شعار Levant Time

رأي

حين يصبح النصر ضجيجاً
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
أبريل 1, 2026 - 09:45

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تقتصر المواجهات على الميدان العسكري فقط، بل تمتد إلى ميدان آخر لا يقل أهمية: ميدان الرواية. وفي الحالة اللبنانية الراهنة، يبرز سلوك حزب الله في تكثيف تهديداته الداخلية وإغراق الفضاء الإعلامي بسيل من البيانات التي تصل أحيانًا إلى عشرات يوميًا بوصفه ظاهرة تستحق القراءة المتأنية، بعيدًا عن الانفعال، لفهم دوافعها وأهدافها وانعكاساتها. أول ما يلفت في هذا السلوك هو الكمّ غير المسبوق من البيانات التي تتحدث عن "عمليات نوعية" و"بطولات ميدانية" في الجنوب. هذا الإيقاع المرتفع لا يمكن تفسيره فقط بوقائع عسكرية صرفة، بل يدخل في إطار ما يُعرف بـ"إدارة المعنويات". فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بالصورة والخبر والانطباع. وعندما يشعر أي طرف أن موقعه تحت الضغط سواء عسكريًا أو سياسيًا يلجأ إلى تضخيم إنجازاته للحفاظ على تماسك بيئته الحاضنة ومنع تسلل الشك إليها. أولًا: شدّ العصب الداخلي يواجه حزب الله اليوم تحديات داخلية غير مسبوقة. بيئته الاجتماعية تعاني من تداعيات اقتصادية قاسية، ومن آثار مباشرة للحرب على مناطق نفوذه، سواء في الجنوب أو الضاحية أو البقاع. في مثل هذا السياق، يصبح رفع منسوب الخطاب التعبوي ضرورة للحفاظ على الالتفاف الشعبي. كثافة البيانات ليست مجرد نقل معلومات، بل رسالة مستمرة إلى الجمهور تقول: "نحن أقوياء، نحن نمسك بزمام المبادرة، والتضحيات لها معنى". هذا النمط من الخطاب يهدف إلى منع تآكل الشرعية الداخلية، خصوصًا مع تزايد الأسئلة داخل البيئة نفسها حول كلفة المواجهة وجدواها. فحين ترتفع الخسائر أو تتسع دائرة الأذى، يصبح من الضروري إنتاج سردية موازية تبرر وتُعيد تأطير الواقع. ثانيًا: التعويض عن فجوة الواقع في كثير من الحالات، كلما زاد التضخيم الإعلامي، دلّ ذلك على وجود فجوة بين الخطاب والواقع. ليس بالضرورة أن تكون كل البيانات غير صحيحة، لكن الإغراق في التفاصيل اليومية والبطولات المتكررة قد يكون محاولة لملء فراغ أو لتغطية محدودية التأثير الفعلي على مجريات الصراع. هنا يدخل العامل النفسي بقوة: تكرار "الانتصارات" يصنع إحساسًا تراكميًا بالقوة، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا. هذا الأسلوب معروف في أدبيات الحروب، حيث يُستخدم الإشباع الإعلامي لإغراق المتلقي ومنعه من التدقيق أو المقارنة. ثالثًا: الردع عبر الضجيج إحدى وظائف هذا التصعيد الخطابي هي بناء ردع نفسي، ليس فقط تجاه العدو الخارجي، بل أيضًا تجاه الداخل اللبناني. عندما يُكثّف الحزب تهديداته ويُظهر نفسه كقوة دائمة الحضور والاستعداد، فهو يبعث برسالة مزدوجة: للخصوم في الخارج بأنه لا يزال قادرًا على المبادرة، ولخصومه في الداخل بأن أي محاولة لمواجهته سياسيًا أو شعبيًا ستكون مكلفة. هذا ما يفسر أحيانًا لهجة البيانات الداخلية التي تتجاوز توصيف المعارك إلى التهديد المباشر أو غير المباشر. إنها محاولة لرسم خطوط حمراء داخلية، في مرحلة يشعر فيها الحزب أن موقعه لم يعد محصنًا كما في السابق. رابعًا: إدارة التناقضات السياسية حزب الله ليس مجرد تنظيم عسكري، بل لاعب سياسي أساسي في لبنان. وهو يواجه اليوم معادلة صعبة: من جهة، يريد الحفاظ على دوره "المقاوم"، ومن جهة أخرى، يواجه ضغطًا متزايدًا داخليًا وخارجيًا لحصر السلاح بيد الدولة. وبالتحديد بعد اعتباره خارجا عن القانون. في هذا السياق، يصبح التصعيد الإعلامي أداة لتأجيل النقاش الحقيقي. فبدل الدخول في مواجهة سياسية مباشرة حول سلاحه ودوره، يُعيد الحزب توجيه الاهتمام نحو "المعركة الكبرى" في الجنوب من جهة، وتكثيف هاجس الخوف من النظام السوري الجديد. كثافة البيانات تساعد في تغيير جدول الأعمال العام، بحيث تبقى الأولوية للحرب لا للنقاش الداخلي. خامسًا: التأثير على الرأي العام العربي والدولي لا يقتصر جمهور هذه البيانات على الداخل اللبناني. هناك بعد إقليمي ودولي واضح. الحزب يسعى إلى تثبيت صورة أنه لا يزال لاعبًا مؤثرًا في الصراع مع إسرائيل، رغم كل التحولات. عبر تضخيم عملياته، يحاول استعادة موقعه في الوعي العربي كقوة مواجهة، في وقت تراجعت فيه هذه الصورة لدى جزء من الرأي العام. كما أن هذا الخطاب يهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد ضده، عبر الإيحاء بقدرته على توسيع دائرة المواجهة. حتى لو لم يتحقق ذلك فعليًا، يكفي أن يبقى احتمالًا حاضرًا في حسابات الآخرين. سادسًا: منطق التعبئة المستمرة منذ تأسيسه، يعتمد حزب الله على نموذج "التعبئة الدائمة". أي أن حالة الطوارئ ليست ظرفًا استثنائيًا بل حالة شبه مستمرة. في هذا النموذج، يصبح الإنتاج الإعلامي المكثف جزءًا من البنية التنظيمية، لا مجرد رد فعل ظرفي. لكن المشكلة أن هذا النمط، عندما يُستخدم بكثافة مفرطة، يفقد تدريجيًا مصداقيته. فالإفراط في الادعاء قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: بدل تعزيز الثقة، يزرع الشك، خصوصًا لدى جمهور أوسع خارج البيئة الحزبية. سابعًا: المخاطر المترتبة هذا التصعيد الخطابي لا يخلو من مخاطر جدية: تآكل المصداقية عندما لا تتطابق الرواية مع ما يراه الناس أو يسمعونه من مصادر أخرى. رفع منسوب التوتر الداخلي إذ التهديدات المتكررة قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام والاحتقان. تقييد هامش المناورة السياسية لأنه كلما ارتفع سقف الخطاب يصبح التراجع أكثر صعوبة. تعريض لبنان لمخاطر إضافية لأن الخطاب المتشدد قد يُستخدم ذريعة لتصعيد مقابل. ثامنًا: ماذا يعني ذلك للبنان؟ لبنان اليوم في لحظة دقيقة، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع التوتر الأمني والانقسام السياسي. في مثل هذا السياق، يحتاج البلد إلى خطاب يخفف الاحتقان لا يزيده، وإلى شفافية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن ما نشهده هو العكس: فائض في الخطاب، ونقص في الثقة. وهذا ما يجعل من سلوك حزب الله الإعلامي جزءًا من الأزمة، لا مجرد انعكاس لها. الواضح أن تكثيف التهديدات وإغراق الساحة بالبيانات ليسا ظاهرة عشوائية، بل يعكسان استراتيجية قائمة على إدارة المعنويات، شدّ العصب، وبناء ردع نفسي في ظل تحديات داخلية وخارجية متزايدة. لكن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها على المدى القصير داخل بيئة محددة، تحمل في طياتها مخاطر جدية على المدى المتوسط والبعيد، سواء على الحزب نفسه أو على لبنان ككل. في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة أي طرف لا تُقاس فقط بما يقوله، بل بمدى تطابق قوله مع الواقع. وفي زمن تتعدد فيه مصادر المعلومات، يصبح الحفاظ على المصداقية هو التحدي الأكبر والاختبار الأصعب.

اختيار الخوف من الاختيار
بقلم
أكرم نعمة
نُشر
مارس 31, 2026 - 10:23

يعيش لبنان تحت الضغط، بين ما يضربه من الخارج وما يشلّه من الداخل، وبمرور الوقت، صار ما كان استثناءً شبه عادي. المشكلة الحقيقية لم تعد فحسب ما يأتي من الخارج؛ إنها تكمن في هذا العجز عن الحسم، في تلك اللحظة المعلّقة التي يرى فيها الدولة بجلاء تام ما ينبغي فعله، غير أنها لا تستطيع أن تُقدِم على الخطوة. ليست قصوراً في الفهم. إنها خوف تسرّب ببطء، تغذّى عليه تاريخٌ طُبعت فيه كل مواجهة داخلية بجراح بالغة العمق، تستعصي على النسيان. حين يكون البلد قد عرف الحرب، لا يكتسب ردود الفعل وحسب، بل يحمل معه صدمات ومخاوف متجذّرة وآليات بقاء تدفعه إلى التحاشي والالتفاف والتأجيل، حتى حين يصبح هذا الهروب بحد ذاته خطراً. فيُتكلَّم إذاً، ويُفسَّر، ويُتحاشى، ولا يُفعَل شيء. لم يعد هذا حذراً. هذا شلل. هنا يتمكّن التناقض. كلما ازدادت الصورة وضوحاً، قلّ التعامل معها، كأن الرؤية الأجلى تجعل كل قرار أعسر مواجهةً. تُعطى هذه العقدة أسماء مطمئنة — يُقال تحفّظاً، يُقال واقعية، يُكسى التقاعس بكلمات مقبولة، في حين أن الأمر في جوهره عجز عن الذهاب حتى النهاية فيما هو معلوم أصلاً. يُتشبَّث بحلول وسطى، وبتوازنات هشّة، وبتسويات توهم بالصمود، وهي في الواقع لا تفعل سوى تأجيل المحتوم، فيخدم الوقت المكتسب لا البلدَ بل ما يعيقه. يُطمأَن بالحديث عن الاستقرار، والحقيقة أن ثمة استسلاماً للوهم، وهماً بأنه أذكى من الواقع، كأن تأجيل القرار هو ضرب من السيطرة عليه. لكن هذه الإجراءات المنقوصة لا تستقر شيئاً. إنها تُرسِّخ المشكلة وتُثبّتها وتُضفي عليها الشرعية يوماً بعد يوم، وتجعلها فوق ذلك أعسر تصحيحاً. ما كان يُفترض أن يكون مؤقتاً يتجذّر، وما كان يُفترض أن يكون استثناءً يصير قاعدة، وما كان يُفترض أن يُطعَن فيه يفرض نفسه في نهاية المطاف. في هذه الأثناء، لا تنحسر موازين القوى؛ بل تتوطّد وتتنظّم وتتطبّع، وما كان ممكناً بالأمس بات اليوم محفوفاً بالمخاطر، وغداً سيكون شبه مستحيل. لا يتلاشى الخيار يوماً، لكنه يتراجع ويتصلّب ويُثقَل، حتى يبلغ الوقت الذي يعني فيه الامتناع عن القرار قبولاً لما يُدّعى رفضه. لا يُقال إن لبنان يفتقر إلى البصيرة. ما يفتقر إليه هو دولة قادرة على تحمّل المسؤولية إزاء القرارات التي تعرف أنها ضرورية. ليست هذه حالاً بلا مخرج. المخرج موجود، لكنه يستلزم ثمناً لا تزال ترفض دفعه. ليست قنابل العدو هي التي تُسقط الدولة. إنه اليوم الذي تقبل فيه الدولة أنها لم تعد هي من يقرر.

بيتنا الخطر، وحروبُنا لاتنتهي!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مارس 28, 2026 - 11:26

“بيتنا الخطر” ، تعبير مستعار من سعيد عقل. لم يكن ميشال شيحا يخدع نفسه بشأن وحدتنا الوطنية السطحية! ومن كان ليُخدع بها أساسًا؟ هذا الكاتب كان يخشى، فوق كل شيء، شياطين الانقسام والعنف التي طاردت ذاكرتنا كلبنانيين. كان لبنان بالنسبة له: « بلد يجب أن تدافع عنه التقاليد ضد القوة… » التفتت الوطني والإرث التاريخي الاشتباك الذي يتواصل أمام أعيننا منذ أكتوبر 2023، قد يُنظر إليه على أنه اشتباك دولي أو إقليمي بين إسرائيل وإيران، ولكنه أيضًا، فيما يخصنا، امتداد لصراع داخلي متجذر بين الفصائل اللبنانية. وفي الواقع، كان مقدّرًا أن تظل الأسئلة الشائكة ذاتها تطرح علينا دائمًا: أي طائفة تتولى زمام الأمور في البلاد، وأيها يحظى بنصيب الأسد من إيرادات الدولة؟ من هنا بلا شك، من هذا الواقع الذي يشعر به الفاعلون السياسيون وغيرهم من الأطراف الفاعلة بشكل مختلف، تنبع جميع صراعاتنا الداخلية، والحدة التي تميزها، والدماء التي تلطخها! في هذه اللحظة بالذات، هناك بشكل عام المجتمع الشيعي الذي، بعد أن ربط مصيره بطريقة ما بسياسات آيات الله، اتخذ موقفًا في مواجهة الطوائف اللبنانية الأخرى التي تجمعت بالصدفة في المعسكر السيادي. لنذكر أن هناك صلة طبيعية بين «وقتنا التاريخي» الحالي وزمن الأزمات العنيفة أو «الحروب الصغيرة» في 1975، 1958، 1925-7. وهكذا يمكننا العودة إلى عامي 1860 و1845، أو حتى أبعد من ذلك، لنجد نفس المجموعات الطائفية في صراع، حتى لو تغيرت التحالفات وتفككت من حين لآخر، وغيرت بعض الطوائف موقفها. في لبنان، الحرب من أجل ألا يتغير شيء بالنسبة لليوم، إذا كانت إسرائيل تريد الحرب الأبدية، وإذا كان، بحسب بعض المراقبين، حكومتها تعتزم مواصلة الأعمال العدائية للبقاء في السلطة، فإن وضعًا معاكسًا يسود لدينا: إنها الحرب التي استولت علينا، والتي لا تنوي التخلي عنا. الصراع جوهري للكيان اللبناني، سواء امتدت حدوده إلى حدود القائمقاميتين المزدوجتين في القرن الـ تاسع عشر أو إلى حدود لبنان الكبير عام 1920. ربما لم نُخلق لنبقى معًا، متجاورين بهذه الطريقة. ولكن، لو قلنا عكس ذلك! فقد نجونا دائمًا من الأزمات. وتجاوزناها دائمًا بفضل نخب سياسية اختارت سبل التهدئة والتسوية، مثل بشارة الخوري ورياض الصلح عام 1943، ومثل فؤاد شهاب وصائب سلام ورشيد كرامي بعد أحداث عام 1958. ولكن في تلك الفترة، كان لدينا في القيادة حكماء، من كبار برجوازية التقاليد، الذين كانوا يكرهون الاستخدام المطول للقوة وإدامة حالات التمرد. لا هم أيديولوجيون، ولا كوميتادجيون، بل كانوا يديرون الأمور بأفضل شكل ويحرصون على نزع فتيل الأزمات التي قد تثيرها سياستهم الخاصة. المماليك، الباشبوزق و«فيجيلانتيس» ولكن ماذا لدينا اليوم؟ حزب يعلن نفسه ثوريًا بفضل الله، ويدعو إلى العنف. مجهّز عسكريًا ومخضرم، لا يستخف بالانقلابات. يتلقى تعليماته من طهران، وقد تدخل لإعادة النظام في سوريا وانغمس برأسه في حرب إقليمية من أجل عينيّ مشغله الإيراني. لم تشهد البلاد مثل هذا الاحتلال قط (1): لا تحت حكم المماليك ولا تحت حكم الباشبوزق! إنه يدخل المشهد السياسي اللبناني من خلال الوحشية والتهديد والترهيب. ومما يزيد الطين بلة، أن جيشنا الوطني، الضامن لسيادتنا، أصبح مقصورًا على لعب دور قوة فاصلة بين الأحياء المتجاورة والطوائف المتحاربة. قوة درك ( جندرمة ) كما في عهد المتصرفية، ولكنها أكثر ميكنة، لا تزال مفيدة، ولكنها لا تستطيع تلبية متطلبات الساعة! ثم، ووفقًا للأمريكيين، الموردين الرئيسيين لمعداتها، فإن هذه القوة الشرعية لم تفِ بالتزاماتها فيما يتعلق بنزع السلاح من جنوب لبنان ونزع سلاح الميليشيا التي تحمست بشدة. رقص على بركان بناءً على ذلك، كيف يمكن لسكان مدنيين مواجهة «الحزب الإلهي» وأتباعه المتعصبين؟ يمكنني القول لكم إن جيوبًا من المقاومة ستتكون. « فيجيلانتيس » كما يُقال بالإسبانية، جماعات غير نظامية تعلن نفسها، وتستحوذ على حق ضمان الأمن، ستظهر، وقبل كل شيء، ستفرض نظامها. مع نزوح مليون شخص إلى مناطق مكتظة بالسكان بالفعل، ومتوجسة وتتوخى الحذر، ننحدر تدريجياً نحو صراع مفتوح. سيشتعل النار. وذلك في نقاط مختلفة من الإقليم. 1 - عندما نفكر أنه، خلافًا للأعراف الدبلوماسية، يرفض سفير إيران، المعلن شخصًا غير مرغوب فيه، التخلي عن منصبه!

نبيه بري: مهندس سقوط الدولة وشريك الاحتلال الإيراني
بقلم
مكرم رباح
نُشر
مارس 26, 2026 - 05:05

في لحظة مفصلية يعيشها لبنان، لا يمكن التعامل مع قرار طرد السفير الإيراني على أنه مجرد إجراء دبلوماسي عابر. هذا القرار، بكل بساطة، هو أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على أن تقول "لا" لمشروع إقليمي صادر سيادتها منذ سنوات. لكن المشكلة، وكما هو الحال دائماً، ليست فقط في الخارج… بل في الداخل، وتحديداً في من يفترض أنهم شركاء في الحكم. هنا تحديداً يبرز اسم نبيه بري. بري، الذي يحاول اليوم أن يتذاكى سياسياً ويقدّم نفسه كضامن للاستقرار، هو في الواقع أحد أبرز معطّلي أي مسار سيادي حقيقي. فالرجل الذي لطالما قدّم نفسه كـ"صمام أمان"، تحوّل إلى صمّام تعطيل، يفرمل أي خطوة قد تضع حداً لهيمنة حزب الله وإيران على القرار اللبناني. فلنكن واضحين: المشكلة ليست في طرد السفير الإيراني بحد ذاته، بل في المنظومة التي سمحت لهذا السفير أن يتصرف كحاكم فعلي، يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية، ويعلن مواقف تتعدى الدولة اللبنانية نفسها. وعندما تأتي لحظة المحاسبة، يخرج علينا بري ليقول إنه "غير مستأمن" لهذا القرار، وكأن السيادة اللبنانية وجهة نظر قابلة للنقاش. ما يقوم به بري اليوم ليس وساطة، بل جريمة بحق لبنان. هو يدرك تماماً أن طرد السفير لن يخرج الحرس الثوري من لبنان، لكنه في الوقت نفسه يرفض حتى هذا الحد الأدنى من المواجهة السياسية. لماذا؟ لأن أي مواجهة حقيقية تعني تفكيك النظام الذي هو أحد أعمدته الأساسية—نظام الفساد والمحاصصة الذي وفّر الغطاء السياسي لسلاح حزب الله لعقود. الأخطر من ذلك أن بري، الذي وعد سابقاً بأنه قادر على "لجم" حزب الله وإعادته إلى كنف الدولة، غائب اليوم بشكل شبه كامل. لا موقف واضح، لا مبادرة، فقط أصوات جانبية تهاجم وتخوّن وتحذّر من "استفزاز الشيعة"، وكأن السيادة باتت تعدياً طائفياً. هذه هي المعادلة التي يحاول بري تكريسها: تحويل أي نقاش حول سلاح حزب الله أو النفوذ الإيراني إلى تهديد طائفي. وهي معادلة خطيرة، لأنها لا تحمي الشيعة—بل تضعهم رهائن لمشروع إقليمي لا يأبه بدمائهم ولا بمصيرهم. في الواقع، ما نشهده اليوم هو محاولة إنقاذ متأخرة—ليس فقط للدولة، بل أيضاً لجزء كبير من الشيعة الذين تم اختطاف قرارهم السياسي. وهنا المفارقة: القوى التي يهاجمها حزب الله وحلفاؤه هي نفسها التي تستقبل النازحين وتؤمّن لهم الحد الأدنى من الكرامة، في حين تُستخدم قراهم ومدنهم كساحات حرب. أما التهديد بالانسحاب من الحكومة، فهو ليس أكثر من مسرحية مكررة. فالمشكلة ليست في وزيرين يمكن استبدالهما، بل في منظومة مسلحة تتصرف كدولة داخل الدولة. وإذا كان بري يعتقد أن الضغط عبر الشارع أو التهويل بحرب أهلية سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فهو يخطئ التقدير. لبنان تغيّر. لم يعد بالإمكان تسويق سلاح حزب الله كـ"مقاومة"، بعد أن استُخدم في الداخل، وبعد أن ارتبط عضوياً بمشروع إيراني عابر للحدود. ولم يعد ممكناً إقناع اللبنانيين بأن الاستقرار يمر عبر التسويات مع من يجرّ البلاد إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل. نعم، هناك خطر تصعيد. نعم، هناك احتمال احتكاك. لكن الأخطر هو الاستمرار في هذا الإنكار الجماعي، وفي هذه السياسة التي تحاول تحويل المغتصِب إلى شريك شرعي في الحكم. الدولة اللبنانية اليوم أمام خيار واضح: إما أن تستمر في التواطؤ، كما يريد بري ومن يمثل، أو أن تبدأ—ولو بخطوات خجولة—في استعادة قرارها. قد لا يكون طرد السفير الإيراني كافياً، لكنه رسالة. رسالة إلى الداخل قبل الخارج، بأن هناك من يرفض أن يبقى لبنان منصة لحروب الآخرين. ورسالة أيضاً إلى نبيه بري تحديداً: زمن اللعب على الحبال انتهى، ومن يظن أنه يستطيع الاستمرار في إدارة هذا الانهيار كأنه تفصيل سياسي، سيفاجأ بأن الأرض التي يقف عليها بدأت تهتز. لبنان لا يحتاج إلى وسطاء داخل السلطة، بل إلى دولة. ودولة لا يمكن أن تقوم طالما أن من يفترض أنهم حراسها، هم أول من يفرّط بها. وإذا كان لا بدّ من التذكير، فإنّ ما نشهده اليوم ليس إلا تكراراً مشوّهاً لسيناريو 6 شباط 1984، حين رُفعت شعارات “رفع الظلم” لتبرير انقلابٍ على الدولة، انتهى بتحويل السلاح من أداة ادّعاء حق إلى أداة فرض أمر واقع. يومها، لم يحمل الذين نزلوا إلى الشارع السلاح دفاعاً عن الدولة، بل لأنهم اعتبروها غائبة، فقرّروا أن يحلّوا مكانها. لكنّ النتيجة لم تكن استعادة الدولة، بل دفنها. والمفارقة أنّ الأخ الأكبر و من ادّعى محاربة الظلم، تحوّل مع الوقت إلى الظالم الأكبر، يحتكر القرار، ويصادر المؤسسات، ويعيد إنتاج نفس المنطق الذي ثار عليه. واليوم، يعيد نبيه بري وحلفاؤه تدوير هذه التجربة البائسة: نفس الذريعة، نفس السلاح، ونفس النتيجة—دولة مخطوفة، وشعب يُطلب منه أن يصفّق لجلّاده باسم “الكرامة” و”الحقوق”.

