شعار Levant Time

سياسة

دعم الجيش: المساعدات والقدرات والتحديات الاستراتيجية (٢/٣)
بقلم
نايلة عساف
نُشر
فبراير 12, 2026 - 14:53

في ظل ظروف إقليمية وداخلية شديدة الحساسية، يستلزم تحليل وضع القوات المسلحة اللبنانية (الجيش اللبناني) تجاوز مجرد تعداد المساعدات والمعدات المطلوبة، ليشمل دراسة الأسس السياسية والعقائدية والاستراتيجية للمؤسسة العسكرية . فالمسألة الجوهرية لا تكمن فيما يمتلكه الجيش بقدر ما هي، فيما يُطلب منه القيام به من قبل الدولة، أو ما ترفض الأخيرة تحمّل مسؤوليته تجاهه. منذ أواخر عام ٢٠٠٠، يحظى الجيش اللبناني بدعم دولي مستمر، لا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وعدد من الشركاء الأوروبيين الآخرين. ولم يقتصر هذا الدعم على تسليم المعدات وبناء البنى التحتية الجديدة، بل شمل بالدرجة الأولى إدخال نهج منظم لتطوير القدرات. وقد شكّل وضع رؤية مشتركة للقدرات مع الولايات المتحدة نقطة تحول، إذ تم التركيز على تعزيز المكتسبات القائمة بدل إنشاء قدرات جديدة. تقوم هذه المقاربة، التي أدت إلى وضع خطة تطوير القدرات (Capability Development Plan)، على تمييز جوهري: يشير اللواء المتقاعد مارون حتي إلى أن الاستراتيجية العسكرية الوطنية تحدد ما يجب أن يكون الجيش قادرًا على إنجازه تنفيذًا لتفويض واضح من الدولة. بينما تهدف خطة تطوير القدرات إلى تعزيز فعالية الإمكانات المتاحة. وتوضح هذه الفروق كلاً من التقدم المحرز والقيود المستمرة، لا سيما في المجالات البنيوية مثل إدخال الطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي، والأهم من ذلك، الدفاع الجوي الذي لا يزال غائبًا حتى الآن. سؤال تم تجاهله عمدًا: دعم الجيش… إلى أي غاية؟ في صميم النقاش حول هذه الخطة يبرز سؤال يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه شديد الحساسية على الصعيد السياسي: ما هي بالضبط المهمة الموكلة إلى الجيش اللبناني؟ منذ تأسيسه، وبشكل خاص خلال نحو عشرين عامًا، ساهمت المساعدات الدولية، ولا سيما من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، إلى جانب العديد من الدول الصديقة الأخرى، في تفادي المؤسسة العسكرية لمختلف الانتكاسات، لكنها لم تُدعَم يومًا بسياسة وطنية حقيقية للأمن والدفاع يحظى بتأييد جماعي. رسميًا، أصبحت المهام المعروفة والمتكررة واضحة: الحفاظ على الاستقرار، مكافحة الإرهاب، مراقبة الحدود والدفاع عنها، وضمان الأمن الداخلي. أما على الصعيد غير الرسمي، فلا يزال الغموض سائداً، بسبب وجود قوة مسلحة موازية، حزب الله، التي تحظى بحماية سياسية داخلية مستمرة. في هذا السياق، فإن تعزيز الجيش دون تحديد مهامه بوضوح يوازي تقوية مؤسسة مع تعطيل قدرتها على العمل. الأمر الأخطر من ذلك، أن محاولة إخضاع الجيش لحزب الله تعادل تجريده من روحه وكيانه، وتشكل مساسًا برسالته الأساسية. كم من مرة سُمِعَتخطابات متفاخرة، أُطلق عليها بشكل متكلف مصطلح «استراتيجية» ، تحدد دور الجيش بوظيفة الشرطة الداخلية (بطبيعة الحال ضد المعارضة)، بينما تُترك مهمة الدفاع عن الوطن لحزب الله… ومنذ هزيمة الأخير، كُلف الجيش بمهمة جديدة: ضمان احتكار الدولة للسلطة، أي نزع سلاح حزب الله. وستتركز أعمال المؤتمر المزمع عقده في باريس في آذار ٢٠٢٦ على السبل العملية لتنفيذ هذه المهمة، مع استشراف السيناريو الذي قد يواجهه الجيش في حال رفض حزب الله تسليم السلاح. ويبدو دور السلطة التشريعية محوريًا في هذا الإطار. فالتأجيل المستمر للنقاشات حول الدفاع الوطني، والانغماس في لجان، واللجوء الدائم إلى ما يسمى «إجماعًا مستحيل التحقيق»، ليس مجرد حالة من الجمود، بل خيار سياسي متعمد. في هذه الحالة، قد تتحول المساعدات الدولية إلى تمرين على التوازن: دعم مؤسسة يُنظر إليها على أنها جديرة بالثقة، مع حرمانها في الوقت نفسه من الغطاء السياسي الضروري لتقوم بمهمتها بالكامل. هذا أحد الفخاخ التي تواجه الجيش في سياق مؤتمر الدعم المقبل في باريس. تعليق مشروع تعزيز استراتيجي كبير لقد ترك هذا الغموض السياسي آثارًا ملموسة. فقد شكلت المبادرة السعودية، التي أُطلقت عام ٢٠١٣ وقدمت في إطارهامنحة بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قاعدة صلبة لبناء قدرات الجيش، شملت القوات البحرية ونظام دفاع جوي يغطي الطبقتين الدفاعيتين الأولى والثانية (مدافع وصواريخ محمولة على الكتف، بارتفاع يصل إلى ٦ كلم) لمواجهة الطائرات المسيرة. وكان من شأن هذه المساعدات السعودية أن تمثل قفزة نوعية في الأمن الاستراتيجي للبنان. لا سيما عبر حماية مراكز اتخاذ القرار السياسية والاستراتيجية والعملياتية. وما يثير القلق هو ضعف مراكز اتخاذ القرار في الدولة، على مختلف المستويات، أمام القدرات التي تمتلكها الأطراف المتحاربة على المسرح اللبناني، في ظل عجز الجيش عن مواجهتها. وقد أظهر التوقف المفاجئ للمشروع السعودي، نتيجة التدخل الإعلامي والسياسي الغاضب لحسن نصرالله، مدى هشاشة أي تخطيط عسكري في ظل توازن القوى السياسية الإقليمية والداخلية. كما ترك ذلك الدولة والجيش عرضة لتهديدات من نوع جديد، مثل استخدام الطائرات المسيرة، دون توفر وسائل حماية مناسبة. تحولات في طبيعة الحرب والتحديات التكنولوجية لقد غيّرت النزاعات الأخيرة طبيعة الحرب بشكل جذري، إذ شكلت الاستخبارات، والتفوق التكنولوجي، ودمج القدرات عبر الذكاء الاصطناعي عوامل حاسمة. وتُظهر المواجهات الأخيرة في المنطقة أن الأطراف التي تعاني من عجز تكنولوجي هيكلي تجد نفسها دائمًا في موقف ضعيف. وقد أعادت هذه التحولات إلى الحرب عنصر المفاجأة الذي قد تمتلكه. في هذا الإطار، السؤال الذي يطرح نفسه لا يقتصر على كيفية احتواء الجماعات المسلحة غير الرسمية، بل بكيفية تمكين الجيش اللبناني من بلوغ مستوى تكنولوجي وعسكري يضمن له المبادرة والمصداقية العملياتية، مع مراعاة عامل مهم جدًا: الوقت اللازم لتحويل التمويل إلى قدرات فعلية. ويُقاس هذا العامل الزمني بالسنوات… ولتجريد حزب الله من سلاحه اليوم، كان ينبغي البدء بالتحضير منذ عام ٢٠١٥، وعدم الاعتماد مطلقًا على إسرائيل أو أي دولة أخرى للقيام بذلك. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم يبقى: أي جيش نريد بحلول عام ٢٠٣٥؟ القدرات والموارد البشرية والأوهام الاستراتيجية إن حصر النقاش في مجرد قائمة بالمعدات يشكل خطأً فادحًا. فالجيش يُبنى على قدرات متكاملة، ترتكز على الأفراد، وعقيدة واضحة، وسلسلة قيادة فعّالة، بالإضافة الى دعم سياسي مستمر ومستدام. وبالفعل، ساهمت جهود تطوير القدرات في الحفاظ على الجهاز القائم وتحسينه، إلا أن هذا الأخير لا يزال قديمًا إلى حد كبير مقارنة بالتحولات السريعة للحرب الحديثة. يتطلب ضبط الحدود، ومراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة، أو الانتشار الدائم للجيش على الأرض، وجود عناصر بشرية متاحة ومدربة، تتقاضى رواتب مناسبة وتحظى بالدعم على المدى الطويل. وأي مهمة طموحة، مثل نزع سلاح منظمة مسلحة بكثافة، تتطلب موارد وإرادة سياسية تتناسب مع حجم التحديات. كما يستلزم ذلك أيضًا التزامًا ماليًا واضحًا من قبل الدولة، لا سيما من خلال تخصيص نسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في مجالي الدفاع والأمن. تحديد المهام الاستراتيجية بوضوح في بيئة يهيمن عليها عنصر الاستخبارات، تبرز خمس مهام أساسية لمستقبل الجيش اللبناني: جمع وتحليل المعلومات؛ الدفاع عن الحدود ومراقبتها؛ القدرة على تنفيذ عمليات هجومية داخلية مع ضمان النجاح الدائم؛ ممارسة الردع؛ والتكامل والتشغيل البيني مع الجيوش الحليفة. وعند تنفيذ هذه المهام الاستراتيجية بشكل فعال، تتحدد مصداقية الجيش وكفاءته واستدامة المؤسسة العسكرية. التغطية السياسية ومسؤولية الدولة تبقى المسؤولية السياسية جوهر المشكلة. فالدولة كثيرًا ما تنتظر من الجيش تنفيذ مهام لم تُتخذ بشأنها أي قرارات واضحة ومعلَنة. ورغم أن هناك تقدمًا تدريجيًا وإيجابيًا يظهر في إعادة النظر ببعض التغطيات السياسية الضمنية، إلا أن مسألة الكلفة السياسية والأمنية لهذا التقدم ما زالت قائمة . وتُظهر دراسة النقاط الحيوية لحزب الله – من القاعدة الشعبية الى العمق الاستراتيجي، مرورًا بالتغطية السياسية الداخلية، والموارد المالية، والاتصالات الاستراتيجية – أن وحده القرار الوطني الحاسم، المدعوم بتماسك حكومي حقيقي وجهود حوارية داخل المجتمع المعني، قادر على توفير الشروط اللازمة لتحرك فعّال للجيش يحقق النتائج المرجوة ويؤكد سيادة الدولة. من المعدات إلى القدرة العملياتية المستدامة امتلاك المعدات لا يشكل بحد ذاته قدرة فعلية. فمثلا، ضمان تواجد بحري دائم على مدار ٣٦٥ يومًا في السنة، وفي جميع الظروف، يتطلب تنظيمًا واضحًا وتقسيمًا محددًا للمناطق البحرية الوطنية، ووسائل بحرية، وعناصر بشرية متخصصة وذات كفاءة تكنولوجية، الى جانب تدريب مستمر، وصيانة دائمة للحفاظ على الجاهزية التشغيلية، وبنية تحتية، ما يمثل تكلفة سنوية كبيرة. الدفاع مكلف، لكنه حيوي، ما يجعل تحديد الأولويات أمرًا ضروريًا: فالأولوية تكون لتعزيز القدرات القائمة بالكامل قبل السعي لاكتساب قدرات جديدة. ولا يجب أن يثير هذا الإنفاق القلق بشأن المالية العامة؛ إذ يمكن توزيعه على عدة سنوات، بشرط أن يتم التخصيص قانونًا لنسبة محددة من الناتج المحلي الإجمالي للاستثمار في هذا المجال… وهنا يظهر الدور الأساسي للسلطة التشريعية. الفاعلية العسكرية والتماسك السياسي يكشف فحص المساعدات والقدرات والتحديات التي تواجه الجيش اللبناني حقيقة ثابتة: لا يمكن فصل الفاعلية العسكرية عن التماسك السياسي. فبدون تفويض واضح، وغطاء سياسي ومالي مضمون، واستراتيجية وطنية دفاعية وعسكرية صريحة، تظل الاستثمارات في المعدات والكوادر البشرية إلى حد كبير غير مجدية. وفي هذا الإطار، يؤكد الجنرال مارون حتي، على ضرورة تقدير الجهود الجوهرية التي انطلقت منذ نحو عشرين عامًا وما زالت مستمرة داخل هيئة أركان الجيش، حيث ساهمت المقاربة الدقيقة لتطوير القدرات في الحفاظ على التماسك المهني والعملي للمؤسسة في ظل ظروف سياسية ومالية صعبة جدًا. ومع ذلك، يلعب عامل الزمن ضد هذه الجهود: فالحرب تتطور بسرعة تفوق قدرة الجيش على مجاراتها، ويجب أن تراعي المساعدات الدولية هذا الواقع. وعليه، فإن هذا النجاح الجزئي للمؤسسة العسكرية لا يعفي الدولة من مسؤوليتها الأساسية، فهي وحدها القادرة ليس فقط على تحويل هذه الجهود التقنية إلى استراتيجية دفاع وطنية حقيقية، بل وأيضًا على وضع توجيهات وخيارات استراتيجية واضحة للقوات المسلحة اللبنانية للمستقبل القريب.

مجازر إيران: في باريس، التعبئة لا تضعف
بقلم
LevantTime .
نُشر
فبراير 10, 2026 - 15:23

باريس، بقلم ارتور باسيل منذ بداية شهر يناير، حشدت الجالية الإيرانية في أوروبا جهودها للتنديد بالجمهورية الإسلامية والمذابح المرتكبة ضد الشعب الإيراني. في باريس، يتجدد هذا الموعد كل يوم أحد. حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، في ساحة الباستيل، هذا الأحد 8 فبراير، يوم مشمس في باريس. تجمع حوالي خمسة آلاف متظاهر حول العلم الإيراني المزخرف بالأسد والشمس للتنديد بالمذابح التي ارتكبتها الجمهورية الإسلامية. بالإضافة إلى هذا الرمز القوي، رفع المتظاهرون صور ضحايا هذه المذابح. في 8 و 9 يناير 2026، أي قبل شهر بالضبط، ارتكب نظام خامنئي ما لا يمكن تصوره: قتل الآلاف من الإيرانيين بدم بارد. ذنبهم؟ تجرؤهم على التظاهر ضد الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، ولكن الأهم من ذلك، ضد الاضطهاد الذي ينخر إيران منذ عقود. هذا الأحد أيضًا، لم يكن الإيرانيون في فرنسا وحدهم في الشارع يهتفون « أغلقوا السفارة الإرهابية للملالي » أو « الجمهورية الإسلامية، لا نريدها، لا نريدها! ». في المسيرة، كان بالإمكان رؤية الأعلام الفرنسية والأمريكية والقبائلية وحتى العلم الإسرائيلي، « الدولة الوحيدة في العالم التي تمارس ضغطًا حقيقيًا لشن هجوم ضد نظام الملالي »، حسبما أشارت منى جعفريان، المؤسسة المشاركة لمجموعة " Femme Azadi "، التي دعت إلى المشاركة في هذه المظاهرة. قالت الناشطة الفرنسية الإيرانية، التي تخضع لحماية الشرطة، إنها تشعر بخيبة أمل من دونالد ترامب بسبب رغبته في التفاوض مع الجمهورية الإسلامية، لكنها تعتقد أن الشروط التي وضعتها الولايات المتحدة « لا يمكن أن يلتزم بها خامنئي ». إنهاء البرنامج النووي، والأسلحة الباليستية، ودعم الوكلاء الإرهابيين في المنطقة... كلها عوامل من شأنها أن تؤدي إلى نهاية النظام الإيراني. تعتقد منى جعفريان أن هذه المفاوضات ستصل في جميع الأحوال إلى طريق مسدود، وأن الحل الوحيد يكمن في المساعدة الملموسة التي يجب تقديمها للشعب الإيراني للتخلص من المرشد الأعلى علي خامنئي. الاختيار بين الشعب الإيراني والملالي كما كان حاضرًا بين المتظاهرين، سعيد أميني، مؤسس جمعية " Homa "، الممنوع من دخول إيران منذ عام 2017 بسبب أنشطته السياسية. إنه لا يفهم تقاعس قادة الاتحاد الأوروبي الذين يصرون على عدم اتخاذ إجراءات صارمة ضد الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، فهو سعيد بتعبئة الشعوب الأوروبية والعالم ضد الملالي. ويصرح قائلاً: « ننتظر قرارات جيدة من الدول الأوروبية التي يجب أن تختار بين الشعب الإيراني ونظام الملالي »، قبل أن يدعوهم إلى « الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ ». على العديد من اللافتات التي رفعها المتظاهرون، ظهرت صورة رضا بهلوي. إنه يتمتع بدعم واسع النطاق بين المتظاهرين. ابن الشاه المنفي عام 1979، يقدم نفسه كبديل للنظام. وبالنسبة ليايل، مواطنة فرنسية يهودية حضرت المظاهرة ومؤسسة جمعية الأطلس (جمعية اليهود والقبائل ضد الإسلاموية)، « تدين الديمقراطية كل شيء للشرق الأوسط الذي يضم شعوبًا مستنيرة، بما في ذلك الشعوب القبائلية والإسرائيلية واللبنانية والإيرانية ». وهي ترى أن رضا بهلوي مدعوم من الشعب الإيراني وأن برنامجه السياسي « ديمقراطي للغاية »، وبالتالي تدعمه دون تحفظ. انتهت المظاهرة حوالي الساعة 7 مساءً، في ساحة الأهرامات، عند سفح تمثال جان دارك. دعا صموئيل داود، الناشط الذي كان على رأس المسيرة، المتظاهرين للانضمام إلى مظاهرة كبيرة لدعم الشعب الإيراني من المقرر تنظيمها يوم السبت 14 فبراير، على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن.

 «Remaining»: إحياء ذكرى ضحايا الاغتيالات السياسية منذ عام 2005
بقلم
فانيسا كالاس
نُشر
فبراير 9, 2026 - 18:57

« الأمل هو إنكار المستقبل »، إميل سيوران هذا الاقتباس، الذي التقطه المصور إدوار إلياس، كتبه الصحفي سمير قصير على قطعة ورق قبل أسبوعين من اغتياله عام 2005. وهو جزء من العديد من الأغراض الشخصية التي صورها إلياس للحفاظ على ذكرى ضحايا الاغتيالات السياسية في لبنان منذ ذلك التاريخ. تجمع الصور والتذكارات، التي توثق هذه الاغتيالات، ضمن إطار معرض التصوير الفوتوغرافي «باقون» (الذين يبقون)، والذي نُظّم لإحياء الذكرى الخامسة لاغتيال الناشط لقمان سليم. افتُتح المعرض في 7 شباط/فبراير، بحضور حشد غفير وعدد من الشخصيات، أبرزهم النواب مروان حمادة وميشال معوض والوزيرة السابقة مي شدياق. ويستمر المعرض حتى 3 آذار/مارس في «يونيون ماركس» (Union Marks)، في مصنع أبرويان (Abroyan)، ببرج حمود، يوميًا من الساعة الثانية بعد الظهر حتى الثامنة مساءً. المعرض هو ثمرة تعاون بين المصور والصحفي المصور إدوار إلياس والصحفية والمخرجة كاتيا جرجورة، التي تولت تصميمه. تم إنتاجه من قبل مؤسسة لقمان سليم، بدعم من المعهد الفرنسي. بفضل هذا المعرض، تستعيد الذاكرة حيويتها. بين الماضي والحاضر يروي معرض «باقون» قصة 21 ضحية اغتيال، من بينهم مسؤولون سياسيون، وأفراد من قوى الأمن، وكتاب، وصحفيون، بالإضافة إلى شهود وناجين من محاولات اغتيال. تجمع الصور لقطات من أحبائهم، وأشياء كانت عزيزة عليهم، بالإضافة إلى أماكن ومسارح الجرائم. ينغمس الزائر في جو يغمره الحنين والتعاطف. إلهام وتكريم في أصل المشروع، هناك رابط شخصي، كما تؤكد كاتيا جرجورة: «هذا المعرض الفوتوغرافي يقدم تحية تقدير للقمان سليم، الصديق الذي كان عزيزًا جدًا عليّ، وأيضًا لعدد من ضحايا الاغتيالات السياسية في لبنان، من عام 2005 حتى اليوم. أردنا أن يستمر صوت هؤلاء الضحايا في الصدى، حتى بعد أن حاولوا إسكاتهم. الهدف هو إعادة الحياة، بطريقة ما، لهؤلاء الضحايا، لأفكارهم، لحضورهم، وإظهار أنهم لم يموتوا سدى». بدوره، يعود إدوار إلياس إلى سبب اختيار اسم المعرض: «بعد وفاة شخص ما، يظل شعور بالغياب. وبما أن العدالة لم تتحقق، فكأن هؤلاء الأشخاص يبقون في منطقة وسطى. إنهم حاضرون دائمًا: لم ننجح في محو الذكريات، في إزالة القبعة المعلقة دائمًا في خزانة الملابس أو الساعة المتروكة على منضدة النوم. هذا هو ما كان مهمًا بالنسبة لي: أن أظهر أن هؤلاء الأشخاص لا يزالون حاضرين». تضيف كاتيا جرجورة: «في بلد حيث النظام القضائي ضعيف جدًا وحيث تبقى معظم الجرائم دون عقاب، نعتقد أن الفن الملتزم يمكن أن يقدم حلاً لهذه المشكلة». بين المقاربة البصرية والإنسانية المشتركة تم تصميم معرض «باقون» بالكامل بالأبيض والأسود. يوضح إدوار إلياس: «لونان يثيران الغياب والذاكرة والطابع الخالد للأشخاص الذين لم يعودوا موجودين. أردت أن يكون العمل بسيطًا، بلا مؤثرات لونية أو تدخلات أسلوبية، لوضع الجميع على قدم المساواة». من خلال الأشياء اليومية والأماكن المألوفة، يدعو إدوار إلياس الزوار لإدراك إنسانية هذه العائلات والوعي بالصلة الوثيقة التي تجمعهم. منذ استقلاله عام 1943، شهد لبنان أكثر من 200 اغتيال سياسي، الغالبية العظمى منها لا تزال دون عقاب. قانون العفو العام لعام 1991، الذي تم اعتماده في نهاية حرب 1975، عزز ثقافة الإفلات من العقاب التي لا تزال تؤثر على الحياة السياسية في البلاد. بعد انسحاب القوات السورية من لبنان عام 2005، تم تصفية العديد من شخصيات المعارضة للمحور السوري-الإيراني. مع ذلك، شكل اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وما تلاه من إنشاء المحكمة الخاصة بلبنان (TSL)، نقطة تحول. كشفت الإجراءات القضائية المتخذة عن الاغتيال السياسي كأداة نفوذ سوري-إيراني، يقوض السيادة اللبنانية ودولة القانون على حد سواء. من كان لقمان سليم؟ في 4 فبراير 2021، اغتيل لقمان سليم في العدوسية، جنوب لبنان. كان لقمان سليم ناشرًا ومخرجًا سينمائيًا وناشطًا سياسيًا لبنانيًا، معروفًا بالتزامه الثابت بحقوق الإنسان والحريات المدنية ودولة القانون. ناقدًا شرسًا للطائفية والعنف السياسي وكل ما يشكل عائقًا أمام بناء دولة القانون، شارك في تأسيس مركز التوثيق والبحوث، أُمم (UMAM)، مع زوجته مونيكا بورغمان، وهي منظمة مكرسة للحفاظ على الذاكرة الجماعية للبنان وتعزيز النقاش العام. «باقون» هو نداء عاجل للمساءلة والعدالة في لبنان، حتى يتوقف الخوف من المستقبل، ويمكن، أخيرًا، أن نأمل فيه.

2m 31s
المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني يواجه عدة تحديات (1/3)
بقلم
نايلة عساف
نُشر
فبراير 8, 2026 - 22:22

مع اقتراب موعد المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني، المقرر عقده في مارس 2026 في باريس، يجد لبنان نفسه في لحظة حرجة. يأتي هذا الاجتماع، الهادف إلى حشد المجتمع الدولي لصالح القوات النظامية، في سياق سياسي وإقليمي بالغ التعقيد. سيكون لكل قرار أو عدم قرار من الدولة اللبنانية فيما يتعلق باحتكار الأسلحة، على وجه الخصوص، تأثير مباشر على فعالية المساعدات الدولية للجيش، وبشكل أوسع، على مستقبل الجيش والسيادة الوطنية نفسها. إلا أن التاريخ المحدد، 5 مارس 2026، لا يزال مشروطًا. وفقًا للجنرال مارون حتي، قد يتم تأجيل المؤتمر إذا لم يتجاوز لبنان خطوة حاسمة بحلول ذلك الوقت. تتمثل هذه الخطوة إما في قرار سياسي بالإجماع داخل الحكومة اللبنانية، بما في ذلك وزراء حزب الله ونبيه بري، لكي تستعيد الدولة ملف الأسلحة، وأن يخضع حزب الله لسلطتها، أو في حدث إقليمي كبير. قد يكون هذا الحدث كارثة أو نزاعًا مسلحًا يجبر إيران على الامتثال لمطالب المجتمع الدولي، وبالتالي يغير ميزان القوى في المنطقة. وبالتالي، لا يقتصر مؤتمر باريس على مجرد لقاء فني أو دبلوماسي. إنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوازنات الجيوسياسية الإقليمية والأجندة الاستراتيجية للقوى الخارجية. نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج كهدف رئيسي بالنسبة للجنرال حتي، الأهداف الاستراتيجية للمؤتمر واضحة: مناقشة مراقبة الحدود، وهو موضوع أقل إثارة للجدل، والتقدم بشكل خاص في ملف نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) لحزب الله. لا يتعلق الأمر بمجرد نهج عسكري، بل هو قضية سياسية واجتماعية كبرى: كيف يمكن إعادة إدماج حزب أيديولوجي مثل حزب الله في المجتمع اللبناني ليتوقف عن الانحياز لمصالح أجنبية ويصبح لاعبًا وطنيًا بالكامل؟ يؤكد الجنرال حتي أن الهدف ليس مساعدة الجيش على شن حرب ضد إسرائيل ولا تحويل لبنان إلى مسرح للمواجهة، بل إعادة بناء الدولة اللبنانية، وتأكيد سيادتها، وإدماج جميع الفاعلين في إطار وطني شرعي. هزيمة مسبقة يشدد على نقطة أساسية: لا يمكن تحقيق إعادة الإدماج إلا بعد هزيمة ملموسة لا جدال فيها. وكما يوضح، على غرار ما حدث مع النازيين في ألمانيا بعد عام 1945، لا يمكن إعادة إدماج أي منظمة أيديولوجية مسلحة في المجتمع إلا بعد قبول هزيمتها. يوضح الجنرال حتي أيضًا أنه يجب التمييز بين الخطاب الرسمي المتفاخر لحزب الله والواقع على الأرض. وفقًا له، فإن حزب الله يعاني من ضائقة حتى لو لم يظهر ذلك في اتصالاته العامة. يُظهر هذا البعد أيضًا أن مؤتمر باريس ليس موعدًا مخصصًا لتوزيع الموارد أو التخطيط للمساعدة للجيش، بل هو خطوة استراتيجية تهدف إلى تهيئة الظروف السياسية والاجتماعية اللازمة لإعادة التوافق الوطني. العامل البشري: جندي ضعيف الأجر يلعب الجيش اللبناني دورًا أساسيًا في هذا السياق، ومن هنا جاء الاهتمام بتطويره. في صميم أي نقاش حول القوات النظامية، يضع الجنرال حتي الإنسان على الأرض. الجنود اللبنانيون، الذين غالبًا ما يتقاضون أجورًا زهيدة، يشكلون مع ذلك الركيزة الحقيقية لأي عملية متوقعة. يشدد على الإحباط المرتبط بالرواتب لهؤلاء الجنود ويعتبر من السخف مطالبة رجل أو امرأة يتقاضون أجورًا زهيدة بأداء مهام لا تسمح لهم بالبقاء نشطين وإعالة أسرهم. بالنسبة للجنرال حتي، يجب أن يسبق العامل البشري أي تفكير في المعدات أو القدرات الفنية والعسكرية، حيث يرى أن الجندي المحبط أو الغائب يضعف المؤسسة بأكملها. التحدي مزدوج إذن. يتعلق الأمر بضمان دخل لائق للعسكريين ودعم هيكلي للجيش. وفقًا للجنرال حتي، فإن السؤال الملح الأول الذي يجب على الدول المانحة أن تطرحه هو ما إذا كان ينبغي، على سبيل الأولوية، البدء بضمان راتب للجندي اللبناني يسمح له بترك عائلته، مطمئنًا على أنه وفر لها سبل العيش الكريم. أو، هل يمكن له أن يقضي وقتًا أطول في المنزل، على حساب تواجده في العمل وخطر تدهور مستوى الاستعداد العملياتي، وأن يستمر القادة في الميدان في السعي لتعويض حاجة دائمة وقاسية للرجال الذين يفتقرون إليهم؟ المساعدة الدولية: استقرار أم تعزيز حقيقي؟ منذ سنوات، يستفيد الجيش من مساعدات دولية متنوعة: تدريب، معدات، دعم لوجستي، وحتى مساعدة غير مباشرة في الرواتب، لا سيما من فرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وشركاء آخرين، بعد خطط تطوير القدرات التي وضعتها القوات. ومع ذلك، على الرغم من هذه الدعم، لا يزال ميزان القوى بين الجيش وحزب الله غير مؤكد. يوضح الجنرال حتي أن الجيش اللبناني متعدد الطوائف ويعكس تنوع مجتمع ليبرالي، بينما حزب الله أحادي الطائفة، ملقن أيديولوجيًا، ويتمتع بتماسك داخلي قوي وعقيدة خارج لبنانية. ومع ذلك، فإن ما يمكن اعتباره ضعفًا ظاهريًا للجيش يمكن أن يتحول إلى قوة محتملة كبيرة بشرط أن تؤكد الدولة سلطتها وتتخذ قراراتها بالإجماع، والتي ستستفيد من دعم البرلمان. وفقًا للجنرال حتي، ستبقى المساعدة الدولية في هذا السياق عقيمة استراتيجيًا طالما لم يتم حسم مسألة احتكار القوة وسلطة الدولة. تظل الوسائل المقدمة مفيدة وتخدم المهام العملياتية ولكنها لن تصبح فعالة إلا إذا تحملت الدولة مسؤولياتها بمنح الجيش تفويضًا واضحًا. رمزية أم أعمال ملموسة؟ يشدد الجنرال حتي على أن المؤتمرات الدولية السابقة لدعم الجيش، التي بدأتها باريس وروما ووافق عليها واشنطن، كانت فعالة تكتيكيًا وعملياتيًا بشكل حقيقي، بانتظار أن تستعيد الدولة اللبنانية زمام القرارات الاستراتيجية والسياسية. قد يكرر مؤتمر مارس 2026 هذا النمط نفسه إذا لم يؤثر على العوائق السياسية الداخلية. يقدم المانحون الوسائل والموارد، وتظل الدولة اللبنانية مترددة وغامضة في توجيهاتها، وسيستمر المواطنون والجنود، متشككين، في التشكيك في الفعالية الحقيقية لأي مؤتمر. يضيف الجنرال حتي أن أي مساعدة دولية، مهما كانت سخية، لا يمكن أن تحل محل الشجاعة السياسية. يقول: بدون تفويض واضح، وبدون رؤية وطنية (سياسة وطنية للأمن والدفاع)، تظل القوات النظامية مكشوفة وستظل سيادة الدولة اللبنانية شعارًا فارغًا من المضمون. يؤكد الجنرال حتي أيضًا على ضرورة التملك السياسي الواضح لمهام الجيش. يجب على الدولة، كما يلاحظ، أن تتحمل قراراتها، حتى في مواجهة الضغوط الداخلية والمخاطر التي يفرضها حزب الله. هذا الشرط ضروري لتحويل إعلانات الدعم إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس وتجنب أن يصبح مؤتمر مارس 2026 طقسًا دبلوماسيًا آخر. نقطة تحول يبدو مؤتمر باريس أكثر من أي وقت مضى نقطة تحول حقيقية محتملة للبنان الذي يواجه تحديات سياسية واجتماعية واستراتيجية. نجاحه سيعتمد بدرجة أقل على الوسائل المادية التي وعد بها المجتمع الدولي، وبدرجة أكبر على قدرة الدولة اللبنانية على تأكيد سلطتها، والمطالبة باستسلام الجهات المسلحة الخاضعة أيديولوجيًا لقوة خارجية، وتوحيد هيئاتها السياسية حول هدف واحد، وتوضيح دور الجيش على الأراضي الوطنية، مع تزويده بالوسائل اللازمة للقيام بذلك. بدون إصلاحات هيكلية وبدون تقدير لقيمة من يخدمون على الأرض، حتى المؤتمر الأفضل تنظيمًا قد يظل رمزيًا. في الختام، سيكون مؤتمر باريس اختبارًا للنضج السياسي والمؤسسي للدولة اللبنانية. سيقيس قدرة الحكومة على ترجمة التزاماتها الدولية إلى أعمال ملموسة على الأرض، وتثبيت قواتها المسلحة، وتوحيد سيادتها.

حرب السودان: سيناريوهات، تسويات زائفة، ومآزق استراتيجية (4/4)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 8, 2026 - 13:52

تركيز تحليلي على حرب السودان التي أدت، منذ عام 2023، إلى عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، مع تكلفة بشرية باهظة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذت أعمال العنف الجماعي والحصارات والتهجير القسري بعدًا يصفه العديد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. تؤدي الحرب السودانية بانتظام إلى إعلانات عن وساطات، ووقف وشيك لإطلاق النار، و«نوافذ دبلوماسية». وعلى فترات شبه منتظمة، «يكتشف» فاعل دولي النزاع من جديد، ووعد بمبادرة أو يدعو إلى محادثات. هذه التسلسلات تنتج بشكل أساسي ضوضاء سياسية، وأحيانًا تعليقًا مؤقتًا للقتال على محور محدد، لكنها لا تغير أبدًا هيكل النزاع. لكن تكرار النمط نفسه لا يشكل فشلاً عرضيًا للدبلوماسية؛ بل هو نتاج سوء فهم أعمق لطبيعة الحرب الجارية. تكمن المأزق الأول في قراءة خاطئة للنزاع باعتباره مواجهة تقليدية بين قطبين يمكن التوصل بهما إلى تسوية. لكن لا القوات المسلحة السودانية ولا قوات الدعم السريع منخرطة في منطق التفاوض السياسي. ما تسعى إليه ليس الحفاظ على حصص من السلطة في دولة مستقبلية، بل قدرات ذاتية للتخريب، وشبكات، ومناطق قابلة للاستغلال. في هذا الإطار، تبدو أي وساطة تهدف إلى تقاسم السلطة أو انتقال مؤسسي بعيدة عن الواقع. تنبع مقترحات وقف إطلاق النار من الوهم نفسه. فهي تفترض أن الحرب أصبحت باهظة التكلفة للأطراف المعنية. لكن، ومن المفارقات، أن إطالة أمد النزاع لا تزال منطقية لكلا الجانبين. فبالنسبة للجيش، تسمح له بالحفاظ على وضع الممثل الرسمي للدولة، والحصول على دعم دولي أدنى، واحتواء الانهيار الكامل للجهاز العسكري. أما بالنسبة لقوات الدعم السريع، فهي تضمن استمرار التدفقات الاقتصادية، وتوطيد سيطرتها الإقليمية في الغرب، واستحالة إعادة تشكيل نظام مركزي ضدها. إن التطورات التي وردت في نهاية يناير تسلط الضوء على سلسلة من التقدمات العسكرية المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية، لا سيما في جنوب كردفان. ويتم تقديم رفع الحصارات القديمة، واستعادة المواقع الثانوية، وإعادة فتح الطرق كعلامات على ديناميكية جديدة، بل وحتى تحول تدريجي في ميزان القوى. لكن هذه القراءة تستحق أن توضع في سياقها، لأنها لا تتوافق مع تحول هيكلي في النزاع بقدر ما تتوافق مع تسلسل اتصالات استراتيجية موجهة إلى جماهير مختلفة: الدعم الداخلي للجيش، وتعبئة الرعاة الإقليميين، واستعادة المصداقية العسكرية التي تضررت من سنتين من حرب الاستنزاف. على الأرض، تظل هذه التقدمات باهظة التكلفة، ومحلية، وهشة. إنها لا تؤثر على سيطرة قوات الدعم السريع على دارفور، ولا على قدرتها التخريبية عن بعد، ولا على التفتت العام للبلاد. بل تؤكد سمة مركزية للحرب السودانية: الانفصال المتزايد بين الأحداث العسكرية المرئية والديناميكيات الاستراتيجية العميقة. وبهذا المعنى، فإن رواية إعادة الاحتلال تشارك أيضًا في الحرب. وهي لا تعلن بالضرورة نهايتها بل تصبح أداة إضافية لها. يُضاف إلى ذلك مأزق ثانٍ، أكثر هيكلية: التهميش المنهجي للفاعلين المدنيين السودانيين. فمنذ عام 2019، تم استدعاؤهم والاحتفاء بهم، ثم استُبعدوا تدريجياً من جميع عمليات اتخاذ القرار الحقيقية. وتواصل المبادرات الدبلوماسية التذرع بـ «العودة إلى الانتقال المدني»، ولكن دون خلق الظروف المادية والأمنية والسياسية لظهوره. المدنيون يخدمون كمبرر أخلاقي لعمليات تُصمم في أماكن أخرى، بين الرعاة الإقليميين والجهات الفاعلة المسلحة… هذا التهميش ليس مجرد ظلم سياسي. بل هو عامل فعال في إطالة أمد الصراع. ففي غياب قطب مدني منظم ومحمي، تظل الحرب هي اللغة الوحيدة المسموعة، وأي محاولة لإعادة التشكيل السياسي الداخلي تُسحق، بالتالي، بين عنف الفاعلين المسلحين واللامبالاة الاستراتيجية من داعميهم الخارجيين. تتأرجح سيناريوهات الخروج من الحرب المطروحة في الأوساط الدبلوماسية بين نقيضين يمثلان إشكالية بالقدر نفسه. الأول هو سيناريو النصر العسكري الحاسم لأحد الطرفين. لكن هذا السيناريو غير موثوق به، نظرًا لعدم امتلاك أي طرف القدرات اللازمة لفرض سيطرة تامة على كامل الأراضي دون إطلاق مرحلة جديدة من التفكك أو حرب العصابات المحلية. فانتصار الجيش قد يعيد تنشيط بؤر التمرد الهامشية؛ وانتصار قوات الدعم السريع سيضفي طابعًا مؤسسيًا على العنف الجماعي بدون دولة، وهو ما يصعب تثبيته. السيناريو الثاني هو تقسيم رسمي للبلاد. وهنا أيضًا، العقبات كبيرة. فالتقسيم الرسمي سيتطلب اعترافًا دوليًا، وحدودًا مستقرة، وترتيبات اقتصادية وأمنية دائمة. لكن التشرذم الحالي فعال تحديدًا لأنه لا يزال غير رسمي. فهو يسمح للفاعلين بالاستفادة من مكاسب الحرب دون تحمل التكاليف السياسية لنظام جديد. بين هذين النقيضين، ينشأ سيناريو ثالث، غير مصاغ ولكنه سائد بحكم الأمر الواقع: وهو صراع طويل الأمد منخفض الكثافة المتغيرة، تتخلله ذروات عنف شديد، يديره فاعلون إقليميون يسيطرون على معاييره دون السعي لحله. هذا السيناريو ليس انحرافًا خارجًا عن السيطرة. إنه نتاج محزن لتوافق المصالح. ففيه تجد القوى الإقليمية مجالًا للتأثير، وتعتبر القوى الدولية الكبرى أنه صراع هامشي يمكن إدارته، ويجد فيه الفاعلون المسلحون المحليون مكاسب واستقلالية استراتيجية. أما السكان المدنيون، فيدفعون الثمن. كما هو الحال دائمًا. يجب أن نطرح السؤال الذي لا تجرؤ تحليلات كثيرة على صياغته صراحة: ما هي شروط الانعطاف الحقيقي؟ إنها غير محتملة اليوم، ولكنها ليست مستحيلة نظريًا. ستتطلب، أولاً، تقاربًا أدنى بين الرعاة الإقليميين بشأن ضرورة استقرار الشاطئ الأفريقي للبحر الأحمر كفضاء أمن جماعي، والتخلي عن منطق مناطق النفوذ. لكن هذا يتعارض مع المنطق العالمي الذي خلقه دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وشي جين بينغ بحكم الأمر الواقع. ستفترض، ثانيًا، إعادة تنشيط موثوقة للإطار الدولي، قادرًا على فرض تكاليف ملموسة على الفاعلين المسلحين، بما يتجاوز التصريحات والعقوبات الرمزية. ستتطلب، أخيرًا، استثمارًا ضخمًا ومحميًا في إعادة بناء قطب مدني سوداني كفاعل حقيقي بدلاً من مجرد ديكور للمفاوضات. لكن لا توجد أي من هذه العناصر مجتمعة اليوم. التنافس السعودي-الإماراتي مستمر؛ والنظام الدولي مجزأ أكثر من أي وقت مضى، والفاعلون المدنيون السودانيون معزولون، ومرهقون، ومشتتون. في هذا السياق، تستمر الحرب بتناسق استراتيجي. من المحزن ملاحظة أن السودان لم يصبح أقل من مختبر وحشي لأشكال الصراع المعاصرة: حروب طويلة، قليلة الوضوح، منغمسة في المنافسات الإقليمية، أتاحتها بيئة دولية متسامحة. وما دام البحر الأحمر سيبقى فضاء للتنافس بدلاً من التعاون، وما دام الاستقرار يُنظر إليه على أنه أكثر تكلفة من عدم الاستقرار، وما دام العنف يمكن أن يُنقل إلى الخارج دون عواقب وخيمة، فإن الحرب ستستمر. حتمًا، ولفترة طويلة قادمة. لأنها، مرة أخرى، ليست فوضى عفوية، بل نظام لا إنساني للغاية، لكنه شديد السخرية بالنسبة لأولئك الذين يستفيدون منه. اقرأ أيضًا حول الموضوع نفسه: انهيار السودان: حربٌ من أجل الحرب (١/٤) البحر الأحمر والخليج والقرن الأفريقي: بُعد الصراع السوداني الإقليمي (٢/٤) إيران وحربها غير المباشرة في السودان (٣/٤)

إيران وحربها غير المباشرة في السودان (3/4)
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر
فبراير 6, 2026 - 20:30

