شعار Levant Time

سياسة

رسالة إلى سائر بلاد المشرق
بقلم
ريكاردو كريستيانو
نُشر
ديسمبر 4, 2025 - 10:31

عاد البابا ليون إلى اللبنانيين ما هو لهم: الاعتراف بصمودهم الكبير. لكن إذا قرأنا كلماته حول المشكلة العالمية الخطيرة التي أشار إليها من خلال نظرة لبنانية — دعونا نقول نظرة لبنانية بحتة، مع أنه خاطب العالم بأسره — فسندرك أن هذا الصمود يحتاج إلى تفكير معمّق. فقد قال: «يبدو أن نوعًا من التشاؤم والشعور بالعجز قد ترسّخ، ولم يعد الناس قادرين على التساؤل عمّا يمكنهم فعله لتغيير مجرى التاريخ. القرارات الكبرى تبدو بيد قلّة قليلة، وغالبًا على حساب الخير العام، وكأن ذلك قدر لا مفرّ منه». وخلال الأسابيع الماضية في بيروت، شعرت بأن هذا الصمود — وهو فردي أكثر منه جماعي — يعكس انعدام الثقة بالسياسة. هناك جوّ من الإحباط يدفع نحو الانسحاب أو التكيّف. وهذا يدفع الزوار الأجانب إلى التساؤل عن جدوى التمسك بإطار سياسي ما زال يشير، إلى حدّ كبير، إلى زمن الحرب الأهلية. برأيي، لكي يستعيد لبنان الرسالة التي تحدّث عنها يوحنا بولس الثاني عام 1997، لا بدّ من مصالحة بين الطبقة السياسية والشعور العام لدى الناس. وهنا أيضًا، أقرأ كلمات البابا بعيون لبنانية: «لا يمكن أن تكون هناك مصالحة دائمة من دون هدف مشترك، أو من دون انفتاح على مستقبل ينتصر فيه الخير على المآسي التي عشناها أو تسببنا بها. ثقافة المصالحة لا تنشأ فقط من إرادة وشجاعة البعض؛ إنها تحتاج أيضًا إلى سلطات ومؤسسات تعترف بأن الخير العام يتقدّم على المصالح الخاصة. فالخير العام أكبر من مجموع المصالح الفردية، لأنه يقرّب أهداف الجميع ويوجّهها بحيث يربح كل فرد أكثر مما قد يربحه وحده. إن السلام ليس توازنًا هشًا بين من يعيشون تحت سقف واحد من دون أن يعيشوا معًا. السلام هو القدرة على العيش المشترك، في شركة، كشعب متصالح. مصالحة لا تتيح فقط العيش معًا، بل تعلّمنا أيضًا العمل سويًا من أجل مستقبل مشترك.» إذا كان هذا، ولو جزئيًا، هو معنى كلامه، فيمكن التفكير بأن زيارته إلى بيروت لم تكن مخصّصة لبيروت وحدها، بل لكل المشرق — القديم أو الجديد — الممتد من المتوسط إلى بلاد الرافدين، والذي تعرّض لامتحانات قاسية وعنيفة. هذه أراضٍ معروفة، لكنها مثقلة بتاريخ مؤلم مليء بالعنف والإنكار والوصايات والاغتيالات. لكن بصفته أسقف روما، الملمّ بالتجربة الأوروبية، يعلم ليون جيدًا أن دولًا أوروبية، بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد قرون من الصراعات، اكتشفت أنها جيران، ثم رفاق درب، ثم أصدقاء، وأسهمت في تأسيس الاتحاد الأوروبي. فلماذا لا يحاول لبنان وسوريا والعراق خوض تجربة مماثلة؟ هذه هي، في النهاية، المناطق التي تقع تحت سلطة بطاركة أنطاكية المختلفين. والتاريخ قادر على فتح صفحة جديدة، إذا شاء — وأحيانًا يشاء. بالطبع، التحديات هائلة: ثقل الماضي، الجراح غير الملتئمة، الاعتراف الناقص، وعدم الثقة المنطقي. لكن لو تبنّت كنائس أنطاكية، وكثير منها قائم في بيروت، هذا العمق الاستراتيجي، لخفّفت من عبء الحنين، وضيق الآفاق، والانغلاق، ولأصبحت الكنائس «المنطلقة» التي تحدّث عنها البابا فرنسيس، أو الكنيسة «الرسولية» التي يتحدث عنها ليون. مخاوف التراجع تنبع أيضًا من زاوية النظر. فمن ينظر فقط إلى جبله أو واديه، سيشعر حتمًا بالانكماش. أما من يوسّع أفقه، ومن يتخيّل غابات وسهولاً وهو يسير في حديقته الخاصة، فسيبدأ أولًا برفض الانكماش داخل نفسه. وهنا يمكن لبيروت أن ترى نفسها مجددًا قاطرةً لقطار مؤلف من عربات مختلفة، لكل منها هويتها وتاريخها، لكنها متصلة بخطاف واحد: الحاجة إلى الارتباط بالفضاء المتوسطي، وبالتبادل، وبالأفكار كما البضائع. في شوارع الجميزة والأشرفية، شعرت بوجود مسيحي واضح، يتعرّف إليه الأوروبي بسهولة. لكن هذا الوجود يحتاج إلى التنفّس، وإلى أن ينتمي إلى خطاب أوسع. ومدينتكم تتيح ذلك، وتجعله مفهومًا لهذا البابا الذي، مثل فرنسيس، يؤمن بـ«توتر الأقطاب». فالأقطاب لا تلغي بعضها، بل تكمل بعضها وتحتاج بعضها. قطبا بيروت هما الجبل القريب، بما يحمل من تقاليد يجب الحفاظ عليها، والبحر، بما يقدّم من آفاق للتبادل واللقاء والأفكار الجديدة الضرورية للتغيير والنمو معًا. وهذا هو، في نظر كثيرين، «طريق القطار» الذي يمكنكم مساعدتنا على رؤيته من جديد. ريكاردو كريستيانو هو متخصص في شؤون الفاتيكان في الإذاعة الإيطالية «راي»؛ ومؤلف لعدة أعمال حول الحوار بين الأديان و البابا فرنسيس

تجمع الشيعة اللبنانيين إلى البابا: من أجل احتكار الدولة للسلاح

وجّه «تجمّع الشيعة اللبنانيين» رسالة إلى البابا ليون الرابع عشر أكد فيها أن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية «يشكّل الأساس الجوهري لبناء دولة قوية وعادلة». ولدى تأكيده دعمه للسلام «وفق المبادرات العربية والشرعية الدولية»، شدّد التجمع على التزامه بـ«العمل حصرياً تحت سلطة الدولة والقانون، ودعم كل ما يعزّز حضورها». يضمّ «تجمّع الشيعة اللبنانيين» أكاديميين، وصحافيين، وكوادر عليا، ومواطنين شيعة معروفين بموقفهم السيادي المعارض، بطبيعته، للمشروع السياسي لحزب الله. ننشر فيما يلي نصّ الرسالة التي وجّهها التجمع إلى الحبر الأعظم قداسة الحبر الأعظم، البابا لاون الرابع عشر، تحيّة إجلال وتقدير، يتشرّف لقاء اللبنانيين الشيعة بأن يوجّه إلى قداستكم هذه الرسالة بمناسبة زيارتكم المباركة إلى لبنان، الزيارة التي نعدّها محطة أساسية تعكس حرصكم الدائم على دعم ثقافة السلام، وتعزيز الحوار بين أبناء العائلة الإنسانية الواحدة، والوقوف إلى جانب الدول التي تمرّ بظروف دقيقة كتلك التي يعيشها وطننا. إننا، في هذا اللقاء، نرى في لبنان وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، ونؤمن بأن قوّته تتجسّد في دولته ومؤسساتها الشرعية، وفي ترسيخ العيش المشترك، والالتزام بالشرعية الدولية. ومن هذا المنطلق، نودّ أن نضع بين يدي قداستكم بيانًا لمواقفنا الثابتة: 1. نحن نؤيد تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، بما يحفظ سيادته، ويعزّز استقراره، ويعيد الانتظام إلى مؤسساته. 2. نؤمن بأن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية هي الركيزة الأساس لبناء دولة قوية وعادلة، قادرة على حماية جميع مواطنيها دون استثناء. 3. نلتزم بالعمل تحت سقف الدولة والقانون، وبكل ما يعزّز حضورها وهيبتها ومرجعيتها الجامعة. 4. نؤيد مسار السلام وفق المبادرات العربية والشرعية الدولية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن السلام العادل والشامل هو الطريق الوحيد إلى مستقبل مستقر لشعوب المنطقة، وذلك تأكيدًا لشعار زيارتكم: «طوبى لصانعي السلام». قداستكم، إن أبناء الطائفة الشيعية في لبنان يعتزّون بدورهم الوطني التاريخي، ويؤكدون رغبتهم الصادقة في أن يكونوا جزءًا فاعلًا في مشروع الدولة، وفي بناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة والاحترام المتبادل بين جميع المواطنين. وإننا نرى في زيارتكم دعمًا روحيًا ومعنويًا لمسار التعافي الوطني، وتشجيعًا للحوار الذي يمثّل جوهر الشراكة اللبنانية. نثمّن عاليًا اهتمامكم بلبنان، ونسأل الله أن يمنحكم الصحة والقوة لمتابعة رسالتكم السامية في تعزيز كرامة الإنسان وترسيخ ثقافة السلام في عالمٍ تعصف به الأزمات. وتفضلوا، قداسة الحبر الأعظم، بقبول فائق الاحترام والتقدير. عن لقاء اللبنانيين الشيعة جاد الأخوي