خديعة «المهادنة» في مواجهة نظامٍ دمويّ
بقلم
خليل حلو
نُشر
مارس 24, 2026 - 17:20

منذ 108 أعوام، وقبل أشهرٍ قليلة من نهاية الحرب العالمية الأولى – وتحديداً في 18 آذار 1918 – صرّح جورج كليمنصو، رئيس الوزراء ووزير الحرب الفرنسي، أمام الجمعية الوطنية قائلاً: «يقولون: نحن لا نريد الحرب، بل نريد السلام في أسرع وقت ممكن. آه! أنا أيضاً أتوقُ إلى السلام في أقرب وقت، والجميع يرغبون في ذلك. وسيكون مجرماً كبيراً مَن يحمل فكراً مغايراً، ولكن يجب أن نعرف ماذا نريد. فليس بالثغاء طلباً للسلام نُسكت العسكرة البروسية. سياستي هي: أنا أصنع الحرب». إنّ هذا الإعلان الصادر عن «أب النصر» عام 1918، يستحقّ وقفة تأمّل مليّة وربطاً بالواقع في ظلّ الحرب الإقليمية الدائرة اليوم. مِمّا لا ريب فيه أنّ مَن لا يعتنقون السلام هم مجرمون كبار! ولكن، حريٌّ بنا أن نقول ذلك لنظام طهران. ففي سجلّ هذا النظام – فيما يخصّ السلام والعدالة والحريات – أرقامٌ ناطقة بحدّ ذاتها. فخلال الأعوام التي تلت ثورة الخميني، أمرَ آية الله صادق خلخالي، سيئ الذكر، وحده بإعدام 10.000 معارض. وقد بلغت شهرته حدّاً لُقِّب معه بـ «القاضي الشنّاق». وبين عامي 2023 و2025، أعدم نظام الملالي 4.000 شخص من أصل 6.000 حالة إعدام جرى إحصاؤها في العالم خلال الفترة نفسها. إنّ القمع الدموي في إيران يتحدث عن نفسه: فبين عامي 1980 و2022، قُتل أكثر من 10.000 معارض خلال المظاهرات في الشوارع. أما خلال الاحتجاجات الأخيرة عام 2026، فقد سقط أكثر من 30.000 متظاهر برصاص ميليشيا «البسيج». وللتذكير، فقد قدّم الحرس الثوري والملالي دعماً غير مشروط لنظام الأسد الدموي – الأب والابن على السواء – في سوريا، ولحزب الله في لبنان. مستقوياً بهذا الدعم، يروّج الأخير للحرب، بقرع الطبول، منذ أكثر من أربعة عقود ولا يزال. فهو لم يضع السلام يوماً في حسبانه، بل جلّ ما عرفه هو «هدنات» بين حربين، تُستغلّ لإعادة التسلّح والتنظيم. أكثر من ذلك، نجح الحزب في استقطاب مؤيدين متحمسين ووصوليين لتبنّي مواقفه وخياراته. وهؤلاء جرى «تنشيطهم» فجأة في الأيام الأخيرة، حيث يطرحون أنفسهم كرموز لـ«مقاومة صالونات»، في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. لقد بات حزب الله اليوم خاضعاً للتبعية التراتبية المباشرة لقيادة الحرس الثوري الإيراني. وفي رصيده منذ عام 2005، سلسلة اغتيالات بدأت برئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وتلاها سقوط شخصيات من قوى 14 آذار في دوامة العنف نفسها، والتي انتهت – حتى الساعة – باغتيال الناشر والناشط السياسي والاجتماعي لقمان سليم. وقد ساعدت هذه الاغتيالات حزب الله في ترهيب السياديين، وفي اختراق كافة مؤسسات الدولة اللبنانية وإداراتها – عبر زرع حشدٍ من الفاسدين والمستسلمين – وذلك على حساب اللبنانيين الطامحين إلى دولة قانون حقيقية منذ الاستقلال؛ وهو ما قاد الجمهورية، في نهاية المطاف، نحو الغرق. وكان حزب الله قد وجد في مواجهته، منذ عام 1999، مفكرين وصحافيين ورجال دين وحركات طالبية، واجهوا على مرّ السنين قمعاً مستمراً مارسته أجهزة أمنية خضعت في بادئ الأمر للاحتلال السوري، ثم لحزب الله وحلفائه. وفي مرحلة لاحقة، برزت الأحزاب المناهضة للحزب، غير أنّ نتائج تحركاتها ظلّت هزيلة. ففي أعلى هرميات الدولة، تراوحت السلوكيات بين التواطؤ المباشر أو غير المباشر مع إيران، وبين «المهادنة». أما أبطال هذه «المهادنة» – الذين برّروا مواقفهم بأولوية السلم الأهلي – فقد أدمنوا إلقاء خطابات باهتة ومملّة، تصلح لكل زمان ومكان. لقد انتظر هؤلاء «المستكينون» عبثاً أياماً أفضل، وتعاملوا مع حزب الله تماماً كما تعامل الحمل مع الذئب في أسطورة «لا فونتين» . علاوةً على ذلك، ينتقد مُطلِقو «ثغاء» السلام – في لبنان والغرب على حدّ سواء – الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد النظام الدموي والعنصري في إيران؛ ذلك النظام الذي يتوسّل الدبلوماسية كمجرّد «تكتيك» لكسب الوقت، وإرضاخ خصومه، وتحريك بيادقه في مجالات التسلح والبرنامج النووي والتخريب الإقليمي . ولا يملك أبطال السلام هؤلاء ما يقترحونه سوى المهادنة في مواجهة طهران، متذرّعين بأنّ سياسة العقوبات التي انتهجتها واشنطن والغرب لم تُجدِ نفعاً طوال ثلاثة عقود. قد يكون هذا الكلام صحيحاً جزئياً، ولكن لولا هذه العقوبات، هل كنا سننعم بعلاقات حسن جوار مع إيران؟ ألم يتباهَ الملالي، في لحظة ما، بفرض سيطرتهم على بغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء؟ لولا العقوبات – ألم يكن هذا الواقع ليمسي أكثر قتامة وسوءاً؟ ينتقد مُطلِقو «ثغاء» السلام أنفسهم الرئيس ترمب – محقّين كانوا أم مخطئين – سواء لجهة منظومته القيمية أو لشنّه الحرب على إيران. وهؤلاء قد سارعوا إلى إطلاق الأحكام والنتائج منذ الساعات الأولى للحرب؛ فما كان لنظام الملالي أن يجد أنصاراً ومؤيدين أفضل منهم. قد يسقط هذا النظام غداً، أو قد يصمد لشهور أو سنوات، لكنه سيجد نفسه حتماً في عجزٍ تام عن الاستمرار في «تصدير ثورته» إلى المنطقة بفعالية، كما ينصّ الدستور الإيراني. إنّ الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران ستترك آثاراً حتمية وطويلة الأمد على الاقتصاد العالمي، وعلى القدرة الشرائية لدافعي الضرائب حول العالم. هذا هو الثمن الذي لا بدّ من دفعه للحدّ من أذى نظامٍ أمعن في زعزعة استقرار العالم العربي، بل العالم بأسره. إنّ أولئك الذين لم يختبروا روح النضال لن يفهموا هذا الأمر أبداً! أما «تجار الهيكل» – الذين يسكنهم هوس الأعمال والصفقات دائماً – فلا يجدون ضيراً في رؤية الهيمنة وهي تتمدّد، أو في مشاهدة تآكل القيم واندثارها.

لانتفاضة شيعية ضد الحزب!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مارس 21, 2026 - 13:34

على الشيعة اللبنانيين وحدهم أن يتبرأوا من حزب الله، وأن يضعوا حداً لهيمنته، وبالتالي لسيطرة الحرس الثوري على بلادنا * نفس السيناريو في إيران: مهما دمرت الضربات الإسرائيلية-الأمريكية المشتركة علي لاريجاني وحاشيته وقواته القمعية، فإن انتفاضة شعبية وحدها هي القادرة على إسقاط استبداد ولاية الفقيه . سيقر المراقبون المطلعون في النهاية بذلك: لا حل للمأساة الفارسية، ولا تسوية للأزمة الإيرانية دون مواجهة بين المواطنين، أي دون صراع أهلي. ;لذلك على الشعوب أن تطالب بحقها في الحياة! الخلاص! في بلدنا المنكوب، لا الجيش اللبناني، ولا مهمات المساعي الحميدة، ولا الحرب الأهلية، ولا القصف الإسرائيلي، ولا إنزال القوات العربية أو التركية أو الغربية، قادرون على إخراج «الحزب الإلهي» من اللعبة. ولأنه يحكم العقول، فإن معقله منيع، وأن نقله المادي لن يكون كافياً للقضاء عليه. فإذا انتزع من أرضه الأجدادية، ورمي على الطرقات، واحتجز في مخيمات عشوائية، فإن «بيئته الحاضنة» التي كانت بمثابة الرحم له، ستبقى مرتبطة به، موالية ومخلصة ومكتسبة. هذا واقع ميؤوس منه، إذ أن الطائفة الاثني عشرية وحدها هي المخولة بإبطال الحزب وإخراجنا من المأزق الذي نتخبط فيه. هل توجد مسؤولية اثنا عشرية؟ ولكن إذا كان لبنان غارقاً، ومؤسساته معطلة، وسكانه يتعرضون للعنف، فهل نضع اللوم على جميع الشيعة؟ فلنعترف بأن حزب الله , الآن بصفته فاعلاً إقليمياً، كان قد راودهم بمشاعر الفخر وحب التحدي والمخاطرة. ولكن بفعل ذلك، كان سيجرهم إلى أخطار الانفلات العام وهيمنة الجنون. بعض النفوس المتعطشة للانتقام لن تتردد في تحميل جميع الاثني عشريين مسؤولية سياسية أو حتى جنائية عن الكوارث المتتالية التي تلم بنا. ففي النهاية، أعاد الناخبون الشيعة، من دورة تشريعية إلى أخرى، نفس الممثلين إلى الجمعية الوطنية كما وافقوا على السياسات التي دعا إليها هؤلاء بناءً على اقتراح مرشديهم الإيرانيين. بهذا المعنى، قام مواطنونا في الجنوب والبقاع والضاحية بما لم يكن ينبغي لهم فعله. والأكثر من ذلك، ببقائهم سلبيين، لم يفعلوا ما كان عليهم فعله: ما كنا نتوقعه منهم كشعب لبناني يضع مصالح بلادنا الحصرية في المقام الأول. في مناسبتين، وهما 8 أكتوبر 2023 و 2 مارس 2026، لم يتمكنوا من كبح جماح الحزب الذي كان يسلك عناداً طريق المواجهة مع إسرائيل! ولكن هل كانوا قادرين على منع هذه القرارات المصيرية من بين جميع القرارات، على سبيل المثال لا الحصر؟ سيُزعم طويلاً أن الانحرافات غير المعقولة لـ«الحزب الإلهي» كانت من فعل مجموعة صغيرة، وليست ثمرة ثقافة معينة ولا النتيجة المنطقية لإيديولوجية دينية توحّد المجتمع. دعوة إلى التمرد والتحريض على «الانتفاضة» في هذه اللحظة بالذات، يُعتقد أنه يجب أن نتوقع توغلاً برياً. فبدلاً من ترك الإسرائيليين يفتكون بـ الحزب ويخلون جنوب لبنان من سكانه، يمكن للبيئة الشيعية أن تتخذ المبادرة التي تضمن لها خلاصها الخاص. صرخة هائلة من النازحين، الذين يبلغ عددهم مليون شخص، قد تدفع الميليشيا المدججة بالسلاح التي احتجزت لبنان رهينة، إلى التخلي عن أوهامها البطولية ومغامراتها المتهورة. وبالأساس، أن تتخلى عن أسيادها الإيرانيين. كانت بيروت الغربية قد «تبرأت» من ياسر عرفات خلال حصارها من قبل الإسرائيليين عام 1982. وقد وعدت منظمة التحرير الفلسطينية بجعل عاصمتنا ستالينغراد جديدة. تدخل صائب سلام، معبراً باسم السكان الغاضبين، أعاد ضيوفنا الفلسطينيين إلى مكانهم: تم إركابهم على متن سفن فرنسية متجهة إلى تونس. ومع ذلك، فإن التردد الذي يمارسه نبيه بري لن يضع حداً للانتحار المستمر أمام أعيننا. وحدها انتفاضة، وحدها حركة جذرية، وحدها المظاهرات والاعتصامات، يمكن أن تجبر أولئك الذين يستولون على السلطة دون وجه حق على التراجع. على الشيعة أن ينتزعوا أسلحة الحزب ! وعليهم أن يخاطروا من أجل الحرية، حريتهم وحريتنا! * وللتذكير، فقد انضم المسيحيون إلى الشرعية الحكومية في 1988-1989، رافضين عملياً سيطرة الميليشيات على المنطقة الشرقية!

