شعار Levant Time

ثقافة

المتاحف في إيران: تراث تحت الحصار (1/2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
فبراير 16, 2026 - 11:27

منذ تزايد التوتر على المستوى الإقليمي، والضربات التي استهدفت إيران في عام 2025، والانتفاضة الشعبية الأخيرة في المدن الإيرانية، كثفت السلطات إجراءات الطوارئ حول المتاحف. كان الهدف من ذلك حماية تراث لا يقدر بثمن في مواجهة مخاطر القصف أو التخريب أو حتى النهب. وقد تجلى ذلك عمليًا في إغلاقات مطولة، وساعات عمل مخفضة، وزيارات منظمة بدقة متناهية، ونقل سري لبعض القطع الأثرية الرئيسية إلى مخازن سرية. يندرج هذا التوجه نحو التحصين ضمن مناخ من التوتر والأزمات أعمق وأقدم، اتسم منذ عقود بتضييق المساحة الثقافية في جميع أنحاء البلاد. المتاحف المحاصرة المؤسسات الثقافية اليوم محاصرة بين فكي كماشة مزدوجة: تهديد الحرب، والاضطرابات الداخلية، والأولويات الدبلوماسية والأيديولوجية للسلطة. في الواقع، تسعى الجمهورية الإسلامية من جهة إلى تعزيز استراتيجية هوية ترتكز على إعادة قراءة القومية الفارسية، ومن جهة أخرى إلى مواجهة «الخوف من إيران» (الإيرانوفوبيا) من خلال التأكيد على تراثها وعمقها التاريخي وإنتاجها الفني. تخضع جميع سياسات إيران في مجال الثقافة والفن لهذه الاستراتيجية الهوياتية الجديدة، والتي تتجلى بشكل مثالي في متحف الثورة الإسلامية والدفاع المقدس في طهران، الذي يجمع بين النصب التذكاري، والتثقيف السياسي، والمنتج السياحي. على الصعيد الدولي، تشكل عمليات الاقتناء والإعارة والمعارض للأعمال الفنية الفارسية أحداثًا رئيسية، مثل إعارة أسطوانة قورش التي لا تقدر بثمن (539 قبل الميلاد) أو معرض «الإمبراطورية المنسية: عالم بلاد فارس القديمة» ، التي نظمها المتحف البريطاني قبل بضع سنوات... إلخ. يستخدم حكومة الجمهورية الإسلامية هذه الأحداث كأدوات للدبلوماسية الثقافية في خدمة أولوياتها الأيديولوجية، مما يشكل أحيانًا مجالًا للتوتر والابتزاز السياسي. التراث الأثري في إيران غني جدًا وتوجد بها العديد من المتاحف (أكثر من 800)، ومن أبرزها المتحف الوطني الإيراني، ومتحف الفن المعاصر، وقصر جولستان... إلخ. لقد اخترنا اثنين من متاحف طهران التي تمثل تاريخ إيران: متحف الخزانة أو المتحف الوطني للمجوهرات والمتحف الوطني الإيراني. الخزانة الوطنية للمجوهرات افتتحت في عام 1937، في عهد الشاه، كواجهة لقوة الملكية، وتجمع الخزانة الوطنية لمجوهرات الشاهات تراث سلالات الصفوية، والأفشارية، والقاجارية، والبهلوية: تيجان، وعروش مرصعة، وحلي فخمة، وألماس أسطوري... يقع في الطابق السفلي من مقر البنك المركزي الإيراني نفسه في شارع فردوسي بطهران. وهو مرتبط قانونيًا بالبنك المركزي الذي يعتبر الوديع القانوني له. في ثلاثينيات القرن الماضي، كانت قيمة المجموعة كبيرة لدرجة أنها استخدمت كاحتياطي للعملة الوطنية. واليوم، لا يزال جزء من شرعية العملة يعتمد رمزيًا على هذا المخزون من الأصول المادية غير القابلة للتقييم بسعر السوق. جواهر خرافية تتضمن المجموعة قطعًا لا تقدر بثمن منها تاج كياني لحكام القاجار، وهو رمز للملكية الفارسية في القرن التاسع عشر، أو تاج بهلوي الذي استخدم في تتويج رضا شاه ومحمد رضا بهلوي، والمصنوع من الذهب والفضة ومرصع بآلاف الماس والزمرد والياقوت واللؤلؤ النادر. وتضاف إلى هذه القطع الثمينة عروش خرافية مثل عرش الطاووس وهو عرش قاجاري من الذهب الخالص، مغطى بالماس والياقوت والزمرد واللؤلؤ، ويعتبر رمزًا رئيسيًا للملكية الفارسية. ويستمد اسمه من تصميم الطاووس أو من اللقب الذي أطلق على زوجة فتح علي شاه. تتضمن الخزانة أيضًا كرة أرضية بوزن 34 كجم من الذهب وحوالي 6 كجم من الأحجار الكريمة، الماس، الياقوت والزمرد لتصوير بحار وأراضي الكرة الأرضية. ولا ننسى درع وسيف نادر شاه المصنوعين من جلد وحيد القرن بقطر 46 سم، وهما أيضًا مرصعان بالماس والياقوت والزمرد، ويحتوي الدرع في وسطه على أحد أكبر الياقوت في العالم (حوالي 225 قيراطًا)، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الحلي، السيوف، الدروع، أدوات العبادة وأطقم المائدة من المعادن الثمينة.. والأحجار الكريمة النادرة للغاية مثل الماس الوردي الشهير دريا نور (أو بحر النور بوزن 182 قيراطًا، والذي يعتبر أكبر ماس وردي في العالم، إلخ. تروي كل هذه الجواهر قصة الفخامة والثراء، وأيضًا الإفراط في البذخ لملكية كانت تقارن نفسها بالبلاطات الأوروبية. بعد الثورة، حولت الجمهورية الإسلامية هذا الرمز الذي كانت تعتبره «مكروهًا» إلى «كنز وطني»، يهدف الآن إلى تجسيد ثراء الأمة بدلاً من ثراء عائلة واحدة. في مقالنا القادم، سنتحدث عن المتحف الوطني الإيراني والدور (الصعب) الذي يُطلب من أمناء المتاحف القيام به.

جامع الشيخ زايد الكبير: جوهرة معمارية ورمز للتسامح
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
فبراير 10, 2026 - 00:32

يعد جامع الشيخ زايد الكبير في أبو ظبي أحد أبرز المعالم في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهو تحفة معمارية تستقطب نحو ٧ ملايين زائر سنويًا، بينهم ٨٢٪ من السياح الأجانب. ويبرز الموقع كمنصة للحوار بين الأديان وتعزيز القيم الإنسانية العالمية. تعود قصة هذا الجامع إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين قرر الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات، إنشاء مكان للعبادة يرمز إلى الاعتدال في الإسلام. كانت رؤيته واضحة: إقامة صرح يهدف إلى تعزيز التسامح والتبادل الثقافي بين الشعوب، والى الجمع بين التنوع الثقافي في العالم الإسلامي، والقيم التاريخية والمعاصرة للعمارة والفن. استمرت أعمال بناء الجامع إحدى عشرة سنة، وانتهت في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٧. توفي الشيخ زايد في ٢٠٠٤، ويرقد جثمانه اليوم في فناء الجامع الذي أمر بتشييده. يثير جامع الشيخ زايد الكبير الإعجاب، ليس فقط بجماله، بل أيضًا بحجمه الاستثنائي إذ يمتد على أكثر من ١٢ هكتارًا (١٢٠٬٠٠٠ متر مربع)، ويمكنه استيعاب نحو ٥٥٬٠٠٠ مصلٍّ، ما يجعله واحدًا من أكبر المساجد في العالم. مشروع بناء جماعي تم تشييد الجامع في إطار مشروع جماعي دولي شارك فيه نحو ٣٬٠٠٠ عامل و٣٨ شركة محلية ودولية. كما ساهم في المشروع مهنيون وفنانون وحرفيون ذوو سمعة عالمية من جنسيات مختلفة، جاءوا من سوريا، والهند، وإيطاليا، وألمانيا، وتركيا، وباكستان، وماليزيا، وإيران، والصين، والمملكة المتحدة، ونيوزيلندا، ومقدونيا الشمالية. (تصوير محمد زرندة / الأناضول عبر وكالة الأنباء الفرنسية) ويجمع الجامع، نتيجة لذلك، بين أساليب معمارية إسلامية متنوعة بتناغم كامل. يضم ٨٢ قبة بأحجام مختلفة، يصل ارتفاع بعضها إلى ٨٥ مترًا. وفي زوايا الفناء، ترتفع أربعة مآذن يزيد ارتفاع كل منها على ١٠٠ متر، فيما يدعم أكثر من ١٬٠٠٠ عمود هيكل الجامع بأكمله. تزين الفناء فسيفساء زهرية دقيقة، فيما تمثل رؤوس الأعمدة زهور النخيل المطلية بالذهب. يكتسي الهيكل المصنوع من الفولاذ والخرسانة بألواح من رخام كرارا، المعروف بنقائه الفائق. كما أن الفناء المركزي، الذي يمتد على ١٧٬٠٨٠ مترًا مربعًا، مغطى بهذا الرخام، ما يمنح المبنى بريقًا لا مثيل له. التفاصيل الداخلية واجهة الجامع مجهزة بنظام إضاءة ليلي مبتكر، يتغير تدريجيًا بحسب دورة القمر، حيث يتحول من اللون الأبيض البارد في ليلة البدر إلى الأزرق العميق في الليلة الرابعة عشرة. الزخرفة الداخلية للجامع تحترم المبادئ الإسلامية، فلا توجد أي تمثيلات بشرية أو حيوانية، بينما تزين المكان أنماط زهرية وهندسية وأرابيسك. وتزين الأقواس ذات الأطراف المدببة أرجاء المسجد، فيما يغطي الداخل ١٢٬١٠٠ لوحة زخرفية مصنوعة من الجبس والألياف الزجاجية. وقد نحت الحرفيون المحليون ١٬٠٤٨ عمودًا زخرفيًا مزينًا بحجارة شبه كريمة. سقف قاعة الصلاة الكبرى مدعوم بـ ٢٤ عمودًا مغطى بالرخام الأبيض ومرصعًا بالأم اللؤلؤية. وقد نُقشت أسماء الله الـ ٩٩ على جدار القبلة المضاء بعناية. وتزيّن الثريات الباهرة كريستالات سواروفسكي و٤٠ كيلوغرامًا من الذهب عيار ٢٤ قيراطًا، فيما تُعد الثريا الرئيسية في الجامع الأكبر في العالم. السجّاد الفارسي في قاعة الصلاة الكبرى يُعدّ تحفة فنية مبهرة. فهو يغطي مساحة ٥٬٦٢٧ مترًا مربعًا، ما يجعله أكبر سجّاد يدوي الصنع في العالم، وتُقدّر قيمته بحوالي ٨,٥ ملايين دولار. الحوار بين الثقافات منذ افتتاحه، أصبح جامع الشيخ زايد الكبير وجهة أساسية للسياحة الثقافية. ويُصنّف ضمن أكثر المعالم جذبًا للسياح في العالم، ويُعدّ المعلم الثقافي والديني الأبرز في منطقة الشرق الأوسط. إلى جانب وظيفته الدينية وروعة معمراته، يواصل جامع الشيخ زايد الكبير تعزيز الحوار بين الثقافات. ويُعد برنامج جسور، الذي أُطلق في العام ٢٠١٩، نموذجًا واضحًا على ذلك. إذ تدعو هذه المبادرة الأفراد والمؤسسات من مختلف الخلفيات إلى تجربة دينية وثقافية فريدة، تعمّق روح التفاهم بين الثقافات وتعزّز القيم الإنسانية العالمية. يحتضن الجامع أيضًا مركز جامع الشيخ زايد الكبير، وهو مركز تعليمي يضم مكتبة غنية بالكتب الكلاسيكية والمنشورات بعدة لغات، من بينها العربية والإنجليزية والإيطالية. يتجاوز جامع الشيخ زايد الكبير كونه مجرد مكان للثقافة، ليصبح تجسيدًا لقيم التسامح والانفتاح والتعايش السلمي التي حرص الشيخ زايد على نقلها للأجيال المقبلة. ويظل الجامع رمزًا حيًا لهذا الإرث.

متحف اللوفر أبو ظبي، جسر بين الحضارات (2/2)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
فبراير 2, 2026 - 12:59