بعد عمادة الوطن – الرسالة... مناولة السلام
بقلم
علي خليفة
نُشر
ديسمبر 1, 2025 - 10:15

أول رحلة رسولية للبابا لاون الرابع عشر خارج إيطاليا ستكون إلى لبنان، الوطن – الرسالة، كما عمّده سلفه القديس يوحنا بولس الثاني. و"طوبى لفاعلي السلام" شعار الزيارة الذي ينسلّ كشعاع النور إلى روزنامة لبنان المثخنة بالحروب. كلمات ثلاثة تفرض إيقاعها المفصلي على مسلسل الأحداث والتاريخ، كما على برنامج الزيارة الحافلة باللقاءات الرسمية والمسكونية، بالإضافة إلى القداس الإلهي في الواجهة البحرية لبيروت. فهل يحتاج لبنان لمناولة السلام؟ لبنان مجتمع مركّب، غني بتنوعه ومتعدّد الطوائف. وعليه، فإن العقد الاجتماعي المتآلف مع الصيغة اللبنانية والضامن لوحدتها يقوم على اعتماد مبدأ الحياد المنصوص عنه في القانون الدولي العام، كخيار ضروري يمنع الاستقطابات الحادة التي تقسم المجتمع. والحياد بصفته الايجابية ليس انغلاقًا على الذات بل يتطلّب النشاط في القضايا الإقليمية والدولية دون الاصطفافات التي تؤدي إلى الانحياز. فتُبنى على سبيل المثال سياسات اقتصادية مستقلة. وتتعزز الدبلوماسية المعروفة بالوقائية. وبالنتيجة، يتم الفصل بين المكونات الطائفية اللبنانية والمحاور الإقليمية والدولية. إن حالة حزب الله مناقضة لتركيبة المجتمع اللبناني وخصوصيته. فحزب الله قام على احتكار المقاومة بوصفها مقاومة إسلامية، وربَطَها بإيران وبتصدير الثورة، وانتزع الشيعة من مجتمعهم ووطنهم وجعلهم ملحقين بالنفوذ العابر للحدود لولاية الفقيه. ودفع حزب الله الشيعة واللبنانيين إلى الحرب الدائمة بلا أي أفق ولا هدف. المقاومة للمقاومة! والسلاح لحماية السلاح! فانسحبت إسرائيل عام 2000 وبقي سلاح حزب الله زينة الاستتباع للنفوذ الإيراني وأجندته. فحارب في سوريا واليمن، وهدّد الأمن القومي العربي في السعودية والكويت ومصر. ما جعل لبنان في عزلة قاتلة. ثم عاد واستجلب الاحتلال بعد تحرير والدمار بعد إعمار إلى الجنوب والبقاع وبيروت وضاحيتها... التغيرات القاصمة في المشهد الجيوسياسي الذي أعقب عملية "طوفان الأقصى" وأسفر عن تقليم أدوار الأذرع العسكرية للنظام الإسلامي في إيران، وتقهقر نفوذه، وإضعاف مشروعه، وانكفاء ولاية الفقيه المتمدّدة حتى المتوسط على الساحل السوري مع سقوط نظام بشار الأسد، والهزيمة العسكرية التي حلّت بحزب الله في لبنان بعد انخراطه في المواجهات تحت عنوان "مشاغلة إسرائيل" ثم "إسناد غزّة" في إطار المشروع الإيراني المعروف بـ "وحدة الساحات"... كلّ ذلك ساهم بالوصول إلى لحظة الحقيقة. والحقيقة هي أن مصائب حزب الله عند المجتمع اللبناني ككلّ، فوائد للدولة تستعيد من خلالها ما ضاع وفات. واستعادة الدولة أدوارها في الدفاع والأمن والاقتصاد والمجتمع، لها متمّمات وشروط، تحت مظلّة مشروع الحياد للبنان والسلام مع كلّ جيرانه. فتأتي زيارة الحبر الأعظم في هذا الوقت بالذات، لطرح فعل السلام النابع من القيم المسيحية بأرقى تجلّياتها الإنسانية السمحاء، لكلّ إنسان ولكل الإنسان، على مشارف مرحلة جديدة وفي لحظة إقليمية ودولية مؤاتية من أجل لبنان الوطن – الرسالة. إن السلام المنشود ليس خطرًا على الهوية الوطنية اللبنانية ولا على الأمن القومي للبنان، وإقرار السلام يخفّف من خروقات حكم القانون والقاعدة الحقوقية... ففي مجتمع متعدد الأديان كلبنان، الهوية الجامعة لعناصر وحدة الشعب هي بالضرورة هوية مركبة حيث لا ثقافة نهائية ولا ثقافة طاغية، بل تثاقف مستمرّ وإرادة العيش معًا. مجرّد توافر هذه الإرادة، يعني إمكانية بروز هذه الهوية. والعيش معًا لا يعني فرض جماعة نمط عيشها على الجماعات الأخرى ولا يعني تنشئة موجهة للأفراد. والسلام يطرح نشوء ديبلوماسية الأمن القومي. والأمن القومي يحصّن المؤسسات الأمنية الشرعية من جيش وقوى أمن وشرطة. فلا تستوي الميليشيا ونظام الأمن الموازي مع الدولة وحقها الحصري في احتكار السلاح. ولا تقتصر استراتيجية الأمن القومي على دور السلاح ووظيفته، إذ ليس بالسلاح وحده نحمي لبنان. فلبنان الوطن – الرسالة ليس اسبرطة! وطوائفه، بما فيها الطائفة الشيعية، ليست طائفة عسكر ومقاتلين وشهداء! السلام القائم على اعتبارات الأمن القومي يعني وجوب تنمية الإقتصاد الوطني أيضًا كجزء من منظومة الأمن المتكامل لضمان الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي وعناصر وحدة المجتمع عبر تحقيق الإنماء المتوازن. ويقوم النظام السياسي بتعزيز مفهوم المواطنة بدلاً من تعطيل النظام أو الانقلاب عليه نتيجة غلبة طائفية. وتطرح ديبلوماسية الأمن القومي، تعزيز علاقات لبنان الدولية كلّها وليس فقط مع جيرانه، وترميم ما انقطع منها مع محيطه والعالم عبر سياسة تحمي المصلحة الوطنية العليا للبنان. وكيف يعزّز السلام بشكل تلقائي آليات حكم القانون وتمكين القضاء؟ في زمن السلام المنشود، لا حاجة لاستمرار نقل السلاح وتخزينه، والتبرير للتعبئة العقائدية وللاقتصاد الموازي الذي يستقطب العقوبات. إن حياة لبنان الوطن – الرسالة معقودة على مشروع حياد لبنان وتبنّي خيار السلام. فأهلاً بقدس الحبر الأعظم وطوبى لفاعلي السلام وليقرّ المجلس النيابي مبدأ حياد لبنان في مقدّمة الدستور وليتمّ العمل الحثيث على إعلانه دوليًّا ولينخرط لبنان في مفاوضات السلام مع إسرائيل تحقيقًا للمصلحة الوطنية للبنان ولأمنه و... لرسالته التي يكتسب معنى وجوده منها.

لاون الرابع عشر والاستثناء اللبناني
بقلم
يوسف معوض
نُشر
نوفمبر 29, 2025 - 14:14

لكم شكّل الكاثوليك الشرقيّون مصدر قلق، بل وإزعاج، للسلطة الرومانية! فلو أنّهم غابوا عن مشهد المشرق العربي، لكانت العلاقات الدبلوماسية بين روما والدول الإسلامية أكثر دماثة. لكن الأمور لم تكن يومًا سهلة بالنسبة لدبلوماسية الفاتيكان في الحوض المتوسّط التي شكّل لها المجتمع الماروني صداعًا مزمنًا. فمنذ وقت مبكر، أثبت الموارنة وجودهم السياسي ككيان مستقلّ يرتكز إلى كتلة جبلية منفتحة على البحر، وسرعان ما طالبوا باحترام خصوصياتهم. وهذا ما ميّزهم عن سائر الطوائف المسيحية في سوريا والعراق، تلك التي ارتضت قاعدة الأكثرية ولم تنتج سوى أفراد مسالمين ومواطنين يُشهد لهم بالانضباط. لن نسجد للبعل مصدر قلق وإزعاج، نعم، لكنّه أيضًا مصدر فخر. فلنستمع إلى ما كتبه البابا بيوس إلى البطريرك الماروني موسى سعادة العكّاري في الرابع من ايلول 1562.. “نهنّئك أنت وأمّتك من صميم القلب، ونشكر الرحمة الإلهية التي أبقت في هذه الأصقاع البعيدة آلاف الرجال الذين لم يحنوا الركبة للبعل”. وما ورد في تلك الرسالة البابوية قبل نحو خمسة قرون لا يزال مطابقاً لحالة اليوم. لم يركع بطريرك الموارنة، لا هو و لا قطيعه، يومًا أمام بعل دمشق، أكان حافظ الأب أم بشارالإبن غير أنّ هذه المقاومة كلّفت هؤلاء الكاثوليك الشرقيين غاليًا إذ تحمّلوا سنوات طويلة من بطش الجيش السوري المحتلّ وأجهزة مخابراته. ويبقى السؤال: إلى متى يستطيع المسيحيون اللبنانيون، على اختلاف طوائفهم، الحفاظ على مشروعهم المنادي بالإستقلال الوطني وباللّيبرالية الثقافية وبالحريات الفردية، وهم الذين التحقوا بــ «مدرسة الغرب» قبل كثير من مواطنيهم المسلمين. تقلّص الوجود إذا كان البابا لاون الرابع عشر يزور تركيا ولبنان بصفته راعيًا للشعب المسيحي، فحريٌّ به أن يتذكّر أنّ 20% من سكّان آسيا الصغرى وبلاد الشام كانوا من النصارى عشية الحرب العالمية الأولى. أما اليوم فلم يبقَ في الجمهورية التركية سوى مئة ألف مسيحي، أي أقل من 0.5% من السكان. أما في سوريا، فقد تراجع عدد «قوم عيسى» من ملاوني نسمة قبل الحرب الأهلية، إلى نحو 500 ألف و ما دون. أمّا في العراق، فلا يتجاوز عددهم 300 ألف بعدما كانوا ملاونا ونيّف قبل الغزو الأميركي! ناهيك عن لبنان، حيث توقّف التعداد منذ إعلان الرئيس الحريري. من أين يأتي الخلاص؟ يا مسيحيي الشرق، أنتم تعيشون حالة حصار في صقاع لم تعد سوى الحديقة الخلفية للديار المسيحية. فمن يكون المنقذ ؟ ومن أين قد تأتي النجدة، بعدما تراجعتم في تركيا، وتآكل وجودكم في سوريا والعراق؟ في عام 1994، طرح جان-بيار فالون سؤالًا جوهريًا: هل سيبقى مسيحيون في الشرق في الألفية الثالثة؟ ثم تابع قائلًا: “من دون قاعدة لبنان، حيث كانوا يسيرون ورؤوسهم مرفوعة، لن يكون أمامهم سوى التكيّف مع القيم السائدة، والتخلي عن هويتهم المسيحية للبقاء على قيد الحياة.” أن يستمّر المسيحيون مرفوعي الرأس يعني أن يحافظوا على كرامة الإنسان وأن يكونوا أحراراً من كل تبعية دينية أو سياسية. ومهما قال بعض دبلوماسيي الفاتيكان، المفتونين بالحوار بين الأديان وبالقيود الذهنية، فرفض السجود لا يكون فقط بوجه «بعل دمشق» ، بل أيضاً بوجه «بعل طهران» وكل بعل ينصّب نفسه طاغية بالقهر والقمع على العباد.

/