شعار Levant Time
العودة إلى المقال
رأي

نبيه بري: مهندس سقوط الدولة وشريك الاحتلال الإيراني

صورة للأخبار
(صورة بواسطة HOUSSAM SHBARO / ANADOLU / ANADOLU عبر AFP)
صورة المؤلف
بقلم مكرم رباح
نُشر مارس 26, 2026 - 05:05

في لحظة مفصلية يعيشها لبنان، لا يمكن التعامل مع قرار طرد السفير الإيراني على أنه مجرد إجراء دبلوماسي عابر. هذا القرار، بكل بساطة، هو أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على أن تقول "لا" لمشروع إقليمي صادر سيادتها منذ سنوات. لكن المشكلة، وكما هو الحال دائماً، ليست فقط في الخارج… بل في الداخل، وتحديداً في من يفترض أنهم شركاء في الحكم.

هنا تحديداً يبرز اسم نبيه بري.

بري، الذي يحاول اليوم أن يتذاكى سياسياً ويقدّم نفسه كضامن للاستقرار، هو في الواقع أحد أبرز معطّلي أي مسار سيادي حقيقي. فالرجل الذي لطالما قدّم نفسه كـ"صمام أمان"، تحوّل إلى صمّام تعطيل، يفرمل أي خطوة قد تضع حداً لهيمنة حزب الله وإيران على القرار اللبناني.

فلنكن واضحين: المشكلة ليست في طرد السفير الإيراني بحد ذاته، بل في المنظومة التي سمحت لهذا السفير أن يتصرف كحاكم فعلي، يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية، ويعلن مواقف تتعدى الدولة اللبنانية نفسها. وعندما تأتي لحظة المحاسبة، يخرج علينا بري ليقول إنه "غير مستأمن" لهذا القرار، وكأن السيادة اللبنانية وجهة نظر قابلة للنقاش.

ما يقوم به بري اليوم ليس وساطة، بل جريمة بحق لبنان.

هو يدرك تماماً أن طرد السفير لن يخرج الحرس الثوري من لبنان، لكنه في الوقت نفسه يرفض حتى هذا الحد الأدنى من المواجهة السياسية. لماذا؟ لأن أي مواجهة حقيقية تعني تفكيك النظام الذي هو أحد أعمدته الأساسية—نظام الفساد والمحاصصة الذي وفّر الغطاء السياسي لسلاح حزب الله لعقود.

الأخطر من ذلك أن بري، الذي وعد سابقاً بأنه قادر على "لجم" حزب الله وإعادته إلى كنف الدولة، غائب اليوم بشكل شبه كامل. لا موقف واضح، لا مبادرة، فقط أصوات جانبية تهاجم وتخوّن وتحذّر من "استفزاز الشيعة"، وكأن السيادة باتت تعدياً طائفياً.

هذه هي المعادلة التي يحاول بري تكريسها: تحويل أي نقاش حول سلاح حزب الله أو النفوذ الإيراني إلى تهديد طائفي. وهي معادلة خطيرة، لأنها لا تحمي الشيعة—بل تضعهم رهائن لمشروع إقليمي لا يأبه بدمائهم ولا بمصيرهم.

في الواقع، ما نشهده اليوم هو محاولة إنقاذ متأخرة—ليس فقط للدولة، بل أيضاً لجزء كبير من الشيعة الذين تم اختطاف قرارهم السياسي. وهنا المفارقة: القوى التي يهاجمها حزب الله وحلفاؤه هي نفسها التي تستقبل النازحين وتؤمّن لهم الحد الأدنى من الكرامة، في حين تُستخدم قراهم ومدنهم كساحات حرب.

أما التهديد بالانسحاب من الحكومة، فهو ليس أكثر من مسرحية مكررة. فالمشكلة ليست في وزيرين يمكن استبدالهما، بل في منظومة مسلحة تتصرف كدولة داخل الدولة. وإذا كان بري يعتقد أن الضغط عبر الشارع أو التهويل بحرب أهلية سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فهو يخطئ التقدير.

لبنان تغيّر.

لم يعد بالإمكان تسويق سلاح حزب الله كـ"مقاومة"، بعد أن استُخدم في الداخل، وبعد أن ارتبط عضوياً بمشروع إيراني عابر للحدود. ولم يعد ممكناً إقناع اللبنانيين بأن الاستقرار يمر عبر التسويات مع من يجرّ البلاد إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل.

نعم، هناك خطر تصعيد. نعم، هناك احتمال احتكاك. لكن الأخطر هو الاستمرار في هذا الإنكار الجماعي، وفي هذه السياسة التي تحاول تحويل المغتصِب إلى شريك شرعي في الحكم.

الدولة اللبنانية اليوم أمام خيار واضح: إما أن تستمر في التواطؤ، كما يريد بري ومن يمثل، أو أن تبدأ—ولو بخطوات خجولة—في استعادة قرارها.

قد لا يكون طرد السفير الإيراني كافياً، لكنه رسالة.

رسالة إلى الداخل قبل الخارج، بأن هناك من يرفض أن يبقى لبنان منصة لحروب الآخرين. ورسالة أيضاً إلى نبيه بري تحديداً: زمن اللعب على الحبال انتهى، ومن يظن أنه يستطيع الاستمرار في إدارة هذا الانهيار كأنه تفصيل سياسي، سيفاجأ بأن الأرض التي يقف عليها بدأت تهتز.

لبنان لا يحتاج إلى وسطاء داخل السلطة، بل إلى دولة.

ودولة لا يمكن أن تقوم طالما أن من يفترض أنهم حراسها، هم أول من يفرّط بها.

وإذا كان لا بدّ من التذكير، فإنّ ما نشهده اليوم ليس إلا تكراراً مشوّهاً لسيناريو 6 شباط 1984، حين رُفعت شعارات “رفع الظلم” لتبرير انقلابٍ على الدولة، انتهى بتحويل السلاح من أداة ادّعاء حق إلى أداة فرض أمر واقع.

يومها، لم يحمل الذين نزلوا إلى الشارع السلاح دفاعاً عن الدولة، بل لأنهم اعتبروها غائبة، فقرّروا أن يحلّوا مكانها. لكنّ النتيجة لم تكن استعادة الدولة، بل دفنها. والمفارقة أنّ  الأخ الأكبر و من ادّعى محاربة الظلم، تحوّل مع الوقت إلى الظالم الأكبر، يحتكر القرار، ويصادر المؤسسات، ويعيد إنتاج نفس المنطق الذي ثار عليه. واليوم، يعيد نبيه بري وحلفاؤه تدوير هذه التجربة البائسة: نفس الذريعة، نفس السلاح، ونفس النتيجة—دولة مخطوفة، وشعب يُطلب منه أن يصفّق لجلّاده باسم “الكرامة” و”الحقوق”.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل