شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

الحربُ... لِعَدَمِ كِفايةِ البدائل

صورة للأخبار
دبابات إسرائيلية على الحدود الإسرائيلية اللبنانية. (جاك جيز / أ ف ب)
صورة المؤلف
بقلم نانيت زيادة-ريتر
نُشر مارس 10, 2026 - 13:44

أنتمي إلى ذلك الجيل الذي ترعرع في كنف الحرب، ويخشى اليوم أن يوارى الثرى معها، بعدما أضاع زهرة عمره في ترقّب غدٍ أفضل أو رجاءٍ لا يتحقق. أنا من جيل «ما بين الزمانين»، الذي عاصر حقبة ما قبل العام 1975، لكنه عجز عن استحضار ذكريات صبا حقيقية منها. نحن الجيل الذي يقتاته الندم دون أن يقوى على طي الصفحة؛ الجيل الذي توهّم أن شباب اليوم، على اختلاف انتماءاتهم، سيتعظون من خيباتنا، فيؤثرون الحياة على ميتة يُراد لها أن تكون «استشهادية».

 

لا أزال، ككثيرين غيري، في حالة من الذهول أمام انجرار بلادي مجدداً إلى أتون حرب عبثية، بدلاً من توقيع معاهدة سلام؛ تلك المعاهدة ذاتها التي أتاحت لبقية العرب المضيّ قُدُماً بخطوات عملاقة، في وقتٍ كنّا نتوهّم فيه أننا نمسك بـ «كأس الخلاص» في المنطقة. وها نحن اليوم نُقذف إلى الصفوف الخلفية، مرغمين على معاينة واقعٍ مؤلم: إن جغرافيتنا كما ديمغرافيتنا ستُعاد صياغتهما إلى الأبد.

 

لم يعد السؤال اليوم: «نرحل أم نبقى؟»، بل بات الرهان على وجود البلاد بحدّ ذاته، وهو وجودٌ أصبح في عين الخطر. فالمسألة لا تكمن فيما إذا كانت لإسرائيل نية مبيّتة لشنّ ضربة استباقية أم لا، فهذا نقاشٌ تجاوزته الأحداث. أما حزب الله، وبإطلاقه تلك الرشقات الصاروخية، فقد قدّم لها الذريعة التي تُجرّدنا من حق التذرّع بالقانون الدولي، هذا إذا افترضنا أصلاً أنَّ ثمة قانوناً دولياً لا يزال قائماً.

 

فاليوم، يثير الحديث عن النظام الفيدرالي حفيظة الكثيرين، ولعلّ البلاد أصغر من أن تحتمل مثل هذا الطرح. أما اتفاق الطائف، فيبدو أنه دخل طور الاحتضار في ظلّ هشاشة العيش المشترك. ألم تكن تلك المقولة الشهيرة عن «العيش المشترك» اللبناني سوى واجهة زائفة حجبت خلفها دوماً التوترات الكامنة؟ وهل هذا التعايش ليس في الحقيقة سوى «تساكنٍ» قسري، كما تصفه المؤرخة ديما دو كليرك؟ تلك «المساكنة» التي باتت هي الأخرى اليوم، مهددة بالانهيار.

 

وها هو لبنان، ومعه سلطاته التي لم تكفَّ يوماً عن المراوغة والتميع في مسألة نزع سلاح الميليشيا تحت ذريعة تحاشي الحرب الأهلية، يجد نفسه اليوم وجهاً لوجه أمام حرب شاملة. جرت العادة أن يختار المرء أخفّ الضررين، لكنَّ لبنان لم يختَر شيئاً؛ بل ترك نفسه ينجرف مع التيار، مستنفداً الوقت ضياعاً، شأنه في ذلك شأن الإيرانيين الذين كانوا يدركون سلفاً خواتيم الأمور. فالتحالفات لا تُبنى ولا تُنقض بناءً على تقاربات ثقافية أو مذهبية، بل هي محضُ تقاطعٍ للمصالح؛ وحين تتقارب هذه المصالح، لا بدَّ من ركوب القطار، حتى لو آلت الرحلة إلى انحرافه عن السكة بعد عقود. هكذا هو العالم، ولا سيما عالمنا اليوم الذي فقد صوابه.

 

وبينما كانت أوروبا غارقةً في هواجس تخلّفها في سباق الذكاء الاصطناعي، باغتتها الحرب في أوكرانيا، في وقتٍ اتخذ فيه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي طابعاً مزمناً. وبعيداً جداً عن «الريفايرا» التي وعد بها ترامب، ها هو لبنان يجد نفسه عالقاً في شباك نظام ملالي هو الأكثر قتامةً وجنائزية. قد يظن البعض أنَّ هذه المرة هي الحاسمة والنهائية، غير أنَّه في هذا الجزء من العالم، لا شيء نهائياً على الإطلاق؛ فكلُّ شيءٍ هنا متقلب، وكلُّ شيءٍ ينحني أمام أهواء هذه الديكتاتورية أو تلك. فلا جدوى إذن من توهّم أنَّ الطريق قد سلكت مسار الانفراج، فالمسألة ليست سوى مسألة وقت قبل أن نرى الأعشاب الضارة تنبت من جديد.

 

أما عن المفارقات السريالية، فلبنان لم ينتهِ من فصولها بعد؛ إذ في يوم واحد، استيقظ اللبنانيون – وهم الذين لم يُستشر لهم رأي – على تمديدٍ لولاية برلمانهم لسنتين إضافيتين، وعلى إخلاء سبيل عناصر مسلحة بكفالة زهيدة لم تتجاوز العشرة دولارات. ولحفظ ماء الوجه، بادر أحد الوزراء إلى إحالة القاضي المسؤول عن هذه الهرطقة إلى التفتيش القضائي.

 

وبعد كل هذا، هل يجرؤ أحدٌ على القول إنَّ العيش في لبنان لا يمنحك «عرضاً» يستحق كلَّ فلسٍ دفعته؟

 

*الآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة موقف هيئة التحرير.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل