لذلك، تميل طهران إلى سياسة “الرد غير المباشر”، أي استخدام أدواتها الإقليمية كوسيلة ضغط دون الذهاب إلى صدام مباشر. هكذا يستمر التوازن الهش: تصعيد مضبوط بسقف مدروس. أين يقف لبنان في هذه المعادلة؟ لبنان ليس بعيداً عن هذه الحسابات، بل هو في صلبها. فوجود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية فاعلة يجعله جزءاً من شبكة الردع الإيرانية في المنطقة. ومن هنا، فإن أي تحول في المواجهة الأميركية – الإيرانية سينعكس مباشرة على الداخل اللبناني. السؤال ليس إن كان لبنان سيتأثر، بل إلى أي حد. السيناريو الأول: استمرار حرب الظل في هذا السيناريو، تستمر الضربات الموضعية والتوتر الإعلامي دون انفجار شامل. هنا يحافظ حزب الله على سياسة “الاشتباك المحسوب”: • إبقاء الجبهة تحت سقف معين. • تجنب حرب واسعة مع إسرائيل. • استخدام ورقة الضغط دون توريط لبنان بالكامل. هذا السيناريو هو الأقل كلفة داخلياً، لكنه يبقي البلد في حالة قلق دائم، ويؤجل أي استقرار اقتصادي أو سياسي حقيقي. الاستثمار يبقى خائفاً، والسياحة موسمية، والمصارف مشلولة بين انتظار الانفراج أو الانفجار. السيناريو الثاني: مواجهة واسعة إذا اتخذ القرار بالحرب، فإن المنطقة كلها ستدخل في مرحلة مختلفة. ضربات متبادلة، صواريخ عابرة للحدود، وربما استهداف منشآت حيوية. في هذه الحالة، سيكون حزب الله أمام معادلة صعبة: 1. تدخل واسع دعماً لإيران: ما يعني فتح جبهة كبيرة مع إسرائيل، واحتمال دمار واسع في لبنان. 2. تدخل محدود ومدروس: ضربات رمزية تحفظ ماء الوجه وتجنب الانهيار الشامل. 3. تحييد نسبي للجبهة اللبنانية بقرار استراتيجي إيراني، إذا اعتُبر أن الحفاظ على القوة أهم من استخدامها. الخيار الأول يحمل مخاطر وجودية على لبنان. الاقتصاد المنهار أصلاً لا يحتمل حرباً جديدة، والبنية التحتية بالكاد تعافت من أزمات متراكمة. إعادة الإعمار لن تكون سهلة، والمجتمع المنهك قد يدخل في موجة هجرة جديدة. ماذا عن الداخل الشيعي؟ أي حرب ستعيد خلط الأوراق داخل البيئة الشيعية نفسها. هناك شريحة تعتبر أن المواجهة جزء من معركة إقليمية كبرى، وأخرى تخشى أن يدفع لبنان وحده الثمن. إذا كانت الحرب قصيرة ومحدودة، قد تعزز خطاب “الردع والمقاومة”. أما إذا طالت وتسببت بدمار واسع، فقد تفتح نقاشاً داخلياً حول جدوى ربط لبنان بمحاور إقليمية. لكن من المبكر الجزم. فالبيئات السياسية تتفاعل مع النتائج لا مع التوقعات. العامل الإسرائيلي لا يمكن فصل أي مواجهة عن حسابات إسرائيل. فهي تعتبر أن ضرب البنية العسكرية لحزب الله هدف استراتيجي، لكنها تدرك أيضاً أن الحرب مع لبنان ليست نزهة. تجربة 2006 لا تزال حاضرة في الذاكرة العسكرية. لذلك، هي بدورها تفضّل ضربات موضعية واستنزافاً تدريجياً بدل حرب شاملة غير مضمونة. هل يمكن أن نشهد اتفاقاً جديداً؟ يبقى احتمال التفاهم الأميركي – الإيراني قائماً. اتفاق محدود حول الملف النووي أو تخفيف عقوبات مقابل قيود معينة قد يخفف التوتر. في هذه الحالة، ينعكس الانفراج على الساحات الإقليمية، ومنها لبنان. تهدأ الجبهات، ويعود التركيز إلى الملفات الداخلية. لكن أي اتفاق سيكون هشاً إذا لم يعالج جذور الصراع: النفوذ الإقليمي، أمن إسرائيل، والبرنامج الصاروخي الإيراني. لبنان الحلقة الأضعف المشكلة الأساسية أن لبنان لا يملك قرار الحرب والسلم كاملاً. هو يتأثر بقرار يُتخذ خارج حدوده. وفي ظل الانهيار الاقتصادي والفراغات الدستورية المتكررة، يصبح البلد أكثر هشاشة أمام العواصف الإقليمية. الحرب إن وقعت لن تكون حدثاً عسكرياً فقط، بل زلزالاً سياسياً واجتماعياً. وقد تعيد طرح أسئلة كبرى حول موقع لبنان في الصراعات، وحدود دوره، ومستقبل سلاح حزب الله في المعادلة الداخلية. بين الحتمية والاحتمال حتى اللحظة، لا تبدو الحرب حتمية. لكنها أيضاً ليست مستحيلة. نحن أمام مرحلة “شد حبال” خطير، يترافق مع استعراض قوة ورسائل متبادلة، لكن الجميع يدرك كلفة الانفجار الكبير. لبنان، كالعادة، ينتظر على حافة الاحتمال. لا هو قادر على تحييد نفسه بالكامل، ولا هو مستعد لتحمل حرب جديدة. لذلك يبقى الرهان على العقلانية الدولية، وعلى إدراك أن إشعال المنطقة لن يحقق نصراً حاسماً لأي طرف، بل سيغرق الجميع في دوامة طويلة من الفوضى. السؤال الحقيقي ليس فقط: هل ستقع الحرب؟ بل: هل يملك لبنان خطة ليحمي نفسه إذا وقعت؟ حتى الآن، الجواب مؤلم بقدر ما هو واضح: الاستعدادات تُبنى في الخارج، أما الداخل فيعيش على أمل ألا يُفتح الباب.

ليبيا في النظام الدولي المجزأ (5/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 22, 2026 - 11:52

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بمرحلة انتقال غير مكتملة عادية، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة الإعمار، أدى الانهيار المفاجئ لنظام معمر القذافي، على العكس من ذلك، إلى إطلاق سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح تدريجياً محل الدولة كمبدأ لتنظيم السلطة، كما حدث في السودان. تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك بذاته، متجذر في التنافسات الإقليمية والدولية، وأصبح الآن قادراً على القضاء على أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه. منذ اللحظة التي توقفت فيها ليبيا عن أن تكون دولة ذات سيادة فعلية، أصبحت مجرد موضوع دولي. ليست قضية مركزية، أبعد ما تكون عن ذلك، بل هي مساحة متاحة، مفتوحة للاستراتيجيات غير المباشرة، والاستثمارات الانتهازية، وألعاب التأثير منخفضة التكلفة السياسية. إن الحرب الليبية لا تستمر رغم النظام الدولي، بل بسببه أو، بتعبير أدق، بسبب تفتتها المتزايد . الوهم الأول الذي يجب تبديده هو وهم المنافسة المباشرة بين القوى الكبرى للسيطرة على ليبيا. لا تسعى أي منها حقاً لحكم البلاد، ولا حتى لتحقيق استقرار دائم لمؤسساتها. ما يحدث هو أكثر انتشاراً: استغلال الفراغ، وتطبيع الاستثناء، وقبول صراع «يمكن إدارته» و«مستقر». تندرج روسيا بالكامل ضمن هذا المنطق: ففي هذا الصدد، فإن التزامها في ليبيا ليس إيديولوجياً ولا هيكلياً بالمعنى الكلاسيكي، بل هو براغماتي، وحدوي، وقابل للعكس. من خلال الشبكات شبه العسكرية، والمستشارين، واتفاقيات الأمن الضمنية، تضمن موسكو نقاط دعم، ووسائل إزعاج، وقدرة على التأثير غير متناسبة مع استثمارها الفعلي. توفر ليبيا لروسيا بالفعل عدة مزايا متزامنة، حيث تسمح لها بعرض وجود في البحر الأبيض المتوسط ​​دون التزام رسمي واسع النطاق، كما توفر أرضاً للتدريب والاختبار للآليات الهجينة. وتشكل أخيراً مساحة حيث يصبح ضعف الإطار المعياري الغربي مرئياً وقابلاً للاستغلال. كل قرار معطل، كل وقف إطلاق نار بلا تأثير، كل عملية سياسية فاشلة يساهم في ترسيخ فكرة أن النظام الدولي الليبرالي لم يعد قادراً على فرض قيود خارج نطاقه المباشر. في الواقع، لا تهتم الاستراتيجية الروسية بالنصر بالمعنى الدقيق للكلمة . بل تهدف إلى استدامة عدم الاستقرار، وهو شرط مثالي لقوة تسعى أقل للإدارة وأكثر للتأثير - كما كان الحال تقريباً في سوريا. ستكون ليبيا المسالمة مساحة منظمة، ومحددة، وأقل سهولة للوصول إليها. على العكس، ليبيا المجزأة هي ميدان لعب مرن. نعمة لموسكو. حالة الصين تتبنى الصين من جانبها موقفاً مختلفاً جذرياً، ولكنه أيضاً ذو تأثير هيكلي. فبكين لا تتدخل عسكرياً ولا سياسياً بشكل واضح، وتلتزم بمبدأ عدم التدخل الخاص بها، متجنبة المواقف الحادة، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الأطراف. ولكن يجب ألا نخطئ: هذا الحياد الظاهري ليس غياباً للاستراتيجية. بل يعكس مجرد حساب طويل الأمد، ضمن التقاليد الصينية الخالصة، يتميز بالانتباه والصبر والمرونة. وعلاوة على ذلك، بالنسبة للصين، ليبيا هي مساحة اهتمام محتمل، دون أن تكون مسرحاً لإسقاط فوري. فالموارد والبنية التحتية والموقع الجغرافي تكتسب أهمية أكبر من التشكيلة السياسية الحالية. ولذلك، يمكن لبكين أن تنتظر، وفية لنفسها. طالما أن الصراع لا يعيق مصالحها الأساسية، فإن الوضع الراهن مقبول بالنسبة لها. والتفتت، بهذا المعنى، لا يشكل مشكلة لها، بل هو حالة انتقالية متوافقة مع الاندماج الاقتصادي المستقبلي، عندما تتوفر الظروف. ولهذا الموقف تأثير غير مباشر كبير، بقدر ما يحيد أي ديناميكية تقييد دولية. ففي غياب توافق بين القوى القادرة على فرض تكاليف حقيقية، تفقد الإعلانات والعقوبات الرمزية والعمليات الأممية قدرتها على الردع - كما هو الحال في جميع الأراضي التي تحولت إلى بؤر توتر. هنا، كما في كل مكان في التكوين الحالي للعالم، يتخبط القانون الدولي خارج المبادئ الكبرى. إيران تفرك يديها دون أن تكون فاعلاً مركزياً في الملف الليبي، استفادت إيران، من جانبها، حتى الآن، كما في السودان، من هذا التشكيل، حيث يساهم كل صراع طرفي مستمر في تشتيت الانتباه الغربي، وتآكل قدرات الضغط، وتطبيع الركود. لأن ليبيا، مثل مسارح أخرى، تشارك في بيئة دولية حيث يزيد تضاعف الأزمات من صعوبة معالجة كل منها بشكل حاسم. لا تحتاج إيران إلى أن تكون حاضرة للاستفادة من هذه الديناميكية: يكفيها بالفعل أن يكون النظام الدولي منشغلاً في مكان آخر، ومفتتاً وغير قادر على ترتيب أولوياته. وهكذا تصبح ليبيا صراعاً تابعاً، يساهم وجوده في تشويش استراتيجي عالمي. قال جيفارا: «اصنعوا لهم عدة فيتنامات». طهران لا تحتاج حتى إلى فعل ذلك. نظام الملالي يراقب ويفرك يديه. غرب متفرق ومتردد في مواجهة ذلك، يبدو الغرب منقسماً، متردداً، وضعيفاً هيكلياً. تتردد الولايات المتحدة بين فك الارتباط والإدارة الدنيا. بعد تدخل عام 2011، لم يتم تقديم أي استثمار سياسي يوازي عواقب ذلك. وهكذا أصبحت ليبيا ملفاً ثانوياً، يُدار بشكل متقطع وبدون رؤية طويلة المدى. تحولت الأولويات. فليست أوكرانيا والشرق الأوسط وإسرائيل والملف النووي الإيراني والمحيطين الهندي والهادئ وأمريكا اللاتينية سوى أمور تدفع ليبيا الآن إلى الخلفية. أما أوروبا، فلم تتحدث قط بصوت واحد. فقد حالت الخلافات المزمنة والمعتادة بين الدول الأعضاء، والمصالح الطاقوية، والمخاوف المتعلقة بالهجرة دون ظهور استراتيجية متماسكة. يُستدعى استقرار ليبيا بانتظام، لكن نادراً ما يُنظر إليه على أنه مشروع سياسي يتطلب جهداً. إن «بؤس أوروبا»، بدبلوماسيتها متعددة السرعات، في أبهى صورها... لا يخلو هذا المزيج من الانسحاب الغربي والالتزام الانتهازي من قبل القوى غير الغربية من إحداث تأثير تراكمي: فليبيا تصبح نقطة عمياء استراتيجية، غير مستقرة لدرجة لا تسمح بدمجها، ولكنها أيضاً لا تزال قابلة للإدارة بما يكفي للتعامل معها كحالة طوارئ مطلقة. في هذا السياق، تتوالى العمليات الدبلوماسية، ولكن دون أن تغير المعايير الأساسية أبداً: فالمؤتمرات الدولية حريصة على إصدار البيانات، لا أكثر، وتتوالى اتفاقيات وقف إطلاق النار كفترات توقف تكتيكية، دون آفاق لحل دائم. أما حكومات الوحدة، فهي ترتيبات مؤقتة، تفتقر إلى آليات قسرية... وبالتالي فهي مثالية لإدارة استمرارية الصراع، حيث لا أحد لديه مصلحة في إنهائه. من الواضح أن ليبيا لا تعاني من كثرة التدخلات المتناقضة، بل من تقارب عالمي ضمني نحو قبول عدم الاستقرار. يجد كل فاعل فيها، على المدى القصير أو المتوسط، مصلحة كافية لتجنب إعادة ضبط جذري. ليبيا تنزف، نعم، ولكن بمباركة، أو على الأقل برضا سادي، من هذا الطرف وذاك. سيف الإسلام: الاغتيال الذي يغلق مجال الممكن يمثل اغتيال سيف الإسلام القذافي في 3 فبراير 2026، مع ذلك، نقطة تحول صامتة ولكن حاسمة في الصراع الدموي. حتى وفاته، شغل سيف الإسلام موقعاً متناقضاً: محايداً سياسياً، ومتنازعاً عليه قانونياً، وبدون جهاز عسكري خاص به، ولكنه متاح رمزياً. كان مجرد وجوده يحافظ على فرضية، مهما كانت هشة، لطريق ثالث: لا استئناف نظام الميليشيات، ولا استعادة السلطة الاستبدادية المدعومة بالتوازنات الإقليمية، بل شكل من الاستمرارية المعاد تفسيرها، قادر على استيعاب ذاكرة اجتماعية لا تزال حية. لم يكن هذا الخيار سائداً، وربما لم يكن قابلاً للحياة، لكنه كان موجوداً كمتغير كامن في «النظام» الليبي، وكان يجبر الجهات المسلحة، والرعاة الإقليميين، والقوى الخارجية على التعايش مع حالة عدم يقين إضافية: وهي عودة السياسة عبر الالتفاف على الماضي. كان الابن يغذي شبح العودة إلى «نظام» الأب. إن تصفية سيف الإسلام تغلق هذا الفتح. في هذا السياق، لم يكن الأمر مجرد اغتيال رجل، بل هو وهم العودة الأبدية إلى «العصر الذهبي الأسطوري» الذي تغذيه جميع الأنظمة الديكتاتورية. ولكن، أبعد من ذلك، يكشف هذا الاغتيال أيضاً شيئاً أساسياً عن ليبيا المعاصرة، بقدر ما يؤكد أن المجال السياسي فيها لم يعد مقتصراً على العنف، بل أصبح محدداً به. أي شخصية يمكن أن تحدث إعادة تشكيل رمزية تفلت من التوازنات المسلحة القائمة تصبح، بحكم التعريف، غير متوافقة مع «النظام». فلم يكن سيف الإسلام يهدد بشكل مباشر أي طرف عسكرياً. بل كان التهديد الذي يشكله أعمق بكثير: فقد أحدث نشازاً وإمكانية للقطيعة، حتى لو كانت رجعية، في نظام قائم على التجزئة المتحكم فيها. ومع ذلك، فإن اختفائه لا يؤدي إلى تحول فوري ولا يعيد توزيع أوراق السلطة. ولكنه ينتج شيئاً أكثر ديمومة. في هذه الحالة، تأكيد على أن ليبيا ما بعد عام 2011 لم يعد بالإمكان اعتبارها مساحة انتقالية مفتوحة. إنها أرض مغلقة حيث لا يُسمح إلا للتكوينات المدعومة بالقوة والتحالفات الإقليمية والمصالح الخارجية. مع تصفية سيف الإسلام، لم يعد بالإمكان استدعاء الماضي كمورد سياسي، ولم يعد المستقبل قابلاً للتفاوض خارج إطار موازين القوى المسلحة. وبهذا المعنى، يعمل اغتياله كمكشاف نهائي، حيث يؤكد أن الحرب الليبية ليست مجرد صراع طويل الأمد، بل هي نظام مستقر، قادر على القضاء على أي بديل لا يندرج ضمن منطقه. هنا يُغلق الفصل المشؤوم الذي بدأ في عام 2011. فبدلاً من أن يفتح الطريق أمام التفتح المنتظر للربيع، أدى سقوط معمر القذافي إلى حقبة أثبتت فيها السيادة نفسها أنها مستحيلة مع اختفاء ليفياثان - ومن سخرية القدر، يكمن التأكيد النهائي لهذه الحقيقة في تصفية ابنه. فبدلاً من التوجه نحو إعادة الإعمار والديمقراطية، أصبحت ليبيا إقليماً يُدار بشكل افتراضي ويُحافظ عليه في شكل من التوازن الصراعي المتفق عليه. ومع ذلك، فإن السلام ليس مستحيلاً هناك. إنه، وبشكل أكثر سخرية، غير متوافق مع العقلانيات الفاعلة حالياً، وضحية السخرية الباردة للسياسة الواقعية. ما دامت لا توجد مصلحة لأحد في ذلك، فهل ستبقى ليبيا مجرد مختبر وحشي إضافي للصراعات المعاصرة؟ والليبيون، في كل هذا؟ «الليبيون؟ حسناً، لا يهمهم!» للقراءة حول نفس الموضوع: 2011 أو ليبيا في عصر ما بعد الدولة (1/5) الصراع الليبي: «عسكرة» مفرطة للسياسة (2/5) «ليبياان» وسيادة غير موجودة (3/5) ليبيا، بؤرة توتر إقليمية (4/5)

اللامركزية في لبنان: التنفيذ، المالية والتداعيات العملية
بقلم
نايلة عساف
نُشر
فبراير 22, 2026 - 11:38

مشروع اللامركزية الإدارية منصوص عليه في اتفاق الطائف (1989) ولكنه لم ينفذ بعد. ومع ذلك، أجريت العديد من الدراسات لهذه الغاية، دون أن تؤدي إلى نتيجة. نظرة على إصلاح معلق. يعتمد التنفيذ العملي للامركزية الإدارية في لبنان على تعزيز المجالس المحلية، لا سيما على مستوى الأقضية التي تشكل الدرجة الثانية بعد البلديات. وفقًا لريان عساف، دكتورة في القانون ومسؤولة الشؤون القانونية في الرئاسة بين عامي 2008 و2014، «ينص مشروع اللامركزية على أن ينتخب المواطنون في كل قضاء، وفقًا لنظام الأغلبية، لجنة عامة تتألف من ممثلين عن جميع المحليات حتى تلك التي لا يوجد بها بلديات (لضمان أفضل تمثيل جغرافي). ثم تنتخب هذه اللجنة مجلس إدارة القضاء وفقًا لنظام نسبي». لا يجب ترجمة tags HTML أو placeholders مثل {{name}} أو %s. يتكون كل مجلس إدارة من اثني عشر عضوًا، يتمتعون بصلاحيات واسعة لضمان التنمية المحلية وإدارة الموارد. سيتيح هذا الهيكل الإداري للسكان التحكم مباشرة في عمل ممثليهم، وبالتالي تعزيز المساءلة والحد من ممارسات الزبائنية والإقطاعية التي طالما ميزت الحياة السياسية اللبنانية. الاستقلال الإداري ومعايير الكفاءة تؤكد السيدة عساف على أهمية وضع شروط محددة لضمان فعالية المجالس المحلية. وتوضح قائلة: «يجب أن يحمل أعضاء مجلس القضاء شهادة جامعية»، وذلك لضمان أن يكون المسؤولون لديهم الكفاءات اللازمة لإدارة الميزانيات وتنسيق المشاريع والإشراف على التنمية الإقليمية. يهدف هذا المتطلب الفني إلى احتراف الإدارة المحلية وإنشاء معيار للكفاءة لجميع المجالس، وبالتالي تقليل مخاطر سوء الإدارة. تساهم هذه المقاربة في خلق رابط مباشر بين كفاءة المنتخبين ورضا المواطنين. سيتمكن السكان من ملاحظة تأثير عمل مجلس القضاء بشكل ملموس، مما يعزز رقابة المواطنين الأوثق وشفافية أفضل في إدارة الشؤون العامة. الموارد المالية تتعلق إحدى النقاط الأكثر حساسية في اللامركزية بالموارد المالية. تؤكد السيدة عساف على أنه لا توجد «لامركزية مالية» في لبنان. وتوضح قائلة: «نتحدث بالأحرى عن استقلالية مالية، لأنه من المستحيل نقل الصلاحيات دون توفير الوسائل اللازمة لممارستها». تتوفر البلديات حاليًا على إيرادات، لا سيما من الضرائب على الاتصالات، بالإضافة إلى مصادر أخرى. تودع الأموال في الصندوق البلدي المستقل لكنها لا تسمح للبلديات بممارسة مهامها بالكامل. تتمتع البلديات قانونياً بصلاحيات واسعة، لكنها غير قادرة على ممارستها بشكل مُرضٍ ومناسب بسبب عدم كفاية الموارد المالية. ينص مشروع اللامركزية على استبدال الصندوق البلدي المستقل بصندوق لامركزي، مصمم لضمان التنمية المتوازنة بين المناطق. سيعتمد هذا الصندوق على معايير ومؤشرات دقيقة، عددها أربعة مع معاملات محددة، لتصحيح التفاوتات ودعم المناطق الأقل نمواً. من خلال توسيع الإطار الجغرافي لجمع الموارد وإعادة توزيعها، يهدف المشروع إلى زيادة الوسائل المالية للمحليات المهمشة. وبذلك، يمكن للبلديات، التي تتمتع بسلطات ولكن تفتقر اليوم إلى الموارد الكافية، ممارسة صلاحياتها بشكل أفضل والمساهمة في التنمية الإقليمية. ينص مشروع اللامركزية أيضاً على إنشاء وزارة لللامركزية، مكلفة بتنسيق السياسات المحلية وضمان اتساق الإجراءات على مستوى الإقليم. وفقاً للسيدة عساف، ستكون هذه المؤسسة ضرورية لتأطير عمل المجالس وضمان التوازن بين الحكم الذاتي المحلي والتماسك الوطني. الشمولية والرقابة يركز الإصلاح الذي نص عليه الطائف أيضًا على تعزيز الرقابة والشفافية. تمارس لجنة رقابة مستمرة على مجلس الإدارة، مما يضمن توافق أعماله مع القواعد المعمول بها وحسن استخدام الأموال. يهدف هيكل الرقابة هذا إلى طمأنة كل من المواطنين والجهات المانحة الدولية، التي تطلب ضمانات بشأن إدارة الموارد وتوزيعها. كما يتعين على المجلس نشر نشرة إخبارية دورية وإنشاء موقع إلكتروني يتم فيه نشر القرارات ذات الطابع العام وتقارير تدقيق الحسابات القضائية إلزاميًا. تذكر السيدة عساف أن هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى احتراف الإدارة المحلية، بل أيضاً إلى تمهيد الطريق لثقافة دائمة للمساءلة على المستوى الوطني. وتوضح قائلة: «يمكن أن تكون اللامركزية التقنية نموذجاً لنشر الشفافية والمسؤولية في جميع أنحاء البلاد، حتى في غياب إصلاح سياسي أكثر شمولية». الآثار العملية على المواطنين بالنسبة للسكان، تعني اللامركزية تقارباً متزايداً مع مراكز القرار. سيكون دافعو الضرائب أكثر اطلاعاً على الاحتياجات الحقيقية لأقضيتهم وكيفية استخدام مواردهم. ووفقاً للسيدة عساف، «من خلال تقريب الحكم من المواطنين، يمكن لهؤلاء الأخيرين طلب المزيد من المساءلة، مما سيشجع المجالس المحلية على العمل للاستجابة بفعالية لتوقعات السكان». بالنسبة لها، اللامركزية هي الحل المناسب لأولئك الذين لا يعتقدون أنه يمكن إيجاد حل للتغلب على العديد من المشاكل المتعلقة بإدارة الشؤون العامة. «إنها الآلية الوحيدة التي تتيح تقريب الحكم من السكان وضمان استخدام الموارد والصلاحيات بفعالية على المستوى المحلي». تسمح هذه المقاربة للسكان برؤية نتائج عمل ممثليهم بشكل ملموس، والمطالبة بالمساءلة والمشاركة بشكل أكبر في إدارة قضاءهم. ذات طابع تنموي رئيسي، يمكن أن تساهم اللامركزية الإدارية في الحد من التوترات والخلافات السياسية المحلية. ومع ذلك، تظل أهم مزاياها هي التنسيق بين البلديات ومجالس الأقضية، بالإضافة إلى خلق فرص عمل وتنمية إقليمية، مما يحد من الهجرة الريفية والتركيز المفرط للأنشطة في بيروت أو في عدد قليل من المراكز الحضرية. الجدول الزمني والعوائق وتلاحظ أن التأخير في تنفيذ هذا الإصلاح يعود أساسًا إلى غياب التوافق السياسي، حيث تتردد القوى القائمة في التنازل عن بعض الصلاحيات والاختصاصات لصالح السلطات المحلية. وهي تبدد المخاوف من أن تؤدي اللامركزية الإدارية إلى تفتيت لبنان. بل على العكس، ستعزز تنمية الأقضية، خاصة وأن هذه الأخيرة متعددة الطوائف. تدق السيدة عساف ناقوس الخطر: «اليوم، تمتلك الدولة اللبنانية وسائل مالية محدودة للغاية. تظهر اللامركزية كوسيلة عملية لتعبئة الموارد، وتعزيز الحوكمة، وتحسين المساءلة».

اللامركزية في لبنان: تاريخ، شرعية، وتحديات عامة (1/2)
بقلم
نايلة عساف
نُشر
فبراير 20, 2026 - 19:59

«يجب أن يكون الإصلاح الأول لامركزية ذكية»، جول بايو اللامركزية هي نمط من تنظيم الدولة يقوم على نقل الصلاحيات والمسؤوليات والموارد من السلطة المركزية إلى سلطات محلية منتخبة، مستقلة قانونياً، بهدف تقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين وتحسين فعالية العمل العام. وهي تسمح للبنان بنقل جزء من صلاحيات الدولة وكفاءاتها ومواردها إلى هيئات إقليمية منتخبة ومستقلة – لا سيما البلديات والكيانات اللامركزية – مع الحفاظ على وحدة الدولة. والهدف هو تعزيز وتفعيل الحوكمة المحلية والمشاركة المواطنية والتنمية المتوازنة للمناطق. وفقاً للسيدة ريان عساف، دكتورة في القانون ومسؤولة الشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية بين عامي 2008 و 2014، «في السياسة، لا يوجد حل سحري». وتضيف: «التغيير يتم تدريجياً، خطوة بخطوة، وهذه الحقيقة تنطبق بشكل خاص على الدول التعددية. لبنان، بفسيفسائه الطائفية والسياسية المعقدة، لا يمتلك، على غرار جميع الدول التعددية، أي وصفة عالمية أو حل سحري قادر على حل الاختلالات المؤسسية أو ضمان التماسك الوطني». بالنسبة للسيدة عساف، التي كانت عضواً في اللجنة الخاصة التي أنشأها رئيس الوزراء عام 2012 بهدف صياغة مشروع قانون اللامركزية الإدارية، «تشكل اللامركزية خطوة أساسية على طريق التقدم». وتوضح: «إنها أداة براغماتية لتعزيز الدولة وتحسين الحوكمة وتقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين». وتضيف أنه إذا كان لا بد من الحديث عن «معجزة» في السياسة اللبنانية، فيمكن تحديدها في الجزء المتعلق باللامركزية من اتفاق الطائف. ففي سياق تجد فيه الأحزاب صعوبة في الاتفاق على إصلاحات هيكلية، فإن التوصل إلى تسوية بشأن هذه النقطة يشكل حدثاً تاريخياً. ففي ذلك الوقت، كانت بعض الفصائل تؤيد اللامركزية، بينما عارضتها فصائل أخرى. ورغم هذه الخلافات، تم التوصل إلى اتفاق، يكرس اللامركزية كإصلاح أساسي. الطائف وعرقلة التنفيذ بعد اتفاق الطائف وحتى ولاية الرئيس ميشال سليمان، لم يتم اعتماد أي مشروع قانون ملموس بشأن اللامركزية. وكانت النصوص المتاحة أقرب إلى اللاتمركز منها إلى اللامركزية بالمعنى الصحيح. وتشدد السيدة عساف على هذا التمييز: «اللاتمركز يتمثل في تمثيل إدارات الدولة المركزية في المناطق، دون نقل صلاحيات حقيقية. أما اللامركزية، فتتضمن مجالس منتخبة مباشرة من قبل المواطنين، تتمتع بصلاحياتها الخاصة واستقلالها الإداري والمالي الحقيقي.» وصفت بعض المبادرات، مثل مشروع القانون الذي قدمه النائب الراحل روبرت غانم، بأنها لامركزية، لكنها لم تنص على انتخاب المجالس المحلية. لكن غياب الانتخابات يتعارض مع جوهر اللامركزية نفسه. واليوم، يعرف لبنان درجة أولى من اللامركزية عن طريق البلديات . تتمتع هذه الكيانات بصلاحيات، لكنها تفتقر إلى الموارد المالية الكافية لممارستها بشكل كامل. ويتباين مثال بعضها، المجهزة بموارد مالية كبيرة، بشكل حاد مع بلديات أخرى أقل حظاً. دور اللامركزية تسمح اللامركزية بإنشاء رقابة ديمقراطية حقيقية. ووفقاً للسيدة عساف، «بفضل اللامركزية، يصبح المواطنون أكثر قدرة على المساءلة والتحكم في العمل العام». ويساهم الإصلاح المذكور أيضاً في تحديد الاحتياجات الإقليمية بشكل أفضل، وتقليل الازدحام، وخلق فرص عمل محلية، وتعزيز التنمية الإقليمية وتخفيف الخلافات السياسية. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذه الفوائد بدون سلطة مركزية قوية، قادرة على ضمان انسجام ووحدة الدولة. فاللامركزية ليست وسيلة لإضعاف الدولة، بل هي أداة لتعزيز الحوكمة وتحسين فعالية العمل العام. وبالنسبة للسيدة عساف، يمكن أن تلعب اللامركزية دور المحفز في المساءلة على المستوى الوطني. التسلسل الزمني للمبادرات وفقًا لاتفاق الطائف، وخلال فترة الولاية الرئاسية 2008-2014، وبمبادرة من رئيس الجمهورية وبالاتفاق مع رئيس الوزراء، تم إنشاء لجنة برئاسة الوزير السابق زياد بارود عام 2012 لوضع مشروع قانون حول اللامركزية. وجمعت هذه اللجنة خبراء ومتخصصين من عدة مجالات، حيث أن اللامركزية تتضمن جوانب إدارية ومالية وسياسية وثقافية واجتماعية… في عام 2014، تم إقرار المشروع النهائي من قبل الرئاسة. وهو يحترم اتفاق الطائف ويتضمن معايير متقدمة للحوكمة المحلية. في عام 2015، دعم مؤتمر حوار مبدأ اللامركزية. ثم تبنى النائب سامي الجميل المشروع المذكور وقدمه كاقتراح قانون إلى البرلمان. ومنذ ذلك الحين، يتم دراسة النص من قبل اللجان البرلمانية دون اعتماده. وتشير السيدة عساف إلى أن الموافقة عليه مرهونة بإرادة سياسية لا تزال غائبة. وتضيف أن اللامركزية هي إصلاح ذو طبيعة فنية، وأنه سيكون غير منطقي، بل عبثي، ربط موافقتها بتنفيذ إصلاحات سياسية أخرى بامتياز، مثل إنشاء مجلس شيوخ أو إلغاء الطائفية، الأمر الذي سيتطلب سنوات من الجهود. الاستقلالية المالية والتوازن الإقليمي وفقاً للسيدة عساف، وتطبيقاً لمبدأ 'نقل الصلاحيات، نقل الموارد'، لا يمكن تحقيق اللامركزية بدون موارد مالية. وتشرح أن مصطلح «اللامركزية المالية» غالباً ما يُستخدم خطأً في لبنان. ووفقاً لها، فإن اللامركزية ترتكز على دعامتين لا يمكن فصلهما: الاستقلالية الإدارية والاستقلالية المالية. ويدعو المشروع إلى تخصيص موارد مالية لصالح المجالس المحلية المنتخبة (على سبيل المثال، جزء من ضريبة الدخل والضريبة على العقارات المبنية المحصلة على مستوى القضاء…). كما ينص على إنشاء صندوق لامركزي، يحل محل الصندوق البلدي المستقل الحالي. ويهدف هذا الصندوق الجديد إلى ضمان تنمية متوازنة وتقليل التفاوتات بين المناطق، بالاعتماد على مؤشرات حالة التنمية، والتحصيل السنوي للضرائب، وتعداد السكان المسجلين في الجماعة المحلية ومساحة القضاء. تتيح اللامركزية للمواطنين انتخاب مسؤولين محليين قادرين على إدارة موارد قضائهم بفعالية. وهي تساهم في الحد من الزبائنية والإقطاعية، مع إرساء ثقافة المساءلة. تجدر الإشارة إلى أن الإطار التاريخي والمؤسسي يسلط الضوء على حقيقة أن اللامركزية في لبنان هي ضرورة ديمقراطية ورافعة للمرونة المؤسسية في آن واحد. ويكشف التسلسل الزمني للمبادرات عن إرادة سياسية ثابتة على الورق، لكنها مقيدة بالمصالح الحزبية ونقص التوافق. وسيكون الاعتماد الفعلي لهذا الإصلاح اختباراً كبيراً للطبقة السياسية.

ليبيا، بؤرة توتر إقليمية (4/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 20, 2026 - 17:25

لم تعد الحرب الليبية مفهومة بمجرد قراءتها فقط من خلال فاعليها الداخليين. اعتبارًا من عام 2014، وبشكل خاص بعد عام 2019، تحول الصراع إلى مسرح لإسقاط القوى الإقليمية، حيث تُستخدم الديناميكيات المحلية كدعائم لاستراتيجيات تتجاوزها بكثير. ليبيا هي بذلك منطقة مجزأة، مستثمرة، مستخدمة، ومُشغّلة من الخارج كمساحة مرنة، تفتقر إلى السيادة الفعلية، وبالتالي، مثالية للحروب غير المباشرة. صحيح أن التنافس بين القوى الإقليمية لا يفسر وحده الانهيار الليبي، لكنه يثبت خطوطه، ويمنع أي حل داخلي، ويحول كل تقدم محلي إلى متغير في لعبة أوسع. في هذه المرحلة، لم تعد الحرب مجرد صراع بين ليبيين، بل بين رؤى متنافسة للنظام الإقليمي، تُسقط على أرض غير قادرة على استيعابها. إنها بؤرة الصراع بامتياز، كما هو الحال في سوريا بعد 2011، أو، قبل ذلك، لبنان بين 1975 و 1990. الخط الأول للانقسام يضع تصورين متناقضين للاستقرار في مواجهة بعضهما البعض. من جهة، منطق سلطوي، أمني، عمودي، تدعمه مصر والإمارات العربية المتحدة. ومن جهة أخرى، منطق تدخل انتهازي وتعاملي تتبناه تركيا، يعتمد على قراءة مختلفة للتوازنات الإقليمية. بالنسبة للقاهرة، تشكل ليبيا مفتاحًا استراتيجيًا. لطالما اعتبرت الحدود المصرية الغربية، الطويلة والمسامية، تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، خاصة بعد عام 2011. لقد حدد شبح انتشار الأسلحة والمقاتلين والإيديولوجيات المعادية الموقف المصري. وبالتالي، يبدو دعم قوة قادرة على فرض نظام عسكري في برقة ضرورة دفاعية. ومن هذا المنظور، لا يمثل خليفة حفتر مشروعًا ليبيًا بقدر ما يمثل أداة استقرار بالوكالة. أما الإمارات، فتدرج التزامها ضمن استراتيجية أوسع لإسقاط النفوذ. ليبيا هي إحدى حلقات سياسة إقليمية تهدف إلى احتواء الإسلام السياسي، وهيكلة شبكات أمنية حليفة، والسيطرة على نقاط حيوية في التدفقات التجارية والطاقوية. إن الدعم المقدم للشرق الليبي يستجيب لمنطق أيديولوجي، صحيح؛ لكنه يندرج أكثر في مقاربة براغماتية، قائمة على توقع موازين القوى على المدى الطويل. إعادة تشكيل المعادلة الإقليمية في مواجهة هذا المحور، تتدخل تركيا وفق منطق مختلف. يمثل تدخلها الكثيف ابتداءً من عام 2019 نقطة تحول حاسمة في الصراع. بالنسبة لأنقرة، لا يتعلق الأمر فقط بإنقاذ طرابلس من هجوم عسكري وشيك، بل بإعادة تشكيل المعادلة الإقليمية. وهكذا يجمع التدخل التركي بين المساعدة العسكرية المباشرة، ونشر الطائرات بدون طيار، والمستشارين، والمرتزقة السوريين، والأهم من ذلك، اتفاق بحري يعيد رسم الحدود في شرق البحر الأبيض المتوسط. وهذا الاتفاق ليس تفصيلاً تقنيًا. إنه يضع ليبيا في قلب تنافس طاقوي وجيوسياسي يتجاوز حدودها بكثير. بالاعتماد على حكومة طرابلس، تحصل أنقرة على شرعية قانونية للطعن في المشاريع المتنافسة في المتوسط، وإضعاف محور اليونان-قبرص-مصر، وفرض نفسها كلاعب أساسي في الحوض الشرقي. ليبيا لم تعد موجودة ككيان في حد ذاتها ولا تشكل هدفًا في ذاتها - إنها أكثر من ذلك: إنها منصة استراتيجية. تؤدي هذه الإقليمية للصراع إلى تأثير تراكمي، حيث يتم تجريد كل طرف ليبي تدريجيًا من استقلاليته الاستراتيجية. لم تعد القرارات العسكرية الكبرى تتخذ في طرابلس أو بنغازي، بل يتم حسابها بناءً على الخطوط الحمراء ومصالح الرعاة الخارجيين، وتتحول الحرب، بذلك، إلى فضاء للتفاوض غير المباشر بين القوى الإقليمية، حيث يتم التحكم في التصعيد وتكييفه، وأحيانًا تعليقه، لكن نادرًا ما يتم حله. يُظهر مؤتمر برلين، الذي نظمته ألمانيا والأمم المتحدة في يناير 2020، والمبادرات الدبلوماسية المتعددة التي تلته، هذا المأزق. لقد سعت هذه المبادرات إلى إعادة إطار متعدد الأطراف، لكنها اصطدمت بحقيقة مريرة: إن الأطراف الإقليمية الموجودة في ليبيا ليس لديها مصلحة فورية في توحيد البلاد تحت سيادة واحدة. فليبيا الضعيفة، المنقسمة، القابلة للتفاوض، توفر فرصًا أكثر من دولة مركزية قوية قادرة على وضع قواعدها الخاصة... مرحلة إدارة شكلت حرب طرابلس، بين عامي 2019 و2020، لحظة كاشفة بشكل خاص في هذا الصدد، حيث أثبتت أن التدخل الخارجي يمكن أن يغير ميزان القوى دون إنتاج حل سياسي. لم يفتح فشل الهجوم الذي قاده حفتر ضد الحكومة الرسمية الطريق لإعادة بناء الدولة؛ بل على العكس من ذلك، رسخ تحول ليبيا إلى منطقة توازن صراعي، حيث لا يمكن لأي طرف أن ينتصر دون التسبب في تصعيد إقليمي لا يمكن السيطرة عليه. من هنا، يدخل الصراع مرحلة إدارة بدلاً من الحل. تُحترم اتفاقيات وقف إطلاق النار طالما أنها تخدم مصالح الرعاة. ويُتسامح مع الانتهاكات طالما أنها لا تتجاوز عتبات معينة. تصبح ليبيا مساحة يتم فيها احتواء الحرب، ولكن لا يتم نزع فتيلها أبدًا. لهذه الديناميكية أيضًا بعد بحري ومهاجر. أصبحت طرق الهجرة والموانئ ومناطق الانطلاق نحو أوروبا رهانات ضمنية للتفاوض مع القوى الأوروبية، التي غالبًا ما تكون غائبة سياسيًا ولكنها حاضرة بمخاوفها الأمنية. تعمل ليبيا حينها كمنطقة عازلة بثمن إضفاء الطابع الخارجي الوحشي على مراقبة الهجرة وإخفاء العنف الذي يصاحبها. ما يحدث في ليبيا لا علاقة له بحرب أهلية كلاسيكية. إنها حرب مواقع إقليمية تدور على الأراضي الليبية، ضمن فضاء تكون فيه خطوط الجبهة دبلوماسية بقدر ما هي عسكرية. مرحبًا بكم في مملكة الاستغلال المفرط. «حرب الآخرين»، كما كان يقول غسان تويني... مع لحم مدافع محلي. في هذا الإطار، يجب ألا نخدع أنفسنا: أي محاولة للخروج من الأزمة الليبية البحتة محكوم عليها بالفشل. طالما أن التوازنات الإقليمية ستظل هيكلتها قائمة على التنافس، وطالما أن شرق البحر الأبيض المتوسط سيكون فضاءً للتنافس الطاقوي والاستراتيجي، ستظل ليبيا أرض «تعديل». هذه الصيغة ربما تكون ساخرة، لكنها تصف الواقع تمامًا. تستمر الحرب على وجه التحديد لأنها تؤدي وظيفة في نظام إقليمي غير مستقر، كما هو الحال، بالمناسبة، في السودان. وطالما لم يتم التشكيك في هذه الوظيفة، فلن يظهر أي حل أو سلام دائم. المقالة التالية: ليبيا في النظام الدولي المجزأ (5/5) اقرأ في نفس الموضوع: 2011 أو ليبيا في حقبة ما بعد الدولة (1/5) الصراع الليبي: «عسكرة» مفرطة للسياسة (2/5) «ليبيا اثنتان» وسيادة متعذرة (3/5)

ليبيتان وسيادة مفقودة (3/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 18, 2026 - 15:36

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بأي تحول غير مكتمل، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة الإعمار، أدى الاختفاء المفاجئ لنظام معمر القذافي، على العكس من ذلك، إلى إطلاق سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح تدريجياً محل الدولة كمبدأ لتنظيم السلطة، كما هو الحال في السودان . تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك في حد ذاته، متداخل مع التنافسات الإقليمية والدولية، وأصبح الآن قادرًا على إزالة أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه . تتكرر عبارة »ليبيتان« في مختلف التحليلات حول الملف الليبي كاستعارة لتفكك البلاد. لكنها في الحقيقة مبهمة. فهي توحي بوجود تقسيم سياسي شبه واضح، أو شبه متساوٍ، بين غرب تسيطر عليه طرابلس وشرق يتمركز حول بنغازي. غير أن هذا التصور يُبَسِط بشكل مفرط واقعاً أكثر إزعاجاً؛ فليبيا ليست منقسمة بين سيادتين متنافستين، بل محرومة تماماً من أي سيادة فعلية. المؤسسات التي تزعم تجسيدها لا تحكم فعلياً، بل تبقى قائمة بتفويض، تحت حماية مسلحة، وتعتمد باستمرار على قوى خارجية أو أعلى منها. في الغرب، تُعدّ حكـومـة الوفـاق الوطني، بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، سلطة قائمة على وهم قانوني مستمر. فهي تحظى بالاعتراف الدبلوماسي، ولها وصول رسمي للأصول الليبية في الخارج، ومقعد في الأمم المتحدة، إلا أن هذا الاعتراف لا يمنحها قدرة فعلية على فرض القرارات في الأراضي التي يفترض أنها تديرها. في طرابلس، الحكم يعني التكيف المستمر مع الجماعات المسلحة التي تسيطر على الأحياء والطرق والمؤسسات الأساسية. فالسلطة التنفيذية لا تقرر شيئاً، بل تكتفي تظل وكأنها تلعب دور شهرزاد، تفاوض من أجل البقاء في كل لحظة، إذ تعتمد على تحالف من الفاعلين المدنيين والعسكريين، الذين يتمتعون بالاستقلالية على الأرض (قوات الردع الخاصة، ذات التوجه السلفي، جهاز دعم الاستقرار، الذي يرتكز قادة مسلحين محليين، فصائل مصراتة، لواء طرابلس، وغيرها. تؤدي هذه المفاوضات الدائمة إلى تحويل الدولة إلى قوقعة فارغة وإجرائية؛ فوزاراتها تعمل بشكل متقطع، والسياسات العامة مجرد حبر على الورق، وتُوزَّع الميزانيات عبر آليات غير رسمية تهدف الحفاظ على توازنات مسلحة هشة. وحتى البنك المركزي، الذي يُصوَّر غالباً كآخر عمود فقري للبلاد، أصبح بدوره مادة للصراع وللضغوط المتبادلة. في الشرق، سلطة نسبية الوضع في الشرق ليس أكثر سيادة، رغم الهيكلية العسكرية الظاهرة. فالسلطة التي يمثلها خليفة حفتر تقوم على مزيج من الولاءات القبلية، والهياكل الأمنية، والدعم الخارجي. وهي تفرض نظاماً نسبياً، لكنه عسكري قبل أن يكون مؤسسياً. فهو لا يقوم على إدارة مستقلة، بل على تسلسل قيادي واقتصاد حربي. وتواجه مزاعم السيادة هناك تناقضاً جوهرياً: كيف يمكن لسلطة تعتمد هيكلياً على دعم خارجي للبقاء أن تمارس سيادة كاملة؟ وفي الواقع، فإن كل القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحرب أو الاقتصاد أو الدبلوماسية مشروطة بتوقعات وخطوط حمراء للرعاة الإقليميين والدوليين. فالشرق الليبي لا يحكم؛ بل يكتفي بالكاد بإدارة اعتماده. لا يؤدي التعايش بين هذين القطبين إلى أي توازن مستقر، بل يولّد نظاماً من المراوحة المتبادلة وفوضى محتواة إلى حد ما، خصوصاً وأن أيّاً من الطرفين لا يملك القوة الكافية لفرض وحدة دائمة، ولا الضعف الكافي ليُهمّش. وبهذا تتجمد ليبيا في وضع تصبح فيه الانقسامات وظيفة قائمة، تسمح للفاعلين المحليين بالحفاظ على مواقعهم، وللفاعلين الخارجيين بممارسة نفوذهم دون أن يتحملوا عبء إعادة بناء للدولة. النفط، أحد عوامل التفتت يظهر غياب السيادة الحقيقية بوضوح في إدارة الموارد. فبدلاً أن يكون عاملاً للوحدة الوطنية، أصبح النفط أحد أبرز عوامل التفتت. فالموانئ والحقول وأنابيب النقل تُسيطر عليها أو تُعطل وفق منطق محلي، ويمكن تعليق الإنتاج في أي لحظة ليُستخدم كرافعة للضغط السياسي. أما بالنسبة للإيرادات، فعندما تتداول، فإنها تغذي شبكات الزبائنية أكثر مما تخدم مشروعاً وطنياً. والمفارقة الليبية تكمن في أن البلاد تمتلك موارد كافية لتمويل إعادة إعمارها… لكنها عاجزة هيكلياً عن تحويل هذه الموارد إلى سيادة فعلية. ومن هذا المنطلق، فإن الريع لا يعزز الدولة، بل يحافظ على تشتتها بطريقة مفارقة، ويعزّز ذلك الهيكل المؤسسي نفسه. تتوالى الحكومات، وتتراكم الاتفاقات، وتتعدد عمليات الحوار، وكلٌّ يُقدّم كخطوة حاسمة نحو الوحدة، لكن في الواقع، لا شيء يغيّر ميزان القوى على الأرض. والمؤسسات الليبية ليست سوى أماكن عبور وهمية وفارغة، حيث لا تتحقق أبداً الوعود المقدمة من أي طرف. في هذا السياق من الخراب، فقدت مفاهيم الشرعية كل معنى عملي. فالشرعية الانتخابية تُستحضر ثم تُلغى، والشرعية الثورية مُستنفدة، والشرعية الأمنية محل نزاع. ولا يتبقى عملياً سوى شرعيات جزئية، محلية، مؤقتة، قائمة على القدرة على الإكراه. ومترتّب ذلك، السيادة، المفهومة كقدرة على اتخاذ القرار وفرضه على الأراضي، تتلاشى في ظل تعدد مصادر السلطة المتنافسة. العقدة الليبية الانقسام الإقليمي ليس جامداً. فهو متحرك، قابل للتكيف، وربما قابل للعكس على المدى القصير، لكنه، مثل باقي الديناميات، دائم وفق منطقه الخاص. فالمناطق تنتقل من سيطرة إلى أخرى دون أن تتغيّر البنية العامة للصراع. وتتغير السيطرة على المدن، وتتجدد التحالفات، لكن غياب مركز موحّد يبقى أمراً قائماً. وهذه المرونة تحديداً هي ما يجعل الوضع الليبي صامداً أمام محاولات الحل. ولا توجد خطوط جبهة ثابتة يمكن من خلالها فرض وقف إطلاق نار دائم، ولا أي جهة قادرة على إشراك البلاد بأكملها في عملية سياسية ملزمة. وكل مبادرة سياسية تصطدم بحقيقة بسيطة: لا أحد يستطيع إلزام الجميع، وكل طرف قادر على عرقلة أي طرف آخر... من الطبيعي أن تُتَّهم الأطراف الخارجية بتغذية الانقسام. هذا صحيح. لكنها في الواقع لا تقوم سوى باستغلال الوضع القائم، مؤيدة طرفاً ثم آخر، ومعدّلة مستوى تدخلها، دون أن تسعى أبداً لاستعادة سيادة تعتبرها غير واقعية على المدى القصير. وهكذا تصبح ليبيا فضاءً للإدارة أكثر منه دولة، كما تتحول إلى عقدة إضافية في هذه المنطقة من أفريقيا. أما الحلول... أما السكان المدنيون، فيجدون أنفسهم محاصرين في مأزق مزدوج. فهم يعتمدون، من جهة، على مؤسسات ضعيفة لتوفير الخدمات الأساسية، ويتعرضون، من جهة أخرى، للضغط المستمر من الجماعات المسلحة. وفي سياق فقدت فيه السياسة مكانتها كأفق جماعي، ليس مستغرباً أن يصبح اللجوء إلى الخارج استراتيجية فردية للبقاء على قيد الحياة. الحديث عن «ليبيتان» يعني، إذن، التغاضي عن الجوهر. والأدق هو الحديث عن بلد يُدار على شكل أجزاء، حيث الدولة هيكل هش، والسيادة مجرد ادعاء، والحرب لعنة لا مفر منها. وهذه الحالة ليست مؤقتة ولا عَرَضية، بل نتاج عقد من التنازلات، والترقيعات، والحسابات العقلانية غير الموفقة. وطالما لم تُعاد مراجعة هذه البنية، ستظل أي محاولة لإعادة الوحدة شكلية فقط: فالبلاد قد تغيّر حكوماتها، وتوقع اتفاقات جديدة، أو تنظم مؤتمرات إضافية، لكنها لن تستعيد سيادتها الحقيقية طالما يبقى العنف طريق الوصول إلى السلطة، والاعتماد على الخارج أسلوب عملها الرئيسي. المقال التالي: ليبيا بوصفها عقدة إقليمية اقرأ في نفس الموضوع: - 2011، ليبيا في حقبة ما بعد الدولة (1/5) - الصراع الليبي: سطوة الميليشيا على السياسة (2/5)

الصراع الليبي: سطوة الميليشيا على السياسة (2/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 17, 2026 - 11:24