أبناؤنا النُّجَبَاء الضَّالُّون
بقلم
أكرم نعمة
نُشر
مارس 21, 2026 - 06:54

في كلّ عائلة أحدٌ غادر ليدرس في الخارج. ابنٌ أو ابنة، ابن أخٍ أو بنت أخت. دفعنا أقساط الدراسة، عضضنا على الأسنان، كنّا فخورين. نالوا شهاداتهم. ذهبوا للعمل في الخليج. كنّا نسمّي ذلك نجاحاً. اليوم، هذه الحكاية تقترب من نهايتها. قرّرت دول الخليج إيلاء الأولوية في التوظيف لمواطنيها. هذا حقّها، وهو توجّهٌ بنيوي عميق لا إجراءٌ وقتيّ عابر. المشاريع الكبرى للرؤية الاقتصادية، كرؤية المملكة العربية السعودية 2030، مُصمَّمة تحديداً للحدّ من الاعتماد على العمالة الأجنبية. اللبنانيون العاملون هناك بدأوا يتلقّون خطابات الإنهاء، وكثيرٌ ممّن بقوا يرون عقودهم تنتهي دون تجديد. والأسوأ من ذلك، الحرب، أو بالأحرى الاضطراب المزمن. المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، والتوتّرات في البحر الأحمر، وهشاشة التوازنات السياسية في أرجاء المنطقة، كلّ ذلك بثّ الريبة وزرع عدم اليقين. الشركات الأجنبية تستعيد موظّفيها احتياطاً. المستثمرون يرحلون. الاقتصاد يتباطأ. الخليج، ذلك السوق المفتوح يوماً، يُغلق أبوابه. ربما ليس للأبد، لكن للحين نعم. ولا أحد يستطيع التنبّؤ بموعد أو بأيّ صورة سيُفتح من جديد. أوروبا ليست بديلاً موثوقاً على النطاق الواسع. البطالة مرتفعة في كثير من بلدانها، وحواجز الدخول أمام من ليس مواطناً أوروبياً باتت شبه منيعة. إيجاد عمل هناك ليس مستحيلاً بشكل فردي، غير أنه مسارٌ طويل مُكلف مشوبٌ بالغموض. والأهم أن أوروبا لا تملك القدرة ولا الإرادة لاستيعاب تدفّقات كثيفة من بلد واحد. لآلاف الشباب اللبناني في آنٍ واحد، هي ببساطة ليست حلّاً. فماذا يفعلون إذاً؟ لدينا جيلٌ بأكمله، ذكيٌّ، متخرّج من أرقى الجامعات، يتكلّم ثلاث لغات أو أربعاً، عمل في شركات متعددة الجنسيات أو مكاتب استشارية، وهذا الجيل لم يعد يجد مكاناً يذهب إليه. إلّا مكاناً واحداً. لبنان. لبنان بانقطاعات الكهرباء التي تشلّ ساعات العمل، وانهياره المصرفي الذي أذاب مدّخرات عمر، وطبقته السياسية التي نحفظها عن ظهر قلب بما تحمله من صفقات وجمود. القول بأن ذلك ربما يكون خبراً ساراً يبدو ضرباً من المفارقة. لكن دعونا نتأمّل. منذ خمسين عاماً، في كلّ مرة كان فيها الوضع يتدهور في لبنان، حرباً أو أزمةً اقتصادية أو اغتيالات سياسية، كان الأفضل يرحلون. ولأنهم كانوا يرحلون، كان الضغط على المنظومة يتراجع. كانت الهجرة تؤدّي دور متنفّس الضغط. لم يتغيّر شيءٌ في العمق، لأن القوى الحيّة التي كان يمكنها أن تفرض التغيير كانت في مكان آخر. الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية أدّت دور صمّام الأمان الهائل، تمتصّ مشاكلنا عوضاً عنّا. الآن، هذا الصمّام في طور الإغلاق. ليس انغلاقاً مفاجئاً، بل انكماشٌ تدريجيٌّ لا يُردّ. للمرة الأولى منذ عقود، لا يبقى أمام شبابنا المتخرّج من خيار حقيقي سوى أن يتطلّع نحو لبنان. ليس من وطنيةٍ مستجدّة، وإن كان ذلك قد يُعين، بل لأن الأبواب الأخرى تنغلق الواحد تلو الآخر. والتاريخ يُثبت أنه حين تنعدم البدائل، ينتهي الناس إلى البناء حيث يقفون. ليس حبّاً بالوطن، بل بفعل غريزة البقاء الخالصة والسعي إلى التحقّق الذاتي. لأنه الخيار الوحيد على الطاولة. العيش في لبنان اليوم يكلّف أقلّ بكثير مما يكلّف في دبي أو الدوحة أو باريس. شابٌ يعمل لصالح شركة أجنبية وهو يتقاضى أجره بالدولار من بيروت يعيش عيشةً طيّبة، بل مريحة حقاً. هذا النموذج قائمٌ فعلاً، يتجسّد على يد رواد محدودي العدد في القطاع الرقمي وقطاع الخدمات. الآن، يستوجب التطوير والتهيكل. لقد غيّر العمل عن بُعد كلّ شيء. جاءت الجائحة لتُسرّع نزعةً راسخة في العمق: بات بمقدور المرء اليوم أن يعمل لصالح شركة في لندن أو نيويورك أو دبي من صالون شقّته في بيروت. اتصالٌ بالإنترنت مستقر، وفارقٌ زمني قابل للإدارة، وتكتمل المعادلة. العميل في مكان بعيد، والمال يأتي بعملة صعبة، والحياة في لبنان بما تنطوي عليه من جمال وقبح معاً. من يعودون من الخليج لا يعودون خالي الوفاض. معهم مدّخرات، ربما ليست ثروات، لكنّها هامشٌ من الأمان. ومعهم شبكة علاقات مهنية تمتدّ عبر العالم. ولديهم تجربة ما تعنيه إدارة تشتغل فعلاً، وخدمة عملاء فعّالة، وتخطيط بعيد المدى. بإمكانهم إنشاء مؤسسات هنا. صغيرة في البداية. مُصمَّمة لحجم السوق المحلية أو موجَّهة نحو تصدير الخدمات. لكنّها حقيقية. وجيلٌ يعود بكلّ هذا، دون أن يكون له من المنظومة السياسية القائمة ما ينتظره أو يخسره، هو جيلٌ قادر على التصويت بشكل مختلف وبمطالب أعلى. بإمكانه الانخراط في البلديات حيث يُحسم أمر الحياة اليومية فعلاً. بإمكانه تحريك المشهد السياسي بمجرّد رفض الترتيبات المعتادة والتمسّك بمعيار واضح: اختيار الناس بحسب كفاءتهم لا علاقاتهم. هذا لن يحدث تلقائياً. لا شيء تلقائي في هذا البلد. العودة وحيداً دون شبكة أمان ودون مشروع جماعي يُعرّض للابتلاع في المنظومة أو للمغادرة السريعة ومزيد من المرارة. أما العودة في مجموعة منظّمة، مستقلّة مالياً، بكفاءات متكاملة، فذاك شيءٌ آخر بالكليّة. الفارق بين الحالين هو قرار. قرارٌ واعٍ ببناء شيء هنا. لا وعدٌ يهبط من عَلٍ. في كلّ مجلس عائلي لبناني، حول موائد المغتربين، نطرح السؤال ذاته دائماً: أين سيذهب أبناؤنا؟ بات السؤال مُثقلاً بالقلق لأن الأجوبة التقليدية تتلاشى. ربما حان الوقت لطرح السؤال الحقيقي، السؤال المقلق والمحرّر في آن: ماذا يمكنهم أن يبنوا هنا، هؤلاء الذين رأوا كلّ شيء في مكان آخر، لو أُعطوا وأعطوا أنفسهم سبباً للبقاء؟ من كان يتخيّل أن يوماً ما سنتصل بأهلنا في دبي أو الدوحة أو الكويت أو جدّة لنسأل كيف كانت ليلتهم؟ هذه الصورة تختصر كلّ شيء. إنها تروي انقلاب المنظور كليّاً. عقوداً خلت، كنّا نحن في لبنان من يتلقّى مكالمات القلق من آبائنا وإخوتنا المغتربين في الخارج. كنّا نقطة الهمّ. البيت الهشّ الذي يتصلون به ليتثبّتوا أنه لا يزال واقفاً. اليوم، هم من ينبغي أن نتصل بهم. أولئك الذين ظننّاهم مستقرّين في الراحة المعقّمة لأبراج الزجاج والمراكز التجارية المكيّفة. نسألهم كيف كانت الليلة. هل ناموا. هل أعفاهم القلق من زيارته. لأن المنطقة ترتجف. لأن التوازنات التي كنّا نحسبها راسخة تتصدّع. لأن أحداً لا يجد ملجأً، ولا حتى داخل فقاعات التكييف الصحراوية. وفجأة، نستوعب السخرية القاسية للتاريخ. منذ خمسين عاماً أرسلنا أبناءنا إلى الخليج لنحميهم من لبنان. لنضعهم في مأمن من حروبنا وأزماتنا وفوضانا. كنّا نظنّ أنّنا نُرسلهم إلى المستقبل، إلى الاستقرار، إلى القدرة على التنبّؤ. وإذا بلبنان يكاد يصبح اليوم الملاذ النسبي. ليس لأنه أكثر أماناً، فالله يعلم أنه ليس كذلك، بل لأنه حين تشتعل المنطقة بأسرها، يعود المرء إلى بيته. يعود إلى حيث يفهم الرموز ويعرف اللغة، حيث يقرأ الهواء قبل أن ينقلب. من كان يقول إنّنا سنمدّ يوماً يد العون؟ من كان يقول إن المهاجر سيصبح من نواسيه؟ إن الأدوار ستنعكس إلى هذا الحدّ؟ الليل طويلٌ الآن في أرجاء المنطقة. لكن في لبنان على الأقلّ، نحن مُعتادون على الظلام. نعرف كيف نتعامل معه. نعرف كيف نشعل الشموع، ونخترع الضوء، ونبقى واقفين في العتمة. إذاً نعم، لنا الحقّ في الحلم. لنا الحقّ في النظر إلى هذا الجيل العائد والتساؤل: وإن كانوا هم؟ لنا الحقّ في تخيّل أن هذا البلد، بكلّ عيوبه الجسيمة، ربما يملك ورقةً لم يمتلكها من قبلُ قطّ. لم يكن لبنان يوماً مركزاً إقليمياً لأنه لم يكن في حاجة إلى ذلك. كان المال يأتيه من الخليج ومن المغتربين ومن الريع. لماذا يتعب لبناء شيء متين حين كان يمكنه البقاء في الفوضى؟ اليوم، الريع يجفّ. لن يأتي المال بعد الآن ليُصحّح اختلالاتنا. وهذه ربما هي الفرصة الاستثنائية التي يتيحها هذا الوقت. لننظر، على غير عادتنا، إلى مكامن القوة في الوضع. منطقة زمنية تتيح العمل مع أوروبا صباحاً ومع الولايات المتحدة بعد الظهر. ثقافة كوزموبوليتية متعددة اللغات لا نظير لها في المنطقة. تكلفة معيشة عادت تنافسية. احتياطيٌّ من الكفاءات تخرّجت في أرقى المؤسسات وعادت تحمل شهيّة للبناء لم تكن لديها في البداية. والأهم من كلّ شيء: شبابٌ لم يعد يخاف. حين تعيش الانهيار وضياع المدّخرات واختفاء أحبّائك في انفجار، لا يتبقّى الكثير مما تخسره. والذين لا يملكون ما يخسرونه هم الأشدّ خطراً على النظام القائم، والأقوى قدرةً على إرساء نظام جديد. إذاً نعم، لنحلم. لنحلم بأن تصبح بيروت مجدّداً ما كانت عليه: ملتقى المنطقة. ليس ملتقى الأموال المشبوهة وحقائب الأوراق النقدية، بل ملتقى العقول والشركات الناشئة والمؤسسات الباحثة عن كفاءات لا تجدها في مكان آخر. لنحلم بأن تنظر شركات متعددة الجنسيات إلى هذا الجيل ثلاثي اللغات الصامد المبدع وتقرّر: هنا يجب أن نكون. ليس من أجل الموارد الطبيعية، بل من أجل الموارد البشرية. العالم يتغيّر. لم يعد للعمل عنوانٌ ثابت. الشركات تبحث عن بيئات تزخر فيها الكفاءات وتغري فيها تكلفة المعيشة. فلماذا لا نحن؟ ولماذا لا الآن؟ هذا ليس تنبّؤاً. إنه اتجاه. ليس يقيناً بل نيّة. الحلقة الجهنمية التي تكلّمنا عنها، هجرة الأكفاء ونجاة المنظومة بغيابهم، يمكن أن تتوقّف. تتوقّف حين نقرّر أنها تتوقّف. حين يقول العائدون: نحن نبقى. حين يقول من لم يغادروا قطّ: نحن نبني. لنا الحقّ في أن نحلم بغدٍ مختلف. بل علينا ذلك. لأن في بلدٍ لم يعد يقدّم شيئاً، يصبح الحلم آخر ما تبقّى من موارد. واللبنانيون يحوّلون العدم إلى شيء منذ قرون. ربما هذه هي عبقريّتنا. تحويل الغياب إلى حضور. تحويل الرحيل إلى عودة. تحويل نهاية عالم إلى بداية عالم آخر. إذاً نعم، لنا الحقّ. وعلى غير عادتنا، لدينا حتى الحجج.

من أجل 14 آذار جديد
بقلم
جاد الاخوي
نُشر
مارس 14, 2026 - 16:06

في ذاكرة اللبنانيين محطات كثيرة، لكن قلة منها شكّلت منعطفاً حقيقياً في تاريخ البلاد كما فعل يوم تظاهرة 14 آذار 2005. لم يكن ذلك اليوم مجرد تظاهرة ضخمة في وسط بيروت، بل لحظة نادرة اجتمع فيها اللبنانيون حول فكرة واحدة: استعادة الدولة. جاءت تلك اللحظة بعد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، الجريمة التي لم تهزّ لبنان فقط بل غيّرت مسار السياسة فيه. فاغتيال شخصية بحجم الحريري لم يكن حدثاً أمنياً عادياً، بل زلزالاً سياسياً كشف حجم الأزمة التي كان يعيشها لبنان تحت وطأة الوصاية الأمنية والسياسية التي فرضتها دمشق منذ نهاية الحرب الأهلية. لكن ما لم يتوقعه كثيرون آنذاك هو أن يتحول الحزن والغضب إلى انتفاضة شعبية بهذا الحجم. ففي 14 آذار 2005، خرج مئات الآلاف من اللبنانيين إلى ساحة الشهداء، في واحدة من أكبر التظاهرات في تاريخ المنطقة، مطالبين بالحقيقة والعدالة، والأهم باستعادة السيادة الوطنية. أطلق العالم على تلك اللحظة اسم ثورة الأرز، لكن اللبنانيين الذين عاشوها يعرفون أنها كانت أكثر من مجرد “ثورة”. كانت لحظة وعي جماعي بأن الدولة ليست قدراً ضائعاً، وأن الوصاية ليست أبدية. نهاية مرحلة الوصاية لم يكن المشهد في ساحة الشهداء مجرد احتشاد بشري. كان إعلاناً واضحاً بأن مرحلة كاملة من تاريخ لبنان توشك على الانتهاء. فبعد ثلاثة عقود من النفوذ السوري في لبنان، وجدت دمشق نفسها أمام ضغط مزدوج: ضغط شعبي لبناني غير مسبوق، وضغط دولي تُرجم بقرار قرار مجلس الأمن 1559 الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان. في نيسان 2005، انسحبت القوات السورية من لبنان، منهية وجوداً عسكرياً بدأ عام 1976. بالنسبة لكثير من اللبنانيين، بدا الأمر وكأنه استعادة للاستقلال للمرة الثانية. لكن التاريخ اللبناني نادراً ما يسير في خط مستقيم. السيادة الناقصة سرعان ما تبيّن أن انسحاب الجيش السوري لم يعنِ نهاية الأزمة اللبنانية. فالوصاية العسكرية المباشرة انتهت، لكن معادلة السلاح خارج الدولة بقيت قائمة. وهنا دخل لبنان مرحلة جديدة من الصراع السياسي، عنوانها الأساسي: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟ في تلك السنوات، برز الدور المتنامي لـ حزب الله الذي كان يملك ترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة اللبنانية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا السلاح إلى محور الانقسام السياسي في البلاد. قوى 14 آذار اعتبرت أن بناء الدولة لا يمكن أن يكتمل بوجود سلاح خارج مؤسساتها، بينما رأى الحزب أن سلاحه جزء من معادلة “المقاومة”. وهكذا دخل لبنان في صراع سياسي طويل حول مفهوم السيادة نفسه. من الأمل إلى الانهيار لو عاد اللبنانيون اليوم بذاكرتهم إلى مشهد ساحة الشهداء عام 2005، سيصعب عليهم التوفيق بين تلك اللحظة المليئة بالأمل وبين الواقع الذي يعيشونه اليوم. فبعد عقدين تقريباً، يبدو لبنان وكأنه ابتعد أكثر عن حلم الدولة التي طالب بها المتظاهرون يومها. الدولة اليوم ضعيفة، مؤسساتها شبه مشلولة، اقتصادها انهار، وشعبها يهاجر بأعداد غير مسبوقة. أما القرار السيادي الذي شكّل جوهر انتفاضة 14 آذار، فلا يزال موضوع صراع داخلي وإقليمي. لقد أثبتت السنوات الماضية أن المشكلة اللبنانية ليست فقط في الاحتلال أو الوصاية المباشرة، بل في عجز النظام السياسي نفسه عن إنتاج دولة قادرة. فالطائفية السياسية، والمحاصصة، والسلاح خارج الدولة، كلها عوامل جعلت مشروع الدولة الذي حلم به اللبنانيون في 2005 يتعثر مراراً. ماذا بقي من 14 آذار؟ قد يقول البعض إن 14 آذار انتهت كتحالف سياسي. وهذا صحيح إلى حد كبير. فالتحالف الذي حمل هذا الاسم تراجع تدريجياً، وتفرقت قواه، ودخلت بعض أطرافه في تسويات سياسية أضعفت خطابه الأصلي. لكن 14 آذار لم تكن مجرد تحالف سياسي. كانت فكرة. فكرة أن لبنان يجب أن يكون دولة سيدة حرة مستقلة. فكرة أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد المؤسسات الشرعية وحدها. وفكرة أن لبنان لا يمكن أن يعيش كدولة طبيعية إذا بقي ساحة لتصفية صراعات المنطقة. هذه الأفكار لم تختفِ. ربما تراجعت سياسياً، لكنها بقيت حاضرة في وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين الذين ما زالوا يؤمنون بأن قيام الدولة هو الحل الوحيد لأزمة لبنان المزمنة. لحظة لم تكتمل ربما كانت المشكلة الأساسية في تجربة 14 آذار أنها كانت لحظة تاريخية كبرى، لكنها لم تتحول إلى مشروع سياسي مستدام قادر على إعادة بناء الدولة. فالتحالف الذي قاد تلك اللحظة واجه تحديات هائلة: اغتيالات سياسية، انقسامات داخلية، وحروب إقليمية انعكست مباشرة على لبنان. لكن رغم كل ذلك، يبقى يوم 14 آذار 2005 لحظة مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. فقد أثبت أن اللبنانيين قادرون على كسر الخوف عندما يشعرون بأن بلدهم مهدد، وأنهم قادرون على إنتاج لحظة وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية. ذكرى للمستقبل اليوم، حين تعود ذكرى 14 آذار، قد لا يخرج اللبنانيون بمئات الآلاف إلى الشوارع كما فعلوا قبل عشرين عاماً. لكن الأسئلة التي طرحها ذلك اليوم لا تزال مطروحة بقوة: هل يمكن للبنان أن يصبح دولة طبيعية؟ هل يمكن أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها؟ وهل يمكن للبنانيين أن يلتقوا مجدداً حول مشروع وطني جامع؟ ربما لا تحمل ذكرى 14 آذار اليوم الإجابات على هذه الأسئلة، لكنها تذكّر اللبنانيين بشيء أساسي: أن لحظة الدولة ممكنة. لقد حدثت مرة في ساحة الشهداء. ولا شيء يمنع أن تحدث مرة أخرى

حزب الله، ماذا فعلت بإخوانك؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
مارس 14, 2026 - 09:32

حزب الله، كان لديك على الأرجح ما تثبته! بإطلاقك، في الساعات الأولى من يوم الاثنين 2 مارس، «وابلاً من الصواريخ وسرباً من الطائرات المسيرة» باتجاه إسرائيل، كان لديك بالتأكيد فكرتك الخاصة. حتى هذا اليوم، العواقب لا تحصى: أكثر من سبعمائة قتيل، إبادة بلا رحمة لأحياء بأكملها، ما يقرب من تسعمائة ألف منكوب خارج منازلهم، منهم أكثر من 150 ألفاً لم يجدوا ملجأً إلا في ظروف الحرمان والازدحام في الملاجئ الجماعية! لماذا لم تتحمّل الأمر بصبر؟ لم يكن بإمكانك إظهار كل هذا القدر من عدم النضج وأنت تعلم أن رد إسرائيل سيكون غير متناسب. بصفتك «حركة مقاومة معلنة ذاتياً»، لم تكن قادراً على مواجهة الجيش الإسرائيلي (تساهل)، خاصة بعد أن تم «قطع رأسك» يوم 17 سبتمبر من خلال «أجهزة النداء». فماذا كان الهدف من عملك الاستفزازي؟ لم تكن ألعابك النارية الحقيرة لتغير مجرى الوضع، علماً أن الصواريخ التي أطلقت من إيران أثبتت عدم فعاليتها وعدم كفايتها، وأظهرت ضعف نظام ديني يائس. سيُزعم أن قرارك في 2 مارس، وهو تاريخ يجب تذكره، لم يكن قرارك الخاص، بل كان تمليه مكاتب إيران أكثر من المصالح اللبنانية البحتة. سيُقال أيضاً إنك لم تستطع الوقوف مكتوف الأيدي بينما كان المرشد الأعلى يُقتل وإيران تُفتت يومياً دون عقاب. دعنا نقبل تبعيتك للإخوة الكبار في قم وأصفهان وطهران، ولنعترف بالمناسبة أن هذا لا يشرف «مقاومة» لبنانية مزعومة. التضحية عديمة الجدوى والهزيمة الظافرة حزب الله، أنت، باختصار، «دخلت المحرقة» وسحبت أتباعك إليها، بينما كان نظام آيات الله قد فقد بالفعل بريقه ولم يكن يعيش إلا في فترة سماح. قيل إن عملك الانتقامي كان جنوناً محضاً، هروباً إلى الأمام، وقبل كل شيء انتحاراً. ولكن ألم يكن بالأحرى تضحية عقيمة؟ لم يكن بإمكانك تقبّل خسارة المرشد الأعلى دون إراقة الدماء. كنت ستُعتبر ناكراً للجميل، فقد استثمر النظام الإيراني الكثير في بناء هيكلتك وتدريبك العسكري. وبما أنك لا تملك ترسانة فتاكة كافية ولا تستطيع إلحاق خسائر (أو القليل جداً) في إسرائيل، فقد قررت إلحاقها بمجتمعك الخاص. يا له من دليل غير معقول وإجرامي على «الأخوة» (fratellanza)، هذه الأخوة في السلاح التي تحكم القضايا المشبوهة! لقد حذرنا عالم أنثروبولوجيا من قبل من التضحية عديمة الجدوى التي يمكن أن تتخذ بسهولة شكل التضحية بالنفس (1). إن تدخلك المسلح الانتحاري حَمَى بالتأكيد «هويتك المجتمعية المتخيلة»، ولكنه كان على حساب البقاء الفعلي لمجموعتك الطائفية. انظر جيداً إلى الظروف التي يعيش فيها النازحون من الجنوب والضاحية، وهم منتشرون على كامل التراب الوطني. فكر جيداً فيما فعلته بهم! ومع ذلك، وعلى الرغم من بؤسهم اليومي، فإن ولاءهم لك ثابت لا يتزعزع (2). وهذا لأنهم يتحركون في مجال أخروي، هو مجال «الهزيمة الظافرة». ولتوضيح ذلك، مشهد أتباعك الذين، في إنكارهم لواقعهم، يدّعون أنك منتصر بينما أنت في هزيمة كاملة. حزب الله، لقد قدمت الجسد الاجتماعي للشيعة لحملة تشهير إعلامية لتجيب «دائماً على أهبة الاستعداد» لمرشديك ومحسنّيك من الهضاب الإيرانية. هل قمت، بقلب الأولويات، بجعل أتباعك كبش فداء؟ هذا الارتباك في العقل السياسي لا يُفسر إلا كمرآة لعقلية بدائية، أو على الأقل تعبير عن حالة تنويم مغناطيسي. والباقي على هذا المنوال! أمام هذا التشويه للمنطق السليم، ماذا نقول غير: «كل هذا البؤس من أجل قليل من المجد»! 1-بول دوموشيل، التضحية عديمة الجدوى. مقال عن العنف السياسي، باريس، فلاماريون، 2001. 2- إلا ربما عندما يعبرون عن رأيهم سراً.

الحربُ... لِعَدَمِ كِفايةِ البدائل
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر
مارس 10, 2026 - 13:44

أنتمي إلى ذلك الجيل الذي ترعرع في كنف الحرب، ويخشى اليوم أن يوارى الثرى معها، بعدما أضاع زهرة عمره في ترقّب غدٍ أفضل أو رجاءٍ لا يتحقق. أنا من جيل «ما بين الزمانين»، الذي عاصر حقبة ما قبل العام 1975، لكنه عجز عن استحضار ذكريات صبا حقيقية منها. نحن الجيل الذي يقتاته الندم دون أن يقوى على طي الصفحة؛ الجيل الذي توهّم أن شباب اليوم، على اختلاف انتماءاتهم، سيتعظون من خيباتنا، فيؤثرون الحياة على ميتة يُراد لها أن تكون «استشهادية». لا أزال، ككثيرين غيري، في حالة من الذهول أمام انجرار بلادي مجدداً إلى أتون حرب عبثية، بدلاً من توقيع معاهدة سلام؛ تلك المعاهدة ذاتها التي أتاحت لبقية العرب المضيّ قُدُماً بخطوات عملاقة، في وقتٍ كنّا نتوهّم فيه أننا نمسك بـ «كأس الخلاص» في المنطقة. وها نحن اليوم نُقذف إلى الصفوف الخلفية، مرغمين على معاينة واقعٍ مؤلم: إن جغرافيتنا كما ديمغرافيتنا ستُعاد صياغتهما إلى الأبد. لم يعد السؤال اليوم: «نرحل أم نبقى؟»، بل بات الرهان على وجود البلاد بحدّ ذاته، وهو وجودٌ أصبح في عين الخطر. فالمسألة لا تكمن فيما إذا كانت لإسرائيل نية مبيّتة لشنّ ضربة استباقية أم لا، فهذا نقاشٌ تجاوزته الأحداث. أما حزب الله، وبإطلاقه تلك الرشقات الصاروخية، فقد قدّم لها الذريعة التي تُجرّدنا من حق التذرّع بالقانون الدولي، هذا إذا افترضنا أصلاً أنَّ ثمة قانوناً دولياً لا يزال قائماً. فاليوم، يثير الحديث عن النظام الفيدرالي حفيظة الكثيرين، ولعلّ البلاد أصغر من أن تحتمل مثل هذا الطرح. أما اتفاق الطائف، فيبدو أنه دخل طور الاحتضار في ظلّ هشاشة العيش المشترك. ألم تكن تلك المقولة الشهيرة عن «العيش المشترك» اللبناني سوى واجهة زائفة حجبت خلفها دوماً التوترات الكامنة؟ وهل هذا التعايش ليس في الحقيقة سوى «تساكنٍ» قسري، كما تصفه المؤرخة ديما دو كليرك؟ تلك «المساكنة» التي باتت هي الأخرى اليوم، مهددة بالانهيار. وها هو لبنان، ومعه سلطاته التي لم تكفَّ يوماً عن المراوغة والتميع في مسألة نزع سلاح الميليشيا تحت ذريعة تحاشي الحرب الأهلية، يجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام حرب شاملة. جرت العادة أن يختار المرء أخفّ الضررين، لكنَّ لبنان لم يختَر شيئاً؛ بل ترك نفسه ينجرف مع التيار، مستنفداً الوقت ضياعاً، شأنه في ذلك شأن الإيرانيين الذين كانوا يدركون سلفاً خواتيم الأمور. فالتحالفات لا تُبنى ولا تُنقض بناءً على تقاربات ثقافية أو مذهبية، بل هي محضُ تقاطعٍ للمصالح؛ وحين تتقارب هذه المصالح، لا بدَّ من ركوب القطار، حتى لو آلت الرحلة إلى انحرافه عن السكة بعد عقود. هكذا هو العالم، ولا سيما عالمنا اليوم الذي فقد صوابه. وبينما كانت أوروبا غارقةً في هواجس تخلّفها في سباق الذكاء الاصطناعي، باغتتها الحرب في أوكرانيا، في وقتٍ اتخذ فيه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي طابعاً مزمناً. وبعيداً جداً عن «الريفايرا» التي وعد بها ترامب، ها هو لبنان يجد نفسه عالقاً في شباك نظام ملالي هو الأكثر قتامةً وجنائزية. قد يظن البعض أنَّ هذه المرة هي الحاسمة والنهائية، غير أنَّه في هذا الجزء من العالم، لا شيء نهائياً على الإطلاق؛ فكلُّ شيءٍ هنا متقلب، وكلُّ شيءٍ ينحني أمام أهواء هذه الديكتاتورية أو تلك. فلا جدوى إذن من توهّم أنَّ الطريق قد سلكت مسار الانفراج، فالمسألة ليست سوى مسألة وقت قبل أن نرى الأعشاب الضارة تنبت من جديد. أما عن المفارقات السريالية، فلبنان لم ينتهِ من فصولها بعد؛ إذ في يوم واحد، استيقظ اللبنانيون – وهم الذين لم يُستشر لهم رأي – على تمديدٍ لولاية برلمانهم لسنتين إضافيتين، وعلى إخلاء سبيل عناصر مسلحة بكفالة زهيدة لم تتجاوز العشرة دولارات. ولحفظ ماء الوجه، بادر أحد الوزراء إلى إحالة القاضي المسؤول عن هذه الهرطقة إلى التفتيش القضائي. وبعد كل هذا، هل يجرؤ أحدٌ على القول إنَّ العيش في لبنان لا يمنحك «عرضاً» يستحق كلَّ فلسٍ دفعته؟ * الآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة موقف هيئة التحرير .