يقع متحف اللوفر أبو ظبي في صميم استراتيجية طموحة تتبعها الإمارات العربية المتحدة لكي تصبح مرجعية ثقافية عالمية. فهو يجسّد رغبة أبو ظبي في أن تكون جسرًا بين الحضارات والشعوب، بهدف تجاوز المعتقد السائد عن المجتمع الإماراتي على انه مجتمع "نفطي بحت"، وإبراز هويته المنفتحة على الثقافة العالمية. يُعدّ المتحف من أبرز المتاحف الفنية، وقد تم تصميمه كمتحف عالمي يسلّط الضوء على الإبداع الإنساني العابر للثقافات، والحضارات، والأديان، والعصور. التصميم والسينوغرافيا تُعرض الأعمال الفنية في اللوفر أبو ظبي وفق سينوغرافيا مميزة تقوم على سرديات عالمية متقاطعة كالإبداع والديانات والسلطة والتفاعل بين الشعوب...) عوضاً عن التقسيمات الجغرافية المعتمدة إجمالاً، وهذا غير مألوف في المتاحف الفنية. تقسم التحف في اللوفر أبو ظبي بحسب مواضيع او ازمنة محددة بحيث تُعرض اعمال من بلدان مختلفة جنبًا إلى جنب في حوارٍ ثقافي يتناغم مع رؤية أبو ظبي للانفتاح والحوار بين الحضارات. وقد استفاد القيّمون على المتحف في أبو ظبي من الخبرة الفرنسية في مجال المتاحف. يُعدّ اللوفر أبو ظبي أوّل متحف عالمي في العالم العربي يقدم قراءة شاملة ومقارنة لتاريخ الفن والحضارات، بعيدًا عن السرديات الوطنية أو الأفكار المسبقة. المجموعات الفنية يضم المتحف مجموعة متنامية تضم أكثر من ستمائة عمل فني وتحفةٍ استثنائية تغطي تاريخ الإنسانية بأكمله، بعضها مستُعار من متحف اللوفر باريس وأكثر من ثلاثة عشر مؤسسة فرنسية أخرى. يعمل المتحف باستمرار على تجديد القطع الفنية المعروضة وذلك من اجل تنويع التجربة الثقافية للزوار بشكل دائم، مما يجعله متحفًا حيوياً وجذاباً. يقوم نموذج التعاون في اللوفر أبو ظبي على شراكة طويلة الأمد بين حكومة أبو ظبي ومتحف اللوفر باريس، تشمل إعارة الأعمال وتبادل الخبرات العلمية ودعم البرامج والمعارض المؤقتة المشتركة التي تُنظم احياناً بالتعاون مع متاحف أوروبية عدة. إعارات بارزة من اللوفر باريس ومتـاحف فرنسية أخرى اعار اللوفر باريس نحو ثلاثمائة تحفة فنية بالتعاون مع أكثر من ثلاثة عشر مؤسسة فرنسية خلال السنوات الأولى لافتتاح المتحف. من بين هذه الأعمال: "الجميلة الفيرونيّة" لليوناردو دا فينشي، و"نابليون يعبر ممر سانت برنارد الكبير"، تحفة جاك لويس دافيد، و"محطة سان لازار" لكلود مونيه، والصورة الذاتية لفنسنت فان غوخ، بالإضافة إلى أعمال لمانيه وكاندنسكي وماتيس وروثكو وآندي وارهول ودورر وتيتيان، على سبيل المثال لا الحصر. كما تضمّ المجموعة قطعاً تاريخية، مثل كوب ذهبي من الإمبراطورية الأخمينية وسفينة شراعية. في عام 2025، اضاف المتحف على مجموعته مقتنيات جديدة وإعارات دولية، منها توابيت مسيحية ولوحات فنية حديثة. الأعمال الفنية التي اقتناها المتحف بين عامي 2023 و2025، عزّز المتحف مصداقيته الأكاديمية من خلال شراء مجموعة جديدة من الأعمال الفنية الدائمة. ومن بين هذه الأعمال، تمثال ذو رأسين من عين غزال يعود إلى نحو 8000 عام، وتمثال نصفي ضخم لرمسيس الثاني من العصر الفرعوني. كما أضاف المتحف واحدة من روائع الفن الباروكي، وهي لوحة "الطفلة مع الموقد" لجورج دو لا تور، بالإضافة إلى عدة تماثيل لرودان وأعمال متنوعة لكندنسكي وجياكوميتي ولوحات لبيكاسو. خدمات تعليمية وتعاون مع الجامعات والمدارس يتجاوز المتحف دوره الثقافي إلى كونه مركزاً تدريبياً وتربوياً دائماً في خدمة التعليم في الإمارات. فهو يقدّم برامج تعليمية ودورات تدريبية للمدرّسين حول كيفية استخدام الفضاء المتحفي كأداة مكمّلة للمناهج التعليمية ولتنمية التفكير النقدي لدى الطلاب. وقد اقام شراكات مع جامعات منها جامعة نيويورك أبو ظبي NYU(عبر مذكرة تفاهم)، وجامعة Sorbonne/École Du Louvre لتقديم ماجستير مهني في "مهن المتاحف"، وهو الأول من نوعه في منطقة الخليج. يجدر التنويه هنا بمبادرة مهمة للمتحف، إذ يقدّم ضمن برنامج "اللوفر أبو ظبي للجميع" أنشطة خاصة موجهة للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة. في الختام، يشكّل اللوفر أبو ظبي متحفًا عالميًا متكاملاً يجمع بين الثقافة والتعليم والبحث الأكاديمي والدبلوماسية الثقافية. وهو يؤدي دورًا محوريًا كصرحٍ تراثي ومركزٍ تعليمي ومنصة دولية للإمارات العربية المتحدة.

متحف اللوفر أبو ظبي، في قلب «القوة الناعمة» لدولة الإمارات العربية المتحدة (1/2)

متحف اللوفر أبوظبي هو متحف فني عالمي يقع في جزيرة السعديات، التي سُميت عن حق جزيرة السعادة، والتي تهدف إلى أن تصبح المركز الثقافي الجديد لدولة الإمارات العربية المتحدة. من خلال معارضه المؤقتة التي تُنظم بالتعاون مع كبرى المتاحف الفرنسية وخطابه «العالمي»، يساهم المتحف في تعزيز القوة الناعمة لدولة الإمارات العربية المتحدة وإعادة تعريف مكانة العالم العربي في الدوائر الفنية والتراثية الدولية. الأصول متحف اللوفر أبوظبي هو ثمرة اتفاق حكومي دولي بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، والذي يسمح للأخيرة باستخدام اسم «اللوفر» حتى عام 2047. يروي المتحف، الملقب شاعرياً بـ “لوفر الرمال”، قصة الإنسانية من خلال أعمال فنية من حضارات مختلفة، تمتد على فترة من عصور ما قبل التاريخ إلى الفن المعاصر.​ في البداية، أثارت فكرة ترخيص اسم أكبر متحف في العالم موجة من الاعتراضات في فرنسا. وقد تطلب الأمر الكثير من الجهد وما لا يقل عن مليار يورو لإقناع المعارضين. في المقابل هذا المبلغ الهائل، ينص العقد على استخدام علامة اللوفر لمدة 30 عامًا، بالإضافة إلى استعارة أعمال فنية من متاحف فرنسية مختلفة، بالتوازي مع معارض مؤقتة وتعاون في إدارة المتاحف وتدريب الموظفين في الموقع. افتتح المتحف أبوابه رسمياً للجمهور في 11 نوفمبر 2017، بعد عقد من الأعمال، مع حوالي 600 عمل فني عُرضت خلال الافتتاح. تصميم المتحف صُمم متحف اللوفر أبوظبي بواسطة جان نوفيل، نجم المهندسين المعماريين في الخمسين عامًا الماضية. استخدم نوفيل الهدوء الناتج عن تلاعب الظلال والضوء لإنشاء مساحة ترحيبية تتكامل مع تاريخ وجغرافية البلاد. إنه متحف نموذجي لدولة الإمارات العربية المتحدة لا يمكن أن يكون له مكان في باريس أو لندن أو نيويورك. لم يكن يريد بأي حال من الأحوال متحفًا ذا عمارة أوروبية بحتة يُقام في أبوظبي. مستوحياً من عمارة وتقاليد الإمارات، أنشأ نوفيل إطاراً رائعاً لمتحف اللوفر أبوظبي يحترم القيود الفنية الأساسية للمتاحف الحديثة. ولهذا، بنى مدينة-متحف تمتد على مساحة 24000 متر مربع تقريباً، منها 8000 متر مربع للمعارض، وتبدو وكأنها تطفو على الماء. قاعات المتحف المختلفة عبارة عن مبانٍ بيضاء ومنخفضة نموذجية للمنطقة يمكن للزوار التجول بينها. صُمم المتحف كمدينة عربية، يمكن الوصول إليها عن طريق البحر والبر، ويضم مساحات مخصصة لمجموعة متنوعة من الأنشطة (التجديف بالكاياك، عروض الأفلام، المؤتمرات...) بالإضافة إلى صالات العرض الفنية. القبة تغطي المباني المختلفة قبة فضية ضخمة من الفولاذ والألمنيوم، وهي تحفة معمارية حقيقية. على الرغم من خفتها الظاهرة، تزن القبة حوالي 7500 طن (نفس وزن برج إيفل) ويبلغ قطرها 180 مترًا. مستوحاة من القبة المميزة للعمارة العربية، القبة هي هيكل هندسي معقد يتكون من 7850 نجمة بأحجام مختلفة، تتكرر أنماطها على ثماني طبقات متراكبة. تسمح هذه الأنماط بتسرب الشمس من خلال ثقوبها وتوريقاتها. إنها قصيدة للطبيعة والعناصر التي تعكس نخيل أبوظبي. تمامًا مثل أوراق النخيل في الواحات، تعترض القبة ضوء الشمس الساطع، وتنثره وتفرقه على الأرض، مما يخلق «مطرًا من الضوء» يتغير مع مرور الساعات. هذا العملاق الفولاذي مستوحى من المشربيات العربية التقليدية ويوفر للزوار مناخًا مرئيًا وحراريًا في آن واحد. على الرغم من حجمه الهائل، يبدو وكأنه يطفو على الماء لأنه يستند على أربع نقاط دعم غير مرئية. تكييف طبيعي التحدي التقني الرئيسي لمتحف اللوفر أبوظبي هو المناخ، حيث يجب الحفاظ على ظروف إضاءة ودرجة حرارة صارمة للحفاظ على الأعمال الفنية التي لا تقدر بثمن. ولكن، بعيداً عن جمالها، تشكل القبة مناخاً بيئياً دقيقاً بفضل تقنيات التصميم السلبية المستوحاة من العمارة الإقليمية التقليدية. تسمح ثقوب السقف بإضاءة طبيعية دون حرارة أو تدفق هواء زائد، وتسمح المواد المستخدمة في الأرضيات والجدران بالاحتفاظ بالهواء البارد في جميع ساعات اليوم. يستخدم المتحف، علاوة على ذلك، تقنيات توفير المياه والطاقة السلبية، بالإضافة إلى أنظمة تكييف وتهوية وإضاءة متطورة. المقالة التالية: اللوفر أبوظبي، جسر بين الحضارات

نهب المتحف العراقي: كارثة ثقافية كبرى
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
يناير 27, 2026 - 20:31

أدى نهب المتحف الوطني العراقي في عام 2003 إلى فقدان آثار لا تُقدر بثمن، وأحدث رد فعل متسلسل تمثل في النهب الواسع للمواقع الأثرية في جميع أنحاء البلاد. وأدى ذلك بدوره إلى تعزيز الاتجار الدولي بالآثار وإلى إعاقة البحث العلمي في هذا المجال بشكل كبير. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الحدث مثالًا بارزًا على المسؤولية السياسية التي تتحملها القوات المحتلة في زمن الحرب، وعلى نشوء اقتصاد مبني على تجارة الآثار غير المشروعة لخدمة الجريمة المنظمة والإرهاب، إلى جانب تطوير ما يمكن وصفه بـ"دبلوماسية الاسترداد"، القائمة على التعاون الدولي لضمان إعادة الممتلكات المسروقة . يُعد المتحف الوطني العراقي واحدًا من أهم المؤسسات الأثرية في العالم، ويحافظ على أهم ما تزخر به حضارة بلاد الرافدين من إرث منطقة يوصف غالبًا بأنها "مهد الإنسانية". تأسس المتحف في عشرينيات القرن الماضي، بالتزامن مع قيام الدولة العراقية الحديثة، على يد جيرترود بيل، الكاتبة وعالمة الآثار البريطانية، التي سعت إلى الحفاظ على كنوز بلاد الرافدين ومنع خروجها من العراق. يغطي المبنى الرئيسي نحو 45,000 متر مربع، ويضم تاريخًا يمتد من 5,000 إلى 7,000 سنة، ويضم واحدة من أكثر مجموعات آثار بلاد الرافدين شمولًاً. وتشمل مقتنياته آثارًا من حضارات السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين، إضافة إلى فترات ما قبل الإسلام والعصر الإسلامي . ويحتوي المتحف على قطع رئيسية، بما في ذلك الألواح المسمارية، والخواتم الأسطوانية، والتماثيل الملكية، والقطع الجنائزية، والتي تشكل شهادات أساسية على تاريخ الكتابة وتكوين الدولة والقانون والدين في الشرق الأدنى. من بين هذه المقتنيات، كنوز نمرود الذهبية، بما في ذلك المجوهرات والتحف التي تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، إضافة إلى المنحوتات والنقوش والألواح المسمارية القادمة من أوروك وغيرها من أهم المواقع الأثرية في بلاد الرافدين. ويُمثل المتحف رمزًا للوحدة الوطنية واستمرارية الحضارة من سومر وأكاد وبابل، مرورًا بالعصر الإسلامي وصولًا إلى العراق المعاصر . كما يُعد المتحف مركزًا للبحث والتوثيق للآثاريين، ويحتفظ بأرشيفات مهمة تتعلق بالحفريات في أور وأوروك ونينوى ونمرود. نهب 2003: أبعاد جيوسياسية يمكن وصف نهب المتحف في 2003 بكلمة واحدة: كارثة. كان من المفترض أن تكون حماية المتحف أولوية قصوى للقوات الأمريكية، لكنها لم تُطبّق إلا بعد أسبوع كامل من دخول قوات التحالف بغداد، ما أتاح للسارقين فرصة السلب. بين 10 و12 نيسان 2003، وقبل تأمين الموقع من قبل القوات الأمريكية، وبعد انسحاب موظفي المتحف، اختفت نحو 15,000 قطعة، شملت أواني طقسية، وأنيابًا آشورية، ورؤوس تماثيل، وتمائم، وأكثر من 5,000 ختم أسطواني . وقد صدم النهب الرأي العام العالمي، وأصبح منذ ذلك الحين حالة نموذجية لتدمير التراث الثقافي في أوقات الحرب. التعبئة الدولية أدى هذا الحدث إلى تعبئة دولية شملت الإنتربول والجامعات ومنظمة اليونسكو والبعثات المتخصصة، بهدف استعادة الأعمال الفنية المسروقة وتعزيز حماية التراث الثقافي العراقي. وبعد خمسة عشر عامًا من الحدث، اعتُقد أن نحو 7,000 من أصل 15,000 قطعة مسروقة قد تم استردادها. وقد أعيدت هذه القطع من خلال برامج العفو الداخلية، ومصادرات الجمارك، وعمليات الشرطة حول العالم. القطع الأثرية البارزة التي تم استرداده تم استرداد قطع رئيسية مثل إناء وقناع ورقة، وتمثال النحاس من منطقة باسِتكي الأثرية، بالإضافة إلى قطع من كنز نمرود، وغالبًا ما كانت مدفونة أو مخفية من قبل اللصوص الذين لم يتمكنوا من بيعها. كما تم العثور على العديد من التماثيل الملكية السومرية والقطع الطقسية الموجودة في الخارج، وأعيدت لاحقًا إلى العراق بفضل التعاون بين الإنتربول والسلطات الأمريكية والمتاحف والباحثين الأكاديميين. وعلى الرغم من إعادة افتتاح المتحف في 2015 والجهود المستمرة لاستعادة القطع، لا تزال آلاف القطع متداولة في السوق السوداء أو فقدت بشكل نهائي، مما يقلص فهمنا لفصول كاملة من تاريخ بلاد الرافدين. درس لحماية التراث الثقافي في أوقات الحرب أصبح سلب عام 2003 اليوم نموذجًا دراسيًا في النقاشات حول حماية التراث الثقافي أثناء النزاعات، مؤثرًا في المعايير العسكرية والقانون الدولي وسياسات تتبع مصادر الآثار في المتاحف الغربية. ومن الجدير بالذكر أن هناك العديد من الأطر القانونية التي تهدف إلى حماية التراث في أوقات النزاع، بما في ذلك اتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكولاتها الملحقة لعام 1999، بالإضافة إلى اتفاقية اليونسكو لعام 1970. وعلاوة على ذلك، مكّن التعاون الدولي من رسم خرائط لشبكات النهب الأثري، من طرق التهريب والمحاور الإقليمية إلى الأسواق النهائية، وكذلك تحديد الجهات الاقتصادية المعنية، بما في ذلك الوسطاء ودور المزادات والمقتنين، وعلاقاتهم بالجريمة المنظمة والإرهاب. ويُعد هذا التعاون الدولي عنصرًا أساسيًا في الجهود العالمية لحماية التراث الثقافي، ويسهّل استعادة القطع المسروقة.

التأثير الاقتصادي والثقافي للمتحف المصري الكبير
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
يناير 21, 2026 - 17:22

في مقالاتنا السابقة، تناولنا بإيجاز بناء المتحف المصري الكبير وأبرزنا دوره الرئيسي كمركز بحث علمي، واستعرضنا بعض الكنوز الرائعة التي يحتفظ بها. لكن، ما هو أثره الاقتصادي والثقافي والوطني بالنسبة إلى مصر؟ بلا شك، يُعدّ المتحف المصري الكبير ركناً أساسياً في الخطة الاقتصادية للبلاد، إذ يهدف إلى جذب السياح من مختلف أنحاء العالم، مساهماً في تعزيز الحيوية الاقتصادية لمصر. يقع المتحف بالقرب من أهرامات الجيزة، وهو أحد ركائز الاستراتيجية السياحية الجديدة للبلاد. فهو يهدف لجذب ما يصل إلى 30 مليون زائر سنوياً بحلول عام 2030، ما يجعله من بين المؤسسات الثقافية الأكثر زيارة في العالم. من المتوقّع أن تسهم هذه الحشود في إنعاش القطاعات المساندة مثل الضيافة والمطاعم والنقل والأعمال الصغيرة المحلية، وخلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة. وتُشير التقديرات الأولية إلى أن العائدات الاقتصادية لهذا المشروع ستكون –وهي بالفعل كذلك – كبيرة للغاية، إذ قد تمثل نحو 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي لمصر. كما يتوقع الخبراء أن يسهم المتحف بنسبة 20 إلى 25٪ في نمو القطاع السياحي في مصر بين 2025 و2030. رمز للسيادة الثقافية قال فرانسوا ميتيران "الشعب الذي لا يعلّم تاريخه شعب بلا هوية". ومع المتحف المصري الكبير، يكتسب هذا القول دلالته الكاملة، فمصر للمرة الأولى تعود إلى رواية تاريخها بنفسها وتستعيد وهويتها الثقافية. المصريون أنفسهم يروون تاريخهم ويتولون كتابة مصيرهم، وهو ما يبعث في نفوسهم شعوراً عميقاً بالفخر. وعند الاستماع إلى شهادات المتخصصين في المتحف والزوار العاديين، يتضح مقدار الفخر الوطني الذي يولّده المتحف في نفوسهم. تحقيق إنجاز حضاري ومعرفي بعد ثلاثة وثلاثين عاماً على انطلاق الفكرة، أصبح المتحف المصري الكبير إنجازاً وطنياً عظيماً يتجاوز إطار العمارة و المتاحف والمقتنيات. إنه دليل على قدرة الأمة على تكريم إرثها العريق وهي توجه أنظارها بثقة نحو العالم المعاصر. ومن خلال إتاحة فرصة الوصول إلى كنوز مصر القديمة على نحو غير مسبوق، يتحول المتحف إلى جسر عبر العصور، حوّل الماضي الفرعوني إلى تراث حي يُلهِم ويُثري فخر الشعب المصري بأكمله. استعادة الكنوز المتناثرة وقد بدأت آثار هذا الصرح تظهر سريعاً على الصعيد الدولي، إذ أعادت مراسم الافتتاح رفع مطالب استعادة أهم القطع الأثرية المصرية المحتجزة في متاحف غربية، من بينها حصاة رشيد في المتحف البريطاني، وتمثال نفرتيتي في متحف برلين الجديد، وزودياك دنـدهـره في متحف اللوفر. وأشار الدكتور زاهي حواس، عالم الآثار ووزير الآثار المصري الأسبق، إلى أن مصر باتت اليوم تضم أكثر من 22 متحفاً يستوفي أعلى المعايير الدولية، في خطوة تهدف الى دحض الحجة القائلة بعدم امتلاك البلاد البنى التحتيّة اللازمة للحفاظ على تراثها. وفي تطور ملموس، أعلنت هولندا مؤخراً عن إعادة رأس حجرية يبلغ عمرها 3500 عام من عهد الملك تحتمس الثالث، صودرَت خلال معرض فنون أقيم في ماستريخت عام 2022. في الختام، يُحتفل بالمتحف المصري الكبير كرمز للوحدة الوطنية والنهضة، معبّرًا عن قدرة البلاد على تجاوز التحديات وتثمين تراثها. فهو يجسد ذاكرة الحضارة المصرية واستمراريتها، ويشكل منصة للبحث العلمي والتعاون الدولي في حفظ التراث، ويعزّز موقع مصر كإحدى الدول الرائدة والمراجع الأساسية للتراث في الشرق الأوسط.

مرحبًا بكم عند رمسيس الثاني
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
يناير 19, 2026 - 14:25

في مقالنا الأول، تتبعنا خطوات بناء المتحف المصري الكبير واستكشفنا قسمه الفني، المسؤول عن ترميم القطع الأثرية التي اكتشفها علماء الآثار. حان الوقت لاكتشاف بعض الكنوز التي يحتفظ بها. بمجرد دخولنا المتحف المصري الكبير، يستقبلنا بهو مهيب (الأتريوم) بمساحة 10,000 متر مربع تحت سقف زجاجي، ودرج عظيم مكون من 108 درجات يمتد على مساحة 6,000 متر مربع موزعة على 6 طوابق. يضم المتحف 12 قاعة عرض ويتميز بهيكل منظم حول ثلاثة محاور رئيسية: الملكية، والمجتمع، والمعتقدات، ويغطي بذلك فترات زمنية تمتد من عصر ما قبل الأسرات إلى العصر اليوناني الروماني. رحلة رائعة عبر 7000 عام من التاريخ يهيمن على البهو الكبير تمثال رمسيس الثاني الضخم، الذي اكتشف بالقرب من ممفيس القديمة عام 1820. يعود عمره إلى 3000 عام، ويبلغ ارتفاعه 11 مترًا ويزن أكثر من 80 طنًا من الجرانيت الأحمر، ويبدو التمثال المهيب وكأنه يتقدم لاستقبالنا. قبل المتحف المصري الكبير، كان هذا التمثال يتوج مدخل محطة قطار القاهرة في الميدان الذي يحمل اسم الفرعون. وقد كان لا بد من وضعها داخل المتحف حتى قبل بناء القاعة، حيث كان من المستحيل إدخالها عبر الأبواب نظرًا لأبعادها الاستثنائية. أما الدرج الكبير، فقد صُمم هو نفسه كعمل فني ويوفر إطلالة بانورامية خلابة على الأهرامات. وهو مزين بتماثيل ضخمة للفراعنة، وتوابيت، وقطع أثرية لا تقدر بثمن، مرتبة وفقًا لأربعة محاور محددة تتبع عرضًا مسرحيًا مذهلاً: تماثيل الملوك والملكات، وأماكن الصلاة، وعلاقة الملك بالآلهة، وأخيرًا توابيت الملوك والملكات. في أعلى الدرج وعلى طول المسار، نقطة الجذب الرئيسية هي بلا شك المنظر الخلاب للأهرامات. بعض العجائب يجمع المتحف أجمل كنوز مصر القديمة ويحتوي على آلاف القطع التي تم ترميمها جميعًا بعناية في الموقع، داخل مختبرات المتحف. وهناك آلاف القطع الأخرى تنتظر دورها في الترميم. من بين هذه العجائب، طابق مخصص لتوت عنخ آمون. فالفرعون الشاب، الذي توفي في سن 19 عامًا، يفتن السياح من جميع أنحاء العالم بقدر ما يفتن علماء المصريات والباحثين الآخرين. يعود هذا أساسًا إلى الكنز غير المسبوق الذي اكتشفه المهندس المعماري هوارد كارتر سليمًا في مقبرته، وقد شكل هذا الاكتشاف نقطة تحول حاسمة في تاريخ علم المصريات. يشمل كنز توت عنخ آمون أكثر من 5000 قطعة معروضة في قاعتين بمساحة 7000 متر مربع. من بين القطع الرائعة التي تخص توت عنخ آمون، قناعه الجنائزي الشهير، وهو تحفة فنية تعكس براعة وصياغة المجوهرات في مصر القديمة. إنه مصنوع من الذهب الخالص المرصع بالفيروز واللازورد والكوارتز... ويزن حوالي 10 كيلوغرامات. وضع في مقبرة الفرعون ليتمكن روحه من التعرف على جسده في الحياة الأخرى. يمكن أيضًا الإعجاب في القاعتين المخصصتين له، بعرشه الذهبي وعرباته الحربية الست، وأسِرّته الجنائزية الثلاثة التي منها واحد من الذهب الخالص، ومئات القطع (مجوهرات، تمائم، ملابس... إلخ) المخصصة لمرافقته في الحياة الأخرى. مركب خوفو جاذبية رئيسية أخرى للمتحف، هي قاعة مراكب خوفو حيث يمكن الإعجاب بالمركب الشمسي للفرعون، باني الهرم الأكبر. يبلغ طوله 43.5 مترًا وعرضه 5.9 مترًا، ويعود تاريخه لأكثر من 4600 عام. كقطعة رمزية في الأساطير المصرية المرتبطة بدورة رع، إله الشمس، تعتبر أقدم سفينة سليمة في العالم. كان من المفترض أن تستخدم هذه التحفة المصنوعة من خشب الأرز اللبناني، والذي كان ثمينًا جدًا في العصور القديمة، لنقل الملك المتوفى إلى العالم الآخر. عثر عليها سليمة في حفرة، ولكنها كانت في قطع متفرقة على شكل أحجية مكونة من 1224 قطعة. استغرق الخبراء 10 سنوات لإعادة تجميعها، حيث أن آليتها لا تتضمن مسامير أو براغي. في مقالنا القادم، سندرس تأثير المتحف، مصدر الفخر الوطني، على الإشعاع الثقافي واقتصاد مصر.

نشأة احد أكبر المتاحف في العالم
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
يناير 16, 2026 - 13:26

في الأول من تشرين الثاني 2025، بعد 20 عاماً على انطلاق أعمال البناء، فتح المتحف المصري الكبير Grand Egyptian Museum-GEM أخيراً ابوابه أمام الجمهور. يُعدّ هذا المتحف سادس أكبر متحف في العالم، وأكبر متحف مكرّس لحضارة واحدة. خلال حفل افتتاح وُصف بالفرعوني، وبحضور عدد كبير من رؤساء الدول، قدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المتحف الجديد على أنه هدية من مصر إلى العالم. قصة حافلة بالعقبات تعود بداية قصة المتحف المصري الكبير إلى عام 1992، عندما اقترح وزير الثقافة المصري آنذاك، فاروق حسني، إنشاء متحف جديد يحلّ محلّ المتحف المصري القديم في القاهرة الذي كان متداعياً وقديماً للغاية. كان الهدف من المتحف الجديد ان يجمع الكنوز الأثرية المصرية التي لا تقدَّر بثمن، والتي كانت موزَّعة في أماكن متفرقة. وُضِع حجر الأساس للمبنى عام 2002، إلا أنّ أعمال البناء الفعلية لم تنطلق إلا في عام 2005. واجهت عملية البناء هذه الكثير من العقبات وتأخّرت بسبب العديد من المشكلات، من بينها أحداث «الربيع العربي» عام 2011 وجائحة «كوفيد-19». كما واجه المشروع صعوبات في التمويل، إذ بلغت كلفة المتحف أكثر من مليار يورو… إلخ. لكن في نهاية المطاف، في الأول من تشرين الثاني من هذا العام، وبفضل تعاون دولي وثيق على المستويين المالي والتقني، أبصر المتحف النور أخيراً خلال حفل افتتاح مهيب. متحف يليق بالأهرامات المجاورة يقع المتحف على هضبة الجيزة مقابل الأهرامات، على ارض مساحتها حوالي 500 ألف متر مربّع، أي ما يعادل مساحة 70 ملعباً لكرة القدم. في عام 2002، أطلقت منظمة اليونسكو والاتحاد الدولي للمعماريين مسابقة معمارية دولية لتصميم المتحف. من بين نحو 500 مقترَح، تمّ اختيار مكتب الهندسة المعمارية الإيرلندي.Heneghan Peng Architects استُلهم تصميم المتحف من الأهرامات. فواجهته المثلثة، البالغ ارتفاعها 60 متراً، مكوّنة من ألواح من الألباستر (albâtre) والزجاج الشفّاف الذي يستحضر لون رمال الصحراء، ويتغيّر مظهرها بحسب أوقات النهار والليل. تزدان الواجهة بنقوش هيروغليفية واشكال اهرامات منقوش عليها أسماء 140 فرعوناً. تتماشى بنية الواجهة بصرياً مع الأهرامات الثلاثة القريبة . المبنى بأكمله مزيج من العمارة الحديثة وهندسة الفراعنة المقدسة. من ناحية أخرى يستفيد المتحف من تكنولوجيا متطورة جداً للحفاظ على مقتنياته في أفضل ظروف ممكنة، وإبراز روعتها، وإنارتها وحمايتها من السرقة او التلف. مركز عالمي للبحث العلمي و ترميم الآثار لا يقتصر دور المتحف المصري الكبير على احتضان التاريخ الباهر لمصر القديمة، بل يرسّخ أيضاً موقعه كمركز علمي من الطراز الأول إذ يضمّ مركزاً متقدّماً للأبحاث وترميم الآثار. تبلغ مساحة هذا المركز 32 ألف متر مربّع، وهو أكبر وأحدث مركز في العالم متخصّص بترميم القطع الأثرية. بدأ عمل المركز عام 2010، وهو يضمّ 19 مختبراً من احدث المختبرات المجهّزة بمجاهر رقمية، وأجهزة أشعة سينية وتقنيات تصوير ثلاثية الأبعاد، وتقنيات تحليل طيفي وتقنيات تحديد الحمض النووي…الخ. يعمل في المركز نحو 120 خبيراً من كبار أخصائيين الترميم وباحثين ذات مستوى عالمي. بفضل هذه الإمكانيات التقنية الاستثنائية، لعب المتحف المصري الكبير دوراً محورياً في نقل أكثر من 57 ألف قطعة أثرية من مواقع مختلفة داخل مصر، تم ترميمها في المختبرات التابعة له. إلى جانب ذلك، يقدّم المركز برامج تدريب متخصّصة لخبراء الآثار المصريين والدوليين، ما يعزّز مكانتهٍ كمرجع في مختلف مجالات الحفاظ على التراث في منطقة الشرق الأوسط. من ناحية أخرى يضمّ المتحف مركز مؤتمرات يتّسع لألف شخص، مجهزاً خصيصاً لاستضافة المؤتمرات والندوات الدولية. تجدر الإشارة الى أنّ المتحف شُيّد مع مراعاة معايير حماية البيئة، حيث يعتمد على الطاقة المتجدّدة تصل الى توفير نحو 60٪ من استهلاكه الإجمالي للطاقة، كما يوفر ما يقارب ثلث مجمل استهلاكه للمياه. متحف من أجل المستقبل لا يكتفي المتحف المصري الكبير بحفظ الماضي وترميمه، بل يعيد ابتكار طرق عرضه للأجيال القادمة. فيدمج في مساراته المختلفة تقنيات غامرةtechnologies immersives مثل الواقع المعزَّزréalité augmentée، وإعادة البناء الرقمية reconstruction numérique ، والعروض السمعية البصرية التفاعلية، معتمداً بذلك لغة « « generation Z على حد قول أحمد غنيم، المدير العام للمتحف. تحوّل كل هذه الابتكارات زيارة GEM من زيارة متحف تقليدية إلى رحلة آسرة عبر الزمن. من ناحية أخرى يضمّ GEM متحفاً مخصّصاً للأطفال على مساحة قدرها 5 آلاف متر مربّع، يهدف إلى تشجيع التعلّم عن طريق اللعب باستخدام شاشات وأدوات تفاعليةécrans interactifs . وعليه، لا يُعتبر المتحف المصري الكبير مجرّد معرضاً لتراث وحضارة عريقة، بل يشكل واحة للبحث العلمي و للحوار الحي بين الثقافات. بعد هذه اللمحة السريعة عن نشأة هذا المتحف الاستثنائي، حان الوقت لندخله ونتعرّف إلى بعضٍ من الكنوز التي يحتضنها. وهذا ما سنتناوله في مقالتنا المقبلة : " رعمسيس الثاني يرحب بكم".

جناح نهاد السعيد للثقافة
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
يناير 12, 2026 - 13:48

على غرار جميع متاحف العالم، يعد المتحف الوطني في بيروت حارسًا لتاريخ يواجه ويلات النسيان. ومع ذلك، فهو لا يقتصر على هذه المهمة: فهو يسعى أيضًا إلى أن يكون راسخًا في الحاضر ومتطلعًا نحو المستقبل. وبهذه الروح، وُلدت فكرة فتح مركز ملحق بالمتحف، يهدف إلى تعزيز الثقافة والفن والفنانين اللبنانيين المعاصرين. وكان هذا المركز يهدف أيضًا إلى ضمان استمرارية المتحف الوطني في بيروت من خلال توليد إيرادات من الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وكذلك من تأجير المساحات، من بين أمور أخرى. انبثقت فكرة هذا المركز المخصص للفن المعاصر من رحم المؤسسة الوطنية للتراث. وقد تبنت مشروع الجناح الملحق ثلاث نساء: منى الهراوي، ريما شحادة، وسلمى السعيد، زوجة نهاد السعيد، الذي يحمل المركز اسمه اليوم. ومع ذلك، وعلى غرار العديد من المشاريع في لبنان، كان عليه أن يواجه صعوبات لا حصر لها قبل أن يرى النور. عقبات في بنائه منذ بداية إنشائه على قطعة أرض مجاورة للمتحف الوطني في بيروت، واجه المركز عقبة رئيسية: وجود طبقات المياه الجوفية. ولتجنب أي خطر للانهيار، كان لا بد من معالجة هذه المشكلة قبل الشروع في الأعمال. وبمجرد التغلب على هذه العقبة، كان يمكن للمشروع أن يبدأ أخيرًا. ولكن لا: اندلعت أزمة كوفيد-19، مما فرض توقفًا جديدًا للعمل في الموقع حتى نهاية الوباء. وكأن ذلك لم يكن كافيًا، جاء انفجار مرفأ بيروت ليضاف إلى القائمة الطويلة من المحن التي مرت بها البلاد. وتراكمت على هذه المآسي الأزمة المالية لعام 2019، التي بدت وكأنها وجهت ضربة قاضية للمشروع. ولكن هذا لم يكن ليُثني عزيمة راعيات الجناح الثلاث: منى الهراوي، ريما شحادة، وسلمى السعيد. بناء الجناح لجمع الأموال اللازمة لمواصلة المشروع، أطلقت المؤسسة الوطنية للتراث، برئاسة منى الهراوي، حملة لجمع التبرعات، مُلتزمةً بمصداقيتها الخاصة. وبالتعاون مع اللجنة المسؤولة عن الجناح، تم جمع مبلغ أولي، لكنه ظل غير كافٍ. وعندئذ، قدمت سلمى السعيد التمويل التكميلي، واضعة شرطًا واحدًا: أن يصبح الجناح «جوهرة حقيقية». وقد تم الالتزام بهذا الشرط بالكامل، تحت إشراف ريما شحادة الدقيق، وصولاً إلى أدق التفاصيل. وأخيرًا، رأى الجناح النور في سبتمبر 2024. وتمت تسميته جناح نهاد السعيد للثقافة، تكريمًا لزوج سلمى السعيد الراحل، الذي كان محبًا كبيرًا للفن وشغوفًا بالثقافة. العمارة والإرث الجناح هو من تصميم مكتب رائد أبي اللمع للعمارة، المشهور والحائز على جوائز، والذي تمكن من تصميم مساحة متعددة الاستخدامات قادرة على استضافة المعارض والفعاليات الثقافية على حد سواء. في مقاربه التصميمية، استلهم رائد أبي اللمع من المخططات الأصلية لبيير لوبرانس-رينغيت وأنطوان نحاس، مهندسي المتحف الوطني، الذي كان من المفترض في الأصل أن يضم جناحين متصلين بالمبنى الرئيسي. تم بناء الجناح الأيسر فقط. لذلك، قام أبي اللمع بتشييد الجناح الأيمن كامتداد طبيعي للمبنى الرئيسي، مستخدمًا نفس المواد ومعتمدًا على المخططات التاريخية للمتحف. يرتبط هذا الجناح الجديد بالمتحف عبر ممر الأمير موريس شهاب، تكريمًا لمن ساهم في إنقاذ المتحف خلال الحرب. كان مهندس الديكور اللبناني جان-لوي مانغي هو من اقترح تسميته بهذا الاسم، تقديرًا للدور الحاسم الذي لعبه الأمير في حماية التراث الوطني. البدايات كان أول معرض استضافه جناح نهاد السعيد للثقافة هو «أبواب وممرات»، وهو نتاج تعاون وثيق بين المؤسسة الوطنية للتراث، ومتحف بيروت للفن (BeMA)، واللجنة المسؤولة عن الجناح. حاليًا، يستضيف الجناح معرضين: • من البندقية إلى بيروت. العالم في صورة الإنسان – جناح لبنان في بينالي الفن 2022 • انطباعات الجنة تاريخ المتحف الوطني في بيروت وملحقه، جناح نهاد السعيد، يقدم مرة أخرى الدليل – إذا كان هناك حاجة إلى دليل إضافي – على أن لبنان لا ينجو إلا بفضل مبادرة وشغف وعزيمة رجال ونساء ملتزمين.

المتاحف : الطريق الى ذاكرة الشعوب
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
يناير 2, 2026 - 14:11

في الشرق الأوسط، لا تُعَدُّ المتاحف مجرّد أُطرٍ حجرية لروائعَ فنية مهدَّدة بالزوال، بل هي تشكل مساحات تُعاد فيها كتابة الذاكرة، وتتشكل فيها الهوية، وتُمارَس من خلالها القوة الناعمة في العلاقاتُ بين الدول. فبعض بلدان المشرق، مهد أعرق الحضارات القديمة، تعيش حالة من عدم الاستقرار بسبب الحروب والثورات وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في المنطقة. في هذه البلدان، تتحول كلُّ واجهة عرضٍ في متحف، وكلُّ قطعةٍ أُعيد ترميمها، إلى موقف سياسيٍّ والى تجسيد لروح الصمود الوطني. فالمتاحف مدماك تتمسكُ به الشعوب الباحثة عن هويتها وعن قراءةٍ موحَّدةٍ لتاريخها. أمّا في دول الخليج، فالصورة مختلفة. فالفنّ عمومًا، والمتاحفُ خصوصًا، مؤتمنة على الذاكرة والتقاليد، لكنها أيضًا أدواتٌ للقوة الناعمة، وتُسهم في الارتقاء بنوعية وجودة حياة سكان هذه البلدان. ففي هذه الدول تعتبر الثقافة ركيزةً أساسيةً لمسار التطوّر ولمستقبل ورخاء شعوبها. وهذا ما يفسّر الغِنى بالمشاريع الثقافية و المتاحف الجديدة التي تعتمد أحدث التقنيات والتي تشجع على الابداع في كافة مجالات الثقافة والفن. إنّ هذه الرحلة عبر متاحف المشرق و الخليج العربي هي رحلةٌ مدهشة تمتدّ على سبعة آلاف عام من التاريخ، وجسر بين ماضٍ عريق ومستقبل مشرق ٍ يُبنى للمئة عام القادمة. لقد اخترنا بعضٍاً من هذه المتاحف التي تمثل في نظرنا افضل تمثيل للواقع المتحفي المعاصر. متحف بيروت الوطني منذ أيام، بدأنا رحلتنا من متحف بيروت الوطني ، الذي يجسّد في آن واحد ضعف وصلابة بلاد المشرق . فقد وُلد المتحف في أربعينيات القرن العشرين كمشروع لدولةٍ فتيةٍ مستقلة. لكنه ما لبث ان عانى من ويلات الحرب اللبنانية. ومع إعادة إعماره تدريجياِ في تسعينيات القرن الماضي، اصبح المتحف الوطني خير دليل على رغبة بلدٍ مفتت في التمسك بتاريخه وبضرورة اعتماد قراءة واحدة لهذا التاريخ. المتحف المصري الكبير اما في مصر، فالمتحف المصري الكبير صمم ليكون رمزًا لطموحٍ دولةٍ تسعى إلى إبراز قوتها عبر تراثها. فهو أحد أكبر المتاحف الأثرية في العالم، وصرحا يليق بالأهرامات المجاورة ومشروعًا يجسد الإشعاع الثقافي والسياحي في مصر. وراء الواجهات المهيبة للمتحف الكبير، تراهن الدولة المصرية على سبعة آلاف سنة من التاريخ لدعم قطاعي السياحة والاقتصاد. المتحف العراقي اما المتحف العراقي فقصته هي قصة تراثٍ اختطفته الحروبُ والنهبُ المنظّم. فهو يجسّد مأساةَ الذاكرة العراقية المنهوبة، وإصرارَ وتصميم حفنة من عشاق التراث والتاريخ على إعادة جمع كنوزِه المبعثرة في الأسواق السوداء العالمية، والمجموعات الخاصة، ومستودعات المتاحف الغربية. Le Louvre Abu Dhabi أمّا في دول الخليج، فالمشهد مختلف. المتاحف هناك، رغم كونها حارساً اميناً للذاكرة والتراث، الا انها جزءٌ من استراتيجيةٍ ثقافيةٍ تجعل من منطقة الخليج مختبرًا جديدًا للدبلوماسية الثقافية والفنية، ومساحة للحوار بين الحضارات، ولتنافسٍ رمزيٍّ يخدم في النهاية رفاهيةَ مواطنيها ويحسن نوعية حياتهم. من أبرز الأمثلة على هذا الواقع متحف اللوفر أبوظبي في الإمارات العربية المتحدة. فمن خلال استقدام اسمٍ متحفيٍّ عالميٍّ مثل Louvre وإنشاء مؤسساتٍ ثقافيةٍ مميزة لدعم الثقافة والفن، رسّخت دول الخليج عموماً والإمارات خصوصًا موقعَها كجسرٍ فنيٍّ بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. فدول الخليج تحاول خلق سردياتٍ فنية متقاطعةٍ وجديدة، وتحاول اعادة رسم مسارات تداول الأعمال الفنية فتشجع من اجل ذلك على الابتكار الفني الثقافي. فهذه الدول تطمح للدخول في منافسة فنية وثقافية مع العواصم الثقافية والفنية التقليدية العالمية والمحلية على حد سواء خلال هذه الرحلة بين متاحف دول المشرق والخليج العربي، ندعو القارئ إلى قراءة قصة هذه المتاحف الخمسة كما لو انها مخطوطات قديمة يكتشف من خلال صفحاتها تاريخ وفكر وفن واقتصاد هذه البلدان صفحة تلو الاخرى. فكلُّ متحف وكل مؤسسةٍ تعبّر، على طريقتها الخاصة، عن نظرة شعوب المنطقة إلى ذاتها، وتروي قصتها وتاريخها، وتستشرف من خلالها مستقبلها. المقال التالي: جناح نهاد السعيد للثقافة اقرأ في الموضوع نفسه المتحف الوطني في بيروت، رغم كل الصعاب