تركيز تحليلي على حرب السودان التي، منذ عام 2023، أدت بالفعل إلى عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، بتكلفة بشرية مدمرة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذ العنف الجماعي والحصارات والتهجير القسري بعدًا يصفه عدد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. يبدو من الضروري تحليل دور إيران في الصراع السوداني بمفرده، حتى لو لم يظهر هذا الدور في الشكل الكلاسيكي للراعي المحدد، أو الدعم السياسي المعلن، أو التحالف المؤكد. إنه أكثر انتشارًا وغير مباشر، ولكنه، من نواحٍ عديدة، أكثر تنظيمًا. طهران ليست لاعبًا مركزيًا في المشهد السوداني؛ إنها نوع من المضخم الاستراتيجي، الذي يضع الصراع في هيكل إقليمي أوسع، يهيمن عليه البحر الأحمر والأشكال الجديدة للحرب غير المتكافئة. على مدى عدة سنوات، اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ ثابت: توسيع العمق الاستراتيجي دون التعرض المباشر. وقد ثبتت هذه المنطقية في لبنان مع حزب الله، وفي سوريا عبر النظام العلوي، وفي العراق عبر الميليشيات الشيعية، وفي اليمن بفضل طموحات الحوثيين. وبالتالي، فهي تعتمد على الشبكات، والجهات الفاعلة المحلية، ونقل الخبرات أكثر من الانتشار المرئي. السودان، الذي كان لفترة طويلة هامشيًا في الخريطة الإيرانية، يستعيد تدريجيًا مكانة وظيفية في هذا الكل. يعود هذا العودة أولاً إلى الأهمية المتزايدة للبحر الأحمر. فمنذ اندلاع الحرب في غزة وتصاعد نفوذ الحوثيين في اليمن، أصبح البحر الأحمر مساحة مواجهة غير مباشرة بين المحور الإيراني والقوى الغربية، فضلاً عن نقطة احتكاك رئيسية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد حولت الهجمات على الملاحة التجارية، والتهديدات على طرق الطاقة، وضربات الطائرات بدون طيار والصواريخ هذه المساحة البحرية إلى امتداد مباشر لصراعات الشرق الأوسط. في هذا السياق، يظهر السودان كمنطقة عمق، وليس كجبهة. فشاطئه وموانئه ومناطقه الأمنية الرمادية توفر خلفية مفيدة، دون الحاجة إلى تورط سياسي صريح. لا تحتاج إيران للسيطرة على السودان، ولا حتى أن يكون لديها حليف رسمي فيه. يكفيها أن يظل البلد غير مستقر وممزق وغير قادر على تأمين سواحله وبنيته التحتية على المدى الطويل. وهكذا، تزايدت المؤشرات على تقارب تكتيكي بين طهران والجيش السوداني منذ عام 2024. فالاتهامات بتسليم طائرات إيرانية بدون طيار للقوات المسلحة السودانية، على الرغم من نفيها بشكل منهجي، تندرج في منطق لوحظ بالفعل في أماكن أخرى، وهو نقل القدرات بدلاً من الوجود المباشر. وتشكل الطائرات بدون طيار، بتكلفتها المحدودة ومرونتها وتأثيرها النفسي، الأداة المثالية لهذه الاستراتيجية. فهي تسمح في الواقع بتعويض نقاط الضعف الهيكلية دون تغيير التوازن السياسي الداخلي. ولكن سيكون من التبسيط اختزال التورط الإيراني في كونه مجرد دعم عسكري عرضي للجيش السوداني. إيران لا تسعى لإنقاذ الدولة السودانية. إنها لا تندرج في منطق الاستقرار. ما يهمها هو الفوضى المنظمة لمنطقة بحرية استراتيجية، مما يجبر خصومها على تشتيت مواردهم وزيادة ساحات اهتمامهم. وهي استراتيجية تخريب نجدها، بالمناسبة، كعلامة تجارية لطهران في كل مكان تقريبًا في الشرق الأوسط. في هذا المنظور، تعمل الحرب السودانية كصراع إشباع. إنها ليست هدفًا في حد ذاتها، بل عنصرًا في مشهد صراعي أوسع، حيث تضعف كل أزمة هامشية قدرة القوى الغربية وحلفائها الإقليميين على الاستجابة الشاملة. السودان، على غرار الصومال أو اليمن، يصبح مساحة يمكن فيها تحمل الصراعات تحديدًا لأنها بعيدة عن مراكز القرار. تجد هذه الاستراتيجية صدى خاصًا في التحول المعاصر للحرب. فالطائرات بدون طيار، والضربات بعيدة المدى، والشبكات اللوجستية العابرة للحدود تسمح بشن صراعات ذات كثافة سياسية منخفضة ولكن ذات كثافة بشرية عالية. وهكذا، فإن الهجمات على بورتسودان والضربات المستهدفة ضد البنى التحتية الحساسة تثبت أن حتى المناطق التي يُفترض أنها آمنة تظل عرضة للخطر. وهذا الضعف في حد ذاته رسالة استراتيجية... بالنسبة للمملكة العربية السعودية، هذا التطور يثير قلقًا خاصًا، حيث أن تأمين البحر الأحمر هو ركيزة طموحاتها الاقتصادية والسياحية والجيوسياسية. وأي عدم استقرار مطول على الضفة الأفريقية يضعف هذا المشروع. لا تحتاج إيران إلى تحدي الرياض مباشرة؛ يكفيها أن تساهم في بيئة يصبح فيها الاستقرار مكلفًا وغير مؤكد وينطوي على مخاطر سياسية. بالنسبة للإمارات العربية المتحدة، الوضع أكثر ازدواجية. فنهجها غير المباشر في السودان، القائم على الشبكات والجهات الفاعلة غير الحكومية، يتوافق أحيانًا مع المنطق الإيراني، دون أن يكون ذلك نتيجة تنسيق. لا يتعلق الأمر بتحالف، بل بتقارب موضوعي في الأساليب التي تفضل المرونة، وتجنب التعرض المباشر، وقبول عدم الاستقرار كمعلم دائم. تستفيد إيران أيضًا من ضعف الإطار المعياري الدولي. ففي نظام لم تعد فيه توصيفات الإبادة الجماعية والعقوبات والإدانات تؤدي إلى تغيير استراتيجي، تتسع هوامش المناورة. وتصبح الحرب السودانية بذلك مثالًا إضافيًا على تطبيع العنف المفرط في الأطراف، وهو ما يفيد بشكل موضوعي الجهات الفاعلة التي تسعى إلى نزع الشرعية عن النظام الدولي الليبرالي. يجب أخيرًا التأكيد على نقطة أساسية: ليس لإيران أي مصلحة في انتصار سريع لأي من الطرفين السودانيين. فانتصار واضح للجيش، المدعوم من الرياض والقاهرة، سيعزز محورًا معاديًا. أما السيطرة الكاملة لقوات الدعم السريع، المدعومة بشبكات إماراتية، فستنتج شكلًا آخر من أشكال التوحيد الإقليمي. تكمن المصلحة الإيرانية في الوسط، في إطالة أمد الصراع الذي يمنع أي إعادة تشكيل مستقرة. اللعب على تناقضات الآخرين يضمن، افتراضيًا، انتصارًا لطهران. وهكذا، لا يُقاس الدور الإيراني في الحرب السودانية بالكيلومترات المربعة المحتلة، ولا بالإعلانات الرسمية. بل يُقرأ في مدة الصراع، وفي قدرته على الاندماج في استمرارية إقليمية للأزمات، وفي الطريقة التي يساهم بها في تحويل البحر الأحمر إلى مساحة توتر دائم. السودان، في هذه القراءة، ليس حليفًا ولا عدوًا. إنه مجرد وسيلة؛ مساحة تتحول فيها الحرب، المجردة من أي غاية سياسية، إلى أداة من بين أدوات التنافس الاستراتيجي العالمي... إنها قمة الواقعية السياسية المخضرمة. اقرأ أيضًا في نفس الموضوع: انهيار السودان: حرب من أجل الحرب (1/4) البحر الأحمر، الخليج والقرن الأفريقي: إقليمية الصراع السوداني (2/4) المقال التالي: حرب السودان: سيناريوهات، تسويات زائفة ومآزق استراتيجية (4/4)

هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الانحدار التاريخي؟ (١/٢)
بقلم
جاك مشعلاني
نُشر
فبراير 5, 2026 - 12:51

بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، ارتقت الولايات المتحدة إلى مصاف القوى العظمى، محددة مسار العالم الغربي. ولعبت آلة صناعتها الضخمة دورًا حاسمًا في تحقيق الهزيمة العسكرية للفاشية. في الجزء الأول من هذا التحليل، نستعرض كيف فرضت الولايات المتحدة نموذجها – ليس بالقوة العسكرية فحسب، بل عبر بناء نظام عالمي جديد اقتصاديًا وماليًا ومؤسسيًا. أما في الجزء الثاني، فسنتناول المخاطر التي تواجهها أمريكا اليوم. يشير العديد من الاقتصاديين والمحللين إلى أن الولايات المتحدة دخلت المراحل الأولى لانحدار طويل الأمد. كما أوضح الاقتصادي الروسي نيكولاي كوندراكيف في ثلاثينيات القرن الماضي، يتكشف تاريخ العالم من خلال دورات اقتصادية وجيوسياسية طويلة الأمد. تمتد هذه الحقب غالبًا بين ستون وثمانين عامًا، وتشهد عادة هيمنة قوة رائدة، مصحوبة بثورات تكنولوجية كبيرة وانتقالات في القيادة العالمية. من الصين حوالي العام ٩٠٠، إلى مدن إيطاليا في عصر النهضة، وصولًا إلى الإمبراطورية البريطانية المرجعية في عهد الملكة إليزابيث الأولى، تتبع الدورات المتعاقبة للهيمنة الاقتصادية العالمية هذا النمط. بدأت حقبة القيادة الأمريكية تقريبًا بعد الحرب العالمية الثانية. وما نشهده اليوم، على الصعيدين الداخلي والدولي، قد يكون المؤشرات الأولى على بدء تآكل هذه الهيمنة خلال العقد المقبل. ارتقاء أمريكا من «سوق ناشئة» إلى «قوة عظمى» قبل الحرب العالمية الثانية، لم تكن الولايات المتحدة بعد مركز القوة العالمية بلا منازع. ففي كثير من النواحي، كانت لا تزال تشبه اقتصادًا ناشئًا، مدفوعًا بمصدر طاقة جديد، وهو النفط، وبابتكارات تحويلية مثل السيارة والهاتف. كانت بمثابة أرض الفرص، مدفوعة بروح ريادية أكثر تحررًا من الإمبراطورية البريطانية المرجعيةوالديمقراطيات الأوروبية الراسخة. وجمع النموذج الأمريكي بين عقلية «الإمكانية»، والتوسع الصناعي السريع، ومعدلات النمو المرتفعة، والديناميكية المضاربية، ونهج استثماري محفوف بالمخاطر، الشائع في الاقتصادات الناشئة. كما يظهر التاريخ مرارًا، فإن الإفراط في الأسواق الناشئة غالبًا ما يحمل بذور أزماته الخاصة. وقد بلغ هذا المسار ذروته في انهيار عام ١٩٢٩، تلاه الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. آنذاك، كان التركيز الحقيقي لرأس المال والوزن الجيوسياسي لا يزال في أوروبا. وكانت المملكة المتحدة مرساة النظام العالمي، حيث كان الجنيه الإسترليني هو عملة التجارة والتمويل الدولية. الحرب العالمية الثانية: التحول العظيم للسلطة غيرت الحرب العالمية الثانية كل شيء. تدمّرت أوروبا. وآسيا دُمرت بالكامل. قتل عشرات الملايين، وتعرضت دول بأكملها – بما في ذلك ألمانيا واليابان – للدمار المادي والصناعي والمؤسسي. ضعفت الإمبراطورية البريطانية بشكل بالغ، وتحول ميزان القوة بشكل لا رجعة فيه. سمحت العزلة الأولية لأمريكا، إلى جانب قدراتها الصناعية الهائلة وموقعها الجغرافي، بأن تتحول الولايات المتحدة الى «مستودع الأسلحة» للعالم الحليف، حيث زوّدت كل شيء من الحبوب إلى المدافع، ومن الذخيرة إلى السفن والطائرات. وجاءت نقطة التحول في السابع من ديسمبر/كانون الأول عام ١٩٤١، عندما هاجمت اليابان بيرل هاربر. دخلت الولايات المتحدة الحرب، أولًا في المحيط الهادئ ثم في أوروبا. وانتصارات الحلفاء – الثامن من مايو/أيار عام ١٩٤٥ في أوروبا، والثاني من سبتمبر عام ١٩٤٥ في آسيا – لم تقتصر على إنهاء النزاع، بل دفعت الولايات المتحدة لتتبوأ دور القوة العالمية المهيمنة، خلفًا للإمبراطورية البريطانية المتراجعة. الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز يتحدث في مؤتمر بريتون وودز، يوليو 1944، الذي أسس النظام المالي العالمي بإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. (طاقم/صندوق النقد الدولي/وكالة فرانس برس) من خلال خطة مارشال في أوروبا وعقد من الإشراف على اليابان، رسخت واشنطن نفسها كمزود رأس المال، ومهندس إعادة الإعمار، والنموذج المرجعي للحداثة الغربية، والرأسمالية، والحكم الرشيد. لكن أعظم إنجاز أمريكي لم يكن مجرد إعادة بناء الاقتصادات. لقد أعادت بناء القواعد نفسها. بنت الولايات المتحدة نظامًا دوليًا قائمًا على التعددية، وسيادة القانون، وبنية مؤسسية تهدف إلى تعزيز السلام والأمن والتعاون الاقتصادي. لعبت واشنطن دورًا محوريًا في تشكيل المؤسسات التي حددت شكل العالم بعد الحرب: الأمم المتحدة؛ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ حلف شمال الأطلسي؛ والأطر الإقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية. ومع مرور الوقت، توسعت هذه البنية لتشمل هيئات مثل منظمة الصحة العالمية، اليونيسيف، مجموعة السبع، ومجموعة العشرين. ولم تكن هذه البنية مجرد رمز أخلاقي، بل كانت بنية تحتية استراتيجية، بل أصبحت الدعامة الأساسية للقوة الأمريكية. انهيار الشيوعية وتأكيد دور أمريكا كقوة قيادية عالمية أدى انهيار الاقتصادات الشيوعية المخططة مركزيًا إلى تعزيز الهيمنة الأمريكية بشكل أكبر. بدت انفتاح الصين عام ١٩٧٨ وسقوط الكتلة السوفييتية عام ١٩٨٩ بمثابة تأكيد على انتصار النموذج الأمريكي. وقد صاغ فرانسيس فوكوياما هذه اللحظة في كتابه «نهاية التاريخ والانسان الأخير» بوصفها الشكل النهائي للتنظيم السياسي والاقتصادي. لفترة من الزمن، بدا أن الهيمنة الأمريكية غير محدودة. وغالبًا ما يُنسب هذا التفوق إلى الديمقراطية. لكن الواقع مقلق أكثر مما يبدو. فلم تنتصر الولايات المتحدة أساسًا بسبب نموذجها الديمقراطي، بل بسبب الكفاءة العالية لنظامها الرأسمالي، وإنتاجية القطاع الخاص، ونظام الحوكمة المؤسسية للمساهمين والذي طُوّر في أوروبا الغربية منذ أوائل عام ١٦٠٢ مع الشركة الهند-شرقية-هولندية – وهو نظام غير ديمقراطي بالمعنى التقليدي. فالكفاءة الاقتصادية الأمريكية هي التي مكنت من الفوز في الحرب العالمية الثانية، بينما أدت الكفاءة المحدودة للاقتصادات المخططة مركزيًا إلى فشل الأيديولوجية الشيوعية قبل انهيار الشرعية السياسية بفترة طويلة. الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف خلال اجتماع عام 1985. (مكتبة آن رونان للصور/Photo12 عبر وكالة فرانس برس) الديمقراطية، كنظام سياسي، هي بطبيعتها غير فعّالة عندما يتعلق الأمر بالتخطيط على المدى الطويل، والإصلاحات الهيكلية، والموازنات الاستراتيجية، سواء في الولايات المتحدة، أو أوروبا، أو العديد من الدول النامية. الأمثلة كثيرة: تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية؛ الإخفاقات المتكررة لفرنسا وبريطانيا في إصلاح أنظمة التقاعد والرعاية الصحية؛ أو تأخر الولايات المتحدة في بناء البنية التحتية. غير أن الحجة الأوسع لافتة للنظر أكثر: الصعود المذهل لدول مثل الصين والإمارات العربية المتحدة خلال الخمسين عامًا الماضية يُعزى تقريبًا بالكامل إلى قدرتها على العمل ليس كديمقراطيات، بل كشركات استراتيجية. لقد اعتمدت هذه الدول نموذج حوكمة الشركات الغربية الخاصة كإطار لحكومتها العامة: – في الصين، يُنظر إلى الشعب على أنه «عملاء» (زبائن)، بينما يتصرف الحزب الشيوعي كما لو كان «المساهمين» في المشروع الوطني. وللحفاظ على سلطتهم، يجب على المساهمين تلبية احتياجات العملاء، كما تحتاج الشركة الخاصة إلى إرضاء زبائنها لتزدهر وتنمو وتحافظ على أرباحها. – في الإمارات، يُنظر إلى المواطنين والمقيمين على أنهم العملاء، بينما تعمل العائلات الحاكمة كمالكين استراتيجيين للنظام. في كلا الحالتين، لا تقع السلطة النهائية في اتخاذ القرار لدى العملاء أو الناخبين ضمن علاقة تشبه علاقة المستهلك بالشركة، بل تقع لدى صانعي القرار ذوي الكفاءات العالية الذين يحددون الرؤية ويستطيعون تنفيذها دون أن تعرقلهم جماعات الضغط أو المساومات السياسية غير المؤهلة، وذلك تحت رقابة المساهمين. إن التقدّم المذهل الذي حققته الصين في مجالات التكنولوجيا، والبنية التحتية، والاتصالات، والبحث العلمي، والمعادن الاستراتيجية، والطاقة الشمسية، والسيارات الكهربائية، والسكك الحديدية فائقة السرعة يعود بالأساس إلى قدرة الدولة على تحديد أولويات الصناعة وتمويل الأهداف الوطنية طويلة الأمد على نطاق واسع. وبالمثل، يعود ارتقاء الإمارات لتصبح منصة عالمية – حيث يأتي رأس المال ورواد الأعمال والمواهب للعيش والاستثمار والبناء – إلى السياسات الاستباقية التي تهدف إلى خلق بيئة مستقرة وآمنة وملائمة للضرائب لروّاد الأعمال والأثرياء والعمال المهرة والباحثين من أكثر من مائتي دولة. الديمقراطية أحيانًا تنتخب مُدمريها بنفسها هناك خلل آخر، أكثر قتامة، يكمن داخل الأنظمة الديمقراطية. فالديمقراطية قد تمكّن الاستبداد – ليس بالقوة، بل برضا الشعب. فهي تتيح للديماغوجيين الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، غالبًا من خلال إثارة المشاعر والخوف والانتماءات والامتعاض الشعبي. ثم، بمجرد اعتلائهم المناصب، يقومون بتحريف المؤسسات وإضعاف السلطات المضادة حتى تتحول الديمقراطية إلى مجرد مسرحيات إجرائية. من هتلر إلى موسوليني إلى فرانكو؛ ومن أردوغان إلى بوتين، التاريخ واضح. وهذا يطرح سؤالًا مزعجًا: هل تقترب الولايات المتحدة من لحظة مماثلة؟ تزداد المؤشرات على أن الديمقراطية الأمريكية قد تواجه الآن أقسى اختبار لها منذ تأسيسها في عام ١٧٧٦. عندما تنقلب أمريكا ضد النظام الذي بنته لم تكن قوة أمريكا يومًا عسكرية أو اقتصادية فحسب، بل مؤسساتية أيضًا. لقد غرسَت الولايات المتحدة قوتها في النظام العالمي الذي أنشأته من خلال القواعد، والتحالفات، والمعاهدات، والمصداقية. وكان هذا النظام يدعم الدولار والأسواق المالية الأمريكية والقيادة العالمية للولايات المتحدة. لكن في اللحظة التي تبدأ فيها الولايات المتحدة بالتعامل مع هذا النظام كخيار ثانوي – أو، ما هو أسوأ، كعقبة يجب تفكيكها – فإنها لا تضعف خصومها فحسب، بل تضعف نفسها. تعتمد عقيدة دونالد ترامب القائمة على عبارة «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد» على العزلة والاكراه: التعريفات أحادية الجانب، الانسحاب من عشرات الاتفاقيات الدولية، والقيود المشددة على الهجرة. هذه السياسات تعيد تشكيل ليس أمريكا فقط، بل النظام الدولي بأكمله. هنا يكمن خط الصدع المركزي في الجغرافيا السياسية الحديثة. النقاش المتجدد حول مطالب الولايات المتحدة بحقوقها على غرينلاند هو مثال بارز على ذلك. فغرينلاند ليست مجرد كتلة أرضية في القطب الشمالي؛ فهي مرتبطة بالدنمارك – حليف في الناتو – ومدرجة ضمن إطار التحالف الغربي. المسألة ليست أرضًا بقدر ما هي مصداقية. وتثير سؤالًا أكثر أهمية: هل وضعت الولايات المتحدة نفسها الآن فوق النظام القائم على القواعد؟ وفي اللحظة التي ينتشر فيها هذا الانطباع، لا تبقى العواقب محصورة في القطب الشمالي، بل تمتد لتشمل كل حدود متنازع عليها، وكل معاهدة هشة، وكل التزام تحالفي، وكل نظام عملة. إنها رسالة إلى روسيا مفادها بأن مناطق النفوذ أصبحت مشروعة مرة أخرى. إنها أيضًا رسالة إلى الصين مفادها أن الإكراه ليس سوى تعبير طبيعي عن القوة – وأن سماح واشنطن لنفسها باستخدام الإكراه ضد حلفائها في قضية غرينلاند يسلبها أي سلطة أخلاقية لمنع بكين من اعتماد المنطق نفسه حيال تايوان. وهي أيضًا رسالة الى القوى المتوسطة مفادها أن السيادة القانونية باتت موضع تشكيك، أقرب الى مسألة ملاءمةً منها الى مبدأ ثابت، كما أظهرت الأحداث الأخيرة في فنزويلا. والأهم من ذلك كله أنها رسالة إلى حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم مفادها أن أمنهم واقتصاداتهم وتجارة بلدانهم لا تقوم في نهاية المطاف على القانون، بل على الإرادة المنفردة لواشنطن. دافوس ٢٠٢٦: نقطة التحول في النظام الدولي بعيدًا عن مجاراة أساليب التفاوض التي اعتمدها دونالد ترامب، أدرك قادة العالم أخيرًا أنهم لم يعودوا قادرين على اعتبار الولايات المتحدة شريكًا موثوقًا به – اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا. وجاء الرد سريعًا. في ٢٧ يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، وقّع الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية التجارة الحرة بينهما، جامعَين نحو ملياري نسمة ضمن إطار تجاري يغطي قرابة ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وفي الوقت نفسه، يتجه قادة كندا وأستراليا ودول أوروبية إلى الصين لتأمين الوصول إلى أكبر سوق استهلاكية في العالم، بينما تعيد الدول الأوروبية النظر في بنيتها العسكرية بهدف تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة وعلى حلف شمال الأطلسي. هكذا تنهار الأنظمة الدولية: عبر تآكلٍ مستمر وتراكمي في الشرعية، حيث تبقى قوة التنفيذ قائمة، لكن الأساس الأخلاقي يتلاشى. لم تكن الهيمنة الأمريكية يومًا غير قابلة للكسر. فقد كانت مشروطة بأصل حاسم لا يمكن تصنيعه بالإنفاق العسكري أو بالعجوزات المالية: المصداقية. والمصداقية، حين تُكسر، لا يمكن ترميمها بالشعارات. قد نكون قد بلغنا نقطة اللاعودة... المقال المقبل: هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة الانحدار التاريخي؟ ( ٢/٢ ) هشاشة الاقتصاد… خطر حقيقي

