شعار Levant Time

سياسة

قراءة سوسيولوجية لتحول المجتمع الشيعي
بقلم
منى فياض
نُشر
مارس 9, 2026 - 03:43

لا يمكن فهم العلاقة المعقدة بين جزء من المجتمع الشيعي في لبنان وبين حزب الله من خلال التحليل السياسي التقليدي وحده. فهذه العلاقة تتجاوز الحسابات الاستراتيجية أو المصالح الآنية، لتدخل في نطاق أعمق يتعلق بالبنى الثقافية والرمزية التي تشكل وعي الجماعات وسلوكها. هنا يصبح من المفيد الاستعانة بأدوات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، خصوصاً ما قدمه إميل دوركهايم حول العقل الجمعي، وكلود ليفي-شتراوس حول البنى الثقافية العميقة التي تنظّم إدراك المجتمعات للعالم. العقل الجمعي والطاعة في زمن الخوف يرى دوركهايم أن كل مجتمع ينتج منظومة من القيم والمعتقدات المشتركة التي تُعرف بالعقل الجمعي. هذه المنظومة لا تحدد فقط ما يعتبره المجتمع صحيحاً أو خاطئاً، بل تمارس أيضاً قوة ضغط أخلاقية على الأفراد تدفعهم إلى الامتثال لما تعتبره الجماعة ضرورياً لبقائها. في أوقات الأزمات الوجودية أو الحروب، يميل العقل الجمعي إلى التشدد والانغلاق. فالمجتمعات التي تشعر بأنها مهددة تبحث عن رموز قوية قادرة على تنظيم خوفها الجماعي وتحويله إلى شعور بالتماسك. في هذه اللحظات تظهر التنظيمات العقائدية بوصفها حاملة للهوية الجماعية، لا مجرد فاعل سياسي. في هذا السياق يمكن فهم صعود حزب الله. فقد نجح الحزب في تقديم نفسه ليس فقط كتنظيم سياسي أو عسكري، بل كجسد رمزي يجسد كرامة جماعية مهددة. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الرمزية جزءاً من العقل الجمعي في البيئة التي نشأ فيها. هكذا يصبح الاعتراض على الحزب في نظر كثيرين اعتراضاً على الجماعة نفسها، وليس مجرد نقد لقرار سياسي. لكن دوركهايم يذكّرنا أيضاً بأن العقل الجمعي يمكن أن يتحول إلى قوة محافظة تقاوم المراجعة النقدية، خصوصًا عندما ترتبط القيم الجماعية بمؤسسات قوية أو مقدسة. عندها يصبح النقاش حول الخيارات السياسية والعسكرية شبه مستحيل، لأن المسألة تتحول من نقاش سياسي إلى مسألة هوية. من تعددية جبل عامل إلى مركزية المقاومة لفهم هذا التحول بشكل أعمق، من الضروري العودة إلى التاريخ الاجتماعي لمنطقة جبل عامل في جنوب لبنان. فقبل العقود الأخيرة من القرن العشرين، لم يكن المجتمع الشيعي في هذه المنطقة مجتمعاً أحادي البنية أو محكوماً بسردية سياسية واحدة. بل كان فضاءً اجتماعياً متعدد المرجعيات: علماء دين مستقلون، شبكات عائلية واسعة، تقاليد تعليمية، وهجرة نشطة نحو أفريقيا والأميركيتين أسهمت في خلق ثقافة اجتماعية منفتحة نسبياً. في تلك المرحلة، كان الانتماء الديني عنصراً مهماً في الهوية، لكنه لم يكن الإطار الوحيد الذي يحدد علاقة الفرد بالعالم. فقد عرفت الثقافة العاملية تاريخياً إنتاجاً علمياً وفكرياً لافتاً، وبرز منها علماء ومفكرون لعبوا أدواراً مؤثرة في الحياة الدينية والثقافية في المنطقة. غير أن الحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من احتلالات وصراعات مسلحة أعادت تشكيل هذا النسيج الاجتماعي. في هذا السياق المضطرب ظهر حزب الله بوصفه فاعلًا قادراً على تنظيم الخوف الجماعي وتحويله إلى مشروع سياسي وعسكري متماسك. تدريجياً، بدأت الهوية السياسية للجماعة تُعاد صياغتها حول فكرة مركزية واحدة: المقاومة. البنية الرمزية للهوية يساعدنا تحليل ليفي-شتراوس البنيوي على فهم هذا التحول الثقافي. فالثقافات، بحسب رؤيته، لا تعمل عبر أفكار منفصلة بل عبر بنى رمزية عميقة تنظّم إدراك المجتمع للعالم. هذه البنى غالباً ما تقوم على ثنائيات أساسية مثل: الداخل والخارج، الحماية والتهديد، الجماعة والعدو. في تجربة حزب الله أعيد تنظيم الهوية الجماعية حول ثنائية واضحة: المقاومة في مقابل العدو. هذه البنية الرمزية لا تعمل فقط في الخطاب السياسي، بل تتحول إلى إطار يفسر المجتمع من خلاله الأحداث اليومية. فالخسائر يمكن أن تُقرأ كتضحيات ضرورية، والأزمات كاختبارات للصمود، والانتقادات الداخلية كجزء من مؤامرة خارجية. بهذه الطريقة يعاد تفسير الواقع باستمرار بطريقة تحافظ على تماسك السردية الأساسية. لكن هذه البنية تحمل في داخلها أيضاً خطر الانغلاق. فعندما يُختزل العالم كله في ثنائية المقاومة والعدو، تضيق القدرة على رؤية التعقيدات السياسية والاجتماعية الأوسع. من حركة مقاومة إلى بنية سلطة اجتماعية مع مرور الوقت لم يبق حزب الله مجرد تنظيم عسكري أو حركة مقاومة، بل تحول إلى بنية سلطة اجتماعية متكاملة داخل البيئة الشيعية. فالحزب أسس شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والإعلامية والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى منظومة اقتصادية وخيرية واسعة. هذه الشبكة خلقت علاقة عضوية بين الحزب والمجتمع، بحيث أصبح حضوره جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الناس. بهذا المعنى لم يعد الحزب مجرد قوة سياسية يمكن دعمها أو معارضتها، بل أصبح إطاراً اجتماعياً ينظم مجالات متعددة من حياة المجتمع. هذا التحول عزز قدرته على ترسيخ البنية الرمزية التي يقوم عليها خطابه. لكنه في الوقت نفسه عمّق التداخل بين الهوية الجماعية والتنظيم السياسي، ما جعل أي نقد للحزب يبدو وكأنه تهديد للجماعة نفسها. غير أن هذه القراءة السوسيولوجية لا تعني إعفاء الحزب من المسؤولية السياسية والأخلاقية. فالتنظيم الذي يضع نفسه في موقع الممثل الحصري لجماعة ما يتحمل أيضاً مسؤولية الكلفة التي تدفعها هذه الجماعة نتيجة خياراته. وعندما تؤدي هذه الخيارات إلى حروب متكررة، أو إلى تهجير السكان، أو إلى تعريض المجتمع لمخاطر دائمة، يصبح من المشروع طرح سؤال أساسي: هل ما زالت هذه الاستراتيجية تحمي المجتمع، أم أنها أصبحت جزءاً من الأزمة التي يعيشها؟ لحظة المراجعة التاريخ الاجتماعي يبيّن أن المجتمعات لا تبقى أسيرة بناها الرمزية إلى الأبد. فعندما تتراكم التناقضات بين الخطاب والواقع، يبدأ العقل الجمعي نفسه بالتغير. هذه العملية بطيئة وغالباً غير مرئية في بدايتها، لكنها تشكل نقطة التحول الحقيقية في تاريخ الجماعات. قد يكون ما يمر به لبنان اليوم أحد هذه المنعطفات. فالإرهاق الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والتهجير الواسع كلها عوامل تدفع الناس إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والسلاح، وبين الحماية الموعودة والكلفة الفعلية. إن السؤال الذي يواجه المجتمع اللبناني اليوم ليس فقط سؤال الأمن أو السياسة، بل سؤال أعمق: كيف يمكن إعادة تعريف الكرامة والحماية خارج منطق الحرب الدائمة. فالمجتمع الذي يُطلب منه التضحية بلا نهاية قد يبدأ، في لحظة ما، بالبحث عن شكل آخر من أشكال الأمان، شكل يقوم على الدولة والقانون، لا على السلاح والولاء.

حتى لا يتكرّر خطأ العام 2005
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر
مارس 4, 2026 - 12:59

إن قرار حكومة سلام القاضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـحزب الله ومعاقبة الضالعين فيها هو بلا شك قرار تاريخي، إلّا أنّه يظلّ دون المستوى المطلوب نظراً إلى الانحدار نحو الجحيم الذي استدرج إليه التنظيم الموالي لإيران لبنان، مرّة جديدة. هو قرار تاريخي لكونه يكسر تقليداً لبنانياً طويلاً من الانكفاء والمهادنة السياسية، اللذين بررهما تارةً التخوف من الفتن الداخلية، وطوراً الانتهازية السياسية، حيال هذا التنظيم الذي نجح، على مرّ السنين، في فرض هيمنته على البلاد وبناء هيكلية أمنية وعسكرية تفوق في حجمها مقدّرات الدولة اللبنانية. هو قرار غير كافٍ، لأنّه لا يُمكّن السلطات من انتشال البلاد والعباد من الخطر الذي يمثّله هذا التنظيم، الذي لا يفتأ قادته وعناصره يبرهنون أنّ لبنانيّتهم لا تتعدى كونها مجرّد «قيد» على الهوية. ذلك أنّ حزب الله كان ولا يزال أحد أبرز الأذرع العسكرية العابرة للحدود التابعة لنظام الملالي في إيران. وخير دليل على ذلك، إن كان لا يزال ثمة حاجة إلى دليل، هو انخراطه المتوقع في الحرب بين إيران والتحالف الإسرائيلي-الأميركي، فضلاً عن رد فعله على قرارات الحكومة بحظر أنشطته العسكرية. فقد سارع قادته إلى التصعيد؛ إذ ندد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بما أسماه «إجراءات ترهيبية» و«قرارات متهورة». وإذ أقرّ للدولة بحقها في قرار الحرب والسلم، إلا أنه اتهم حكومة سلام بـ «استهداف أولئك الذين يرفضون الاحتلال الإسرائيلي». ومن جهته، عاب نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي على الحكومة «صمتها حيال الاحتلال»، وسعيها إلى «إضعاف الحزب الذي يمثل قوة لبنان»، و«انتهاك القانون الدولي الذي يمنح الشعوب حق مقاومة الاحتلال». بيدَ أنّ هذه السردية لم تعد تنطلي على أحد، تماماً كما هي حال دوافع حزب الله وأهدافه. فانخراط الحزب اليوم في هذه الحرب الانتحارية، التي لن يخرج منها سليماً، يندرج حصراً في إطار الردود الانتقامية التي توعّد بها الحرس الثوري الإيراني، عقب تأكيد وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في الأول من آذار، إثر غارات إسرائيلية-أميركية واسعة استهدفت مقره في طهران في الثامن والعشرين من شباط. كما تأتي هذه الحرب امتداداً لتهديدات إيران المتكررة للولايات المتحدة، ومفادها أنّ أي هجوم يستهدف الجمهورية الإسلامية من شأنه أن يشعل المنطقة بأسرها. ويبدو أنّ طهران قد وفت بوعيدها، وهي تستخدم اليوم أذرعها الإقليمية لتعدد الجبهات غير المباشرة، محولةً عمليةً موجهةً إلى مواجهة شاملة. وإلا، فكيف يمكن تفسير الهجوم بمسيرات استهدف قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص ليل الأحد-الاثنين؟ فقد أفادت وسائل إعلام غربية، نقلاً عن مسؤول قبرصي، أنّ المسيرتين إيرانيتا الصنع انطلقتا من لبنان، في وقت كانت فيه لندن قد سمحت للتو لواشنطن باستخدام قواعدها في الجزيرة المتوسطية في إطار هجومها على إيران. ولا بدّ من الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي يهاجم فيها الحزب قبرص ــ وهو الذي لم يؤكد هذه الاتهامات ولم ينفِها - لكنها ليست المرة الأولى التي يهددها فيها. ففي حزيران 2024، كان الأمين العام السابق للتنظيم، حسن نصرالله، الذي اغتالته إسرائيل في أيلول من العام نفسه، قد هدد نيقوسيا بالرد إذا ما سمحت الجزيرة لتل أبيب باستخدام مطاراتها أو قواعدها العسكرية لضرب لبنان. أما اليوم، فلا إسرائيل هاجمت لبنان من قبرص، ولا نيقوسيا فتحت قواعدها للدولة العبرية؛ فما كان من حزب الله إلا أن ثبّت، مرة جديدة، كونه أداة طيعة بيد النظام الإيراني. تعزيز قرارات الاثنين هل تملك الدولة الوسائل الملموسة لمنع حزب الله من القيام بأنشطته الحربية؟ الجواب هو «لا». فبإمكانها عرقلتها، من خلال اعتقال مطلقي الصواريخ على سبيل المثال، لكنها لا تستطيع منعها كلياً، نظراً إلى الإمكانات الهائلة التي تضعها إيران تحت تصرف «ربيبتها»، وإلى بنية هذا التنظيم نفسه الذي يمتلك عدداً كبيراً من المقاتلين. والأهم من ذلك، لأنّ لبنان ليس مستعداً بعد لخوض عملية واسعة النطاق لتفكيك الهيكلية العسكرية لـلحزب برمّتها. بالمقابل، يمكن للدولة أن تعزز القرارات المتخذة يوم الاثنين عبر تدابير سياسية أخرى، من شأنها أن تمنحها مزيداً من الصدقية في عيون اللبنانيين المشككين كما في نظر المجتمع الدولي، الذي لا يزال ينتظر من بيروت الوفاء بالتزاماتها لجهة بسط سيادتها على كامل أراضيها. ولتحقيق ذلك، لا بدّ للدولة أن تملك شجاعة اتخاذ القرار، وأن تكفّ عن التغاضي عن الإرهاب، ولو كان لفظياً، الذي يمارسه الحزب بحق الدولة واللبنانيين الذين لا يشاطرونه توجهاته. إنّ أنشطة حزب الله وتصريحات مسؤوليه العدائية، بذريعة الدفاع عن لبنان ضد احتلال تسببوا هم فيه، تقع تحت طائلة القانون، لكونها غير مرخّصة من الدولة. فالمسؤولية الأولى لهذه الأخيرة هي حماية مواطنيها، وليس حماية تنظيم عسكري يواصل مصادرة حقّ جرّ لبنان وشعبه إلى حروب تدميرية، ويعتبر نفسه منذ زمن فوق القانون، مستفيداً من حصانة تثير الاشمئزاز. قلب المعادلات تملك السلطات اللبنانية مروحة من الوسائل لقلب المعادلات: - على الصعيد القانوني أولاً: ما الذي يمنع مباشرة ملاحقة قضائية في وجه التهديدات التي يطلقها دورياً الأمين العام للحزب نعيم قاسم، أو كبار كوادره، رفضاً لنزع سلاحه؟ في لبنان، أُنشئ المجلس العدلي، وهو محكمة استثنائية أحكامها مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق الطعن، للنظر في القضايا المتعلقة بالجرائم الماسة بأمن الدولة. فهل من اعتداء أخطر من ذلك الذي يتعرض له اللبنانيون منذ سنوات على يد ميليشيا جوهر وجودها خدمة مصالح إيران؟ وهل من الطبيعي أن تُجَرّ البلاد إلى حروب تدميرية ترفضها، على يد تنظيم يدين بالولاء لدولة أجنبية؟ - على الصعيد السياسي ثانياً: فمن الأهمية بمكان اليوم ألا تكرر الدولة اللبنانية الخطأ الجسيم الذي ارتكبته عام 2005. حينها، وفي أعقاب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية، لم يتم تفكيك المنظومة الأمنية-السياسية الموالية لسوريا، والتي كان حزب الله جزءاً لا يتجزأ منها. لقد فضّلت المعارضة آنذاك، بتشجيع من المجتمع الدولي، إعطاء الأولوية للانتخابات النيابية التي كانت مقررة بعد بضعة أشهر، لتضيع بذلك على لبنان فرصة تاريخية سانحة. وكانت عواقب هذا الخطأ في الحسابات كارثية؛ إذ استهدفت موجة من التفجيرات والاغتيالات السياسية (التي لم تصل تحقيقاتها إلى أي نتيجة، ووُجهت فيها أصابع الاتهام إلى الحزب) رموزاً من المعارضة. وبذريعة ضمان الاستقرار، عُقد تحالف انتخابي عُرف بـ«التحالف الرباعي»، ضمّ تيار المستقبل برئاسة الزعيم السني سعد الحريري، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وحزب الله وحليفه الشيعي حركة أمل. وإذ انهار هذا التحالف بعد عام واحد، إلا أنه سمح في هذه الأثناء للحزب بفرض نفسه بقوة في البرلمان، والدخول للمرة الأولى إلى الحكومة. ومع خروج السوريين، تبدلت استراتيجية حزب الله؛ إذ لم يعد يكتفي بتمثيل غير مباشر في الحكومة عبر وزراء حركة أمل، حرصاً منه على الحفاظ على قبضته وقبضة المحور الذي ينتمي إليه على البلاد، بل أراد أن يصبح شريكاً كاملاً في السلطة التنفيذية. وقد نال ما أراد، ولكن بالنسبة إلى لبنان واللبنانيين، كانت تلك نهاية حقبة من الأمل وبداية رحلة جديدة في غياهب الجحيم. اليوم، تتبلور دينامية إقليمية جديدة، تختلف عن تلك التي شهدناها عام 2005، بل هي أكثر حسمًا وتأثيرًا. ولكن، وكما كانت الحال حينها، فإنها تنذر بأثمان باهظة للحزب، في حين قد تشكل طوق نجاة للبنان. فهل ستعرف السلطات كيف تغتنم هذه الفرصة وتتحرر من رهاب ردود فعل حزب الله، لتحرير البلاد من النفوذ الإيراني المدمر؟ لا أحد يطلب منها إعلان الحرب على ميليشيا لن تتوانى عن توجيه سلاحها إلى صدور اللبنانيين، كما فعلت عام 2008؛ بل كل ما نطلبه هو الكفّ عن سياسة كسب الوقت والمراهنة على أن المشكلة ستجد طريقها إلى الحل من تلقاء نفسها. على مدار الأشهر الأخيرة، جاءت خيبة أمل اللبنانيين ــ الذين آمنوا بوعود الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بشأن نزع سلاح الميليشيات واستعادة السيادة في إطار دولة القانون ــ على قدر الآمال العريضة التي عقدوها عليهما.

خامنئي، قائد حازم لا يعرف المساومة
بقلم
LevantTime .
نُشر
مارس 1, 2026 - 23:31

منذ عام ١٩٨٩، تولى آية الله علي خامنئي زمام الحكم في إيران، ومثّل على مدى أكثر من ثلاثة عقود استمرارية الفكر الإسلامي للجمهورية الإسلامية ومواجهتها المعلنة للولايات المتحدة - "الشيطان الأكبر" - وإسرائيل، التي تُعتبر عدوها اللدود. في سن السادسة والثمانين، كان المرشد الأعلى أطول الزعماء خدمةً في الشرق الأوسط. مرتدياً عمامة "السيد" السوداء، رمزاً لنسبه المزعوم إلى النبي محمد، ركّز معظم السلطة في يديه. وبصفته رئيساً للنظام الثيوقراطي الإيراني، كان له السلطة المطلقة على الشؤون الدينية والسياسية والعسكرية. هيمنت صورته على الأماكن العامة في البلاد، بينما ظلّت مسألة خلافته من المحرّمات. تولّى علي خامنئي أعلى منصب في يونيو ١٩٨٩، عقب وفاة آية الله روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية. في ذلك الوقت، كان على وشك بلوغ الخمسين من عمره. كان صعوده إلى السلطة سلسًا: رئيسًا للجمهورية لثماني سنوات شهدت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، عزز مكانته بظهوره المتكرر بالزي العسكري على الجبهات، مما رسخ صورته كقائد ملتزم. انتهاكات حقوق الإنسان تخللت عقود حكمه أزمات كبرى. ففي عام 2009، طعنت الحركة الخضراء في إعادة انتخاب الرئيس المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد، الذي اعتُبر مزورًا. وفي عام 2022، أشعلت انتفاضة "نساء، حياة، حرية" البلاد بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها، بتهمة ارتداء الحجاب بشكل غير لائق. ومؤخرًا، وصف المرشد الأعلى المظاهرات الحاشدة التي اندلعت في يناير الماضي بأنها محاولة انقلاب. سارع خامنئي إلى إدانة ما وصفه بـ"المؤامرات" التي دبرتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وساوى بين الاحتجاجات و"الفتنة"، مُبرراً بذلك حملة قمع وحشية ودموية. وقد تعرضت الجمهورية الإسلامية لانتقادات متكررة من المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة لانتهاكاتها لحقوق الإنسان. وُلد خامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 في مشهد، لعائلة أذربيجانية متواضعة، وهو ابن إمام، ودرس في مراكز المذهب الشيعي في النجف (العراق) وقم (إيران). وأدت معارضته للشاه محمد رضا بهلوي إلى سجنه عدة مرات في الستينيات والسبعينيات. وبصفته تابعاً مُخلصاً للخميني منذ عام 1958، عُيّن عام 1980 إماماً لصلاة الجمعة في طهران، وهو منصب بالغ الأهمية. وفي العام التالي، انتُخب رئيساً، بعد أشهر قليلة من نجاته من محاولة اغتيال أدت إلى شلل جزئي في يده اليمنى. خطيبٌ مُحنّك عاش حياةً زاهدةً للغاية، ونادرًا ما سافر إلى الخارج. وكانت أبرز رحلاته إلى الولايات المتحدة عام ١٩٨٧ لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. أقام في منزلٍ متواضع نسبيًا في وسط طهران. وخلال الغارات الجوية الإسرائيلية في يونيو ٢٠٢٥ التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، لجأ إلى مكانٍ سري. ومنذ حرب الأيام الاثني عشر، لم تعد تُبثّ خطاباته العامة مباشرةً. دولةٌ داخل الدولة تحت قيادته، تحوّل مكتب المرشد الأعلى إلى هيكلٍ قويّ، يُشبه دولةً داخل الدولة. أشرف على ستة رؤساء ذوي توجهاتٍ سياسيةٍ مُختلفة، من الإصلاحيين محمد خاتمي وحسن روحاني إلى المحافظين محمود أحمدي نجاد وإبراهيم رئيسي. خلال فترة ولايته، عزّز الحرس الثوري قبضته على الحياة السياسية والاقتصادية، ووسّع نفوذ طهران الإقليمي، لا سيما في لبنان والعراق وسوريا. إلا أن هذا "المحور المقاوم" قد ضعف بعد هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاه من رد إسرائيلي. وقد تميز خامنئي بخطابه الحاد ضد إسرائيل، التي وصفها عام 2018 بأنها "ورم خبيث" يجب استئصاله. كما أثار جدلاً واسعاً بوصفه إبادة اليهود خلال الحرب العالمية الثانية بأنها "خرافة". وفي الآونة الأخيرة، هدد بمهاجمة حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" المتمركزة في الخليج، مؤكداً أن واشنطن لن تنجح في إسقاط الجمهورية الإسلامية. وعلى الصعيد الاقتصادي، ظلت إيران تعاني من الضعف خلال فترة حكمه بسبب العقوبات الدولية، على الرغم من انتعاش طفيف في التسعينيات وبعد اتفاق 2015 الذي ينظم البرنامج النووي الإيراني. خلافة صعبة وعلى عكس ما هو معروف لدى عامة الناس، فقد كان المرشد الأعلى شغوفاً بالأدب. كان من أشد المعجبين بفيكتور هوغو وروايته "البؤساء"، التي وصفها بأنها "رائعة" لما فيها من تمجيد للخير والحب، وكان أيضًا عاشقًا للشعر، وهو شغف ورثه عن والدته. قبل الثورة، ترجم أعمالًا عربية ونظم قصائد شعرية بنفسه. في عام ٢٠١٩، نشرت وزارته صورة له وهو يبتسم في معرض إيران للكتاب. في طهران، كان يتصفح مجموعة قصائد لأحمد شاملو، الشاعر الماركسي الذي طالما نبذته السلطات. كان أباً لستة أبناء، وكان يرى باستمرار تكهنات حول خلافته. ابنه مجتبى، رجل دين نافذ دون منصب رسمي، كان يُطرح أحياناً كخليفة محتمل، وهي فرضية رفضها المرشد الأعلى علناً.

ترامب وإسرائيل يؤكدان أن خامنئي قُتِلَ
بقلم
LevantTime .
نُشر
فبراير 28, 2026 - 20:08

بدأت الشائعات تتداول بعد وقت قصير من بدء الغارات الأمريكية الإسرائيلية التي شنت في وقت مبكر من صباح السبت 28 فبراير ضد إيران. وقع الهجوم الأكثر عنفًا في طهران، وبشكل خاص ضد المقر الواسع للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، الإمام علي خامنئي، والذي استُهدف بـ 30 قنبلة من العيار الثقيل. دمرت الغارة المركز السكني بالكامل. وسارعت السلطات الإيرانية إلى الإشارة إلى أن الإمام خامنئي قد نُقل إلى «مكان شديد التحصين». وبحلول الظهر، أشارت إحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية إلى أن «جميع الاتصالات مع خامنئي انقطعت منذ عدة ساعات». وفي وقت لاحق، في بداية فترة ما بعد الظهر، أشارت القناة التلفزيونية إلى أنه «من غير المرجح جدًا، بل شبه المستحيل، أن يكون المرشد الأعلى قد نجا دون إصابة من الغارة الجوية». وبعد ساعتين، أكد نفس المصدر أن الأدلة على وفاة خامنئي أصبحت تتزايد. تصاعدت الشائعات التي تؤكد مقتل الإمام خامنئي في غارة صباح السبت حتى وقت متأخر من المساء عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علناً أن المرشد الأعلى الإيراني قد قُتل بالفعل. تسببت أنباء وفاته في مظاهرات شعبية احتفالية في عدة أحياء من طهران في وقت متأخر من المساء. قبل منتصف الليل بقليل، نفت مصادر إيرانية موثوقة هذه الأنباء بشكل قاطع، بل ذهبت إلى حد التأكيد على أن الإمام خامنئي سيتوجه إلى الإيرانيين قريباً. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن سيناريو مطابقاً تماماً، حافظ على الغموض ونشر معلومات ثبت أنها خاطئة تماماً، قد طُبق بعد وفاة حسن نصر الله والرئيس الإيراني الأسبق. بعد ساعات قليلة من بدء الهجمات الجوية التي شنتها الطائرات والبحرية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران صباح السبت 28 فبراير، ساد الغموض التام بعد ظهر السبت بشأن مصير العديد من كبار قادة نظام الملالي، بمن فيهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي. في بداية الغارات، أشارت مصادر إسرائيلية إلى أن سلسلة اغتيالات استهدفت مسؤولين كبار. في بداية فترة ما بعد الظهر، ذكرت إحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية أن «الاتصال مع خامنئي قد انقطع منذ عدة ساعات». وذكرت القناة نفسها بعد ذلك بوقت قصير أن «احتمال نجاة خامنئي دون إصابة» من الغارة التي دمرت مقر إقامته في طهران «ضئيل جدًا، بل معدوم». في منتصف فترة ما بعد الظهر، أكد نفس المصدر أنه من المرجح بشكل متزايد أن خامنئي قد قُتل. إلا أن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، نفى المعلومات حول وفاة خامنئي، موضحًا أنه «حسب علمه» فإن المرشد الأعلى على قيد الحياة. وفي منتصف فترة بعد الظهر، أفادت وكالة رويترز بمقتل وزير الدفاع الإيراني وقائد الحرس الثوري ورئيس الاستخبارات العسكرية. وفي موازاة ذلك، سقطت صواريخ إيرانية بشكل متقطع في دبي (حتى المساء)، وفي قطر، والرياض، وكذلك في الكويت حيث استهدفت طائرة مسيرة المطار الدولي. في بداية المساء، أعلن الجيش الإسرائيلي أن طائراته تنفذ غارات مكثفة «ضد مئات المواقع العسكرية الإيرانية». وفي وقت سابق من الصباح، كانت مراكز قيادة الحرس الثوري، والاستخبارات العسكرية، بالإضافة إلى بعض الوزارات في طهران هي أهداف الغارات الجوية. هذه القصفات التي تستهدف البنية التحتية للسلطة الإيرانية تشكل، بحسب مصدر إسرائيلي مأذون به، «مرحلة أولى ستمتد على مدى أربعة أيام»، مما يشير إلى أن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي من المتوقع أن يتخذ نطاقًا واسعًا في الأيام القادمة.          

الصراع الإيراني - الأميركي: لسنا في عام 2015 إبان عهد أوباما

لقد دفع دونالد ترامب للتو بالقوات الأميركية في عملية واسعة النطاق ضد النظام الإيراني. نحن هنا أمام مواجهة حقيقية وأصيلة، لا هي بالهجوم الصوري ولا بمجرد طلقة تحذير؛ إنّ وجه الشرق الأوسط مقبلٌ على تغيير جذري. وبصريح العبارة، فإن غطرسة «آيات الله» هو الذي سيودي بهم. ومن باب الدلالة، كانت الولايات المتحدة قد وجّهت لإيران، قبل أيام قليلة، إهانةً آثر «آيات الله» التكتم عليها. فخلال المشاورات الأخيرة التي عُقدت الخميس في جنيف برعاية عُمانية، قطع المفاوض الأميركي ستيف ويتكوف المداولات فجأة، وانسحب من الاجتماع بذريعة ارتباطاتٍ لا بد من إتمامها؛ ليتضح لاحقاً أنه توجه بالفعل إلى الضفة الأخرى من بحيرة ليمان للقاء وفدٍ أوكراني. تجرّع السمّ يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة حجم الاستياء الذي اعتمر عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني؛ فقد تمّ التعامل مع هذا «السليل» للإمبراطورية الأخمينية، من عهود كورش وداريوس، كما لو كان نكرة. ورغم مرارة الإهانة، آثر رئيس الدبلوماسية الإيرانية كظم غيظه، معلناً إحراز «تقدم جيد» في محادثات وصفها بأنها «واحدة من أطول وأكثر جولاتنا التفاوضية حدة. وأعلن عراقجي أيضاً أن اتصالات جديدة ستتم خلال أقل من أسبوع. وهو ما سارع الوسطاء العمانيون إلى تأكيده، سعياً لتهدئة الأجواء، مشيرين أن المفاوضات ستستأنف على المستوى التقني الأسبوع المقبل في فيينا. إلا أنّ نبرة التفاؤل التي أبداها هؤلاء تتناقض مع الوقائع؛ فمن الواضح أنّ المقترحات الإيرانية قد خيّبت الفريق الأميركي. والدليل على ذلك، قِصَر مدة الجلسة الثانية التي انسحب منها المبعوث الخاص لدونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، تحت ذريعة واهية. الأزمنة تغيّرت لقد جرت المداولات تحت وطأة التهديد بضربة وشيكة، وجاءت تطورات هذا السبت، 28 من شباط، لتؤكد جديّة التهديدات الأميركية. إن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة غير مسبوق، إذ يضمّ مجموعتين جو-بحريتين ضاربتين، تقودهما حاملات طائرات، و200 طائرة مقاتلة، وطائرات للتزويد بالوقود جوّاً، فضلاً عن غواصات مزودة بصواريخ توماهوك... ناهيك عن 50 ألف جندي! إننا اليوم بعيدون كل البعد عما كان عليه الوضع بين عامي 2013 و2015 في عهد باراك أوباما، الذي لم يكن يُضمر عداءً مبدئياً حيال إيران. ومن باب الدلالة، فإن جون كيري، الذي خلفَ هيلاري كلينتون في الخارجية عام 2013، سارع فور توليه منصبه إلى إرسال «رسالة لمن يهمه الأمر»، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لتغيير نهجها تجاه طهران. فقد كانت واشنطن آنذاك مستعدة للاعتراف، فعلياً على الأقل، بشرعية البرنامج النووي الإيراني، والعدول عن شرط تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم؛ وهو المطلب الذي كان يحول دون التوصل إلى أي اتفاق طوال سبع سنوات. وقد آلت تلك المفاوضات حينذاك، في 14 تموز/يوليو 2015، إلى إبرام ما عُرف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة». غير أن تلك لم تكن نهاية المطاف؛ إذ انسحب دونالد ترامب من الاتفاق المذكور خلال ولايته الأولى، ليعود كل شيء إلى نقطة الصفر، ولكن هذه المرة، في ظل حاملات الطائرات! ومع ذلك، تبقى الأعوام الممتدة من 2013 إلى 2015 بمثابة «حقبة مباركة» في ذاكرة المفاوضين الإيرانيين، يوم كانت لهم اليد الطولى؛ فقد أظهروا حينها احترافية وصلابة مكنتهم من حصد النجاح تلو الآخر. آنذاك، كان وزير الخارجية محمد جواد ظريف يتحدث بنبرة واثقة ومسموعة، ولم يكن لنظيره الأميركي جون كيري أن يجرؤ يوماً على ارتكاب «فظاظة» ديبلوماسية تضاهي ما أقدم عليه ويتكوف. ترامب... بوجه «أمير الحرب» لقد أدى التدخل الأميركي صباح يوم السبت إلى قلب الطاولة، ليطلّ دونالد ترامب بمظهر «قائد الحرب». لطالما أسهب المحللون في الحديث عن غرائز «رجل الأعمال» الذي يتجنب الصدام؛ وبصراحة، لم يكن هو نفسه بعيداً عن تعزيز هذا الانطباع. ألم يُوحِ دائماً بتردده في «اجتياز الخطوط الحمر»؟ لكن الصفحة طُويت الآن، وتكشّف الوجه الحقيقي. لقد أتت «الضبابية الاستراتيجية» ثمارها، وما على القادة الإيرانيين اليوم إلا تجرّع مرارتها.

هجوم اسرائيلي-أمريكي على ايران: الهدف، "ازالة نظام الملالي"

كان الشعب الإيراني، ومعه شعوب أخرى في منطقة المشرق، ينتظر منذ عقود هذا اليوم الحاسم. فالغارات الجوية المكثفة التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل فجر السبت 28 شباط/فبراير لا تبدو مجرد ضربة عابرة ومحدودة زمانًا ومكانًا، بل توحي بأنها تمهيد لهجوم شامل وجذري، عسكريًا وسياسيًا، ضد نظام الملالي الحاكم في طهران. هذا ما يستشفّ من اتساع رقعة الغارات الأميركية–الإسرائيلية وحجمها، ولا سيما من الخطاب المتلفز والمذاع الذي ألقاه الرئيس الأميركي صباحًا (ويرجّح أنه سُجّل مساء الجمعة). وبصراحته المعهودة، رسم الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض الخطوط العريضة للعملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “درع يهوذا” في إشارة إلى حماية إلهية. وفي امتداد لمواقفه الصارمة والحادة التي عبّر عنها في الأيام الأخيرة حيال النظام الإيراني، وخصوصًا خلال خطابه عن حال الاتحاد، أعلن ترامب في رسالته المتلفزة أن الولايات المتحدة أطلقت هجومًا «واسع النطاق» على إيران، مؤكدًا أن العملية “ستتواصل لمنع إيران من تشكيل تهديد لأميركا”. ولإبراز البعد الجيوستراتيجي للهجوم، شدد الرئيس الأميركي على أن “وكلاء إيران لن يشكلوا بعد اليوم أي تهديد للمنطقة”، في إشارة واضحة إلى أذرع الحرس الثوري الإيراني في لبنان (عبر حزب الله) والعراق واليمن. وفي ما يخص لبنان، ذكّر ترامب – في سابقة لرئيس أميركي – بأن حلفاء إيران هم من نفذوا الهجوم على قوات المارينز الأميركية في بيروت عام 1983، مشيرًا إلى أن العملية التي دبّرها نظام الملالي أوقعت 241 قتيلًا في صفوف الجنود الأميركيين. وكان ترامب واضحًا بصورة لافتة في تحديد أهداف هجوم 28 شباط/فبراير، إذ قال: “سنُدمّر الصواريخ الإيرانية، وسنسحق القوة البحرية الإيرانية. أدعو الحرس الثوري إلى إلقاء السلاح، فإن فعلوا سيكونون في أمان، وإلا فسنُدمّرهم”. وأضاف مخاطبًا النظام: “ألقوا السلاح، وستنالون العدالة”. بمعنى آخر، يطالب الرئيس الأميركي باستسلام كامل للنظام، ما يعني عمليًا سقوطه والقضاء عليه، وبالتالي إعادة رسم المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بصورة جذرية. وفي رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني، قال ترامب: “ساعة تحرركم باتت قريبة”. وهي رسالة تلقفها سريعًا سكان منطقة الأحواز في جنوب غربي إيران، ذات الغالبية العربية، فسارعوا قبل ظهر اليوم نفسه إلى إعلان تمرد ضد السلطة المركزية “الفارسية” للملالي. من جهته، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقل وضوحًا، إذ أكد خلال مؤتمر صحافي أن الهدف الإسرائيلي هو إحداث تغيير في النظام في طهران، من دون مواربة. توسّع العمليات العسكرية وفي مؤشر إلى أن الهجوم ليس محدودًا أو ظرفيًا، لم تقتصر الغارات الجوية على طهران، بل شملت مدنًا كبرى عدة، يُرجّح أنها استهدفت منظومات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى. ومن بين المدن المستهدفة: قم، تبريز، كرمنشاه، أصفهان، خرم آباد، كرج وغرم دره. وردًا على ذلك، أطلق الحرس الثوري قرابة ثلاثين صاروخًا بالستيًا باتجاه شمال إسرائيل وتل أبيب والقدس. واللافت أن الصواريخ الإيرانية طالت أيضًا، وإن على نطاق محدود، كلًا من قطر والكويت والبحرين وأبوظبي ودبي والأردن وحتى الرياض. وبررت طهران هذه الضربات بأنها استهدفت قواعد أميركية، علمًا أن هذه القواعد كانت قد أُخليت قبل أيام عدة من قبل الجيش الأميركي. موقف الدولة اللبنانية وفيما كانت العمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية مستمرة ضد نظام طهران، أصدر كل من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام بيانين منفصلين شددا فيهما صراحة على ضرورة إبقاء لبنان بعيدًا كليًا عن أتون الصراع، في رفض واضح لأي محاولة من حزب الله للانخراط في المعركة الدائرة. بدوره، أكد وزير الخارجية جو رجي الموقف ذاته، معلنًا بوضوح: “مصلحة لبنان يجب أن تعلو فوق أي اعتبار آخر… حياد، حياد، حياد”.

صمود اوكرانيا يحبط رهانات بوتين
بقلم
روجيه بركه
نُشر
فبراير 27, 2026 - 11:52

تدخل الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت بالغزو الروسي في 24 فبراير 2022، عامها الخامس. كان الهدف الأولي لهجوم موسكو هو الإطاحة بالدولة الأوكرانية في غضون أيام قليلة، لكنه واجه مقاومة شرسة من الأوكرانيين وتعبئة هائلة من الغرب لمساعدتهم. لقد تسبب أسوأ صراع على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية في مقتل وإصابة مئات الآلاف، بينما اتجه ملايين اللاجئين الأوكرانيين نحو المنفى. بمناسبة الذكرى الرابعة لاندلاع هذا الصراع، ليفانت تايم أجرت مقابلة مع قسطنطين سيغوف، فيلسوف ومدير مركز الدراسات الأوروبية في جامعة موهيلا في كييف ودار النشر دوخ إي ليترا (الروح والرسالة). «بعد أربع سنوات من بداية الغزو الروسي واسع النطاق، أول ملاحظة هي أن أوكرانيا صمدت، ولم تتراجع على الإطلاق»، يؤكد السيد سيغوف على الفور. «لقد انتصرت حتى في معركة كييف، بينما قبل أربع سنوات بالضبط، في 24 فبراير 2002، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقتنعًا بأن هذه المعركة ستحسم في ثلاثة أيام»، يؤكد، مرددًا تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي كان يستقبل رؤساء الدول والحكومات من الدول الحليفة لأوكرانيا في كييف. «كل ما عانته أوكرانيا يجب ألا يُترك، ولا يُنسى، ولا يُخون»، صرح السيد زيلينسكي في خطاب للأمة. ويذكر السيد سيغوف أن أوكرانيا تقاوم منذ اثني عشر عامًا، منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. «أوكرانيا لا تدافع عن أراضيها فقط، بل تدافع عن مبدأ مطبق بشكل خاص اليوم في الشرق الأوسط، ولدى جيراننا الأوروبيين، وهو أن الحدود يجب ألا تتغير بالقوة والعنف». لكن هذه المرونة مهددة بتغير السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا وحلفاء الناتو. صحيح أن قادة دول مجموعة السبع، بمن فيهم دونالد ترامب، أكدوا الثلاثاء الماضي "دعمهم الثابت لأوكرانيا"، بينما حث حوالي ثلاثين من قادة الدول الحليفة لكييف روسيا على قبول "وقف إطلاق نار كامل وغير مشروط". من جانبها، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 24 فبراير قراراً يؤكد دعمها لكييف وسلامتها الإقليمية: تم تبني النص بـ107 أصوات مؤيدة، و12 معارضاً، و51 امتناعاً عن التصويت... بما في ذلك الولايات المتحدة، لأن النص يؤكد "الالتزام الراسخ بسيادة أوكرانيا واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية داخل حدودها المعترف بها دولياً". لا يرغب الأمريكيون في الإشارة إلى «سلامة أوكرانيا الإقليمية والقانون الدولي لتجنب الضغط على مفاوضات السلام الجارية». معركة استقلال أوروبا قبل عام، بعد شهر من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، دفعت الولايات المتحدة بموافقة مجلس الأمن، وبدعم روسي، قرارًا يطالب بسلام سريع، ولكن دون ذكر سلامة أراضي أوكرانيا، مما أثار استياء حلفاء كييف الأوروبيين. أشاد السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا بالجهود الدبلوماسية للرئيس ترامب، مؤكداً أن روسيا شاركت "بحسن نية" في المفاوضات. وكان نفس فاسيلي نيبينزيا حاضراً في اجتماع المجلس في 24 فبراير 2022. وكان يدافع بشدة عن نوايا بلاده الحسنة بينما كان 150 ألف جندي روسي يتجمعون على حدود أوكرانيا، قبل أن يقاطعه نظيره الأوكراني، وهو يبكي بعد أن أبلغته حكومته بأن الجيش الروسي اخترق الجبهة... عندما سُئل عن التعليق على هذا الواقع الجديد، أي الجفاف التام للمساعدات المالية والعسكرية في عهد بايدن، يذكّر السيد سيغوف بأن الاستطلاعات تظهر أن غالبية الأمريكيين يرغبون في دعم أوكرانيا بشكل أكبر. وهو عامل، خاصة عشية انتخابات الكونغرس الأمريكي، يجب أن يؤخذ على محمل الجد من قبل إدارة ترامب. وهكذا تعول كييف على الأشهر القادمة التي ستكون حاسمة. ويشير السيد سيغوف أيضاً إلى الدور «الحاسم» للعقوبات الاقتصادية: «الأهم هو حرمان روسيا من قدرتها على الإيذاء. وإذا حددت أوروبا هذا الهدف بوضوح، فسيصبح الحل ممكناً». وأضاف: «يمكن القول بشكل عام إن المعركة من أجل استقلال أوكرانيا، اليوم، أصبحت معركة من أجل استقلال أوروبا. الاستقلال عن الغاز والنفط الروسي، ولكن أيضاً عن السيطرة الأمريكية. وبهذا المعنى، لفترة طويلة، أوكرانيا وأوروبا والدول الديمقراطية بشكل عام في نفس القارب». وعي حقيقي «في الوقت الحالي، نشهد وعيًا حقيقيًا. أعتقد أنه كان واضحًا خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، أن الدول الاسكندنافية، ومعها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بالطبع، حساسة لهذا النهج. ولكن هناك تأخير فظيع في اتخاذ القرارات، وخاصة تلك المتعلقة بـ«أسطول الأشباح الروسي»، وهي ناقلات النفط التي تستخدمها روسيا سرًا لتصدير نفطها على الرغم من العقوبات الدولية». «ولكن لسوء الحظ، لا تزال هناك تمويلات تأتي من دول الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال لا الحصر، المجر بقيادة أوربان وسلوفاكيا اللتان لم تختارا أن تكونا على الجانب الصحيح من التاريخ والعدالة». على صعيد آخر، يذكّر السيد سيغوف بالخبرة التي اكتسبها الأوكرانيون بفضل تصميمهم: «منذ الغزو، كان الأوكرانيون مبدعين للغاية، فقد استخدموا الطائرات بدون طيار التي ساعدت بشكل كبير في وقف المعتدي، وحتى في بعض الأماكن على إجباره على التراجع، كما في أوبلاست خاركيف (المنطقة الإدارية)». ولكنه يذكر أيضًا أن البلاد «تدفع ثمنًا باهظًا: فالمستشفيات تستقبل عددًا كبيرًا من الرجال والنساء المصابين بجروح خطيرة، وهي مأساة حقيقية تُعاش يوميًا». «لذلك من الواضح أن ما ينقص بشدة هو المساعدات العسكرية الضخمة، التي تم اتخاذ قرار بشأنها ولكنها تتأخر في الإرسال». يضيف السيد سيغوف في هذا السياق، بلمسة من المرارة: «هناك بالفعل عدم تناسق عندما نعلم أن كوريا الشمالية، دون أن تمتلك اقتصادًا مثل ألمانيا أو فرنسا، تزود روسيا بكمية من الذخيرة أكبر مما يرسله الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا. لذلك، أعتقد أن ما ينقص وراء كل ذلك هو إرادة سياسية حقيقية وقرار استراتيجي حاسم». سلام مستحيل يذكر الأكاديمي تصريح بوتين: «روسيا ليس لها حدود»، قبل أن يقتبس من أورويل: «إنهم قادرون تمامًا على وضع حذائهم على وجه أي إنسان من أي جنسية». «لذلك، نحن نشهد بالفعل حرب إبادة جماعية، وفقًا لجميع المعايير التي وضعها كبار الحقوقيين في نورنبرغ وبعدها. هذا المصطلح صاغه رافائيل ليمكين، وهو نفسه محامٍ درس في جامعة لفيف». ويتابع: «وفقًا لهذه المعايير، تظهر فكرة محو أمة، وثقافتها، وهويتها، ووسائل العدوان المنهجي ضد المدنيين، بما في ذلك البرد، وبجميع الوسائل غير الإنسانية» يؤكد السيد سيغوف أنه لا توجد إرادة سياسية من الجانب الروسي لإنهاء العدوان: «لا ينبغي البحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة (…). في رأيي، لن تنتهي الحرب إلا عندما لا يملك بوتين موارد لمواصلتها». في الواقع، أكد الكرملين يوم الثلاثاء 24 فبراير أن "أهداف (روسيا لم تتحقق) بعد"، مضيفًا: "لهذا السبب تستمر العملية العسكرية الخاصة (الاسم الذي أطلقته روسيا على الغزو) في أوكرانيا". وقد رأى فلاديمير بوتين بدوره أن الغربيين، الذين يسلحون ويمولون أوكرانيا، لم يتمكنوا "من إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا في ساحة المعركة". تضارب المصالح موسكو، التي تحتل حوالي 20% من أوكرانيا، تواصل تقدمًا بطيئًا ولكن مستمرًا على الجبهة. ويشن الروس بانتظام ضربات ضخمة بالطائرات المسيرة والصواريخ، التي دمرت شبكة الطاقة الأوكرانية، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة في منتصف شتاء جليدي. بالقرب من الجبهة، تحولت مدن بأكملها إلى أنقاض، ويقدر تقرير دولي صدر يوم الاثنين الماضي، 23 فبراير، تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا على مدى العقد المقبل بأكثر من 500 مليار يورو. جرت عدة جولات من المفاوضات في الأسابيع الأخيرة. تضغط واشنطن لإنهاء الحرب على أساس خطتها، التي كشف عنها أواخر عام 2025، والتي تمنح تنازلات ضخمة للروس مقابل ضمانات أمنية أمريكية لأوكرانيا. تطالب موسكو بالفعل بأن تسحب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها في دونباس، وأن تتخلى بذلك للروس عن هذا الحوض الصناعي الكبير في شرق أوكرانيا... وهو ما ترفضه كييف، خاصة وأن الضمانات الأمريكية غامضة للغاية. يمثل الأمريكيون في المحادثات ستيف ويتكوف، المستشار المقرب لترامب، وصهر الرئيس، جاريد كوشنر. يُنتقد تعيين المفاوضين الاثنين في واشنطن وأوروبا، لما يمثله من تضارب في المصالح. خاصة وأن مقربين من ترامب، سواء في أوكرانيا أو غزة، سيكونون المستفيدين الأوائل من نتائج السلام.

المكسيك: بعد القضاء على إل مينتشو، الهدوء الذي يسبق العاصفة؟
بقلم
ميروسلافا سالازار
نُشر
فبراير 26, 2026 - 13:28

قتل الجيش المكسيكي نيميسيو أوسيغيرا “إل مينشو”، زعيم Cartel Jalisco وتاجر المخدرات الأقوى في المكسيك، والمطلوب من قبل الولايات المتحدة بمكافأة قدرها 15 مليون دولار. تحليل مع الدكتور إدغار غويرا، و القانوني إيميليانو ألبا، ومراسلي ليفانت تايم، ماكسيم بلوفينيه وميروسلافا سالازار. أمين الأمن وحماية المواطن عمر غارسيا حارفوش (من أصل لبناني)، برفقة كلوديا شينباوم، رئيسة المكسيك، خلال مؤتمر صحفي بعد وفاة نيميسيو أوسيغيرا سرفانتس، المعروف باسم «إل مينتشو»، زعيم كارتل خاليسكو. (جيراردو فييرا/نورفوتو عبر AFP) الأحد، ٢٢ فبراير/شباط ٢٠٢٦: قُتل نيميسيو أوسيجويرا سيرفانتس، الملقب بـ"إل مينشو"، زعيم كارتل خاليسكو للجيل الجديد (CJNG)، على يد الجيش المكسيكي. وجاء رد فعل الكارتل فورياً تقريباً: حواجز طرق، وحرق سيارات، وأعمال عنف في ولاية خاليسكو وعدة مناطق أخرى من البلاد. ووفقاً لبيانات منصة داتا إنت، سُجلت أحداث عنف في ٢٢ ولاية على الأقل، مع تأثير بالغ في خاليسكو، وبويبلا، وميتشواكان، وتاماوليباس، وباخا كاليفورنيا. وأبرزت ردود الفعل التي أعقبت العملية مدى اتساع نفوذ الكارتل في العديد من المناطق: سيطرته على الأراضي، وتواجده في الاقتصادين القانوني وغير القانوني، وقبل كل شيء، قوة هيكله التنظيمي وقدرته على التعبئة الفورية. يمكن مقارنة هذه النقطة المحورية باعتقال خواكين "إل تشابو" غوزمان، الذي جرى في نفس اليوم قبل اثني عشر عامًا. يقول إدغار غيرا، الخبير في الجريمة المنظمة والعنف والأمن، في مقابلة مع صحيفة ليفانت تايمز: "لا شك أن هذه هي الضربة الأقوى التي وُجّهت للجريمة المنظمة في عهد الرئيسة كلوديا شينباوم". المسخ ذات المئة رأس تُعدّ العملية التي أدت إلى مقتل "إل مينشو" سلاحًا ذا حدين. فكما يُشير إميليانو ألبا، محلل الأمن والجريمة المنظمة، يُمكن لحكومة كلوديا شينباوم، على المدى القصير، استغلال هذا الحدث سياسيًا باعتباره انتصارًا في مكافحة تهريب المخدرات، مُرسلةً رسالةً إلى الرأي العام الأمريكي والولايات المتحدة مفادها: "لقد تمّ اتخاذ إجراء". إلا أن الآثار الهيكلية ذات طبيعة مختلفة. "بشكل ملموس، سنشهد إعادة تنظيم جديدة داخل الكارتل". ويُوضح ألبا: "من المتوقع نشوب صراعات داخلية عنيفة على الخلافة". كان نيميسيو أوسيجويرا يشغل منصبًا محوريًا في كارتل خاليسكو للجيل الجديد (CJNG)، ولم يكن له خليفة مُعيّن بوضوح. ويرى ألبا أن سقوط الزعيم يُمثل ضعفًا مؤقتًا، لا انهيارًا بنيويًا. ويؤكد قائلًا: "إنه ضعف عملياتي مؤقت، لكن المنظمة باقية"، مشيرًا إلى أن كارتل خاليسكو للجيل الجديد لا يقوم على شخصية مركزية فحسب، بل على جهاز متماسك بشبكات جغرافية ومالية وسياسية تضمن استمراريته. ويُشدد المحلل على أن التجربة التاريخية تُظهر أن استراتيجية "قطع رؤوس" المنظمات الإجرامية غالبًا ما تُؤدي إلى نتائج عكسية: "قطع رأس الهيدرا لا يُؤدي إلا إلى خلق المزيد". فالتشرذم والصراعات على النفوذ والعنف المرتبط بالخلافة هي ديناميكيات معروفة في المكسيك. وتزداد أهمية هذه الملاحظة بالنظر إلى أن استراتيجية وزير الأمن العام وحماية المواطنين، عمر غارسيا هارفوش، قد تحولت تدريجيًا، وفقًا لألبا، من القضاء المُستهدف على القادة إلى إعطاء الأولوية لتفكيك الهياكل. يوضح قائلاً: "لم يعد الأمر يتعلق بإقصاء رؤساء العصابات، بل بمهاجمة شبكاتهم السياسية والمالية والإقليمية"، مشيراً إلى عمليات مثل "إنجامبري" التي استهدفت التحالفات السياسية وشبكات الحماية المؤسسية. يبرز سيناريوهان: إما أن يواصل كارتل خاليسكو الجيل الجديد (CJNG) أنشطته دون قائده، أو أن ينزلق إلى صراع داخلي على السلطة. في الحالة الأخيرة، سيكون التأثير على الأمن العام مباشراً. يحذر الخبير ديفيد ساوسيدو لوكالة فرانس برس قائلاً: "سنشهد ارتفاعاً في جرائم القتل". الولايات المتحدة: الجارة المزعجة يرى إدغار غيرا أن السياق الدولي بالغ الأهمية. "لا يمكن فهم السياسة الأمنية لحكومة كلوديا شينباوم دون الأخذ في الاعتبار الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة. مارست إدارة ترامب ضغوطاً كبيرة على المكسيك: مصادرة الفنتانيل، وتشديد ضوابط الهجرة، وزيادة المطالب العملياتية. كل هذا جزء من نفس مجموعة المطالب". كما أكدت الحكومة المكسيكية أن العملية تلقت دعماً استخباراتياً أمريكياً. يؤكد غيرا قائلاً: "هذه ليست مشكلة مكسيكية أو خاصة بولاية خاليسكو فحسب، بل هي مشكلة عالمية". ويضيف: "تُعدّ الولايات المتحدة من بين أكبر مستهلكي المخدرات غير المشروعة، وإحدى الدول الرائدة في إنتاج الأسلحة. وهذا يُغذي الحوافز الاقتصادية والمادية لتهريب المخدرات. لذا فهي مشكلة مشتركة، ولكن تقع على عاتق الولايات المتحدة مسؤولية هيكلية واضحة". حرب لا تنتهي إن "الحرب على المخدرات" ليست بجديدة في المكسيك. فمنذ رئاسة فيليبي كالديرون والرئاسات التي تلتها، ظلّت المواجهة المباشرة مع عصابات المخدرات أمراً ثابتاً لما يقرب من عشرين عاماً. ومع ذلك، فبدلاً من أن تُخفّض هذه الحرب العنف بشكل دائم، لم تُفلح هذه الحرب في الحدّ منه بشكل كامل.شهدت البلاد دورات متكررة من تفتت الجريمة، وإعادة هيكلة الأراضي، وتوسع الاقتصادات غير المشروعة. ووفقًا للمعهد الوطني للإحصاء والجغرافيا (INEGI)، سُجّلت 33,241 جريمة قتل في عام 2024، 71.8% منها ارتُكبت باستخدام الأسلحة النارية. في عهد فيليبي كالديرون (2006-2012)، سُجّلت 122,462 جريمة قتل؛ وفي عهد إنريكي بينيا نييتو (2012-2018)، 157,158؛ وفي عهد أندريس مانويل لوبيز أوبرادور (2018-2024)، 202,336. وأمام هذا الواقع، ترى ألبا أن النهج القائم على المواجهة وحدها غير كافٍ. "يجب أن تكون استراتيجيات مكافحة الجريمة المنظمة شاملة. لا يقتصر الأمر على محاربة المنظمات فحسب، بل يشمل استعادة سلطة الدولة في هذه المناطق وضمان سلامة السكان. وهذا يتجاوز بكثير مجرد استخدام القوة." يُشارك غيرا هذا التشخيص: المشكلة متجذرة في المؤسسات. "يحمي القادة السياسيون والمسؤولون المحليون والإقليميون هذه الجماعات، وقد سمحوا لها بتعزيز سلطتها. وسيكون تفكيك شبكات الحماية هذه أمرًا ضروريًا". يُضاف إلى ذلك عامل رئيسي: الإفلات من العقاب. "تزدهر الجريمة المنظمة في المكسيك لأن الإفلات من العقاب متأصل في بنيتها. وبدونه، لا تستطيع هذه المنظمات البقاء". في هذا السياق، لا يُمثل مقتل "إل مينشو" قطيعة حاسمة، بل مرحلة جديدة في صراع طويل الأمد. إنه أكثر من كونه نهاية، فهو يُشير إلى بداية إعادة هيكلة داخلية غالبًا ما تُصاحبها زيادة في العنف. وكما يُلخص ألبا الأمر: "قد نشهد لحظة هدوء، كهدوء في عين العاصفة، ولكن على المدى القصير فقط. ثم ستبدأ عملية إعادة التنظيم". وهكذا، فإن ما يبدو اليوم انتصاراً سياسياً قد ينذر بمرحلة جديدة من إعادة تشكيل عنيفة. لم يعد السؤال هو ما إذا كانت ستكون هناك عواقب، بل ما ستكون، وأين ستكون، ومدى خطورتها. بالنسبة لملايين المكسيكيين، يبقى الشك قائماً: هل هذا هو السلام الذي يسبق العاصفة؟

5m 10s
الصراع بين الولايات المتحدة وإيران من منظور نظرية الألعاب
بقلم
جاك مشعلاني
نُشر
فبراير 25, 2026 - 08:46

في شباط/فبراير 2026، يشهد الخليج توتراً يوشك أن ينفجر. في حركة عسكرية نادرة لم تشهدها المنطقة منذ الحرب الباردة، أكمل الأسطول الأميركي الخامس نشر قواته. تتناوب أسراب القاذفات الاستراتيجية على القواعد الأمامية، بينما تواجه تل أبيب تشويشاً متقطعاً في إشارات نظام تحديد المواقع (GPS). وتتراوح الأخبار بين توقعات بـ«حرب عالمية ثالثة» وسرديات درامية عن «تحالف صيني‑روسي يتهيأ للدفاع عن طهران حتى الرمق الأخير». يراقب العالم عبر شاشات الرادار الشرارة التي قد تشعل الصراع. بعيدُا عن الضجيج الإعلامي، تبقى هذه المواجهة جديرة بالتحليل من منظور أكثر واقعية: نظرية الألعاب. تُعنى نظرية الألعاب، وهي أحد فروع الرياضيات التطبيقية، بدراسة التفاعلات الاستراتيجية حيث تتوقف نتائج كل طرف على قرارات الآخرين. لا يتعلق الأمر بالأخلاق أو الخطاب، بل بالحوافز والقيود والتوازنات. وعند النظر إلى الأزمة من هذا المنظور، تظهر أقل فوضوية وأكثر انتظاماً كنتيجة لتعديل قسري للديناميات الكلية. النتائج الجيوسياسية يشكّل تفعيل القوة العسكرية أكثر الوسائل بروزاً لتسوية المنازعات الجيوسياسية المثيرة للجدل. فمسألة «الهجوم أم التريث» هي في جوهرها مجرد اختيار لطريقة التسوية – بالوسائل العسكرية أو عبر التفاوض. ومع ذلك، قد لا يغيّر ذلك النتائج الجيوسياسية. لفهم التوازن الذي يسعى النظام الدولي لتحقيقه، لا بد من تحديد ما هو على المحك لكل طرف. الولايات المتحدة أهداف واشنطن واضحة: – القضاء على القدرة النووية الإيرانية الحدية. – تفكيك القدرات الصاروخية الهجومية المتوسطة والبعيدة المدى. – إضعاف أو تفكيك شبكات الأذرع الإقليمية لطهران. يمكن للولايات المتحدة التعايش مع نظام الملالي – بشرط أن يوقف سياساته المزعزعة للاستقرار الإقليمي وأن يزيل التهديد الوجودي الذي يشكّله لإسرائيل. وقد كلف الانتشار العسكري الأخير في الشرق الأوسط مئات الملايين من الدولارات. ويجب الآن تحويل قدرة الردع المكتسبة إلى نتائج استراتيجية ملموسة. وتسعى واشنطن لتأمين الممرات الطاقية وتحرير الموارد والقدرات الاستراتيجية لإعادة توجيهها نحو منطقة الهند–المحيط الهادئ. إسرائيل بالنسبة لإسرائيل، المعادلة مسألة وجودية. يشكّل البرنامج النووي الإيراني وبنيته التحتية الصاروخية خطاً أحمر. فكل قدرة نووية حدية متبقية تُفقد مصداقية الردع طويل المدى. هدف إسرائيل ليس مجرد احتواء رمزي، بل تفكيك فعلي للقدرات التي قد تتيح التدمير الشامل. الدول العربية الإقليمية بالنسبة للدول الملكية الخليج والدول العربية الإقليمية، تكمن الأولوية في الحفاظ على الاستقرار. تعتمد اقتصاداتها على صادرات الطاقة المستمرة وعلى أمن التجارة البحرية عبر مضيق هرمز. وأي حرب ستعرّض البنى التحتية الحيوية للخطر – من محطات النفط ومرافق تحلية المياه إلى المراكز المالية. هدفها واضح وبسيط: منع التصاعد المنهجي للصراع. الصين وروسيا لدى بكين وموسكو أهداف أكثر دقة وتعقيدًا. فهما لا ترغبان بأن تسيطر الولايات المتحدة بشكل مباشر على احتياطيات الطاقة الإيرانية، ولا ترغبان في أن يُمحى دور إيران أو تُدمج ضمن المجال الغربي. تلعب إيران دورًا محوريًا على الصعيد الجيوسياسي: – تستقطب الاهتمام العسكري للولايات المتحدة. – تزود الصين بالنفط بأسعار منخفضة. – تُرسّخ نفوذًا متعدد الأقطاب في المنطقة. إن أصبحت إيران مُسالمَة تمامًا ومتوافقة مع الغرب، ستتمكن الولايات المتحدة التحوّل بشكل حازم نحو منطقة الهند–المحيط الهادئ، وهو السيناريو الذي تسعى بكين لتجنبه. النظام الإيراني وحرس الثورة الإسلامية بالنسبة لنظام الملالي وحرس الثورة الإسلامية، الهدف هو البقاء. فالبرنامج النووي والقدرات الباليستية ليست مجرد أدوات استراتيجية، بل أصول تمنح الشرعية، إذ تبرر احتكار حرس الثورة للموارد الاقتصادية والسلطة السياسية. أي استسلام غير مشروط سيُفكّك البنية الداخلية للسلطة، وقد يثير تمردًا داخل صفوف الحرس. الأذرع الإقليمية يواجه حزب الله والحوثيون والجماعات الموالية الأخرى واقعاً أكثر قسوة: البقاء تحت وطأة الاستنزاف. فبدون دعم لوجستي وعسكري مستمر، تتدهور هذه القوى لتتحول من قوات شبه تقليدية إلى ميليشيات متجزئة. كما ينخفض نفوذها الاستراتيجي بسرعة في غياب استمرار سلاسل الإمداد. لماذا لا يمكن التوصل إلى «حل وسط شامل» على المستوى الظاهر، قد يُتصوّر وجود صيغة بسيطة: نزع السلاح مقابل التطبيع الاقتصادي. لكن عند النظر إلى الحوافز بعين الدقة، يصبح التوصل إلى إجماع سلس أمرًا بعيد المنال. – لا يمكن للخامنئي توقيع أي وثيقة «تسلبه كل أدوات القوة» دون أن تثير معارضة في صفوف حرس الثورة. – لا تستفيد الصين وروسيا من إيران مُسالمَة تقع تحت السيطرة الأميركية، إذ ستتمكن الولايات المتحدة من توجيه قواتها نحو آسيا. – لا يمكن لحرس الثورة الإسلامية قبول نزع السلاح دون الحصول على تعويض مناسب. لذلك، لا يمكن أن يتحقق التوازن على شكل سلام مطلق. يجب أن يكون مضبوطًا بعناية. التوازن المصوَّغ بدقة أكثر الحلول منطقية للتقارب لا تكمن في استسلام كامل، بل في استئصال استراتيجي عالي الدقة – أي تقليص محدد لبعض القدرات مع الحفاظ على قدرات أخرى. يستقر النظام الدولي حول ثلاثة محاور أساسية. 1 – تحييد القدرة النووية الحدية لا مجال للغموض. لا يمكن السماح بأي سيناريو جزئي مثل «59.9%» على طريقة شرودنغر. تُفكك أجهزة الطرد المركزي عالية الأداء، وتُزال المخزونات المخصّبة من الأراضي الإيرانية، مع اعتماد آليات تحقق صارمة ولا رجعة فيها. تحصل إسرائيل والولايات المتحدة على حماية فعلية، بينما تحتفظ إيران بسردية الاستخدام النووي المدني والسلمي. 2 – ضبط نطاق الصواريخ الباليستية تم تدمير الصواريخ الباليستية متوسطة وطويلة المدى القادرة على الوصول إلى إسرائيل وأوروبا، بينما تم الإبقاء على الصواريخ المجنحة المضادة للسفن الساحلية. يحافظ هذا على القدرة الدفاعية التكتيكية لإيران في مضيق هرمز، ويضمن عدم قدرة الأسطول الأمريكي الخامس على مغادرة ساحة العمليات بسهولة. وبذلك، تحافظ كل من الصين وروسيا على موطئ قدم استراتيجي يبقي الانتباه الأميركي موجهًا جزئيًا إلى الخليج. 3 – تقليص قدرات شبكات الأذرع الإقليمية تم قطع سلاسل توريد الذخائر الموجهة بدقة والروابط المالية. يتحول حزب الله والجهات الفاعلة الأخرى من قوات إقليمية استراتيجية إلى كيانات محلية محدودة التأثير. وتحظى إسرائيل بأمن ملموس على الحدود، بينما تحافظ طهران على نفوذها الخطابي عبر رواية «محور المقاومة». لماذا قد يوافق الحرس الثوري على هذا؟ يكمن الجواب في تبديل الأولويات الداخلية. ترتكز الأنظمة الاستبدادية على آليات التعويض: عندما يتوقف التوسع الجيوسياسي الخارجي، يزداد استحواذ النظام على الموارد الداخلية. مقابل التنازل عن الطموحات النووية وشبكات الأذرع الإقليمية، قد يحصل الحرس الثوري على: – الحق في إدارة الأموال التي تم تحريرها. – حقوق إدارة حصص صادرات النفط. – توسيع احتكاراته الاقتصادية داخل البلاد. ستكون التحوّلات جليّة: من زعيم حرب جيوسياسية إلى وصي أوليغارشي داخلي. كما سيؤدي تخفيف العقوبات والإيرادات النفطية إلى كسب ولاء النخب. «التوازن الزومبي» لن تكون التسوية النهائية لهذه الأزمة على شكل انتصار أو هزيمة، بل على شكل ترتيب مستقر هيكليًا، لكنه غامض أخلاقياً –«توازن زومبي». – تقضي الولايات المتحدة وإسرائيل على الخطر النووي الوجودي بشكل كامل. – تحافظ الصين وروسيا على نقطة طاقة خارج النفوذ الغربي. – ينجو النظام الإيراني، مركزاً اهتمامه على الداخل ومرتبطاً بمعاملات اقتصادية انتقائية. تتوقف إيران عن كونها لاعبًا مراجعيًا يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، لتصبح موصلًا للطاقة ضمن نظام متعدد الأقطاب. تُستخرج «أسنانها» – العتبة النووية، الصواريخ الاستراتيجية، وشبكات الهجوم المحيطية – بينما تبقي على «مخالبها» – الجهاز الأمني الداخلي والقدرة على حجب الحركة البحرية. في هذه المرحلة، قد لا تهدف المقاتلات التي تقلع من حاملات الطائرات إلى تغيير النتيجة بقدر ما تهدف إلى تشكيل رافعة للتفاوض. السؤال الأساسي ليس فيما إذا كانت الضغوط ستفرض تغييراً هيكلياً، بل فيما إذا كانت الأيديولوجيا ستُستبدل بالمصلحة بالبقاء، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوضع الاقتصادي والمالي الراهن لإيران سيؤدي على المدى الطويل إلى تراجع قوة النظام ثم انهياره. لهذا السبب، فإن المفاوضات طويلة ومتوترة وتُدار بعناية فائقة. ففي هذه اللعبة، يكون التوازن واضحًا من الناحية الرياضية، حتى لو بقي غير مُعَبَّر عنه سياسيًا.

ليلى شهيد
بقلم
جميل كامل مروة
نُشر
فبراير 22, 2026 - 22:17

كان ممكناً أن نحزن لفقدها كما نحزن على صديقٍ حميم، وأن نتألم كما يتألم المرء حين يبتر الموت قطعةً من حياةٍ مشتركة: صداقةٍ وأخوّةٍ وعائلة. وكان ممكناً أيضاً-ولعلّه كان الأسهل عليها-أن تمضي عمرها في رفاهٍ محمي، محصّنٍ من نوائب الأصل وقسوة المصير. فهي ابنة بيتٍ كريمٍ ميسور، ووريثة نعيمٍ كان يتيح لها أن" تتّكئ" على إرث العيش الآمن، وأن تُطيل المقام في ظلّ عائلةٍ لا ينقصها مجدٌ ولا ستر. لكنّها لم تكن " أيّ امرأة". كانت ليلى. برحيلها اليوم يتكدّس على الأسى جرحٌ ثخين. لأن الفقد هنا ليس فقد صديقةٍ فحسب، بل فقدُ سيرةٍ قاومت الفكرة السهلة: فكرة أن ينجو الإنسان بنفسه ويترك وطنه لمصيره. قصتنا معها بدأت من الرضاعة… نعم، من ذلك الباب الذي لا يُدخله التاريخ عادة في سير العظماء، بينما هو أصل الحكاية. أمّها سيرين كانت تُرضع شقيقتي حياة مع ليلى، وأمّي سلمى تُرضع ليلى مع حياة. في بيتنا كانت ليلى ابنة كامل وسلـمى، وفي بيتهم كنّا أولاد منيب وسيرين. هكذا فُطمنا على الدنيا: بلا حدودٍ بين بيتٍ وبيت، وبلا مسافاتٍ بين دمٍ ودم. ومنذ ذلك الزمن كانت ليلى كتلةً متأججة من حركةٍ وفضولٍ واكتشاف. رشّاش أسئلة، وزوبعة نشاط، وكأنها خُلقت لتقلق السكون وتستفزّ الكسل وتحرّك الحجر. ما إن تسلّحت بالعلم بعد تخرّجها من الجامعة الأميركية في بيروت، حتى انقضّت- لا كمن "يزور" المخيمات- بل كمن يعود إلى أهله. قصدت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وكأنهم فراخها. خرجت من وثير حياتها إلى قلب المأساة، لا لتكتب عنها من بعيد، بل لتتعلّمها بالمباشر، وتعمل فيها، وتكسب حقّ الكلام عنها لأنها عاشت ثقلها. ثم غاصت في الصحافة، حيث نشأت مجلة Monday Morning مع فواز ناجية، الصحافي والناشر القدير. وهناك، على أرض العقلانية الصعبة لا البلاغة الرخيصة، بدأت براعمها الدبلوماسية تظهر: مقالاتٌ، مقابلاتٌ، أبحاثٌ، صيغت بجديةٍ ورصانةٍ واطلاعٍ لم يكن ترفاً ثقافياً بل عدةَ معركة. نقلت عنها كبريات وسائل الإعلام لأن كلامها لم يكن “ضجيج قضية”، بل خطاب معرفة ومسؤولية. ثم جاءت الرحلة الدبلوماسية: تعيينها ممثلة لمنظمة التحرير الفلسطينية باختيار من ياسر عرفات. خدمت ليلى وطنها لأنها كانت تعتبر- بحدسٍ سياسيٍ مبكر-أن الوطن ملكُ المواطنين جميعاً، وأن القائد “مكلّف” لا “مُتوَّج”. حتى مع أبو عمّار، كانت تراه مسؤولاً عن مهمة، لا صاحب عرشٍ أبدي. وهذه ليست قسوةً عليه، بل رحمةٌ بالقضية: لأن القضايا التي تتحول إلى عبادة أشخاص، تُذبح على مذبح الأشخاص. في زمن خدمة ليلى كانت أوروبا-نعم أوروبا-أشدّ على القضية الفلسطينية من أميركا في كثير من المراحل. كانت القارة متورّمةً من إرهابٍ ارتُكب باسم المقاومة: من خطف طائرات إلى مأساة ميونيخ. وكان التمثيل الفلسطيني مُثقلاً بسياق الحرب الباردة، وبالاصطفافات السوفياتية التي جعلت الغرب ينظر إلى الفلسطيني لا كصاحب حق، بل كتهديدٍ محتمل. وفوق ذلك، كانت حرب الاغتيالات الإسرائيلية قد هدرت على ممثلي الفلسطينيين، فأفرغت ساحاتٍ كاملة من الرجال والوجوه والوسائط. في تلك المرحلة، كانت ليلى-في كثير من المعاني-وحدها. هي الممثل السياسي، وهي الإعلام، وهي مركز الأبحاث، وهي الحضور الثقافي، وهي المحاضر في الجامعات، وهي اللقاءات في مراكز التفكير… وهي “الوجه الفلسطيني” كله، بقدرٍ من الجلد لا يُطلب من بشرٍ في العادة. ونجحت ليلى شهيد. بل انتصرت-بالطريقة التي يُسمح فيها للحق أن ينتصر في عواصم السياسة: بالحجة، بالعقل، وببلاغةٍ فكريةٍ ولغويةٍ لا تنحدر إلى الغوغاء ولا تتوسّل الشعبوية. حاورت بضراوةٍ عقلية؛ شراسة عقابٍ يحمي فراخه… فلسطينيوها. قارعت خصومها في فرنسا، في الإعلام والعلن، لا بالسباب، بل بتحويل القضية إلى سرديةٍ مفهومة… ثم مقبولة… ثم أقلّ اشتراطاً. كانت تُزحزح الجدار حجراً حجراً، وتدفع أوروبا من الرفض الغريزي إلى قبولٍ مشروط، ثم تعمل على تفكيك الشروط. حتى استحقت وسام الشرف الفرنسي برتبة ضابط-لا بوصفه “زينة” على صدرها، بل علامة على أنها انتزعت اعترافاً بكرامة خطابها وسط صراعٍ قاسٍ على الرواية. نعم، من الطبيعي أن نحزن لفقد ليلى شهيد، لأننا فقدنا صديقة. لكن حزننا اليوم أثقل من صداقةٍ تُفتقد. لأننا في زمن “نكبة جديدة”، وفي لحظةٍ فلسطين أحوج ما تكون فيها إلى قيادةٍ حضاريةٍ نظيفة اليد واضحة العقل، تشبه شعبها ولا تتاجر به. ليلى شهيد كانت-لو قُدّر للأقدار أن تُنصف- أقرب ما يكون إلى “رئيسة لفلسطين” بالمعنى الأخلاقي لا البروتوكولي: ثقافةٌ ومراسٌ والتزامٌ بالمواطن الفلسطيني المنكوب، المطرود، المشتت في أصقاع الدنيا. كانت ليلى نقلت فلسطين من خراب المساومات ومن رائحة الفساد إلى وطنيةٍ شريفة تُحرج حتى الشامتين. ولذلك نحزن: لأننا ودّعنا امرأةً كانت نوراً في زمن العتمة، ولأننا حُرمنا-مرةً أخرى-من نموذج قيادةٍ لا يطلب التصفيق بل ينجز المهمة. حرامٌ على فلسطين أن تفقد أمثال ليلى… وحرامٌ على هذا الزمن أن يبقى يتيماً من أمثالها.