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بأي تحول غير مكتمل، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة الإعمار، أدى الاختفاء المفاجئ لنظام معمر القذافي، على العكس من ذلك، إلى إطلاق سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح تدريجياً محل الدولة كمبدأ لتنظيم السلطة، كما هو الحال في السودان. تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك في حد ذاته، متداخل مع التنافسات الإقليمية والدولية، وأصبح الآن قادرًا على إزالة أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه. إن اعتبار «تحول ليبيا إلى دولة ميليشياوية» نتيجة لاضطراب عرضي بعد عام 2011 يشكل افتراضًا مبدئيًا محفوفًا بالمخاطر على أقل تقدير. لقد أصبحت عملية تطبيع الميليشيات نوعًا من المنطق الهيكلي لـ«النظام» ما بعد القذافي. فمنذ اللحظة التي انهارت فيها الدولة دون آلية للخلافة، توقف العنف المسلح عن كونه مجرد أداة بين أدوات أخرى، ليفرض نفسه تدريجياً كمحرك مركزي للسياسة. وهذا التحول، بعيدًا عن كونه ناجمًا عن انقطاع مفاجئ، ترسخ بشكل خفي، من خلال انزلاقات متتالية، على إيقاع تسويات تكتيكية قُدمت على أنها مؤقتة وأصبحت، مع مرور الوقت، لا رجعة فيها. في أعقاب سقوط معمر القذافي، كانت الكتائب الثورية تُنظر إليها في البداية كقوات أمن انتقالية، مهمتها سد الفراغ ريثما تتم إعادة تشكيل المؤسسات الوطنية. لكن هذا التوهم بـ«الانتقال المسلح» كان مبنيًا على افتراض خاطئ بأن العنف سيختفي من تلقاء نفسه بمجرد إنجاز وظيفته الأصلية. هيهات! لم يتم استغلال العنف سياسيًا، بل حل محله ببطء وبلا هوادة. وهكذا، لم يتم تسريح الميليشيات قط. والسبب في ذلك: عدم وجود أي سلطة قادرة على إجبارها على ذلك. وسرعان ما أدركت أنها لا تعتمد في وجودها على الشرعية أو الاعتراف الدولي، بل على قدرتها على السيطرة على الأراضي والبنى التحتية والتدفقات، من خلال هيمنة عسكرية، بطبيعة الحال، ولكن أيضًا اقتصادية واجتماعية - وحتى رمزية في بعض الأحيان. إن سلطة الميليشيا على جزء من الأراضي - حي أو ميناء أو وزارة أو بنك - هي بحد ذاتها ضارة للغاية، لأنها تجعل أي حكم مستحيلاً بدونها. لقد غيرت هذه العملية طبيعة السلطة بشكل عميق، حيث لم يعد السؤال هو من يحكم… أصبحت السلطة مرادفًا للعرقلة والنسف، بقدر ما تهدف إلى منع الآخرين من الحكم دون موافقتها. وبهذا المعنى، اختزلت السياسة إلى لعبة فيتو مسلح، حيث يمتلك كل فاعل مهم قدرة تعطيل كافية لعرقلة أي محاولة لمركزة السلطة. «رواد الأعمال السياسيين» كانت النتيجة المباشرة لهذا التكوين هي تدهور قيمة المؤسسات. لم تعد الحكومات المتعاقبة، سواء كانت في طرابلس أو في أي مكان آخر، تُقيَّم بناءً على قدرتها على الإدارة، بل بناءً على قدرتها على التعامل مع الجماعات المسلحة السائدة. أصبحت ميزانية الدولة أداة للاستقطاب، والمناصب الوزارية عملات للمقايضة، وتلاشت الشرعية لصالح الواقعية الوحشية لموازين القوى. وهكذا، توقفت الميليشيات عن كونها فاعلين هامشيين لتصبح، بشكل ما، «رواد أعمال سياسيين»، يطورون استراتيجيات عقلانية، ويستثمرون في التحالفات، وينوعون مصادر دخلهم. إن السيطرة على طرق الهجرة، والاتجار، والمنشآت النفطية، أو العقود العامة، هي اليوم «الجوهر» الاقتصادي للسياسة الليبية، الذي أقيم على أنقاض دولة تستنزف باستمرار وتتحول إلى مجرد خيال قانوني، و«بقرة حلوب»، ووسيلة لتبرير العلاقات شبه الحكومية مع الخارج. من «النزعة الميليشياوية» النموذجية , بعبارة أخرى. ليس للميليشيات، بالتالي، أي مصلحة في إعادة بناء الجهاز الحكومي بشكل كامل، فالدولة الفاعلة ستعيد إدخال القواعد، والتسلسل الهرمي، والقدرة على التنبؤ. المعنى. القانون. على العكس من ذلك، فإن الدولة الضعيفة، المجزأة، القابلة للتفاوض باستمرار، تزيد من هامش مناورتها حسب الرغبة. إنها فرصة سانحة. إدارة توازن غير مستقر في خضم هذا النظام الميليشاوي الذي ترسخ بفعل الفوضى، أصبح الحكم في ليبيا يعادل الآن إدارة توازن غير مستقر بين الجماعات المسلحة المتنافسة، وكل منها قادر على قلب الوضع من خلال تصعيد مستهدف. وبهذا المنطق يجب تفسير ظهور شخصيات عسكرية شعارها «استعادة النظام»، كما يزعمون. يعد خليفة حفتر التعبير الأمثل عن التداعيات التي ولدتها الفوضى. يعتمد صعوده بشكل كامل على وعد باستعادة «الرأسية الزائفة». ومع ذلك، فإن هذا الوعد يستند إلى نفس الآليات التي يدعي تجاوزها: الولاءات المسلحة، والدعم الخارجي، واقتصاد الحرب، وما إلى ذلك. فبدلاً من تفكيك «تحول ليبيا إلى دولة ميليشياوية»، يسعى حفتر ببساطة إلى مركزتها تحت سلطته الخاصة. وتفشل هذه المحاولة جزئيًا لأنها تتصادم مع ميليشيات أخرى تتمتع بنفس القدر من العقلانية، ونفس القدر من التجذر المحلي، ونفس القدر من الدعم الخارجي. إن حرب طرابلس، في 2019-2020، التي لم تسفر عن فائز دائم ولا عن إعادة بناء الدولة، توضح مأزق «نهج حفتر»، بمعنى أنها تشكل دليلاً على فشل القوة العسكرية كأداة لإعادة تأسيس النظام السياسي. متغير تعديلي كما أن «تحول ليبيا إلى دولة ميليشياوية» له تأثير اجتماعي عميق لا يستهان به: فهو يعيد تعريف التسلسلات الهرمية المحلية، ويثمن القدرة على العنف، ويهمش النخب المدنية. وهكذا، يُقصى الفاعلون السياسيون غير المسلحين إلى دور وسطاء ثانويين أو شخصيات رمزية، وتعتمد هامش حركتهم بالكامل على قدرتهم على الاستناد إلى قوة مسلحة، ولو كان ذلك على حساب تنازلات كبرى. في مثل هذا المشهد من الخراب، يصبح السكان المدنيون متغيرًا تعديليًا. لا تتوافق فترات الهدوء مع عمليات تهدئة، بل مع توازنات مؤقتة بين الجماعات المسلحة. فالحرب ليست ببعيدة أبدًا؛ إنها معلقة، ولم تُحل قط، وهذا التعليق الدائم ينتج شكلاً من أشكال تطبيع العنف، الذي يصبح قابلاً للتنبؤ، ومتكاملاً في الحسابات، ومقبولًا كأفق لا يمكن تجاوزه. الأفق الوحيد للحرب هو الحرب، والحرب، ثم الحرب. إن «تحول السياسة الليبية إلى ميليشياوية» ليس مرضًا عابرًا، بل هو النتيجة المنطقية لتسلسل تاريخي دقيق، وهو في هذه الحالة تدمير الدولة دون خلافة، متبوعًا بتفويض ضمني للقوة القسرية للفاعلين المحليين. وبمجرد تجاوز هذا العتبة، يصبح العودة إلى الوراء مكلفة للغاية. فنزع سلاح ميليشيا لا يعني مجرد سحب الأسلحة منها. إن المثال الحالي لحزب الله في لبنان هو الدليل الأوضح على ذلك. يجب أيضًا سحب دورها، ودخلها، ومكانتها الاجتماعية، وحتى هويتها في بعض الأحيان. هذا يفسر لماذا تفشل جميع محاولات إعادة الإدماج أو نزع السلاح أو الإصلاح الأمني. لم تعد «تحول ليبيا إلى دولة ميليشياوية» مشكلة فنية منذ أن فرضت نفسها كحقيقة سياسية كاملة. والتقليل من أهميتها يعني تأجيل الحل إلى أجل غير مسمى، وإطالة أمد عذاب ليبيا إلى ما لا نهاية. المشكلة ليست في كثرة الميليشيات بالمعنى الدقيق , بل في غياب نظام سياسي قادر على جعلها قديمة، غير مجدية، ومثيرة للسخرية. وطالما لم يُعاد التفكير في هذا النظام من جذوره، فسيظل العنف هو محور النظام عن طريق التوليد الذاتي. المقال التالي: «ليبيتان» وسيادة مفقودة اقرأ في نفس الموضوع: 2011، ليبيا في حقبة ما بعد الدولة

2011، ليبيا في عصر ما بعد الدولة (1/5)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 16, 2026 - 13:25

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بانتقال غير مكتمل عابر، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة بناء، أدى الاختفاء المفاجئ لنظام معمر القذافي على العكس من ذلك إلى سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح، كما هو الحال في السودان، محل الدولة تدريجياً كمبدأ لتنظيم السلطة. تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك بذاته، ومندمج في منافسات إقليمية ودولية، وأصبح الآن قادراً على القضاء على أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه. يُقدم سقوط معمر القذافي، في أكتوبر 2011، خطأً كحدث مؤسس لم تتمكن ليبيا من التعافي منه أبداً. لكن هذه القراءة مبسطة، بل ومضللة، بقدر ما تفترض أن انهيار النظام القذافي كان من شأنه أن يجعل انتقالاً محبطاً ممكناً، وهو ما عرقلته عوامل خارجية أو عدم نضج الفاعلين المحليين. لكن الواقع أكثر راديكالية: ليبيا لم تفشل في إعادة بناء نفسها بعد عام 2011، لأنه لم تبدأ أي عملية إعادة بناء حقيقية على الإطلاق. فبدلاً من إصلاح الدولة، تم حلها، دون آلية خلافة، أو بنية بديلة، أو مبدأ تحكيم دائم. يجب أن نعود لهذا الغرض إلى خصوصيات النظام الذي أرساه القذافي، والذي لم يكن يعمل على الإطلاق كدولة كلاسيكية. فقد بنى القذافي سلطته على تركيز شديد للقرار، مصحوباً بتحييد منهجي للمؤسسات وإقامة توازن غير مستقر بين القبائل والأجهزة الأمنية وإعادة توزيع الريع النفطي. وهو نموذج من الطغيان شائع إلى حد ما في العالم العربي، والذي، على الرغم من طابعه الجائر، أنتج نظاماً معيناً. وبتحطيمه دون أي تفكير في استمرارية دنيا، أزال التدخل في عام 2011، بشكل متناقض، آخر مركز ثقل قادر على تنظيم المشهد السياسي. لم يؤد سقوط الطاغية بالتالي إلى تحرير الفضاء السياسي الليبي كما كان ينبغي أن يكون الحال منطقياً. بل خلق فراغاً في السيادة. ولم يتمكن أي طرف من فرض نفسه كوريث شرعي للنظام الذي أقامه القذافي. فالمعارضات التاريخية، التي كانت مجزأة أو محايدة لفترة طويلة، لم تكن تملك سوى نفوذ إقليمي غير متجانس أو مشروع مؤسسي مشترك قادر على تشكيل بديل فعال ودائم. وبالتالي، انهارت هياكل الدولة، التي كانت هشة بالفعل، مع النظام الذي كان يحتويها. ومن ثم، انتشر العنف الذي كان يحتكره ويحتويه الديكتاتور حتى ذلك الحين. وبدلاً من أن تطهر ليبيا من شياطينها، فتحت عملية إعدام القذافي صندوق باندورا. دخلت ليبيا مرحلة جديدة، مفككة بسبب هذا الفراغ «المؤسسي» الذي تركه العقيد-ليفياثان خلفه. ووفاءً لصيغة جرامشي، خلقت هذه المرحلة البينية، التي لم تكن حربًا أهلية كلاسيكية ولا انتقالًا غير مكتمل لما بعد الاستبداد، وحوشًا. فداخل هذا الفضاء ما بعد الدولة، لم تعد السلطة تنتقل عمودياً. لقد تجزأت أفقياً، حسب موازين القوى المحلية والإقليمية. إعادة تشكيل مسلحة للسياسة غالباً ما وُصفت السنوات الأولى التي تلت عام 2011 بأنها فترة فوضى ناشئة. لكن مرة أخرى، هذا المصطلح غير دقيق، بقدر ما أن ما تشكل، بعيداً كل البعد عن الفوضى العفوية، هو إعادة تشكيل مسلحة للسياسة. فالكتائب التي نشأت عن الانتفاضة لم تختفِ بعد سقوط النظام. بل تحولت إلى مؤسسات، لتحل فعلياً محل هيكل الدولة من خلال الاستيلاء على الأراضي، وفرض سيطرتها على البنى التحتية، والتفاوض مع السلطات المركزية التي كانت بالفعل محرومة من أي قدرة قسرية. لم تتمكن العملية الانتخابية، التي نظمت اعتباراً من عام 2012، من عكس هذه الدينامية. فالجمعيات المنتخبة موجودة شكلياً، ولكنها لا تملك أي احتكار للقوة. وتظهر الشرعية القانونية عاجزة أمام الواقع العسكري. لذلك توقف التصويت عن كونه أداة لتنظيم النزاع ليصبح قضية ثانوية، يستخدمها الفاعلون المسلحون الذين لا يعتمدون عليه لممارسة السلطة الحقيقية. والنتيجة، كما هو الحال في جميع البلدان التي تُركت لقانون الغاب، أن السياسة تعتمد الآن على موازين القوى، وأن الفاعلين الحكوميين يجب أن يتعاملوا مع أولئك الذين يسيطرون على الأرض. بعد تجريدها من وظيفتها كبنية تنظيمية، تُفرغ الدولة من جوهرها وتُختزل إلى مساحة يتم فيها تقويض أي احتمال للتعافي عمداً وباستمرار من قبل المنظمات العسكرية شبه الحكومية. صاحب هذا الصعود لقوة الميليشيات ظاهرة هيكلية بنفس القدر: الاستيلاء على الريع. فبدلاً من توحيد البلاد، أصبح النفط أحد محركات تفتتها. وتحولت المنشآت والموانئ وخطوط الأنابيب إلى أدوات ضغط، بناءً على منطق أن من يسيطر على محطة أو طريق استراتيجي لم يعد بحاجة إلى حكم البلد بأكمله. وتعتمد قوته بحكم الأمر الواقع على قدرته على التحييد والحصار والتفاوض والابتزاز. في هذه المرحلة، لم تغرق ليبيا في حرب شاملة. بل وجدت نفسها في نزاع منخفض الشدة، تتخلله أزمات حادة، لكنه منظم بتوازنات محلية. ومع ذلك، تجمدت هذه الحالة، التي غالبًا ما توصف بأنها انتقالية، تدريجيًا. تكيف الفاعلون المسلحون، وتوطدت شبكات التمويل، وتتشكل وتتفكك التحالفات، حيث لا توجد سلطة مركزية يمكنها التحكيم بينها. حالة خليفة حفتر في هذا السياق، ظهرت شخصية خليفة حفتر. لم يخضع صعود حفتر لأي مشروع أيديولوجي متماسك. ويمكن تعريفه بأنه محاولة لإعادة تكوين عمودية عسكرية في مشهد مجزأ. فاستعادة الدولة ليست شغله الشاغل. يقدم حفتر بديلاً استبدادياً للفوضى، مدعوماً بدعم إقليمي ووعد بالنظام. لكن هذا الوعد يعتمد بشكل أقل على إعادة البناء المؤسسي منه على الهيمنة الأمنية. إنه بؤس عربي. يؤكد ظهور حفتر أن ليبيا ما بعد عام 2011 لم يعد من الممكن فهمها كفضاء وطني موحد. لقد أصبحت مجرد ساحة قوى حيث المشاريع السياسية تخضع للقدرات العسكرية والدعم الخارجي. من هنا، يتحدد المسار الليبي إلى حد كبير. فغياب الخلافة الحكومية في عام 2011 ليس حادثاً قابلاً للتصحيح بعد فوات الأوان . بل يشكل الفعل التأسيسي لتكوين دائم. وبعيداً عن المخططات الكلاسيكية، يمكن اعتبار أن الحرب لا تهدف حتى إلى غزو الدولة، بل إلى تنظيم غيابها. إذن، ليبيا ليست في حرب كلاسيكية بين فصائل من أجل السلطة بالمعنى الضيق. فالأطراف المتنازعة في الواقع تخوض حرباً ضد إمكانية وجود سلطة مركزية نفسها. وهذا بالضبط هو المعطى الذي يحدد كل ما سيتبع: «التمليش» (تحويل الحياة السياسية إلى ميليشيات)، وتدويل الصراع، وتدخل القوى الخارجية، وهذا الاستقرار غير المسبوق، العبثي، في ظل عدم الاستقرار. المقال التالي: سيطرة مفرطة للميليشيا على السياسة

سياسة حافة الهاوية والمهمشين
بقلم
يوسف معوض
نُشر
فبراير 14, 2026 - 13:50

ما الفائدة من ضربة يأمر بها ترامب؟ هل سنصدق أنها ستنهي القمع الذي يتعرض له المتظاهرون الإيرانيون؟ في الواقع، لا أحد يستطيع إيقاف هذه الأعمال الانتقامية التي يلحقها الحرس الثوري بمواطنيه. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق في عمان لتجنب عملية عسكرية أمريكية، فلا شيء يشير إلى أن السلام المدني سيتحقق على الفور. في كلتا الحالتين، سواء توصل الملالي إلى تفاهم مخفض مع الولايات المتحدة أم لا، فإن الحركة الاحتجاجية الإيرانية ستكون فريسة لـ "تهدئة" وحشية تطلق الرصاص الحي من مسافة قريبة على المحتجين والمعارضين الآخرين. "سياسة حافة الهاوية" و "سوء التقدير" في عمان، ومنذ يوم الجمعة 6 فبراير، التقى ممثلو دونالد ترامب وممثلو مسعود بيزشكيان، وهما سيدا المفاخرة والادعاء: الأول يتباهى ويتردد في تنفيذ تهديداته، والثاني، الذي يتبنى مواقف متطرفة، طالب بنقل مكان المؤتمر الذي سيقرر مصير الخليج الفارسي من تركيا إلى عمان. إذا كان رئيس الولايات المتحدة لم يعد يفاجئ أحداً بسلوكه المتقلب، فماذا نقول عن نظام الملالي الذي، رغم تدهوره إلى أقصى حد، يستمر في التباهي؟ لقد "تم تفكيك" برنامجهم النووي، كما يقول باتريك وينتور في صحيفة الـ غارديان ، وتم تصفية ثلاثين من قادتهم الكبار بعد 160 ضربة مكثفة، ومع ذلك، يعتقد الإيرانيون أنهم يستطيعون فرض معايير التبادلات وأجندة المفاوضات على المبعوثين الأمريكيين؟ هذه الـ برينكمانشيب التي يمارسونها ببراعة هي استراتيجية حافة الهاوية التي تهدف إلى مواصلة عمل خطير لدفع الخصم إلى التراجع والاستفادة من ذلك. إذا كانوا يلجؤون إلى ذلك، فذلك لأنهم مقتنعون تمامًا بأن ترامب لن يتخذ أي إجراء أبدًا. هذا الاقتناع الراسخ قد يقودهم إلى هلاكهم، وهو أكثر خطورة اللعب على كل شيء أو لا شيء مع تقارب سفن الأسطول الأمريكي نحو مضيق هرمز، نقطة اختناق عبور النفط. يجب على الملالي، الواثقين من حقهم الراسخ والمتمرسين في المفاوضات الشاقة، أن يخشوا أكثر من أي شيء آخر "الـ سوء التقدير "، أي سوء تقدير خطير للبيانات والمصالح المعنية. كونهم مسؤولين على مستوى عالٍ جدًا، فإنهم ليسوا بعيدين عن أن يصبحوا ضحايا لغرورهم الخاص، فهم يعتقدون أن ترامب مخادع سرعان ما يتراجع. النتيجة غير المؤكدة من الأفضل لساكن البيت الأبيض أن يصحح مفاهيم خصومه، فهو الذي بدأ يفقد صبره! لأنه وفقاً لدوائر القيادة الإسرائيلية، كما ذكرت صحيفة الـ هآرتس ، فإن الجمهورية الإسلامية ستنسف المفاوضات المذكورة، بالنظر إلى أنها لم تبدأها إلا لكسب الوقت ومنح برنامجها النووي مهلة. لكن تفكيك هذا الأخير أو "تخفيف" اليورانيوم عالي التخصيب يعني بالنسبة للآيات الله إطلاق النار على أقدامهم. باختصار، يمكن أن تستمر جلسات المحادثات الجارية في عمان لفترة طويلة، كما يمكن أن تتوقف ثم تستأنف. تبدو القضية طويلة وستنتهي بشكل فاشل أو في أحسن الأحوال بحصار بحري. ما لم تكن هناك ضربة إسرائيلية مفاجئة! الويل للمغلوبين لكن المنسيين الكبار والخاسرين الكبار في مشاورات عمان سيبقون المعارضين، فمصيرهم لا يندرج ضمن جدول الأعمال. لقد تحدثنا عن 30 ألف ضحية. رحمهم الله، ولكن ما هو المصير الذي ينتظر 50 ألف معتقل يعيشون في الزنازين؟ بالنسبة لغلام حسين محسني إيجائي، الذي يرأس السلطة القضائية، لا ينبغي للأشخاص المتورطين في المظاهرات أن يتوقعوا " أي تساهل ".

مؤتمر باريس: الجيش يواجه خيارات صعبة (3/3)
بقلم
نايلة عساف
نُشر
فبراير 13, 2026 - 21:42

قبل أسابيع قليلة من مؤتمر باريس الدولي المقرر عقده في مارس 2026، والذي يهدف إلى حشد الدعم الدولي للجيش اللبناني، يجد قائد الجيش نفسه عند منعطف استراتيجي حاسم. في لبنان الذي تعصف به الشكوك السياسية والإقليمية، فإن كل قرار يتخذ على الأرض أو داخل هيئة الأركان يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الحدود بكثير، ويؤثر ليس فقط على بقاء المؤسسة العسكرية، بل أيضًا على التصور الدولي لدورها كعامل استقرار على المستوى الوطني. وفقًا للجنرال مارون حتي، فإن الجيش لا يواجه تهديدات خارجية وداخلية فحسب: بل يخضع لـ ضغط متراكم، حيث تتضافر المهام المتعددة، والقرارات السياسية الغامضة، والتوقعات الشعبية لاختبار قدرته على التحمل وتماسكه ومصداقيته. إن الرهان مزدوج: الحفاظ على مصداقيته في سياق داخلي متقلب وإقناع المجتمع الدولي بأن الجيش يظل ركيزة أساسية لا غنى عنها لاستقرار لبنان. التمدد الاستراتيجي والجبهات المتعددة يسلط الجنرال مارون حتي الضوء على «التمدد الاستراتيجي والعملياتي» للجيش. فاليوم، يُطلب من الجيش مراقبة المناطق الجنوبية من لبنان، والتحكم في الحدود، وضمان الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، والحد – ضمنيًا أو صريحًا - من أعمال حزب الله، كل ذلك مع توقع مواجهة محتملة مع القوات السورية المعادية للحزب الشيعي. يعكس هذا «التمدد» توترًا عميقًا: ضرورة إدارة جهات فاعلة ذات استراتيجيات متناقضة دون تفويض سياسي واضح و إجماعي ولا وسائل مناسبة. والنتيجة، إذا لم تتم السيطرة على هذا الخطر، قد تكون تشتت المهام، واستنزاف القوة، وإضعاف صورة الجيش؛ وهو سيناريو من شأنه أن يقوض مصداقية القوات في نظر المانحين الدوليين المدعوين للاجتماع في باريس. بالنسبة للجنرال حتي، يمر الحل بثلاثة محاور: تفويض واضح و إجماعي من مجلس الوزراء، وتحديد أولوية صارمة على مستوى المهام، ومواءمة الدعم الدولي مع الأولويات الأساسية. عندما يصبح الجيش بديلاً يواجه الجيش أيضًا خطر الاستغلال السياسي. ففي كثير من الأحيان، استُخدم كبديل للقرارات غير المتخذة بشأن السيادة الوطنية، أو إدارة الأسلحة خارج سيطرة الدولة، أو سياسة الدفاع. هذا الدور الغامض يهدد بشكل مباشر الحياد المؤسسي، ويضعف التماسك الداخلي، ويمكن أن يقوض ثقة الجمهور. في سياق مؤتمر باريس، يأخذ هذا الخطر بعدًا إضافيًا: يجب على المؤسسة أن تُظهر للشركاء الدوليين أن عملها مهني ومحايد وفعال، وليس انعكاسًا لقضايا سياسية داخلية. يصبح التواصل الاستراتيجي الواضح أمرًا حتميًا لتجنب أي تفسير خاطئ لدوره. خيارات مستحيلة تبقى المخاطر الخارجية قائمة. قد تتصاعد الضربات الإسرائيلية المحدودة إلى مواجهة مفتوحة، مما يجبر الجيش على الرد على عجل. السيناريو المخيف هو أن يصبح الجيش كبش فداء إذا فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق نتائج سريعة ضد حزب الله. ولا يزال مثال عام 2006 حيًا في الأذهان: 43 جنديًا قُتلوا في حرب لم يرغب بها الشعب اللبناني. ولكن وراء التهديدات المباشرة، يجب على الجيش أن يواجه تدهورًا خفيًا ولكنه هائل، تغذيه الضغوط الإقليمية والدولية. إن التصعيد الذي يشارك فيه حزب الله وإيران يشكل عاملًا قابلًا للانفجار. أي صراع إقليمي يمكن أن يمتد ويورط حزب الله في مواجهة وجودية، مما يزعزع الاستقرار السياسي الداخلي ويجبر الجيش على خيارات مستحيلة : البقاء على الحياد مع حماية الأراضي، أو التدخل في سيناريو تتعرض فيه شرعيته وأمنه للخطر. هذا التصعيد ليس عسكريًا فحسب : إنه سياسي ونفسي، مع خطر تفكيك المؤسسة إذا افتقرت القرارات الاستراتيجية إلى الوضوح. في الوقت نفسه، يجب على الجيش أن يتعامل مع احتمال فتور المانحين الدوليين، مما يهدد بشكل مباشر قدراته العملياتية. قد يؤثر خفض الدعم أو تعليقه على صيانة المعدات في حالة تشغيلية، والبنى التحتية، والتدريبات، مما يولد قصورًا حرجًا في الحماية والتنقل، ويساهم في تدهور معنوي داخل القوات. في هذا السياق، يعتبر عقد مؤتمر باريس عاملاً رئيسيًا : فهو ليس مجرد فرصة لتعزيز الدعم المادي، ولكنه يمثل أيضًا اختبارًا للثقة السياسية والاستراتيجية. جيش تحت الضغط الداخلي بالإضافة إلى هذه التهديدات الخارجية، يواجه الجيش ضغوطًا أخرى ورثها منذ نشأته :   المركزية المفرطة للقيادة، مما يبطئ اتخاذ القرارات في حالات الأزمات. العبء الزائد للمسؤوليات في الأمن الداخلي، خاصة في مواجهة التوترات الاجتماعية والاقتصادية. نقص المعلومات الاستخباراتية والمعدات، مما يحد من سرعة الاستجابة وأمن القوات. فقدان السيطرة على السرد العام، مما يعرض المؤسسة لانتقادات داخلية ودولية. كل هذه الضغوط المتراكمة قد تكون أخطر من هزيمة عسكرية تقليدية، لأنها تقوض تماسك الجيش وانضباطه ومصداقيته حتى قبل نشوب صراع. الحفاظ على الجيش قبل القتال بالنسبة للجنرال حتي، فإن بقاء الجيش اليوم لا يعتمد على الانتصار في ساحة المعركة بقدر ما يعتمد على القدرة على مقاومة التآكل المؤسسي والسياسي. يجب على القائد العام أن يتوقع الأزمات، ويحمي تماسك قواته، ويحافظ على معنويات المؤسسة ومصداقيتها، مع رفض الولايات غير الممولة أو الغامضة سياسيًا. يصبح كل قرار أو خطة أو اتصال بمثابة رافعة استراتيجية، حاسمة لإقناع الشركاء الدوليين بفعالية وموثوقية المؤسسة. بين عامي 2026 و 2030، لن يكون التحدي الذي يواجه الجيش اللبناني هو هزيمة خصم فحسب، بل الحفاظ على المؤسسة نفسها. وهناك ثلاثة شروط أساسية: 1.    وضوح سياسي كامل مع تفويض يُقر بالإجماع، وهو شرط لا غنى عنه للعمل. 2.    تحديد أولويات على مستوى المهام لتجنب «التمدد» الاستراتيجي والعملياتي. 3.    تواصل استراتيجي محدد جيدًا للتحكم في الخطاب على المستويين الداخلي والخارجي. بدون هذه الشروط، قد يفقد الجيش دوره كعامل استقرار وطني، ويرى وحدته ومصداقيته تتآكل تحت وطأة التآكل المؤسسي والغموض السياسي — وهو خطر يجب أن يأخذه مؤتمر باريس 2026 في الاعتبار. تحدي وجودي يتضح مما سبق أن تحليل معضلات قائد الجيش يسلط الضوء على حقيقة أساسية : إن التهديد الأخطر ليس هزيمة عسكرية، بل التآكل التدريجي للمؤسسة. كل صراع، وكل حادث، أو ضغط سياسي يعمل بمثابة «زلزال» صغير، يكشف عن التشققات العميقة التي تهدد تماسك ومصداقية المؤسسة العسكرية. بين المهام الموسعة بدون تفويض واضح، والاستغلال السياسي، ومخاطر التصعيد الإقليمي، وإرهاق المانحين الدوليين، يجد الجيش نفسه محكومًا بجمباز استراتيجي دائم : الحفاظ على حياده مع البقاء مستعدًا، والحفاظ على الوحدة مع توقع الانقسامات المحتملة، وإقناع الجمهور والشركاء الدوليين مع إدارة الضغوط الداخلية. هذه التعقيدات تتجاوز بكثير الإطار الكلاسيكي للحرب التقليدية : إنه تحدٍ مؤسسي ووجودي. يشكل مؤتمر باريس 2026 لحظة حاسمة. إنه فرصة واختبار في آن واحد. وتستند الثقة الدولية إلى تصور أن المؤسسة يمكنها إتقان مهامها دون أن تصبح أداة للانقسامات السياسية الداخلية أو المناورات الإقليمية. وهذا أحد التحديات الرئيسية التي سيتعين على قائدها مواجهتها. ولتحقيق ذلك، يجب أن تُمنح كل فرص النجاح. بين عامي 2026 و 2030، لن يتعين على الجيش اللبناني الدفاع عن الأراضي الوطنية فحسب: بل سيتعين عليه الدفاع عن سبب وجوده نفسه. ويعتمد بقاؤه ودوره كعامل استقرار على خيارات سياسية واضحة، وانضباط مؤسسي، ورؤية استراتيجية — وهي معايير لا يمكن ضمانها إلا من خلال قيادة حازمة ودعم إجماعي , داخليًا ودوليًا. في هذا السياق، لن يكون مؤتمر باريس مجرد اجتماع دبلوماسي، بل سيكشف عن قدرة لبنان على الحفاظ على آخر ركائزه الاستقرار في مواجهة عدم اليقين والأزمات متعددة الأبعاد.