ليبيا: فزان، جبهة قتال منسية
بقلم
ريان البصير
نُشر
فبراير 4, 2026 - 21:27

بينما يتجادل الدبلوماسيون حول مستقبل ليبيا السياسي في قاعات المؤتمرات المكيفة، فإن الهشاشة المستمرة في المنطقة الجنوبية الشاسعة للبلاد تشكل مخاطر كبيرة ليس فقط على ليبيا نفسها، ولكن أيضاً على الدول المجاورة، لا سيما دول الساحل الأفريقي. لقد أصبحت منطقة فزان، التي تغطي ثلث الأراضي الليبية، هوة حقيقية للحوكمة حيث انهارت سلطة الدولة، وتنتشر الجماعات المسلحة، وتعمل الشبكات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية بحصانة تامة. ترسم الأرقام صورة كارثية. ففي فزان، يحتاج 67% من الأسر إلى مساعدة إنسانية، وهو أعلى معدل في ليبيا. ويلجأ ما يقرب من نصفهم إلى استراتيجيات بقاء قصوى، ببيع ممتلكاتهم المنتجة أو التخلي عن الرعاية الطبية. ويبلغ معدل بطالة الشباب 52% في بعض المناطق، مما يخلق جيلاً بلا أمل في الاستقرار. وتستمر انقطاعات الكهرباء المزمنة لما يصل إلى 20 ساعة يومياً. ويرتفع معدل وفيات الأمهات، حيث تعمل 73% من المنشآت الصحية بشكل جزئي، مما يجبر النساء على الولادة في المنزل أو السفر لمسافة تصل إلى 150 كم للحصول على الرعاية الأساسية. لكن الأمر لا يقتصر على الإحصائيات: إنه الواقع اليومي لـ 600 ألف شخص تُتجاهل معاناتهم بشكل منهجي. تتعرض مجتمعات التبو والطوارق لتمييز متجذر بعمق، ومُحرومة من الجنسية ووثائق الهوية، مما يستبعدها من الحياة السياسية والفرص الاقتصادية. المنطقة التي تنتج ما يصل إلى 30% من النفط الليبي لا تحصل إلا على جزء ضئيل من الاستثمارات، مما يغذي الاستياء الذي تستغله الجماعات المسلحة بلا ضمير. اعتبار فزان مشكلة بعيدة سيكون خطأً كارثياً في التقدير. هذه المنطقة ضرورية لبقاء ليبيا وتشكل حلقة حاسمة في شبكة الأزمات الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الأفريقي. تساهم حقلا الشرارة والفيل، بحد ذاتهما، بشكل كبير في الميزانية الوطنية. إن تعطيل طبقات المياه الجوفية لنهر الصناعي العظيم تحت الصحراء الجنوبية يعني حرمان طرابلس وبنغازي من الماء والكهرباء. الرهان حاسم. خارج الحدود الليبية، أصبحت فزان طريقاً سريعاً حقيقياً لجميع التهديدات المتصورة. الأسلحة التي تمر عبر حدودها المسامية البالغ طولها 2700 كم تغذي صراعات تودي بحياة الآلاف في الساحل. شبكات تهريب الوقود تجني مليارات تُستخدم لتمويل الجماعات الجهادية في النيجر ومالي. الحرب التي تدمر السودان حولت جنوب شرق ليبيا إلى ممر لتعبئة المرتزقة، حيث يتدفق المقاتلون والأسلحة نحو الصراعات في إثيوبيا والصومال. بالنسبة لأوروبا، تشكل منطقة فزان مفترق طرق ونقطة عبور أساسية للهجرة غير الشرعية. تتشكل ديناميكيات الهجرة في فزان من خلال تفاعل معقد للعوامل المحلية والإقليمية والدولية. إذا كان دورها مركزياً، فيجب فهمه في السياق الأوسع لطرق الهجرة وتأثيراتها. تظل فزان، على وجه الخصوص، نقطة الدخول الرئيسية لشبكات الاتجار بالبشر التي تساهم في الأزمات الإنسانية على طول طرق الهجرة في البحر الأبيض المتوسط. من منظور الاتحاد الأفريقي، تمثل فزان نقطة التقاء عدم الاستقرار في منطقة الساحل والهشاشة في شمال أفريقيا، مما يهدد بإطلاق أزمة قد تتجاوز الصراعات الإقليمية الحالية. الخبر السار هو أن الاستقرار ممكن. أما الخبر السيئ فهو أنه يتطلب التخلي عن الأساليب الفاشلة واعتماد حلول شاملة وموجهة محلياً. أولاً، يجب إعادة ترسيخ الحوكمة من خلال تدابير تشريعية ملموسة. تحتاج ليبيا إلى قانون لتنمية الجنوب ينشئ هيئة لاستقرار فزان تتمتع بميزانيات حقيقية وصلاحيات واضحة. يجب أن تتمتع المجالس المحلية بالاستقلال المالي والضمانات الدستورية للتمثيل، بما في ذلك المقاعد البرلمانية والمناصب الوزارية المخصصة للمنطقة. يجب أن تحصل مجتمعات التبو والطوارق أخيراً على الجنسية والوثائق التي حُرموا منها بشكل منهجي. ثانياً، إصلاح قطاع الأمن أمر ملح. يجب أن يوفر برنامج تدريجي لنزع السلاح وإعادة الإدماج بدائل حقيقية لأعضاء الجماعات المسلحة: التدريب المهني والفرص الاقتصادية ومستقبل كريم. تتطلب أمن الحدود عدداً كافياً من الحراس المجندين محلياً والمجهزين بتقنيات حديثة، وليس نقاط تفتيش فاسدة تسهل التهريب الذي من المفترض أن يمنعوه. والأهم من ذلك، تحتاج ليبيا إلى اتفاقيات حدودية ثلاثية مع النيجر وتشاد لدوريات مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ثالثاً، يجب أن تفكك الإنعاش الاقتصادي اقتصاد الحرب. يجب أن يضمن قانون بشأن تقاسم عائدات الموارد الطبيعية إعادة استثمار 20 إلى 25% من إيرادات النفط من الجنوب محلياً وفق صيغ شفافة. يمكن للمناطق الحرة في سبها والكفرة إضفاء الطابع الرسمي على التجارة عبر الحدود، مما يلغي حوافز التهريب. يجب أن تخلق الاستثمارات في البنية التحتية – الطرق، محطات الطاقة الشمسية، الصناعات الزراعية – 5000 وظيفة على الفور، مع دعم مستهدف للنساء والمجتمعات الأقلية. رابعاً، يجب إعادة الخدمات الأساسية لاستعادة الثقة في الدولة. يمكن للمشاريع سريعة التأثير إعادة تأهيل الطرق، وتحديث أنظمة إمدادات المياه، وضمان تخصيص 25% من الميزانيات الصحية الوطنية للمنشآت في الجنوب. كل يوم تأخير يغذي دورة العنف والنهب. يعزز المقاتلون الأجانب سيطرتهم. وتوسع الشبكات الإجرامية أنشطتها. ويفقد الشباب الأمل وينضمون إلى الميليشيات. يواجه المجتمع الدولي خياراً استراتيجياً حاسماً: إما الاستثمار في استقرار شامل من خلال التزام سياسي – بدلاً من المساعدة المالية، مع الأخذ في الاعتبار وضع ليبيا كدولة ذات دخل مرتفع – أو المخاطرة بالتكلفة الأعلى بكثير لانهيار الدولة مستقبلاً. إن التقاعس يشجع استغلال الفراغات السلطوية من قبل الجهات الإجرامية، مما قد يؤدي إلى أزمات إنسانية وتدخلات عسكرية وانتشار الصراعات الإقليمية. لذلك، من الضروري أن يجعل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والأمم المتحدة من فزان أولوية أمنية جماعية تتطلب عملاً منسقاً، بدلاً من أن تكون مجرد شاغل هامشي. يجب على الشركاء الدوليين مواءمة جهودهم مع الأطر التي وضعتها ليبيا، وتقديم خبراتهم الفنية ودعمهم الدبلوماسي للإصلاحات الصعبة. يتطلب هذا الانتقال التحول من التدخلات الفردية إلى برامج تنمية شاملة تستهدف الأسباب الهيكلية العميقة للضعف. وعلى الرغم من أن التحديات التي تواجه فزان كبيرة، إلا أنها ليست مستعصية. فبالإرادة السياسية المستمرة والالتزام بالحوكمة الشاملة، يمكن للمنطقة أن تتحول من عبء أمني إلى ركيزة لليبيا مستقرة ومزدهرة. مع ذلك، تفرض هذه التحولات التخلي عن أوهام الحلول السحرية أو الحلول التي تركز على القوة العسكرية. فالاستقرار الدائم يعتمد على عمل دؤوب لبناء مؤسسات شرعية وتعزيز الفرص الاقتصادية. تاريخياً، عانى سكان فزان من استغلال الموارد والعنف المنهجي، بينما ظلوا مستبعدين من عمليات اتخاذ القرار التي تحدد مستقبلهم. في النهاية، تتجاوز رهانات هذا الالتزام حدود المنطقة؛ فارتباط تعافي الدولة الليبية والأمن في البحر الأبيض المتوسط واستقرار الساحل بمسار فزان لا ينفصم.

البحر الأحمر، الخليج والقرن الأفريقي: التوسع الإقليمي للصراع السوداني (2/4)

تحليل تحليلي للحرب في السودان، التي أدت منذ عام 2023 إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، مع تكلفة بشرية مدمرة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذ العنف الجماعي والحصار والنزوح القسري بعدًا يصفه العديد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. إن تحليل الحرب السودانية وفقًا لمعايير حرب محصورة في المجال الإقليمي الوطني سيكون بمثابة شذوذ، نظرًا لأن جغرافيا البلاد تفرض نفسها كعامل هيكلي. فالسودان، كدولة مطلة على البحر الأحمر، وملاصقة للقرن الأفريقي، ويقع على مقربة مباشرة من شبه الجزيرة العربية، يحتل موقعًا استراتيجيًا يجعله عرضة بشكل خاص لإسقاطات القوة الإقليمية. على مدى عقد من الزمان، عاد البحر الأحمر ليصبح ساحة منافسة نشطة. تتراكب فيه الطرق التجارية، الأمن البحري، التحكم في تدفقات الهجرة، الموانئ، القواعد العسكرية واللوجستية. صراع اليمن، على سبيل المثال، هو أحد أبرز تعبيرات ذلك. وكذلك أزمة السودان. في هذا الفضاء الضيق ولكن الحاسم، تبلورت تدريجياً المنافسة المتزايدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي طالما أخفتها بلاغة التنسيق الاستراتيجي. السودان هو أحد المسارح التي تتخذ فيها هذه المنافسة شكلاً وحشيًا بشكل خاص. لقد فضلت الإمارات نهجًا غير مباشر، يعتمد على الشبكات، والجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية، والدوائر الاقتصادية الموازية، والمراكز اللوجستية. الاتهامات المتكررة بدعم قوات الدعم السريع، والتي تنفيها أبوظبي رسميًا، تندرج في هذا المنطق. يشكل تجارة الذهب السوداني، والطرق التي تمر عبر تشاد وشرق ليبيا، والوصول إلى أسواق البنية التحتية الخليجية، مجموعة متماسكة تسمح لقوات الدعم السريع بالحفاظ على جهودها الحربية على الرغم من العقوبات والإدانة الدولية. لا يهدف هذا النهج بالضرورة إلى النصر العسكري لقوات الدعم السريع، بل إلى قدرتها على الصمود، والبقاء فاعلًا لا غنى عنه، ومنع أي استقرار لا يمر عبر شبكاتها. وهكذا، تصبح الحرب أداة تأثير ووسيلة للتأثير على البنية الإقليمية دون التعرض المباشر. على العكس من ذلك، تفضل الرياض منطقًا أكثر تقليدية للاستقرار الحكومي. ويهدف دعم الجيش السوداني، الذي يتم غالبًا بالتنسيق مع مصر، إلى احتواء انهيار دولة مطلة على البحر الأحمر، وتأمين الممرات البحرية، والحد من تدفقات الهجرة غير المنضبطة، ومنع استقرار حالة من الفوضى الدائمة قبالة السواحل السعودية - لأن القاهرة تدعم أيضًا القوات المسلحة السودانية بهدف الحفاظ على سيطرة حكومية في الجنوب في مواجهة ديناميكيات التفتت المسلح والتدخلات المتنافسة - وخاصة الإماراتية والإيرانية - التي قد تهدد أمن النيل والتوازن الاستراتيجي الإقليمي. بؤرة إقليمية متفاقمة لكن إذا كان هذا النهج أقل مرونة وأكثر مؤسسية، فإنه أيضًا أكثر تكلفة سياسيًا. وهكذا، فإن التباين بين هذين المذهبين يغذي بشكل مباشر تفاقم الصراع. يصبح كل طرف سوداني قناة محلية لمنطق إقليمي مميز، دون أن يكون لأي من الرعاة مصلحة في انتصار واضح قد يعيد تشكيل التوازن العام. يصبح الصراع السوداني بذلك ملفًا للإدارة، وليس مشكلة يجب حلها. نوع من بؤرة إقليمية متفاقمة. تضاف إلى هذه المنافسة الإقليمية طبقة أكثر سرية ولكنها حاسمة: طبقة روسيا والصين. صحيح أن لا موسكو ولا بكين تلعبان دور الراعي المباشر للصراع السوداني. لكن تأثيرهما يمارس في مكان آخر، في خلفية النظام الدولي، من خلال تهيئة الظروف لتفاقم دائم. تتبنى روسيا موقفًا انتهازيًا. فدون الانخراط بشكل مباشر، تستفيد من إضعاف الإطار المعياري الدولي. كل عرقلة في مجلس الأمن، كل عقوبة مخففة، كل نقاش قانوني بدون ترجمة عملية يساهم في إرساء سابقة لنظام دولي غير قادر على إحداث تأثيرات ملزمة. من جانبها، تفضل الصين نهجًا صامتًا واقتصاديًا. يظل السودان بالنسبة لبكين مجال اهتمام طويل الأمد، سواء لموارده أو لموقعه على الطرق البحرية التي تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. والتزامًا بمبدأ عدم التدخل، تتجنب الصين أي إدانة سياسية قوية وتتكيف مع الوضع الراهن المتنازع عليه طالما أن مصالحها الأساسية ليست مهددة بشكل مباشر. هذا الموقف الروسي الصيني يحيد أي منظور لضغط دولي حقيقي. وهكذا، تظل الأوصاف القانونية، بما في ذلك وصف الإبادة الجماعية المعترف به من قبل الولايات المتحدة، دون ترجمة عملية. القانون الدولي موجود، لكنه لم يعد يحدث تحولًا استراتيجيًا. مرحبًا بكم في الفوضى العالمية للقرن الحادي والعشرين. اقرأ أيضًا حول نفس الموضوع انهيار السودان: الحرب من أجل الحرب (1/4) المقال التالي - إيران وحربها غير المباشرة في السودان (3/4)

لقمان سليم: نضال الكلمة في مواجهة السلاح
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
فبراير 2, 2026 - 18:51

لم يكن لقمان سليم معارضاً بالمعنى التقليدي، ولا مناضلاً حزبياً يسعى إلى سلطة أو موقع. كان، في جوهر تجربته، مثقفاً قرر أن يدفع ثمن كلمته كاملة، وأن يواجه منظومة القهر لا من خارجها بل من داخل بيئتها، وفي قلب سرديتها، وباللغة التي حاولت احتكارها. لذلك بدا اغتياله، منذ لحظته الأولى، اغتيالاً للمعنى قبل أن يكون جريمة جسدية، ورسالة سياسية قبل أن يكون تصفية شخصية. ولد لقمان سليم في بيئة شيعية، لم ينفصل عنها يوماً، لكنه رفض أن تتحول إلى قفص أيديولوجي أو إلى هوية مغلقة. منذ بداياته الفكرية، أدرك أن الخطر الحقيقي على أي جماعة لا يأتي من الخارج بقدر ما يأتي من مصادرة حقها في النقد، ومن تحويلها إلى كتلة صماء تُدار بالخوف والولاء القسري. من هنا، لم يكن خلافه مع «حزب الله» خلافاً سياسياً عابراً، بل صداماً وجودياً بين من يرى السياسة مجالاً مفتوحاً للنقاش والمساءلة، ومن يراها عقيدة مغلقة محروسة بالسلاح. أسّس لقمان سليم مع شقيقته رشا «دار الجديد», ومع زوجته مونيكا بورغمان «أمم للتوثيق والأبحاث»، واضعاً الذاكرة في قلب معركته. فهم مبكراً أن السيطرة لا تُمارس فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر التحكم بالسرديات، ومحو الوقائع غير المرغوبة، وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم الحاضر السلطوي. لذلك عمل على توثيق الحرب الأهلية، والانتهاكات، والاغتيالات، لا من باب النبش في الماضي، بل من باب حماية المستقبل من تكرار العنف نفسه تحت عناوين مختلفة، واهمها المصالحة مع الذاكرة. كان لقمان سليم استثناءً في مشهد ثقافي لبناني اعتاد المواربة. لم يختبئ خلف لغة رمادية، ولم يساير المزاج العام، ولم يبحث عن تسويات لفظية. قال بوضوح إن السلاح خارج الدولة كارثة وطنية، وإن ربط مصير لبنان بمشروع إقليمي تقوده إيران هو انتحار سياسي، وإن تحويل الطائفة الشيعية إلى «طائفة مقاومة» مصادرة لحق أفرادها في الاختلاف. هذه المواقف، في بيئة تُدار بمنطق التخوين والتكفير السياسي، جعلته هدفاً دائماً للتهديد والتشهير، قبل أن يصبح هدفاً للاغتيال. في هذا الإطار، لم يكن اهتمام لقمان سليم بالسياسة التنظيمية ترفاً ولا خروجاً عن دوره الثقافي، بل كان جزءاً من إدراكه لحدود الكلمة وحدها، وحاجتها إلى إطار جماعي يحميها ويحوّلها إلى مسار. من هنا جاء تأسيسه ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين، بوصفه محاولة لبناء معارضة ديمقراطية سيادية عابرة للطوائف، ترفض منطق السلاح كما ترفض منطق الزبائنية، وتربط فكرة الدولة بالعدالة والمساءلة لا بالمحاصصة. وبعد اغتياله، لم يتحوّل الائتلاف إلى ذكرى رمزية، بل دخل مرحلة اختبار صعبة منذ أن تولّيت رئاسة الائتلاف، حيث جرى العمل على تثبيت هذا الخيار السياسي كفعل منظّم لا كشعار أخلاقي فقط. من موقع الرئاسة، سعيت إلى تحويل الإرث الفكري الذي مثّله لقمان سليم إلى برنامج سياسي واضح: خطاب سيادي ديمقراطي لا يساوم على مسألة السلاح، ولا ينزلق إلى الشعبوية، ويواجه الانهيار اللبناني من زاوية بناء الدولة لا إدارة الخراب. اغتيال لقمان سليم لم يكن نهاية مسار، بل لحظة كاشفة. كشف حجم العنف الكامن في النظام غير المعلن الذي يحكم لبنان، وكشف أيضاً هشاشة الدولة وعجزها عن حماية مواطنيها المختلفين. لكنه كشف، في الوقت نفسه، أن محاولات إسكات الصوت لا تُلغي الفكرة، بل تضعها أمام مسؤولية الاستمرار بأدوات جديدة، سياسية وتنظيمية هذه المرة، كما حاول الائتلاف أن يفعل في مرحلة ما بعد الاغتيال. في نضاله، لم يكن لقمان سليم صوتاً نخبوياً معزولاً، بل حاول باستمرار كسر الفجوة بين الفكر والسياسة، بين الثقافة والمجتمع. لم يخاطب الغرب بحثاً عن شرعية، ولم يستخدم لغة استعلائية تجاه بيئته، بل واجهها من داخلها، وباسم حقها في أن تكون أكثر من مجرد خزان بشري لمشاريع الآخرين. وهذا ما جعل معركته أشد إيلاماً لخصومه: لأنه سحب منهم ادعاء التمثيل الحصري، وفضح هشاشة خطابهم عندما يُواجه بالحجة لا بالشعارات. اليوم، بعد سنوات على اغتياله، لا يمكن اختزال لقمان سليم في صورة ضحية أو شهيد فقط. قيمته الحقيقية تكمن في النموذج الذي قدّمه: نموذج المثقف الذي لا يساوم، والذي لا يفصل الأخلاق عن السياسة، والذي يرفض أن يكون شاهداً صامتاً على انهيار وطنه. ترك لنا إرثاً ثقيلاً، لا في الكتب والأرشيف فقط، بل في السؤال الذي لا يزال مطروحاً: هل يمكن بناء دولة في ظل سلاح خارجها؟ وهل يمكن حماية التعددية في ظل الخوف؟ وهل يمكن للذاكرة أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة؟ ربما لم ينتصر لقمان سليم في حياته، لكن نضاله جعل الهزيمة أصعب، وجعل الصمت مستحيلاً، وترك جرحاً مفتوحاً في سردية القوة، جرحاً لا تداويه كل محاولات الإنكار. وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال الانتصار.