
1941-1954

في قصر غران باليه، يستضيف معرضٌ نادر الاتساع، جامعاً أكثر من ثلاثمائة عمل من مجموعات دولية، يستكشف حتى السادس والعشرين من يوليو المقبل السنوات الثلاث عشرة الأخيرة من مسيرة هنري ماتيس. والمعرض، إذ يكشف لحظةً من الكثافة اخترقتها المرضُ فأعاد فيها الفنان ابتكار لغته من الأساس، ليس خاتمةً بل فتحاً جديداً. لوحاتٌ ورسوماتٌ وكتبٌ ومنسوجاتٌ ونوافذ زجاجية ملونة وغواش مقصوصة تتألف منها رحلةٌ تصوّرت على غرار ورشة حيّة: ورشة رجلٍ اختار، وهو على أعتاب النهاية، أن يظلّ منفتحاً. إشراقٌ وضياء.
ثمة معارض تنفتح كالأبواب، وثمة أخرى تفرض نفسها ببطء، في هدوء شبه تام، حتى تزيح شيئاً أقدم من النظرة ذاتها: طريقةً في استيعاب الزمن، وأسلوباً عميقاً كثيفاً في الوقوف أمامه، في بطئه كما في ضوئه.
في قصر غران باليه، يقف هذا المسار المكرّس لماتيس في ذلك الفاصل الهشّ بالذات، حيث تضيق الحياة وتتسع الأعمال في الآن نفسه. ففي عام ١٩٤١، إثر عملية جراحية أضعفته طويلاً، كاد الفنان أن يلقى حتفه. وقد تحدّث لاحقاً عن «حياة ثانية»، كفضاء مسروق يعيد فيه كل شيء بدءاً مختلفاً؛ لا بالقطيعة، بل بتكثيف صامت للنظرة.
احتضان العالم
تحمل القاعات الأولى في خفوتٍ ثقلَ العالم. الحرب تجتاح الحقبة دون أن تتمركز فيها مواجهةً مكشوفة، غير أنها تسري في الغيابات والتحفّظات، وفي حركات ماتيس نفسه إذ بقي في فرنسا ورفض أي تصوير مباشر للعنف.
في رسوم «مواضيع وتنويعات» (١٩٤١-١٩٤٢)، يتقدّم الخطّ كنفسٍ محبوس. تبرز الأشكال ثم تتلاشى ثم تعود في مكان آخر، كأن الهيئة لا تسعى إلى الثبات بقدر ما تسعى إلى البقاء حيّة. لا شيء يستقر حقاً، ولا شيء يضيع.
ليس هذا انسحاباً من العالم، بل طريقةٌ أخرى في سكنه، أبطأ وأكثر هشاشةً ربما، لكنها من مطالبة نادرة. وفي اقتصاد الكاد ولا شيء ذاك، يستقر شيءٌ ما بالفعل: سلامٌ لا يرتكز على مكتسب، بل على انتباه متواصل.
الضوء لا يُعزّي
ثم يتفتّح اللون ببطء، دون إيماءة مسرحية. في «البلوزة الرومانية» (١٩٤٠)، تتنفس الخلفية الفاتحة كنسيج كتّاني مكشوف في الهواء، فيما تؤكّد نفسها الأحمرُ والأزرق والأصفر بكثافة كادت تكون جسدية. الضوء لا يليّن شيئاً؛ بل يخترق ويُلحّ ويصمد.
عند ماتيس، الضوء ليس ديكوراً. الضوء قرارٌ، موقفٌ داخلي تقريباً: طريقةٌ في البقاء إلى جانب ما يستمر.
فانس، الزمن المتمهّل
في فانس، يتغيّر للزمن وزنه.
في «داخليات فانس» (١٩٤٧-١٩٤٨)، ومنها «الداخلية الحمراء الكبيرة» (١٩٤٨)، لا يغطّي اللون الفضاء بعد الآن: بل يتشرّب فيه. يصير الأحمر مادةً ودفئاً وحضوراً متواصلاً. والأشياء — الطاولة والنبتة والنافذة — ليست سوى نقاط توازن في اهتزاز أوسع.
لا يُنظر إلى هذه الأعمال بعد الآن؛ بل يُدخل إليها. وشيئاً فشيئاً، ينفكّ شيءٌ ما في الإدراك ذاته، كأن العالم قَبِلَ ألّا يثقل على النحو ذاته تماماً.
القصّ في الضوء
مع «جاز» (١٩٤٣-١٩٤٧) ثم الغواش المقصوصة، يجري انزياحٌ أكثر جذريةً مما يبدو للوهلة الأولى.
في «إيكار» (١٩٤٧)، يبدو الجسد الأسود طافياً وسط وميض ملوّن يخفق حوله، بين السقوط والتعليق.
في «العرايا الزرق» (١٩٥٢)، يصبح الأزرق كثافةً، صمتاً شبه صلب، غير أنه مخترَقٌ بحضور جسدي لافت.
في «حزن الملك» (١٩٥٢)، تتجاوب الأشكال كموسيقى بطيئة، تبدو فيها كلُّ لون حاملةً عاطفةً محتبسة، لا تنهمر.
مع «الحزمة» (١٩٥٣)، ترتفع الأشكال النباتية في حركة شبه عضوية، كأن اللوحة تسترجع نسغاً قديماً، اندفاعاً من الحياة بلا رواية.
ثمة في هذا كله ما يبدو وكأنه أُعيد تقطيره إلى جوهره؛ لا بالاختزال، بل بالتكثيف.
فضاءٌ قابل للسكن
تمثّل كنيسيّة الوردية في فانس (١٩٤٧-١٩٥١) إزاحةً تامة.
لم يعد ماتيس يؤلّف أعمالاً، بل يبني مكاناً. فضاءً تشارك فيه كل عناصره: الجدران والزجاج الملون والخزفيات والأثواب الكهنوتية. تنكمش الخطوط إلى بضعة علامات واضحة، شبه منفوثة، وتُصوَّر الألوان — الأزرق والأخضر والأصفر — لكي يخترقها ضوء النهار.
في الصباح، تبدو طازجةً شفيفة. في منتصف النهار، تكتنز وتهتز بقوة أكبر. في المساء، تتراسب، كأن الضوء ذاته يهدأ.
كل شيء هنا يرتكز على انتباه لمرور الزمن وأرقّ تدرّجاته.
الإيماءة الأخيرة
في ختام مسار المعرض، تكاد اللوحة أن تتلاشى كلياً.
يمضي ماتيس، المنهَك، يقصّ أوراقاً ملوّنة يُزحزحها حوله كحديقة معلّقة. الأشكال لا تُرسم بعد الآن، بل تُضبَط وتُزاح وتُعاد إلى إيقاعها، كأن الصورة تولد مباشرةً من الحركة والنفَس.
لا شيء يبدو اكتمالاً. كل شيء يبدو، على العكس، يتخفّف أكثر، حتى يلمس ضرباً من الضرورة العارية.
في مذكرة من عام ١٩٥٠، تعبر هذه الحقبةَ جملةٌ كهمس هادئ، كأنها بوحٌ موجَّه إلى الزمن: «أتمنى أن نموت شباباً مهما طال بنا العمر.»
ليس بمعنى الجسد، بل بتلك القدرة على البقاء منفذاً، ما زلنا، لما يأتي.
ما يتركه الضوء
ما يمنحنا هذا المعرض رؤيته يتجاوز بكثير تسلسل أعمال متأخرة.
يكشف عن طريقة في اجتياز الزمن والمرض والقيود دون الانغلاق أبداً. أمام ما يضيق، لا يستجيب ماتيس لا بالمأساة ولا بالقطيعة، بل بحركة معاكسة: انفتاح متواصل، شبه غريزي، تصبح فيه البساطة كثافة.
لا تفرض الصور نفسها بصفة دائمة. بل تمضي بطريقة أخرى، كإحساس بطيء منتشر يواصل اشتغاله في النظرة بعد الخروج بوقت طويل.
ويبقى ذلك الانطباع، خافتاً لكن راسخاً: أن الفن، حين يبلغ هذا الصواب، لا يمسك بالعالم. بل يدعه يتلوّن حتى يصبح ضوءاً.