


في لحظات الأزمات الكبرى، لا تقتصر المواجهات على الميدان العسكري فقط، بل تمتد إلى ميدان آخر لا يقل أهمية: ميدان الرواية. وفي الحالة اللبنانية الراهنة، يبرز سلوك حزب الله في تكثيف تهديداته الداخلية وإغراق الفضاء الإعلامي بسيل من البيانات التي تصل أحيانًا إلى عشرات يوميًا بوصفه ظاهرة تستحق القراءة المتأنية، بعيدًا عن الانفعال، لفهم دوافعها وأهدافها وانعكاساتها.
أول ما يلفت في هذا السلوك هو الكمّ غير المسبوق من البيانات التي تتحدث عن "عمليات نوعية" و"بطولات ميدانية" في الجنوب. هذا الإيقاع المرتفع لا يمكن تفسيره فقط بوقائع عسكرية صرفة، بل يدخل في إطار ما يُعرف بـ"إدارة المعنويات". فالحروب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل أيضًا بالصورة والخبر والانطباع. وعندما يشعر أي طرف أن موقعه تحت الضغط سواء عسكريًا أو سياسيًا يلجأ إلى تضخيم إنجازاته للحفاظ على تماسك بيئته الحاضنة ومنع تسلل الشك إليها.
أولًا: شدّ العصب الداخلي
يواجه حزب الله اليوم تحديات داخلية غير مسبوقة. بيئته الاجتماعية تعاني من تداعيات اقتصادية قاسية، ومن آثار مباشرة للحرب على مناطق نفوذه، سواء في الجنوب أو الضاحية أو البقاع. في مثل هذا السياق، يصبح رفع منسوب الخطاب التعبوي ضرورة للحفاظ على الالتفاف الشعبي. كثافة البيانات ليست مجرد نقل معلومات، بل رسالة مستمرة إلى الجمهور تقول: "نحن أقوياء، نحن نمسك بزمام المبادرة، والتضحيات لها معنى".
هذا النمط من الخطاب يهدف إلى منع تآكل الشرعية الداخلية، خصوصًا مع تزايد الأسئلة داخل البيئة نفسها حول كلفة المواجهة وجدواها. فحين ترتفع الخسائر أو تتسع دائرة الأذى، يصبح من الضروري إنتاج سردية موازية تبرر وتُعيد تأطير الواقع.
ثانيًا: التعويض عن فجوة الواقع
في كثير من الحالات، كلما زاد التضخيم الإعلامي، دلّ ذلك على وجود فجوة بين الخطاب والواقع. ليس بالضرورة أن تكون كل البيانات غير صحيحة، لكن الإغراق في التفاصيل اليومية والبطولات المتكررة قد يكون محاولة لملء فراغ أو لتغطية محدودية التأثير الفعلي على مجريات الصراع.
هنا يدخل العامل النفسي بقوة: تكرار "الانتصارات" يصنع إحساسًا تراكميًا بالقوة، حتى لو كانت الوقائع على الأرض أكثر تعقيدًا. هذا الأسلوب معروف في أدبيات الحروب، حيث يُستخدم الإشباع الإعلامي لإغراق المتلقي ومنعه من التدقيق أو المقارنة.
ثالثًا: الردع عبر الضجيج
إحدى وظائف هذا التصعيد الخطابي هي بناء ردع نفسي، ليس فقط تجاه العدو الخارجي، بل أيضًا تجاه الداخل اللبناني. عندما يُكثّف الحزب تهديداته ويُظهر نفسه كقوة دائمة الحضور والاستعداد، فهو يبعث برسالة مزدوجة: للخصوم في الخارج بأنه لا يزال قادرًا على المبادرة، ولخصومه في الداخل بأن أي محاولة لمواجهته سياسيًا أو شعبيًا ستكون مكلفة.
هذا ما يفسر أحيانًا لهجة البيانات الداخلية التي تتجاوز توصيف المعارك إلى التهديد المباشر أو غير المباشر. إنها محاولة لرسم خطوط حمراء داخلية، في مرحلة يشعر فيها الحزب أن موقعه لم يعد محصنًا كما في السابق.
رابعًا: إدارة التناقضات السياسية
حزب الله ليس مجرد تنظيم عسكري، بل لاعب سياسي أساسي في لبنان. وهو يواجه اليوم معادلة صعبة: من جهة، يريد الحفاظ على دوره "المقاوم"، ومن جهة أخرى، يواجه ضغطًا متزايدًا داخليًا وخارجيًا لحصر السلاح بيد الدولة. وبالتحديد بعد اعتباره خارجا عن القانون.
في هذا السياق، يصبح التصعيد الإعلامي أداة لتأجيل النقاش الحقيقي. فبدل الدخول في مواجهة سياسية مباشرة حول سلاحه ودوره، يُعيد الحزب توجيه الاهتمام نحو "المعركة الكبرى" في الجنوب من جهة، وتكثيف هاجس الخوف من النظام السوري الجديد. كثافة البيانات تساعد في تغيير جدول الأعمال العام، بحيث تبقى الأولوية للحرب لا للنقاش الداخلي.
خامسًا: التأثير على الرأي العام العربي والدولي
لا يقتصر جمهور هذه البيانات على الداخل اللبناني. هناك بعد إقليمي ودولي واضح. الحزب يسعى إلى تثبيت صورة أنه لا يزال لاعبًا مؤثرًا في الصراع مع إسرائيل، رغم كل التحولات. عبر تضخيم عملياته، يحاول استعادة موقعه في الوعي العربي كقوة مواجهة، في وقت تراجعت فيه هذه الصورة لدى جزء من الرأي العام.
كما أن هذا الخطاب يهدف إلى رفع كلفة أي تصعيد ضده، عبر الإيحاء بقدرته على توسيع دائرة المواجهة. حتى لو لم يتحقق ذلك فعليًا، يكفي أن يبقى احتمالًا حاضرًا في حسابات الآخرين.
سادسًا: منطق التعبئة المستمرة
منذ تأسيسه، يعتمد حزب الله على نموذج "التعبئة الدائمة". أي أن حالة الطوارئ ليست ظرفًا استثنائيًا بل حالة شبه مستمرة. في هذا النموذج، يصبح الإنتاج الإعلامي المكثف جزءًا من البنية التنظيمية، لا مجرد رد فعل ظرفي.
لكن المشكلة أن هذا النمط، عندما يُستخدم بكثافة مفرطة، يفقد تدريجيًا مصداقيته. فالإفراط في الادعاء قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: بدل تعزيز الثقة، يزرع الشك، خصوصًا لدى جمهور أوسع خارج البيئة الحزبية.
سابعًا: المخاطر المترتبة
هذا التصعيد الخطابي لا يخلو من مخاطر جدية: تآكل المصداقية عندما لا تتطابق الرواية مع ما يراه الناس أو يسمعونه من مصادر أخرى. رفع منسوب التوتر الداخلي إذ التهديدات المتكررة قد تؤدي إلى مزيد من الانقسام والاحتقان. تقييد هامش المناورة السياسية لأنه كلما ارتفع سقف الخطاب يصبح التراجع أكثر صعوبة. تعريض لبنان لمخاطر إضافية لأن الخطاب المتشدد قد يُستخدم ذريعة لتصعيد مقابل.
ثامنًا: ماذا يعني ذلك للبنان؟
لبنان اليوم في لحظة دقيقة، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع التوتر الأمني والانقسام السياسي. في مثل هذا السياق، يحتاج البلد إلى خطاب يخفف الاحتقان لا يزيده، وإلى شفافية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لكن ما نشهده هو العكس: فائض في الخطاب، ونقص في الثقة. وهذا ما يجعل من سلوك حزب الله الإعلامي جزءًا من الأزمة، لا مجرد انعكاس لها.
الواضح أن تكثيف التهديدات وإغراق الساحة بالبيانات ليسا ظاهرة عشوائية، بل يعكسان استراتيجية قائمة على إدارة المعنويات، شدّ العصب، وبناء ردع نفسي في ظل تحديات داخلية وخارجية متزايدة. لكن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها على المدى القصير داخل بيئة محددة، تحمل في طياتها مخاطر جدية على المدى المتوسط والبعيد، سواء على الحزب نفسه أو على لبنان ككل.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة أي طرف لا تُقاس فقط بما يقوله، بل بمدى تطابق قوله مع الواقع. وفي زمن تتعدد فيه مصادر المعلومات، يصبح الحفاظ على المصداقية هو التحدي الأكبر والاختبار الأصعب.