شعار Levant Time

رأي

لبنان: الكارثة التي لا تنتهي…
بقلم
منى فياض
نُشر
أبريل 15, 2026 - 16:58

في محاولاتي لفهم ما يحصل لنا، ولفهم نفسي واستعادة بعض التوازن فيما نتعرض له،استعين بقراءة كتب وروايات لشعوب عانت ويلات الحرب كما نعانيها، وتمثل اليابان في هذا الميدان، مع ما عانته في الحرب العالمية الثانية وبعد تعرضها للقنبلة الذريه نموذجاً قد يساعدنا على موضعة وجعنا. ولا بد من الإشارة هنا الى ان ما أُلقي على لبنان من أسلحة، على مدى السنوات، بات يعادل أكثر من قنبلة هيروشيما وناكازاكي مجتمعتين. لدينا كتابان مناسبان هنا، “زهرة الشتاء” و”الصرخة الصامتة”.” زهرة الشتاء” كتب من قلب الحدث وعاين الخراب مباشرة وشهد ووصف ما رآه من مآس وتشويه وضياع. والكتاب الأخر، الصرخة الصامتة، كتب بعد خسارة اليابان الحرب، وشهد على خراب الإنسان في داخله. وقارنت بين ما يصفانه وما نعانيه. ووجدت ان الوضع في لبنان يجمع في آنٍ واحد كلا الوجعين، ودون فصل او وجود أي مرحلة زمنية فاصلة. هما كتابان يساعدان على تفكيك العنف، فهمه، وليس فقط النجاة منه نفسياً. هذا النوع من الكتابة لا يخفف الألم، لكنه يعطيه شكلاً ويضع له لغة، وبالتالي يخرجه من الفوضى إلى شيء يمكن الإمساك به. وفي الحروب تحديداً، هذه القدرة تكاد تكون فعل مقاومة. لأن الحرب تحوّل الإنسان إلى ردّ فعل، إلى جسد ينجو أو يتألم أو يهرب؛ بينما الكتابة (وقراءة هذا النوع من الأدب) تعيد موقعنا كـ ذات واعية، لا مجرد ضحية للظروف. باختصار، هناك شعوب عاشت الحروب، وأخرى عاشت الهزائم، وأخرى خرجت من تحت الركام لتعيد بناء نفسها. لكن ما يعيشه لبنان ليس حرباً بالمعنى التقليدي، ولا هزيمة يمكن تأريخها، ولا حتى كارثة يمكن احتواؤها ضمن زمن واضح. إنه شيء آخر. في التجربة اليابانية، كما تعكسها أعمال مثل “ زهرة الشتاء” و”الصرخة الصامتة”، كان هناك مسار- ولو أنه قاسياً: صدمة، ثم صمت، ثم وعي، ثم إعادة بناء. حتى في أقسى اللحظات، مثل قصف هيروشيما، كانت الكارثة نهائية بمعنى ما. انتهت الضربة، وبدأ التاريخ بعدها. أما في لبنان، فلا شيء ينتهي. هنا، لا توجد لحظة يمكن أن نقول عنها: "بعد". كل شيء يحدث في آن واحد: صدمة مستمرة، لا تُستوعب تفكير قسري، لا يكتمل سرديات متناقضة، لا تحسم شيئاً وحياة يومية تُستأنف فوق الركام، كأنها تنكر وجوده لبنان لا يعيش ما بعد الحرب. لبنان يعيش داخل الحرب… وداخل تفسيرها… وداخل إنكارها في الوقت نفسه. في أماكن أخرى من العالم، الكارثة تُنتج ذاكرة. الذاكرة تُنتج وعياً، والوعي ينتج، ولو بعد زمن، تغييراً. أما هنا، فالتسلسل مكسور: كارثة ثم صراخ ثم انقسام ثم نسيان جزئي فكارثة جديدة. لا ذاكرة تكتمل، ولا وعي يتراكم، ولا تغيير يحدث. في "زهرة الشتاء"، الإنسان مكسور، لكنه صادق في انكساره. في "الصرخة الصامتة"، الإنسان يحاول أن يفهم، أو أن يختبئ خلف روايات. أما في لبنان، فالوضع أكثر قسوة: إنسان مكسور… ومحروم من صدقه او التعبير عن انكساره، ومجبر على اختيار رواية، تحت ضغط الخوف أو الانتماء أو الاتهام. وهنا تكمن خصوصية الحالة اللبنانية، وربما فرادتها: ليست فقط تعددية في الآراء، بل تعددية في الواقع نفسه. كل مجموعة تعيش حرباً مختلفة، وتروي قصة مختلفة، وتبني ذاكرة مختلفة. والنتيجة: لا يوجد "حدث وطني" جامع، بل أحداث متوازية، لا تلتقي إلا في الألم. ما يجعل الوضع اللبناني غير مسبوق، خصوصاً في إطار الدولة الوطنية الحديثة، هو أن الدولة نفسها لا تؤدي دورها كمرجعية نهائية للمعنى أو للقرار. في معظم الدول: الدولة تُعلن الحرب أو تنهيها الدولة تحتكر العنف الدولة تصوغ الرواية الرسمية أما في لبنان: الحرب تحدث داخل الدولة وخارجها العنف موزع والرواية متنازع عليها إلى حد الانقسام الوجودي وهكذا، لا يعيش اللبنانيون فقط في أزمة سياسية، بل في فراغ مرجعي عميق. هذا الفراغ هو ما يجعل الكارثة تتكرر دون أن تتحول إلى نقطة تحول. كل ضربة، كل انفجار، كل مأساة، تُضاف إلى سلسلة طويلة، لكنها لا تُغلق الدائرة، ولا تؤسس لما بعدها. الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ"تطبيع اللامعقول": أن يصبح الموت رقماً وصورة على الحائط، والدم خبراً، والكارثة جزءاً من الروتين. ليس لأن الناس لا يشعرون، بل لأنهم استُنزفوا إلى حد لم يعودوا قادرين على تحويل الشعور إلى فعل. لبنان اليوم لا يشبه اليابان بعد الحرب، ولا يشبه أي بلد خرج من أي نزاع. لأنه لم يُمنح حتى فرصة الخروج. هو بلد: لم تنتهِ فيه الحرب، ولم يبدأ فيه السلم، ولم يُحسم فيه شيء. بل يُعاد إنتاج كل شيء، مرة بعد مرة. ربما لهذا يبدو الألم في لبنان مختلفاً: ليس فقط لأنه عميق، بل لأنه بلا أفق. ليس لأنه مفاجئ، بل لأنه متكرر. وليس لأنه غير مفهوم، بل لأنه مفهوم… دون أن يملك أحد القدرة على تغييره. هذه ليست مجرد مأساة وطن. هذه حالة إنسانية مركّبة، نادرة، وربما غير مسبوقة: دولة تعيش داخل حدودها المعترف بها، لكنها تفتقد إلى الزمن الطبيعي للدول: زمن البداية، والنهاية، والتحول. لبنان ليس فقط بلداً في أزمة. لبنان هو بلد عالق خارج أي تسلسل منطقي. وهذا، ربما، هو الشكل الأكثر قسوة للكارثة: أن لا تنتهي… وأن لا تبدأ من جديد.

الموقف العبثي لوزيري الصحة والعمل
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر
أبريل 12, 2026 - 15:57

خلال آخر مجلس للوزراء، الخميس الماضي، يكفي أن يثير نواف سلام مسألة تجريد العاصمة من السلاح، حتى ينهض وزيرا الصحة والعمل (ممثلا حزب الله) ويعترضا. سخرية وعبثية. المفارقة هي أن الحقائب الوزارية الممنوحة لحزب الله هي تلك التي تتأثر مباشرة بالعواقب الوخيمة للحرب: فالهجمات تؤدي إلى ركود السوق وتزايد أعداد الجرحى والقتلى. الشذوذ هو أن وزراء في حكومة يرفضون أن تكون للدولة سيادة كاملة، على الأقل , في عاصمتها، ويفضلون حكم الفوضى والجماعات شبه العسكرية على حكم المؤسسات العامة. لا غرابة في هذا الموقف، طالما أن هؤلاء الوزراء ينتمون إلى حركة سياسية-ميليشياوية تنكر فكرة الأمة اللبنانية ذاتها. والمثال الأبرز هو ذلك «المعلم» الذي يشرح للأطفال الصغار الذين فروا من الجنوب، على رصيف بيروت نفسه، رموز علم حزب الله، بينما لا تزال منازلهم تحترق. غياب المدنية، الانقسام الثقافي، الالتزام بعقيدة دينية… كل هذه العناصر تدفع اليوم جزءًا من اللبنانيين إلى التوافق مع مبادئ بلد أجنبي، وهو الجمهورية الإسلامية الإيرانية. الأسوأ هو أن هذا الموقف الذي يسعى إلى تفكيك مؤسسات القانون واستئصال مفهوم الدولة ذات السيادة، لا يقتصر على طائفة دينية معينة: فإذا كان صحيحًا أن غالبية الشيعة لا يزالون تابعين لحزب الله، فإن هناك أيضًا من السنة والمسيحيين والدروز من يفكرون بنفس الطريقة، إما جبنًا أو مصلحة، أو حتى قناعة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. وبسبب عجز أعلى هرم في الدولة عن تطبيق القرارات الموعودة والمسنّة فعليًا، سواء كان ذلك تساهلاً (أو حتى خوفًا) من الرئيس، أو تواطؤًا مع رئيس البرلمان، أو نقصًا في الوسائل فيما يتعلق برئيس الوزراء، فإن الانقسام بين اللبنانيين يتفاقم. وهكذا، تظهر الحقيقة المحزنة: بلدنا ليس رسالة للعيش المشترك، بل هو في أفضل الأحوال فسيفساء، حيث تتخاصم جميع القطع وتراقب بعضها البعض، مدعومة بطلاء متصدع. ومن ثم، فإن الحديث اليوم عن سلام محتمل مع إسرائيل هو من قبيل الوهم، لأنه وراء الانقسامات الداخلية، يجب تسمية القوى التي تغذيها بوضوح. فحزب الله وحلفاؤه السياسيون، بتمسكهم بمنطق الميليشيات والمحاور الإقليمية، يفرضون على لبنان أجندة تتجاوز المصلحة الوطنية وتمنع أي تعزيز لدولة ذات سيادة. من خلال الحفاظ على ازدواجية في مستوى السلطة، بين المؤسسات الرسمية والقوة الموازية، وكذلك من خلال الحفاظ على انفصام في ممارسة السلطة، بسبب التنافس بين قممها، فإنهم يجعلون أي استقرار دائم، وبالتالي أي سلام موثوق به، أمرًا وهميًا. لا يمكن لأي تفاهم مع الخارج أن يستمر عندما يستمر بعض الفاعلين في الداخل في تفضيل المواجهة، ليس كحق في المعارضة، بل كمواجهة مسلحة هي أساس وجودهم السياسي….

كفى قرارات، حان وقت العمل
بقلم
هادي الأسعد
نُشر
أبريل 11, 2026 - 17:30

لم يعد لبنان يملك ترف الغموض. في سياق انهيار شامل — اقتصادي ومؤسساتي واجتماعي من جهة، وحرب لا رحمة فيها على بلدنا من جهة أخرى — تفرض نفسها حقيقة واحدة بإلحاح مطلق: لا نهوض ممكن، ولا تأكيد لدور الدولة، دون استعادة كاملة وتامة لسلطتها. غير أنه، في هذه النقطة الجوهرية، ثمة تقدم بالغ الأهمية قد تحقق: القرار الواضح بإعلان عدم شرعية التشكيل العسكري لحزب الله، وحصر السلاح في أيدي القوات المسلحة الشرعية. هذا القرار عادل. وهو ضروري. وهو حيوي. لكنه اليوم لا يزال مطبَّقاً بصورة منقوصة. بين القرار والتنفيذ: الهوّة الخطيرة لا يعاني لبنان من عجز في النصوص أو المواقف بقدر ما يعاني من عجز في التنفيذ. كثيراً ما تُتخذ القرارات السيادية… ثم تُترك معلّقة، مُفرَّغة من مضمونها بفعل التقاعس أو المساومات أو الخوف من المواجهة. في هذا السياق، يشكّل إبقاء حزب الله على قدرة عسكرية مستقلة، في تناقض صريح مع قرار الدولة، تحدياً مباشراً للسلطة الوطنية. وهذا ليس مجرد شذوذ مؤسساتي: إنه تشكيك في مبدأ السيادة ذاته. في مواجهة ذلك، لم يعد الغموض خياراً. ولا الانتظار. مقتضى الحزم ما بات مطلوباً من السلطات السياسية اللبنانية واضح: ترجمة القرار إلى أفعال. بمنهجية، وبمسؤولية، وقبل كل شيء بحزم. ليس الأمر تصعيداً، ولا استعراضاً. إنه واجب سيادي. كل تساهل ممتد لن يزيد التصدعات الداخلية إلا اتساعاً، ولن يزيد البلد إلا انكشافاً أمام الاضطرابات الإقليمية. يجب أن تُوضع القوات المسلحة اللبنانية في صلب هذه الديناميكية. فهي تملك الشرعية الوطنية وتحظى بثقة شريحة واسعة من المواطنين. غير أنه لا بد من منحها الوسائل السياسية والعملياتية لتضطلع بدورها كاملاً. الخروج من الخوف العائق الحقيقي اليوم ليس غياب الحلول. بل هو الخوف من تطبيقها. خوف من التوترات. خوف من ردود الفعل. خوف من الثمن السياسي على المدى القصير. لكن التاريخ اللبناني الأخير يعلّمنا شيئاً واحداً: ثمن التقاعس دائماً أعلى من ثمن الشجاعة. كل تراجع للدولة دُفع ثمنه بإضعاف دائم لمؤسساتها وتردٍّ في أحوال معيشة المواطنين. حان وقت قلب هذا المنطق. دعوة إلى تعبئة مدنية في هذه المرحلة الفاصلة، لا تقع المسؤولية على القادة وحدهم. إنها تقع أيضاً على المجتمع بأسره. لا بد أن تنبثق حركة شعبية، سلمية لكن حازمة، لدعم التطبيق الفعلي لقرارات الدولة. لا في مواجهة أي فريق من اللبنانيين، بل دفاعاً عن مبدأ أساسي: دولة واحدة، سلطة واحدة، قوة مسلحة شرعية واحدة. هذا الدعم ضروري لمنح صانعي القرار الجرأة على الفعل، وللعزل السياسي لكل من يرفض الامتثال للشرعية الوطنية. ساعة الحقيقة لبنان عند مفترق الطرق. إما تبقى القرارات السيادية تصريحات بلا غد، ويمضي البلد في تآكله البطيء. وإما تُطبَّق أخيراً بالعزم الذي تستوجبه خطورة الوضع، وتغدو آفاق النهوض ممكنة من جديد. الخيار قائم. وهو واضح. إصدار القرارات لم يعد كافياً. لا بد من الفعل.

ما الذي يعنينا من هذا الاتفاق المؤقت لوقف إطلاق النار؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
أبريل 11, 2026 - 08:54

كان يُفترض أن يكون نصراً مدوّياً، إنّما لم يكن كذلك! لقد خشي دونالد ترامب الانغماس في الخليج الفارسي، فوجد مخرجاً عبر الحدّ من طموحاته. لم يعد الحديث مطروحاً عن تغيير نظام ولاية الفقيه، ولا عن وضع حد جذري للبرنامج النووي الإيراني (1). ومع اتفاق إسلام آباد في 7 نيسان، سيتعين عليه الاكتفاء بجائزة ترضية: إعادة فتح طرق الاتصال وحرية الملاحة فمضيق هرمز «بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية». فهل يُعدّ ذلك نصراً للآيات الله؟ بالتأكيد لا! جواد ظريف و«فورين أفيرز » إذا كان الإيراني قد أظهر صموداً، فإن قواه، بالمقابل، منهكة وبلاده مستنزفة. والأكثر من ذلك، يبدو أن مفاوضيه في إسلام آباد سيتخلّون عن وكيله اللبناني حزب الله. لن تعترف طهران بذلك رسمياً، لكن جواد ظريف ألمح إلى هذا الموضوع في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» (2). فقد اغتنم وزير الخارجية الإيراني السابق فرصة مساهمة أكاديمية (?) ليقترح خريطة طريق لإنهاء النزاع الإقليمي المستعر: دعا فيها إلى تنازلات متبادلة بين الأطراف المتحاربة، وخفض التصعيد، وتطبيع دبلوماسي. وفي مقابل رفع العقوبات الأميركية والحظر المفروض على بيع مواردها من المحروقات، ستقوم إيران بخفض جذري في برنامج تخصيب اليورانيوم، الذي سيكون أيضاً تحت إشراف دولي، إلخ. ومع ضمان الأمن الإقليمي، سيغدو الخليج الفارسي منطقة ازدهار وتبادل مثمر. وفي هذه الرؤية المثالية للمستقبل، لن يعود هناك من حديث عن تصدير الثورة الإسلامية. وهذا ما يفسّر عدم وجود أي إشارة إلى شرقنا المتوسطي، ولا إلى القضية الفلسطينية أو المسجد الأقصى! ومع ذلك، من الغريب أن جواد ظريف لا يخبرنا عن المصير الذي ينوي تخصيصه لحزب الله. فهل ينوي التضحية به كورقة على رقعة الشطرنج السياسية؟ (3) « الظلمات الأبدية» واتفاق إسلام آباد تشير الخطة التي اقترحها ظريف إلى ضرورة السماح لإيران بإعلان نصراستراتيجي، حتى لا تخسر ماء وجهها، ولكي تتمكن من الشروع في مفاوضات مع «الشيطان الأكبر». وهذا بالفعل ما حدث: فما إن أُعلن وقف إطلاق النار، حتى سارع حزب الله، وليس إيران فقط، إلى التأكيد بأنه على «أعتاب نصر تاريخي كبير«. غير أن الميليشيا الإيرانية دعت، في الوقت نفسه، النازحين من الجنوب والضاحية والبقاع «إلى التحلي بالصبر والثبات» وعدم العودة إلى منازلهم قبل إعطاء الضوء الأخضر. وكان ذلك في محلّه، إذ إن وقف إطلاق النار المذكور، الذي يُفترض أنه يكرّس الانتصار الإيراني، لا يشمل بتاتاً ساحة العمليات اللبنانية. فليس من المفترض أن ينعم لبنان بوقف القتال. وقد صرّح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في 8 نيسان: «سنواصل ضرب حزب الله الإرهابي واستغلال كل فرصة… وستستمر الضربات في إطار عملية“الظلمات الأبدية”». وعليه، نقول لأولئك من مواطنينا الذين أعلنوا النصر باكراً: لا تسيئوا تقدير نيات بنيامين نتنياهو. ففي ما يتعلق بحدوده الشمالية، اختار التصعيد. وهو يذكّرنا بذلك في كل وقت عبر تكثيف الضربات، وكأنه يقول: «أنا غير مقيّد باتفاق إسلام آباد». وكأنّه يضيف: «أيها اللبنانيون، أنتم دروع بشرية لحزب الله!» خاتمة في الوقت الذي يستعد فيه لبنان الرسمي لبدء مفاوضات سلام في واشنطن مع دولة إسرائيل، من الممكن توقع مناورة خبيثة من جانب الجمهورية الإسلامية. فهذه الأخيرة، التي قد تخسر استخدام وكيلها، حزب الله، ستسعى إلى الالتفاف على حكومتنا ولن تتردد في تأجيج صراع أهلي بين اللبنانيين، إذا كان ذلك يخدم مصالحها. فحتى في حال الخسارة، قد يُستخدم حزب الله مرة أخرى لزرع الفوضى! 1 تجدر الإشارة إلى أن النسخة الفارسية من اتفاق وقف إطلاق النار تنص على مواصلة تخصيب اليورانيوم ضمن البرنامج النووي الإيراني. وهذه الإضافة لا تظهر في النسخة الأصلية المتداولة باللغة الإنجليزية في أوساط الدبلوماسيين والصحافيين. وليس هذا المثال الوحيد على عدم التطابق بين النسختين. 2 جواد ظريف، «كيف ينبغي لإيران أن تنهي الحرب: صفقة يمكن لطهران قبولها»، فورين أفيرز، نيسان 2026. وقد تعرّض هذا المقال فوراً لانتقاد من السلطات الإيرانية لعدم أخذه بالاعتبار المصالح الوطنية. 3 كما أن التهديدات الإيرانية بالانسحاب من الاتفاق عقب مجزرة «الأربعاءالأسود» قد لا تكون سوى شكلية! مجرد ستار دخاني وحيلة لإخفاء النيات الحقيقية!

نحن لسنا ساحة… ولسنا وقوداً
بقلم
منى فياض
نُشر
أبريل 10, 2026 - 20:43

كانت عشر دقائق كافية كي تشهد بيروت وسائر المناطق، أكثر الهجمات الإسرائيلية وحشية. نتج عنها: مئات القتلى وألوف الجرحى. حصل ذلك بعد إبرام الاتفاق المبهم، بين اميركا وإيران، على وقف إطلاق النار. أرادت إسرائيل بقيادة نتنياهو، غير الراضي عن أي اتفاق سيعيده الى واقعها الإسرائيلي الصعب، أن يبلّغ الجميع ان إعلان إيران شمول الاتفاق للبنان، باطل. إيران ترفض ذلك لفظياً، وتستمر باحترام الاتفاق. أما حزب الله المنتشر في سائر الأنحاء وبين المدنيين، فلقد أعلن التزامه الاتفاق، وامتنع حتى الآن من الرد على إسرائيل سوى ببضعة صواريخ على كريات شمونة!! لبنان رسمياً ساحة مستباحه برضا حكومته، التي أعلنت الحداد على الضحايا! وأعلن الشعب اللبناني الحداد على حكومته ومسؤوليه. إن من يعيش داخل الحرب لا يُطلب منه أن يفهم… بل أن يشهد، وأن يبقى إنساناً قدر الإمكان. وهذا ما سأفعله: نحن لسنا ساحة. لسنا أرضاً مباحة لتصفية الحسابات، ولا خريطة تُرسم عليها خطوط النار وفق مصالح الآخرين. نحن بشر، لنا أسماء، وبيوت، وأبناء، وذاكرة مثقلة بما يكفي من الحروب التي لم نخترها. ومع ذلك، في كل مرة، يُعاد فرض الدور نفسه علينا: أن نكون الساحة والممرّ، والبريد، والجبهة، والضحية. نُقصف لأن هناك من يريد أن يرسل إشارة. نُدمَّر لأن هناك من يفاوض في مكان آخر. نُقتل لسوء حظنا مع موقعنا الجغرافي. نرفض هذا كله. نرفض أن نكون جزءاً من حرب لا قرار لنا فيها، ولا مصلحة لنا بها، ولا قدرة لنا على إيقافها. نرفض أن نُختزل إلى "ورقة" في يد أي محور، وأن يُطلب منا أن نموت بصمت، تحت شعارات كبرى لا تُطعم أطفالنا ولا تحمي بيوتنا. نرفض أن نكون تابعين. لا لإيران، ولا لغيرها. نرفض أن تُدار أرضنا، وأرواحنا، ومستقبلنا، بقرار يأتي من خارج حدودنا، وتحت راية دولة دينية لا ترى فينا إلا امتداداً لنفوذها، ودرعاً لحمايتها. نرفض أن يُختطف مجتمع كامل، وأن يُزجّ به في معارك تتجاوز قدرته وإرادته، ثم يُطلب منه أن يحتفل بالتضحية. أي تضحية هذه التي لا يختارها أصحابها؟ وأي مقاومة تلك التي تُفرض على الناس بالقوة؟ وكما نرفض من يعطينا دروساً عن إسرائيل وفجورها ووحشيتها، نرفض في الوقت نفسه، ممارسات إسرائيل الوحشية ونرفض أن تبقى فوق المساءلة، ونرفض أن تستمر دولة قائمة على القوة والاحتلال، وتستمر في تهديدنا وقصفنا وتدمير مدننا، ثم تبرر كل ذلك باسم الأمن. أي أمن هذا الذي يُبنى على أنقاض الآخرين؟ لو أن الفلسطينيين نالوا حقوقهم، ولو أن العدالة وُجدت يوماً في هذه المنطقة، لما استطاعت إيران ولا غيرها أن تستغل هذه الثغرة المفتوحة لابتزازنا، ولما تحوّلنا نحن إلى خط دفاع أول في معارك الآخرين. نحن ضحايا معادلتين قاتلتين: معادلة احتلال لا يعترف بحقوق الآخرين ومعادلة استغلال لا يرى فينا إلا أداة. وبينهما… نُسحق. لكننا، رغم كل شيء، نقول اليوم: كفى. كفى أن نُستخدم. كفى أن نُختطف. كفى أن نُقتل باسم قضايا لا تُدار لمصلحتنا. نريد دولة. دولة حقيقية، لا ظلاً لدولة أخرى وغير قادرة على فرض سلطتها. دولة تقرر الحرب والسلم، لا أن تقبل بفرض الحروب عليها فرضاً. نريد جيشاً واحداً، وقراراً واحداً، وسيادة لا تتجزأ. قد يبدو هذا الكلام ضعيفاً أمام هدير الطائرات، وسقوط الصواريخ، وفوضى الدم والشلاء. لكنه الكلمة في الحقيقة، أقوى ما نملك. لأن الحرب تبدأ حين يُسلب الإنسان صوته، وتنتهي - ولو بعد حين - حين يستعيده. نحن لسنا ساحة. نحن لسنا أرقاماً. نحن لسنا وقوداً. نحن بشر… ونريد فقط أن نعيش.

نحن لسنا ساحة… ولسنا وقوداً
بقلم
منى فياض
نُشر
أبريل 10, 2026 - 20:09

كانت عشر دقائق كافية كي تشهد بيروت وسائر المناطق، أكثر الهجمات الإسرائيلية وحشية. نتج عنها: مئات القتلى وألوف الجرحى. حصل ذلك بعد إبرام الاتفاق المبهم، بين اميركا وإيران، على وقف إطلاق النار. أرادت إسرائيل بقيادة نتنياهو، غير الراضي عن أي اتفاق سيعيده الى واقعها الإسرائيلي الصعب، أن يبلّغ الجميع ان إعلان إيران شمول الاتفاق للبنان، باطل. إيران ترفض ذلك لفظياً، وتستمر باحترام الاتفاق. أما حزب الله المنتشر في سائر الأنحاء وبين المدنيين، فلقد أعلن التزامه الاتفاق، وامتنع حتى الآن من الرد على إسرائيل سوى ببضعة صواريخ على كريات شمونة!! لبنان رسمياً ساحة مستباحه برضا حكومته، التي أعلنت الحداد على الضحايا! وأعلن الشعب اللبناني الحداد على حكومته ومسؤوليه. إن من يعيش داخل الحرب لا يُطلب منه أن يفهم… بل أن يشهد، وأن يبقى إنساناً قدر الإمكان. وهذا ما سأفعله: نحن لسنا ساحة. لسنا أرضاً مباحة لتصفية الحسابات، ولا خريطة تُرسم عليها خطوط النار وفق مصالح الآخرين. نحن بشر، لنا أسماء، وبيوت، وأبناء، وذاكرة مثقلة بما يكفي من الحروب التي لم نخترها. ومع ذلك، في كل مرة، يُعاد فرض الدور نفسه علينا: أن نكون الساحة والممرّ، والبريد، والجبهة، والضحية. نُقصف لأن هناك من يريد أن يرسل إشارة. نُدمَّر لأن هناك من يفاوض في مكان آخر. نُقتل لسوء حظنا مع موقعنا الجغرافي. نرفض هذا كله. نرفض أن نكون جزءاً من حرب لا قرار لنا فيها، ولا مصلحة لنا بها، ولا قدرة لنا على إيقافها. نرفض أن نُختزل إلى "ورقة" في يد أي محور، وأن يُطلب منا أن نموت بصمت، تحت شعارات كبرى لا تُطعم أطفالنا ولا تحمي بيوتنا. نرفض أن نكون تابعين. لا لإيران، ولا لغيرها. نرفض أن تُدار أرضنا، وأرواحنا، ومستقبلنا، بقرار يأتي من خارج حدودنا، وتحت راية دولة دينية لا ترى فينا إلا امتداداً لنفوذها، ودرعاً لحمايتها. نرفض أن يُختطف مجتمع كامل، وأن يُزجّ به في معارك تتجاوز قدرته وإرادته، ثم يُطلب منه أن يحتفل بالتضحية. أي تضحية هذه التي لا يختارها أصحابها؟ وأي مقاومة تلك التي تُفرض على الناس بالقوة؟ وكما نرفض من يعطينا دروساً عن إسرائيل وفجورها ووحشيتها، نرفض في الوقت نفسه، ممارسات إسرائيل الوحشية ونرفض أن تبقى فوق المساءلة، ونرفض أن تستمر دولة قائمة على القوة والاحتلال، وتستمر في تهديدنا وقصفنا وتدمير مدننا، ثم تبرر كل ذلك باسم الأمن. أي أمن هذا الذي يُبنى على أنقاض الآخرين؟ لو أن الفلسطينيين نالوا حقوقهم، ولو أن العدالة وُجدت يوماً في هذه المنطقة، لما استطاعت إيران ولا غيرها أن تستغل هذه الثغرة المفتوحة لابتزازنا، ولما تحوّلنا نحن إلى خط دفاع أول في معارك الآخرين. نحن ضحايا معادلتين قاتلتين: معادلة احتلال لا يعترف بحقوق الآخرين ومعادلة استغلال لا يرى فينا إلا أداة. وبينهما… نُسحق. لكننا، رغم كل شيء، نقول اليوم: كفى. كفى أن نُستخدم. كفى أن نُختطف. كفى أن نُقتل باسم قضايا لا تُدار لمصلحتنا. نريد دولة. دولة حقيقية، لا ظلاً لدولة أخرى وغير قادرة على فرض سلطتها. دولة تقرر الحرب والسلم، لا أن تقبل بفرض الحروب عليها فرضاً. نريد جيشاً واحداً، وقراراً واحداً، وسيادة لا تتجزأ. قد يبدو هذا الكلام ضعيفاً أمام هدير الطائرات، وسقوط الصواريخ، وفوضى الدم والشلاء. لكنه الكلمة في الحقيقة، أقوى ما نملك. لأن الحرب تبدأ حين يُسلب الإنسان صوته، وتنتهي - ولو بعد حين - حين يستعيده. نحن لسنا ساحة. نحن لسنا أرقاماً. نحن لسنا وقوداً. نحن بشر… ونريد فقط أن نعيش.

"​لبنان و"اليوم الذي يلي
بقلم
إيلي الحاج
نُشر
أبريل 9, 2026 - 22:25

​«متى تنتهي الحرب؟ أقول: حين نلتقي». محمود درويش ​بطبيعتي متفائل. ولست مصفّحاً ضد الحزن. ولكن رغم سوداوية الحرب وبشاعتها، أعيش أكثر مراحل تفاؤلي هذه الأيام خلافاً لكثيرين. أعتقد أننا نعيش آخر حروب لبنان، وأفكّر في هدوء الليل بـ"اليوم الذي يلي الحرب". أفكّر بتعاطف إنساني، ومن دون لوم، بل بحياد تام، في الصدمة التي ستصيب بيوتاً تربّى أهلها على كراهية عميقة لإسرائيل وشعبها واليهود عموماً، من قوميين عرب، وقوميين سوريين، وشيوعيين، وإسلاميّين على تنوّع انتماءاتهم. هؤلاء الذين لا يتحملون ذكر كلمة "إسرائيل"، فيسمّونها "الكيان الصهيونيّ" أو "الكيان المحتلّ والموقّت"، والذين فضّلوا في الماضي، وبعضهم حتى اليوم، أن يحرقوا لبنان إذا لم تتحرّر فلسطين، ورفعوا شعار "حرية العمل الفدائي الفلسطيني المسلّح على كل الأراضي اللبنانية"، فارضين على دولتهم القبول بالتنازل عن سيادتها من خلال "اتفاقية القاهرة" فداء لفلسطين. كيف سيتحملون واقعاً جديداً يتمثل في أن إسرائيل لن تخرج من لبنان هذه المرة إلا باتفاق شامل للسلام؟ وأن لا عودة إلى هدنة 1949، بل ترتيبات أمنية قاسية وصارمة تضمن أمن حدودها الشمالية إلى الأبد؟ ثمن باهظ سيضطرّ لبنان إلى دفعه لاسترداد أرضه ​أقول لمن يسألني هذه الأيام: عندما تحين ساعة التفاوض الحقيقي سيكون "البكاء وصريف الأسنان". هناك ثمن باهظ سوف نضطر إلى دفعه إذا أردنا استرداد أرضنا وأهلنا في الجنوب إلى الدولة اللبنانية. ​اقرأوا نص اتفاق الانسحاب الإسرائيلي لسنة 1983، الذي سمّيتموه تحقيراً "17 أيار" أو "اتفاق الذلّ والعار"؛ ذلك الاتفاق الذي أسقطتموه بانتفاضة 6 شباط 1984. أعيدوا قراءته وتمنّوا وصَلّوا أن تقبل إسرائيل بما يُشبهُه بعد الحرب. حدسي والمؤشرات أنها لن تقبل. هذه المرة لن تكتفي بانسحاب مشروط أو ترتيبات أمنيّة هشّة يمكن نسفها بعمليات انتحارية، ولن تكون الهجمات المتفرقة على مدى طويل ضد قوات احتلالها متاحة. فنظام الأسد لم يعد موجوداً كي يدعم "المقاومين" ويؤمّن خلفيّتهم، والنظام الثيوقراطي في إيران يتهاوى، والاتحاد السوفياتي لم يعد قائماً، والأرض خالية من سكانها خلافاً للسابق، وأهل الأرض هم المياه التي لا يعيش سمك المقاومة خارجها. ستطالب إسرائيل بضمانات دائمة، وبآليات مراقبة دولية حقيقية تشارك فيها ربما وتشرف عليها، أو تتنكب لهذا الدور جيوش الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية المناهضة للنظام الإيراني في أفضل الأحوال. وربما ستفرض الدول تغييرات جذرية في بنية الدولة اللبنانية نفسها، كي لا يتحول الجنوب، مرة أخرى، منصّة لإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، وأرض أنفاق للانقضاض عليها. ​سيكتشف الذين بنوا هويتهم على "المقاومة الإسلامية في لبنان" أن النهاية جاءت، وأن "الخمينيّة" التي اعتنقوها إيماناً وأسلوب حياة أصبحت خارج الزمن، وعبئاً ثقيلاً عليهم وعلى عائلاتهم ولبنان برمّته، يستحيل حمله. سيواجهون واقعاً مريراً: أن فلسطين لم تتحرّر، بل إن لبنان دفع الثمن الهائل كاملاً، وإسرائيل لم تُهزم بل غدت قادرة على فرض شروطها. سيدرك اللبنانيون أن الذين أحرقوا بيروت مراراً، ودمّروا الجنوب مراراً، هم أنفسهم الذين يرفضون اليوم أي حلّ سياسي يحمي لبنان من تكرار الكارثة. ​لكن اليوم الذي أتحدث عنه ليس للانتقام أو الشماتة. إنه يوم اللقاء على اقتناع بأن الرهان على تحرير فلسطين على حساب وجود لبنان كان خطأً جسيماً. ما حصل أننا كنّا في مأساة فلسطين، فصرنا في مأساة فلسطين ولبنان معاً، ولم نربح سوى الدمار والوجع على الأبناء الذين انقصفت أعمارهم الفتيّة عبثاً. يومٌ يدرك فيه اللبنانيون أن السلام الذي ذهبت إليه دول عربية شقيقة ليس خيانة، بل هو أفضل الممكن، وأنه الخيار الوحيد الذي يحفظ ما تبقى من بلادنا ودولتنا. السلام الذي يعني حدوداً آمنة، ودولة قادرة على بسط سيادتها، واقتصاداً ينفتح بدل أن يُغلق تحت شعارات "الممانعة". ​سوف يكون ذلك اليوم بداية عهد جديد حقاً. عهد يخرج فيه لبنان من دائرة الحروب المتسلسلة واللامتناهية التي غذّتها أوهام "القضية المركزية" و"المقاومة المسلحة حتى الرمق الأخير" منذ سنة 1969. عهد يستعيد فيه اللبنانيون حقهم في الحياة الطبيعية: في بناء بيوتهم، وزرع أرضهم، وتربية أولادهم بعيداً عن دوي الانفجارات والغارات والصواريخ والخطابات النارية. ​ليس سهلاً على جيل تربّى على مبدأ أن "إسرائيل عدوّة إلى الأبد، وعلينا النضال بلا هوادة ومهما بلغت الخسائر لإزالتها من الوجود من النهر إلى البحر"، أن يستيقظ فجأة على واقع أن هذا "العدو" لن يرحل إلا بعد أن يوقّع اتفاقاً ثقيل الوطء يحميه. لكن التاريخ لا يرحم من يعيش في الماضي، واليوم الذي يلي الحرب سيكون، مهما طال الصراخ، يوماً لمَن اختاروا لبنان أولاً، سواء أبكروا أم تأخروا، كي يعيدوا البناء معاً ويبلمسوا جراح الوطن والنفوس.

​لبنان و"اليوم الذي يلي"
بقلم
إيلي الحاج
نُشر
أبريل 8, 2026 - 20:46

​«متى تنتهي الحرب؟ أقول: حين نلتقي». محمود درويش ​بطبيعتي متفائل. ولست مصفّحاً ضد الحزن. ولكن رغم سوداوية الحرب وبشاعتها، أعيش أكثر مراحل تفاؤلي هذه الأيام خلافاً لكثيرين. أعتقد أننا نعيش آخر حروب لبنان، وأفكّر في هدوء الليل بـ"اليوم الذي يلي الحرب". أفكّر بتعاطف إنساني، ومن دون لوم، بل بحياد تام، في الصدمة التي ستصيب بيوتاً تربّى أهلها على كراهية عميقة لإسرائيل وشعبها واليهود عموماً، من قوميين عرب، وقوميين سوريين، وشيوعيين، وإسلاميّين على تنوّع انتماءاتهم. هؤلاء الذين لا يتحملون ذكر كلمة "إسرائيل"، فيسمّونها "الكيان الصهيونيّ" أو "الكيان المحتلّ والموقّت"، والذين فضّلوا في الماضي، وبعضهم حتى اليوم، أن يحرقوا لبنان إذا لم تتحرّر فلسطين، ورفعوا شعار "حرية العمل الفدائي الفلسطيني المسلّح على كل الأراضي اللبنانية"، فارضين على دولتهم القبول بالتنازل عن سيادتها من خلال "اتفاقية القاهرة" فداء لفلسطين. كيف سيتحملون واقعاً جديداً يتمثل في أن إسرائيل لن تخرج من لبنان هذه المرة إلا باتفاق شامل للسلام؟ وأن لا عودة إلى هدنة 1949، بل ترتيبات أمنية قاسية وصارمة تضمن أمن حدودها الشمالية إلى الأبد؟ ثمن باهظ سيضطرّ لبنان إلى دفعه لاسترداد أرضه ​أقول لمن يسألني هذه الأيام: عندما تحين ساعة التفاوض الحقيقي سيكون "البكاء وصريف الأسنان". هناك ثمن باهظ سوف نضطر إلى دفعه إذا أردنا استرداد أرضنا وأهلنا في الجنوب إلى الدولة اللبنانية. ​اقرأوا نص اتفاق الانسحاب الإسرائيلي لسنة 1983، الذي سمّيتموه تحقيراً "17 أيار" أو "اتفاق الذلّ والعار"؛ ذلك الاتفاق الذي أسقطتموه بانتفاضة 6 شباط 1984. أعيدوا قراءته وتمنّوا وصَلّوا أن تقبل إسرائيل بما يُشبهُه بعد الحرب. حدسي والمؤشرات أنها لن تقبل. هذه المرة لن تكتفي بانسحاب مشروط أو ترتيبات أمنيّة هشّة يمكن نسفها بعمليات انتحارية، ولن تكون الهجمات المتفرقة على مدى طويل ضد قوات احتلالها متاحة. فنظام الأسد لم يعد موجوداً كي يدعم "المقاومين" ويؤمّن خلفيّتهم، والنظام الثيوقراطي في إيران يتهاوى، والاتحاد السوفياتي لم يعد قائماً، والأرض خالية من سكانها خلافاً للسابق، وأهل الأرض هم المياه التي لا يعيش سمك المقاومة خارجها. ستطالب إسرائيل بضمانات دائمة، وبآليات مراقبة دولية حقيقية تشارك فيها ربما وتشرف عليها، أو تتنكب لهذا الدور جيوش الولايات المتحدة الأميركية والدول العربية المناهضة للنظام الإيراني في أفضل الأحوال. وربما ستفرض الدول تغييرات جذرية في بنية الدولة اللبنانية نفسها، كي لا يتحول الجنوب، مرة أخرى، منصّة لإطلاق صواريخ على شمال إسرائيل، وأرض أنفاق للانقضاض عليها. ​سيكتشف الذين بنوا هويتهم على "المقاومة الإسلامية في لبنان" أن النهاية جاءت، وأن "الخمينيّة" التي اعتنقوها إيماناً وأسلوب حياة أصبحت خارج الزمن، وعبئاً ثقيلاً عليهم وعلى عائلاتهم ولبنان برمّته، يستحيل حمله. سيواجهون واقعاً مريراً: أن فلسطين لم تتحرّر، بل إن لبنان دفع الثمن الهائل كاملاً، وإسرائيل لم تُهزم بل غدت قادرة على فرض شروطها. سيدرك اللبنانيون أن الذين أحرقوا بيروت مراراً، ودمّروا الجنوب مراراً، هم أنفسهم الذين يرفضون اليوم أي حلّ سياسي يحمي لبنان من تكرار الكارثة. ​لكن اليوم الذي أتحدث عنه ليس للانتقام أو الشماتة. إنه يوم اللقاء على اقتناع بأن الرهان على تحرير فلسطين على حساب وجود لبنان كان خطأً جسيماً. ما حصل أننا كنّا في مأساة فلسطين، فصرنا في مأساة فلسطين ولبنان معاً، ولم نربح سوى الدمار والوجع على الأبناء الذين انقصفت أعمارهم الفتيّة عبثاً. يومٌ يدرك فيه اللبنانيون أن السلام الذي ذهبت إليه دول عربية شقيقة ليس خيانة، بل هو أفضل الممكن، وأنه الخيار الوحيد الذي يحفظ ما تبقى من بلادنا ودولتنا. السلام الذي يعني حدوداً آمنة، ودولة قادرة على بسط سيادتها، واقتصاداً ينفتح بدل أن يُغلق تحت شعارات "الممانعة". ​سوف يكون ذلك اليوم بداية عهد جديد حقاً. عهد يخرج فيه لبنان من دائرة الحروب المتسلسلة واللامتناهية التي غذّتها أوهام "القضية المركزية" و"المقاومة المسلحة حتى الرمق الأخير" منذ سنة 1969. عهد يستعيد فيه اللبنانيون حقهم في الحياة الطبيعية: في بناء بيوتهم، وزرع أرضهم، وتربية أولادهم بعيداً عن دوي الانفجارات والغارات والصواريخ والخطابات النارية. ​ليس سهلاً على جيل تربّى على مبدأ أن "إسرائيل عدوّة إلى الأبد، وعلينا النضال بلا هوادة ومهما بلغت الخسائر لإزالتها من الوجود من النهر إلى البحر"، أن يستيقظ فجأة على واقع أن هذا "العدو" لن يرحل إلا بعد أن يوقّع اتفاقاً ثقيل الوطء يحميه. لكن التاريخ لا يرحم من يعيش في الماضي، واليوم الذي يلي الحرب سيكون، مهما طال الصراخ، يوماً لمَن اختاروا لبنان أولاً، سواء أبكروا أم تأخروا، كي يعيدوا البناء معاً ويبلمسوا جراح الوطن والنفوس. ​

أقسم بأن أكون وفياً للوطن والجيش والعلم...
بقلم
أكرم نعمة
نُشر
أبريل 4, 2026 - 16:59

في الأيام الأخيرة، رؤية الجيش ينسحب من بعض القرى الجنوبية مثل رميش، عين إبل، دبل، أو القليعة، يحدث شيئًا في الداخل يصعب تسميته. إنها ليست مجرد حزن. بل أقدم من ذلك، أعمق، كما لو أن هذا التراجع يأتي ليؤكد حدسًا كنا ندفعه بعيدًا منذ فترة طويلة، حدس بلد ينزلق ببطء خارج ذاته. في المقاهي، في الرسائل التي نرسلها لبعضنا البعض مساءً، نشعر أن شيئًا ما قد تصدع. لكن العاطفة، مهما كانت صائبة، لا تكفي لفهم ما يحدث. وطالما بقينا في الداخل، لا نرى شيئًا. الجيش لم يُصنع لينتحر. إنه مصنوع ليستمر طويلاً بما يكفي ليكون مفيدًا عندما يحين الوقت حقًا. إرسال رجال دون غطاء في مواجهة قوة تسحقهم، هذا ليس شجاعة. إنه أمر بموتهم وتسمية ذلك شجاعة. لأنه يجب فهم شيء واحد. هناك من يستطيعون الصمود حتى النهاية، حتى آخر رجل، لأنهم لا يستجيبون لنفس المنطق. أوامرهم تأتي من مكان آخر، من عاصمة أجنبية تحصي الخسائر دون أن تنظر أبدًا إلى القرى المحترقة. بالنسبة لهم، الموتى مفيدون. الأراضي اللبنانية ليست سوى مساحة للمناورة. وما يأتي بعد الحرب، ليس من شأنهم. لكن الجيش الوطني لا يحق له أن يفكر مثلهم. إذا دمر نفسه في معركة لا يمكنه الفوز بها، فهذه ليست معركة خاسرة، بل هو البلد نفسه الذي يرحل معها. وبعد ذلك، لن يبقى أحد ليصمد لأي شيء. إذًا نعم، إنه يتراجع. هذا صعب الرؤية. لكن هذا التراجع ليس هروبًا، إنه حساب، الوحيد الذي يسمح بالبقاء واقفين غدًا. تخلى جورج واشنطن عن نيويورك عام 1776، وسخر منه الموالون لأشهر. ترك الروس موسكو لنابليون عام 1812. صعد الإنجليز على متن السفن بشكل كارثي في دنكيرك عام 1940. لقد وصفناهم جميعًا بالجبناء. لقد فازوا جميعًا. هذه ليست مصادفة. لا يُقاس القبطان بالأمواج التي يواجهها. ولا يُقاس بعنف العاصفة. بل يُقاس بعدد الرجال الذين يعيدهم أحياء. القبطان الذي يغرق مع طاقمه لرفضه تغيير المسار ليس بطلاً. إنه مدمر للسفن. رب الأسرة لا يأخذ بندقيته ليموت أمام بابه. بل يخرج أهله من الخلف، يتراجع، يهرب حتى لو وصف بالجبان، لأن واجبه ليس أن يموت واقفًا: بل أن يضمن أن يعيش أهله. الجيش، اليوم، هو هذا القبطان وهذا الأب معًا. لا يتراجع ضعفًا. يتراجع لأن لديه ملايين الأطفال ليعيدهم. يجب أن نقول أيضًا ما نفضل عدم قوله. لبنان لن ينتصر في حرب ضد إسرائيل. هذا ليس حكمًا، بل حقيقة. لكن الجيش لا يوجد فقط لكسب الحروب. إنه موجود لكي يبقى بعد الحرب شيء يمكن حكمه، وشخص يمنع الجميع من تسوية حساباتهم بمفردهم في الشارع. بدون جيش، لا يوجد دولة. وبلد بدون دولة، هي حرب أهلية تعود لتطرق الباب. الذين يريدون بقاءها بأي ثمن لا يطلبون الشجاعة. إنهم يطلبون الدم. يطالبون بأن تحتل مواقع محاصرة، دون خطوط إمداد آمنة، دون تناوب للرجال، دون تفوق جوي، دون ذخيرة كافية أو دعم لوجستي مستمر. يطلبون من وحدة أن تعمل خارج السلسلة، مقطوعة عن خطوطها الخلفية، مكشوفة، جامدة، متحولة إلى هدف. هذا ليس وضع دفاعي. إنه حكم بالإرهاق، حتى الانهيار. وعندما لا يبقى جيش، سيفهمون بعد فوات الأوان أنهم دمروا الشيء الوحيد الذي كان يحميهم. ثم هناك هذا الجندي. في العشرين من عمره، أو ربما أقل. لم يختر الزي العسكري للمغادرة، بل اختاره ليبقى على وجه التحديد، ليحرس مكانًا، يراقب المنازل ليلاً، يتعرف على وجوه قرية لم تكن قريته. في ذلك الصباح، تلقى أمرًا بالرحيل. رتب أغراضه بصمت، صعد إلى الشاحنة، ولم ينظر خلفه. ليس لأنه لم يكن يكلفه شيئًا. بل لأنه كان يعلم أنه إذا نظر، فلن يرحل أبدًا. في الشاحنة، كانت يداه ترتجفان. ليس خوفًا. بل من ثقل ما كان يتركه خلفه. هذا البلد ما زال صامدًا بفضل أناس مثله. لقد نجا لبنان من أمور كانت ستقتل أي بلد آخر. لقد نجا لأن رجالًا مثل هذا الجندي استمروا في الاستيقاظ صباحًا، وارتداء الزي العسكري، والوقوف في مواقعهم دون معرفة ما إذا كان هناك أحد، في مكان ما، يعلم بوجودهم حتى. أدى ضابط في يوم من الأيام هذا القسم: «أقسم بالله العلي العظيم أن أكون وفيًا للوطن والجيش والعلم.» طالما تمسك بهذه الكلمات، فإن لبنان لا يسقط. ينزف، يتراجع، منهك، لكنه لا يسقط. التراجع، نعم. خيانة هذا القسم، أبدًا.

يا دول الخليج، اقتدوا بيوسف رجي!
بقلم
يوسف معوض
نُشر
أبريل 4, 2026 - 12:46

استعادت جمهوريتنا المتهالكة بريقها. يكفي أن أحد وزرائنا أظهر حزمًا و«أقال»، في احترام للقواعد المتبعة، الممثل المعتمد لـ إيران. وكان ذلك أكثر فخرًا ليوسف رجّي لأنه تمكن من تحدي العاصفة التي أثارتها وقاحته. ومع ذلك، لا ينبغي الاعتقاد بأن هذا العمل الدبلوماسي القسري سيصل إلى حد استعادة مصداقية هذه الحكومة أو هذه الإدارة. سيتطلب الأمر أكثر من ذلك بكثير؛ وحتى عمليات تطهير على نطاق ستاليني بالكاد تكفي! الخليج في لهيب ودماء ولكن دعونا نذهب إلى الخليج الفارسي، لأنه يجب تسميته باسمه. وقد حوصرت في آخر معاقلها، قررت طهران إشعال الخليج المذكور في لهيب ودماء! إنها بالتأكيد ورقة الملالي الرابحة و ربما الأخيرة. مقارنة بسيطة في نهاية شهر من العمليات العسكرية: مقابل 4391 هجومًا إيرانيًا ضد الدول العربية (المملكة العربية السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، عمان وأبو ظبي)، لم يكن هناك سوى 930 ضد إسرائيل. وبنسبة إجمالية، إذا استهدفت 17% من الضربات الدولة العبرية، فإن 83% كانت موجهة للدول العربية، كل الأمم مجتمعة! كيف يمكن الرد على هذه الاعتداءات الصارخة؟ سلطنة عمان التي، بتاريخ 29 مارس، أدانت رسميًا العدوان «الغادر والجبان» الذي تعرضت له، تمتنع عن تحديد الفاعل وتدعو إلى الاحتكام إلى الأعراف الدبلوماسية. وفي أعقاب ذلك، أدانَت دولة قطر الهجوم الذي استهدف محطات توليد الكهرباء و تحلية المياه في الكويت. لا أكثر! هذه الدول ليست الوحيدة التي تتحلى بضبط النفس والحذر الشديد. حتى الآن، لم يُعلن أي سفير إيراني في الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية شخصًا غير مرغوب فيه. وإذا كان بعض أعضاء مجلس التعاون الخليجي قد «شكروا» ملحقين عسكريين إيرانيين أو موظفين صغار و مساعدين، فإنهم لم يتعرضوا قط للمندوب الرئيسي لـ جمهورية آيات الله. وهذا كان سيكون من طراز مختلف تمامًا وكان سيكون له صدى آخر! التقلب المزاجي الأمريكي بالتأكيد، سعت العواصم التي تعرضت للاعتداء إلى تعزيز تنسيقها الأمني في مواجهة ما تعتبره تهديدًا إيرانيًا متزايدًا؛ ومع ذلك، لا تزال تتردد حتى الآن في سلوك طريق التصعيد والرد العسكري الذي سيكون مشروعًا. باستثناء ربما الرياض التي تجهّز أسلحتها… وتتبنى لهجة تهديدية. هذه العواصم تخشى في الواقع إعادة تنشيط الخلايا النائمة على أراضيها وكذلك الضربات المكثفة التي تستهدف بنيتها التحتية النفطية ومحطات التحلية الأخرى. ولكن أكثر ما يخشونه هو عدم قدرة دونالد ترامب على التنبؤ. وهو عدم القدرة على التنبؤ الذي لم يفشل إيمانويل ماكرون في تسليط الضوء عليه في الأول من أبريل في طوكيو والذي لم يبدده الخطاب المتلفز، الذي ألقاه، بعد ذلك، ساكن البيت الأبيض*. لا تُبنى التحالفات القوية عندما لا يعرف المرء كيف يتعامل مع شريكه. يمكن للرئيس الأمريكي أن يستدعي ثلاث حاملات طائرات، وطائرات B52، وطائرات شبح، و قوات محمولة جوًا إلى مسرح العمليات، ولكنه يمكن أيضًا أن ينسحب بهدوء، دون أن يطلب شيئًا آخر. و إذا فاجأ في بعض الأحيان الحلفاء والخصوم بعمليات خاطفة، فكم مرة لم يفِ بوعوده و التزاماته؟ إن عدم قدرته على التنبؤ التكتيكي (أو ربما خدعته) ليس من شأنه أن يطمئن حلفاءه العرب! لذلك، يتبنون حيادًا هادئًا في وقت «الفرصة التاريخية» لإعادة تشكيل الشرق الأوسط! *إذا شكر دونالد ترامب، في تدخله يوم الأربعاء الأول من أبريل، دول الخليج، فقد أهمل، في المقابل، حرية الملاحة في مضيق هرمز. وعلاوة على ذلك، من يمكن أن يصدق أن قصف إيران بلا هوادة لمدة 2 إلى 3 أسابيع، كما وعد، سيكون قادرًا على إزالة التهديد الذي يهدد الدول العربية الساحلية!