شعار Levant Time
العودة إلى المقال
سياسة

اللامركزية في لبنان: تاريخ، شرعية، وتحديات عامة (1/2)

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم نايلة عساف
نُشر فبراير 20, 2026 - 19:59

«يجب أن يكون الإصلاح الأول لامركزية ذكية»، جول بايو

اللامركزية هي نمط من تنظيم الدولة يقوم على نقل الصلاحيات والمسؤوليات والموارد من السلطة المركزية إلى سلطات محلية منتخبة، مستقلة قانونياً، بهدف تقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين وتحسين فعالية العمل العام. وهي تسمح للبنان بنقل جزء من صلاحيات الدولة وكفاءاتها ومواردها إلى هيئات إقليمية منتخبة ومستقلة – لا سيما البلديات والكيانات اللامركزية – مع الحفاظ على وحدة الدولة. والهدف هو تعزيز وتفعيل الحوكمة المحلية والمشاركة المواطنية والتنمية المتوازنة للمناطق.

وفقاً للسيدة ريان عساف، دكتورة في القانون ومسؤولة الشؤون القانونية في رئاسة الجمهورية بين عامي 2008 و 2014، «في السياسة، لا يوجد حل سحري». وتضيف: «التغيير يتم تدريجياً، خطوة بخطوة، وهذه الحقيقة تنطبق بشكل خاص على الدول التعددية. لبنان، بفسيفسائه الطائفية والسياسية المعقدة، لا يمتلك، على غرار جميع الدول التعددية، أي وصفة عالمية أو حل سحري قادر على حل الاختلالات المؤسسية أو ضمان التماسك الوطني».

بالنسبة للسيدة عساف، التي كانت عضواً في اللجنة الخاصة التي أنشأها رئيس الوزراء عام 2012 بهدف صياغة مشروع قانون اللامركزية الإدارية، «تشكل اللامركزية خطوة أساسية على طريق التقدم». وتوضح: «إنها أداة براغماتية لتعزيز الدولة وتحسين الحوكمة وتقريب عملية اتخاذ القرار من المواطنين».

وتضيف أنه إذا كان لا بد من الحديث عن «معجزة» في السياسة اللبنانية، فيمكن تحديدها في الجزء المتعلق باللامركزية من اتفاق الطائف. ففي سياق تجد فيه الأحزاب صعوبة في الاتفاق على إصلاحات هيكلية، فإن التوصل إلى تسوية بشأن هذه النقطة يشكل حدثاً تاريخياً. ففي ذلك الوقت، كانت بعض الفصائل تؤيد اللامركزية، بينما عارضتها فصائل أخرى. ورغم هذه الخلافات، تم التوصل إلى اتفاق، يكرس اللامركزية كإصلاح أساسي.

الطائف وعرقلة التنفيذ

بعد اتفاق الطائف وحتى ولاية الرئيس ميشال سليمان، لم يتم اعتماد أي مشروع قانون ملموس بشأن اللامركزية. وكانت النصوص المتاحة أقرب إلى اللاتمركز منها إلى اللامركزية بالمعنى الصحيح. وتشدد السيدة عساف على هذا التمييز: «اللاتمركز يتمثل في تمثيل إدارات الدولة المركزية في المناطق، دون نقل صلاحيات حقيقية. أما اللامركزية، فتتضمن مجالس منتخبة مباشرة من قبل المواطنين، تتمتع بصلاحياتها الخاصة واستقلالها الإداري والمالي الحقيقي.»

وصفت بعض المبادرات، مثل مشروع القانون الذي قدمه النائب الراحل روبرت غانم، بأنها لامركزية، لكنها لم تنص على انتخاب المجالس المحلية. لكن غياب الانتخابات يتعارض مع جوهر اللامركزية نفسه. واليوم، يعرف لبنان درجة أولى من اللامركزية عن طريق البلديات . تتمتع هذه الكيانات بصلاحيات، لكنها تفتقر إلى الموارد المالية الكافية لممارستها بشكل كامل. ويتباين مثال بعضها، المجهزة بموارد مالية كبيرة، بشكل حاد مع بلديات أخرى أقل حظاً.

دور اللامركزية

تسمح اللامركزية بإنشاء رقابة ديمقراطية حقيقية. ووفقاً للسيدة عساف، «بفضل اللامركزية، يصبح المواطنون أكثر قدرة على المساءلة والتحكم في العمل العام». ويساهم الإصلاح المذكور أيضاً في تحديد الاحتياجات الإقليمية بشكل أفضل، وتقليل الازدحام، وخلق فرص عمل محلية، وتعزيز التنمية الإقليمية وتخفيف الخلافات السياسية.

ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذه الفوائد بدون سلطة مركزية قوية، قادرة على ضمان انسجام ووحدة الدولة. فاللامركزية ليست وسيلة لإضعاف الدولة، بل هي أداة لتعزيز الحوكمة وتحسين فعالية العمل العام. وبالنسبة للسيدة عساف، يمكن أن تلعب اللامركزية دور المحفز في المساءلة على المستوى الوطني.

التسلسل الزمني للمبادرات

وفقًا لاتفاق الطائف، وخلال فترة الولاية الرئاسية 2008-2014، وبمبادرة من رئيس الجمهورية وبالاتفاق مع رئيس الوزراء، تم إنشاء لجنة برئاسة الوزير السابق زياد بارود عام 2012 لوضع مشروع قانون حول اللامركزية. وجمعت هذه اللجنة خبراء ومتخصصين من عدة مجالات، حيث أن اللامركزية تتضمن جوانب إدارية ومالية وسياسية وثقافية واجتماعية…

في عام 2014، تم إقرار المشروع النهائي من قبل الرئاسة. وهو يحترم اتفاق الطائف ويتضمن معايير متقدمة للحوكمة المحلية. في عام 2015، دعم مؤتمر حوار مبدأ اللامركزية. ثم تبنى النائب سامي الجميل المشروع المذكور وقدمه كاقتراح قانون إلى البرلمان. ومنذ ذلك الحين، يتم دراسة النص من قبل اللجان البرلمانية دون اعتماده. وتشير السيدة عساف إلى أن الموافقة عليه مرهونة بإرادة سياسية لا تزال غائبة. وتضيف أن اللامركزية هي إصلاح ذو طبيعة فنية، وأنه سيكون غير منطقي، بل عبثي، ربط موافقتها بتنفيذ إصلاحات سياسية أخرى بامتياز، مثل إنشاء مجلس شيوخ أو إلغاء الطائفية، الأمر الذي سيتطلب سنوات من الجهود.

الاستقلالية المالية والتوازن الإقليمي

وفقاً للسيدة عساف، وتطبيقاً لمبدأ 'نقل الصلاحيات، نقل الموارد'، لا يمكن تحقيق اللامركزية بدون موارد مالية. وتشرح أن مصطلح «اللامركزية المالية» غالباً ما يُستخدم خطأً في لبنان. ووفقاً لها، فإن اللامركزية ترتكز على دعامتين لا يمكن فصلهما: الاستقلالية الإدارية والاستقلالية المالية. ويدعو المشروع إلى تخصيص موارد مالية لصالح المجالس المحلية المنتخبة (على سبيل المثال، جزء من ضريبة الدخل والضريبة على العقارات المبنية المحصلة على مستوى القضاء…). كما ينص على إنشاء صندوق لامركزي، يحل محل الصندوق البلدي المستقل الحالي. ويهدف هذا الصندوق الجديد إلى ضمان تنمية متوازنة وتقليل التفاوتات بين المناطق، بالاعتماد على مؤشرات حالة التنمية، والتحصيل السنوي للضرائب، وتعداد السكان المسجلين في الجماعة المحلية ومساحة القضاء.

تتيح اللامركزية للمواطنين انتخاب مسؤولين محليين قادرين على إدارة موارد قضائهم بفعالية. وهي تساهم في الحد من الزبائنية والإقطاعية، مع إرساء ثقافة المساءلة.

تجدر الإشارة إلى أن الإطار التاريخي والمؤسسي يسلط الضوء على حقيقة أن اللامركزية في لبنان هي ضرورة ديمقراطية ورافعة للمرونة المؤسسية في آن واحد. ويكشف التسلسل الزمني للمبادرات عن إرادة سياسية ثابتة على الورق، لكنها مقيدة بالمصالح الحزبية ونقص التوافق. وسيكون الاعتماد الفعلي لهذا الإصلاح اختباراً كبيراً للطبقة السياسية.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل