شعار Levant Time
العودة إلى المقال
سياسة

ليبيتان وسيادة مفقودة (3/5)

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر فبراير 18, 2026 - 15:36

منذ الربيع العربي عام 2011، لم تمر ليبيا بأي تحول غير مكتمل، بل استقرت في حالة دائمة من التفكك السياسي. فبدلاً من أن تمهد الطريق لعملية إعادة الإعمار، أدى الاختفاء المفاجئ لنظام معمر القذافي، على العكس من ذلك، إلى إطلاق سلسلة طويلة من التفتت، حيث حل العنف المسلح تدريجياً محل الدولة كمبدأ لتنظيم السلطة، كما هو الحال في السودان.

 

تقدم هذه السلسلة قراءة هيكلية للحرب الليبية كنظام مستقر ومتماسك في حد ذاته، متداخل مع التنافسات الإقليمية والدولية، وأصبح الآن قادرًا على إزالة أي بديل سياسي لا يندرج ضمن منطقه.

  

تتكرر عبارة »ليبيتان« في مختلف التحليلات حول الملف الليبي كاستعارة لتفكك البلاد. لكنها في الحقيقة مبهمة. فهي توحي بوجود تقسيم سياسي شبه واضح، أو شبه متساوٍ، بين غرب تسيطر عليه طرابلس وشرق يتمركز حول بنغازي. غير أن هذا التصور يُبَسِط بشكل مفرط واقعاً أكثر إزعاجاً؛ فليبيا ليست منقسمة بين سيادتين متنافستين، بل محرومة تماماً من أي سيادة فعلية. المؤسسات التي تزعم تجسيدها لا تحكم فعلياً، بل تبقى قائمة بتفويض، تحت حماية مسلحة، وتعتمد باستمرار على قوى خارجية أو أعلى منها.

 

في الغرب، تُعدّ حكـومـة الوفـاق الوطني، بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة والمعترف بها دولياً، سلطة قائمة على وهم قانوني مستمر. فهي تحظى بالاعتراف الدبلوماسي، ولها وصول رسمي للأصول الليبية في الخارج، ومقعد في الأمم المتحدة، إلا أن هذا الاعتراف لا يمنحها قدرة فعلية على فرض القرارات في الأراضي التي يفترض أنها تديرها. في طرابلس، الحكم يعني التكيف المستمر مع الجماعات المسلحة التي تسيطر على الأحياء والطرق والمؤسسات الأساسية. فالسلطة التنفيذية لا تقرر شيئاً، بل تكتفي تظل وكأنها تلعب دور شهرزاد، تفاوض من أجل البقاء في كل لحظة، إذ تعتمد على تحالف من الفاعلين المدنيين والعسكريين، الذين يتمتعون بالاستقلالية على الأرض (قوات الردع الخاصة، ذات التوجه السلفي، جهاز دعم الاستقرار، الذي يرتكز قادة مسلحين محليين، فصائل مصراتة، لواء طرابلس، وغيرها.

 

تؤدي هذه المفاوضات الدائمة إلى تحويل الدولة إلى قوقعة فارغة وإجرائية؛ فوزاراتها تعمل بشكل متقطع، والسياسات العامة مجرد حبر على الورق، وتُوزَّع الميزانيات عبر آليات غير رسمية تهدف الحفاظ على توازنات مسلحة هشة. وحتى البنك المركزي، الذي يُصوَّر غالباً كآخر عمود فقري للبلاد، أصبح بدوره مادة للصراع وللضغوط المتبادلة.

 

في الشرق، سلطة نسبية

 

الوضع في الشرق ليس أكثر سيادة، رغم الهيكلية العسكرية الظاهرة. فالسلطة التي يمثلها خليفة حفتر تقوم على مزيج من الولاءات القبلية، والهياكل الأمنية، والدعم الخارجي. وهي تفرض نظاماً نسبياً، لكنه عسكري قبل أن يكون مؤسسياً. فهو لا يقوم على إدارة مستقلة، بل على تسلسل قيادي واقتصاد حربي. وتواجه مزاعم السيادة هناك تناقضاً جوهرياً: كيف يمكن لسلطة تعتمد هيكلياً على دعم خارجي للبقاء أن تمارس سيادة كاملة؟ وفي الواقع، فإن كل القرارات الاستراتيجية المتعلقة بالحرب أو الاقتصاد أو الدبلوماسية مشروطة بتوقعات وخطوط حمراء للرعاة الإقليميين والدوليين. فالشرق الليبي لا يحكم؛ بل يكتفي بالكاد بإدارة اعتماده.

 

لا يؤدي التعايش بين هذين القطبين إلى أي توازن مستقر، بل يولّد نظاماً من المراوحة المتبادلة وفوضى محتواة إلى حد ما، خصوصاً وأن أيّاً من الطرفين لا يملك القوة الكافية لفرض وحدة دائمة، ولا الضعف الكافي ليُهمّش. وبهذا تتجمد ليبيا في وضع تصبح فيه الانقسامات وظيفة قائمة، تسمح للفاعلين المحليين بالحفاظ على مواقعهم، وللفاعلين الخارجيين بممارسة نفوذهم دون أن يتحملوا عبء إعادة بناء للدولة.

 

النفط، أحد عوامل التفتت

 

يظهر غياب السيادة الحقيقية بوضوح في إدارة الموارد. فبدلاً أن يكون عاملاً للوحدة الوطنية، أصبح النفط أحد أبرز عوامل التفتت. فالموانئ والحقول وأنابيب النقل تُسيطر عليها أو تُعطل وفق منطق محلي، ويمكن تعليق الإنتاج في أي لحظة ليُستخدم كرافعة للضغط السياسي.

 

أما بالنسبة للإيرادات، فعندما تتداول، فإنها تغذي شبكات الزبائنية أكثر مما تخدم مشروعاً وطنياً. والمفارقة الليبية تكمن في أن البلاد تمتلك موارد كافية لتمويل إعادة إعمارها… لكنها عاجزة هيكلياً عن تحويل هذه الموارد إلى سيادة فعلية. ومن هذا المنطلق، فإن الريع لا يعزز الدولة، بل يحافظ على تشتتها بطريقة مفارقة، ويعزّز ذلك الهيكل المؤسسي نفسه.

 

تتوالى الحكومات، وتتراكم الاتفاقات، وتتعدد عمليات الحوار، وكلٌّ يُقدّم كخطوة حاسمة نحو الوحدة، لكن في الواقع، لا شيء يغيّر ميزان القوى على الأرض. والمؤسسات الليبية ليست سوى أماكن عبور وهمية وفارغة، حيث لا تتحقق أبداً الوعود المقدمة من أي طرف.

 

في هذا السياق من الخراب، فقدت مفاهيم الشرعية كل معنى عملي. فالشرعية الانتخابية تُستحضر ثم تُلغى، والشرعية الثورية مُستنفدة، والشرعية الأمنية محل نزاع. ولا يتبقى عملياً سوى شرعيات جزئية، محلية، مؤقتة، قائمة على القدرة على الإكراه. ومترتّب ذلك، السيادة، المفهومة كقدرة على اتخاذ القرار وفرضه على الأراضي، تتلاشى في ظل تعدد مصادر السلطة المتنافسة.

 

العقدة الليبية

 

الانقسام الإقليمي ليس جامداً. فهو متحرك، قابل للتكيف، وربما قابل للعكس على المدى القصير، لكنه، مثل باقي الديناميات، دائم وفق منطقه الخاص. فالمناطق تنتقل من سيطرة إلى أخرى دون أن تتغيّر البنية العامة للصراع. وتتغير السيطرة على المدن، وتتجدد التحالفات، لكن غياب مركز موحّد يبقى أمراً قائماً. وهذه المرونة تحديداً هي ما يجعل الوضع الليبي صامداً أمام محاولات الحل.

 

ولا توجد خطوط جبهة ثابتة يمكن من خلالها فرض وقف إطلاق نار دائم، ولا أي جهة قادرة على إشراك البلاد بأكملها في عملية سياسية ملزمة. وكل مبادرة سياسية تصطدم بحقيقة بسيطة: لا أحد يستطيع إلزام الجميع، وكل طرف قادر على عرقلة أي طرف آخر...

 

من الطبيعي أن تُتَّهم الأطراف الخارجية بتغذية الانقسام. هذا صحيح. لكنها في الواقع لا تقوم سوى باستغلال الوضع القائم، مؤيدة طرفاً ثم آخر، ومعدّلة مستوى تدخلها، دون أن تسعى أبداً لاستعادة سيادة تعتبرها غير واقعية على المدى القصير. وهكذا تصبح ليبيا فضاءً للإدارة أكثر منه دولة، كما تتحول إلى عقدة إضافية في هذه المنطقة من أفريقيا. أما الحلول...

 

أما السكان المدنيون، فيجدون أنفسهم محاصرين في مأزق مزدوج. فهم يعتمدون، من جهة، على مؤسسات ضعيفة لتوفير الخدمات الأساسية، ويتعرضون، من جهة أخرى، للضغط المستمر من الجماعات المسلحة. وفي سياق فقدت فيه السياسة مكانتها كأفق جماعي، ليس مستغرباً أن يصبح اللجوء إلى الخارج استراتيجية فردية للبقاء على قيد الحياة.

 

الحديث عن «ليبيتان» يعني، إذن، التغاضي عن الجوهر. والأدق هو الحديث عن بلد يُدار على شكل أجزاء، حيث الدولة هيكل هش، والسيادة مجرد ادعاء، والحرب لعنة لا مفر منها. وهذه الحالة ليست مؤقتة ولا عَرَضية، بل نتاج عقد من التنازلات، والترقيعات، والحسابات العقلانية غير الموفقة.

 

وطالما لم تُعاد مراجعة هذه البنية، ستظل أي محاولة لإعادة الوحدة شكلية فقط: فالبلاد قد تغيّر حكوماتها، وتوقع اتفاقات جديدة، أو تنظم مؤتمرات إضافية، لكنها لن تستعيد سيادتها الحقيقية طالما يبقى العنف طريق الوصول إلى السلطة، والاعتماد على الخارج أسلوب عملها الرئيسي.

 

المقال التالي:

ليبيا بوصفها عقدة إقليمية

 

اقرأ في نفس الموضوع:

- 2011، ليبيا في حقبة ما بعد الدولة (1/5)

- الصراع الليبي: سطوة الميليشيا على السياسة (2/5)

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل