شعار Levant Time

ثقافة

نبيل نحاس في بينالي البندقية الحادي والستين، عملٌ ضخم

يتصدّر نبيل نحاس، أحد أبرز وجوه الفن المعاصر اللبناني-الأميركي، الأحداث الفنية الدولية حالياً؛ إذ تم اختياره رسمياً لتمثيل لبنان في بينالي البندقية للفنون المقبل، الذي سيقام من 9 أيار إلى 22 تشرين الثاني 2026. ويحتل نبيل نحاس مكانة فريدة تماماً في المشهد الفني المعاصر، حيث يعتبر من الفنانين القلائل الذين نجحوا في تحقيق توليفة مثالية بين التجريد الأميركي الراديكالي والحس الشرقي المتجذر عميقاً في الطبيعة والروحانية. يقام المعرض الذي يحمل عنوان «Don’t Get Me Wrong» تحتإشراف القيّمة الفنية والمفوضة ندى غندور بالتعاون مع الجمعية اللبنانية للفنون البصرية (Lebanese Visual Art Association - LVAA)، وذلك في «الأرسنال» (قاعة الأسلحة - Sala d’Armi)، الذي يُعدّ أحد أعرق مواقع بينالي البندقية. ويقدم نبيل نحاس من خلال هذا المعرض تجربة ضخمة تعيد صياغة العلاقة بين المشاهد واللوحة. مسيرة الفنان ولد نبيل نحاس في بيروت عام 1949. وقد أمضى سنواته العشر الأولى في القاهرة، حيث تأثر بعظمة المناظر الطبيعية المصرية ودقة الفن الإسلامي. وفي عام 1973، حصل على شهادة الماجستير في الفنون الجميلة(MFA) من جامعة ييل (Yale) في الولايات المتحدة، حيث عاصر كبار أسماء الفن وتأثر بالحركة التعبيرية التجريدية. استقر بعد ذلك في نيويورك وسرعان ما عُرف بـ«سيدٍ للألوان والملامح». وبعد الحرب الأهلية، شكلت عودته إلى لبنان نقطة تحول في مسيرته الفنية؛ إذ بدأ في رسم أشجار الأرز والزيتون والصنوبر، لا كمجرد مناظر طبيعية، بل كرموز للصمود. أسلوب نبيل نحاس يتميز أسلوبه بتأثير مزدوج: التعبيرية التجريدية الأميركية والارث المتوسطي. وما يميز نحاس عن معاصريه هو الماديّة المفرطة في اعماله الفنية. يستوحي نبيل نحاس أعماله من الأشكال الهندسية المعقدة في العالم الطبيعي (نجوم البحر، الأرز، الأنماط البحرية) ومن الفن الإسلامي. وغالباً ما يستخدم مسحوق حجر الخفاف أو الصخور البركانية الممزوجة بالطلاء لابتكار ملامح خشنة، تكاد تكون عضوية، تحول اللوحة إلى مجسم نحتي يشبه سطحاً قمرياً أو الشِعاب المرجانية. بلا عنوان، أكريليك وحجر خفاف على قماش. (مؤسسة دلول للفن) نجوم البحر: يكمن أحد أشهر ابتكاراته في تثبيت نجوم بحر حقيقية (أو قوالب لها) على القماش، ثم تغطيتها بطبقات متتالية من الطلاء، مما يخلق سطحًا بارزًا عضويًا يتحدى مفهوم اللوحة المسطّحة التقليدية. مفهوم الهندسة الكسرية «الفركتال»: استوحى نحاس من عالم الرياضيات بينوا ماندلبروت (Benoît Mandelbrot)، مفهوم «الهندسة الكسرية»، بحيث تخضع الطبيعة لنظام هندسي خاص بها. وعلى غرار الطبيعة نفسها، تبدو لوحاته وكأنها قابلة للتمدد والتضاعف إلى ما لا نهاية، بلا حدود او نقطة انطلاق معينة. الاعتراف الدولي لا يُعدّ نبيل نحاس مجرد «رسام لبناني»، بل هو قامة مؤسسية في المشهد الفني العالمي؛ إذ تُعرض أعماله وتُقتنى في كبرى متاحف العالم، ولا سيما متحف المتروبوليتان للفنون (MetropolitanMuseum of Art) في نيويورك، ومتحف «تيت مودرن» (Tate Modern) في لندن، والمتحف البريطاني، ومتحف غوغنهايم أبوظبي (Guggenheim Abu Dhabi). وفي عام 2013، نال وسام الأرز الوطني، وهو تكريم نادراً ما يُمنح للفنانين التشكيليين في لبنان، مما يبرز دوره كسفير للثقافة والفن اللبناني. وتحظى أعماله بإقبال كبير في سوق المزادات العالمية (مثل سوتبيز وكريستيز)، محققةً أرقاماً قياسية تجاوزت 240,000 دولار لقطعه الفنية الأكثر ضخامة. معرض «Don’t Get Me Wrong» صُمّم المعرض ليكون تجربة بصرية غامرة وشاملة؛ إذ جرى تصوره خصيصاً ليتناغم مع فضاء «الأرسنال» في إطار البينالي. يتسم حجم المعرض بالضخامة؛ إذ يتألف من 26 لوحة من الأكريليك على القماش، تمتد على طول مذهل يبلغ 45 متراً وارتفاع 3 أمتار. وقد رُفعت اللوحات بمقدار مترين عن الأرض، مما يجبر الزائر على رفع نظره إلى الأعلى، في مشهد يحاكي طريقة تأمل الجداريات في كنائس عصر النهضة الأوروبية. وفي هذا المعرض، يتبنى نحاس مفهوم الهندسة الكسرية، داعياً الزائر إلى تجوال تأملي تبدو فيه الأشكال وكأنها تتضاعف إلى ما لا نهاية. تقدم ندى غندور، في ثالث إدارة لها للجناح اللبناني، أعمال نحاس بوصفها انعكاساً للهوية اللبنانية، التي تصفها بأنها «جوقة متعددة الأصوات»، وتشبهها بنسيج من خيوط متعددة (التاريخ، الروحانية، الطبيعة)، تسعى من خلالها إلى تفسير لبنان عبر تعقيده الثقافي. وترى غندور أن أعمال نبيل نحاس تمثل مزيجاً من الفن والثقافة والروحانية، إذ تحمل في آنٍ واحد أبعاداً رمزية وفلسفية. وفي عالم ينقسم فيه الفن غالباً بين مفهومين (ذهني) وزخرفي، يطرح نحاس مساراً ثالثاً، يتمثل في تجريدٍ ذي روح. وهو يثبت بذلك أنه من الممكن الانتماء إلى «مدرسة نيويورك» مع البقاء مرتبطاً بعمق بالجذور المتوسطية المشرقية. وفي بينالي البندقية 2026، يرمز حضوره إلى قوة وإبداع لبنان الذي، على الرغم من الأزمات، يستمر في مخاطبة العالم بلغة الجمال وفكر شعري عالمي.

الفن الانطباعي اللبناني: مصطفى فرّوخ، رسّام ومثقف ملتزم (4/4)

يُعدّ مصطفى فرّوخ أحد كبار روّاد الفن التشكيلي اللبناني الحديث، وقد ساهم بشكلٍ واسع في إرساء دعائم المشهد الفني الوطني وتشكيل معالمه. وُلد فرّوخ عام 1901 في حيّ البسطة المتواضع ببيروت، لأسرة سنّية، وتوفي عام 1957. وفي مقتبل العمر، تلقى التشجيع والتوجيه في محترف الرسام الحداثي حبيب سرور، حيث صقل موهبته الأولى. وفي عام 1927، غادر بيروت متوجهاً إلى روما، حيث التحق بالدراسة في الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة (سان لوكا)، ونال شهادته منها في العام نفسه. وبعد محطة روما، تابع تحصيله الفني في باريس، وتتلمذ على يد عددٍ من كبار الفنانين، من بينهم بول إميل شاباس، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس جمعية الفنانين الفرنسيين. وبدأ عرض أعماله في كبرى المحافل الفنية، ولا سيما الصالونات الباريسية، و « بينالي روما » (Biennale de Rome)، ثم في البندقية ونيويورك وبيروت. العودة إلى الوطن عاد فرّوخ إلى بيروت عام 1932، حيث افتتح محترفاً وصالة عرض دائمة، غدت محطة استقطاب للحياة الفنية البيروتية. درّس الفن في مؤسسات عريقة عدة، منها الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، والأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، ودار المعلمين في بيروت. كما ألقى محاضرات في منتديات فكرية متنوعة، لا سيما في «الندوة اللبنانية»، مساهماً بذلك في التأسيس المؤسساتي للحقل الفني اللبناني الناشئ. وبفضل نشاطه الواسع في المعارض الدولية، أُدرج اسمه عام 1950 في «قاموس بينيزيت» (Bénézit)، المرجع البيبليوغرافي الأبرز عالمياً للفنانين. كان فرّوخ فناناً ومثقفاً ملتزماً؛ نشر في الصحف مقالات عديدة حول الفن، مساهماً في الثقافة الفنية للجمهور العريض. كما أصدر خمس مؤلفات في فلسفة الفن والهوية اللبنانية، من بينها سيرة ذاتية. وقد ساهمت كتاباته بشكل كبير في بلورة النظرية الجمالية ومكانة الفن في المجتمع اللبناني الناشئ. نتاجه الفني وأسلوبه كان فرّوخ رساماً غزير الإنتاج، إذ ترك وراءه أكثر من 2000 لوحة، تقتنيها مجموعات فنية واسعة في لبنان والخارج. تندرج لوحاته أساساً ضمن المدرسة «ما بعد الانطباعية»، وهي ذات طابع تشخيصي وواقعي، طبعتها دراسته الأكاديمية الأوروبية، لكنها ظلت متجذرة في الموضوعات اللبنانية. شملت مواضيعُه الأثيرة تفاصيل الحياة اليومية: من المناظر الطبيعية الريفية والحضرية، والقرى، والحقول، والموانئ، وكورنيش بيروت، وصولاً إلى وجوه الأعيان، والنساء العاملات، والفلاحين. كما رسم بعض لوحات العرِي، في خطوة اتسمت بالجرأة ضمن السياق المشرقي في ذلك الزمن. تتميز لوحاته بألوان دافئة ومشرقة، وقد أولى عناية خاصة لتقنية «الكلاروسكورو» (الضوء والظلال) الموروثة عن دراسته الإيطالية، والتي نجح في دمجها مع الضوء المتوسطي. وفي الثلاثينيات، وبعد إقامة مؤثرة في إسبانيا، رسم فرّوخ الإرث العربي الأندلسي، مجسداً بذلك الذاكرة العربية للأندلس بلغة بصرية حديثة. لوحة أيقونية: «كورنيش رأس بيروت» تُعدّ لوحاته لواجهة بيروت البحرية والكورنيش من أبرز الصور الأيقونية للبنان في مرحلة تشكّل هويته المعاصرة؛ فهي تقدّم رؤية شاعرية لبلدٍ يتجاور فيه البحر والجبل والعمارة التقليدية في انسجام وتكامل تامّين. تجسد لوحة «كورنيش رأس بيروت»، التي رسمها عام 1941 إبان الانتداب الفرنسي، رغبة مصطفى فروخ في إرساء قواعد فن تشكيلي وطني لبناني يستلهم من الجذور والتأثيرات الأوروبية. ويرمز هذا المشهد المديني، المنفتح على البحر، إلى الحوار بين المدينة الحديثة والأفق المتوسطي اللامتناهي؛ إذ يُعلي الفنان من شأن الضوء والمناخات المحيطة. وبذلك، تصبح رأس بيروت عتبةً بين الشرق والغرب، وبين الحداثة والتقليد. إن هذا العمل يجسد الهوية اللبنانية الناشئة ويشكل محطة مفصلية في مسار الحداثة التشكيلية في البلاد. إنها رؤية شاعرية للبنان، حيث يتعايش البحر والجبل والعمارة التقليدية في انسجام تام. وتمنح هندسة اللوحة الموزعة على ثلاثة مستويات عمقاً للوحة، تقود العين من الطريق الترابي وصولاً إلى خط الأفق. وتتباين تدرجات الأرض الدافئة مع زرقة البحر والسماء الباردة، مما يخلق أجواءً تجمع بين الإشراق والشجن في آن واحد. أما وجود شخصيتين في وسط اللوحة، فيضفي لمسة إنسانية على المشهد ويُدخل بعداً سردياً محبباً لدى فرّوخ. وتأتي أشجار النخيل والبيوت المنخفضة، المنفذة بلمسات ريشة مرنة، لترسخ اللوحة في فضاء شرقٍ متوسطي مثالي، يفيض بالحنين والعذوبة. روادُ الريشة.. أيقوناتُ وطنٍ في طور التكوين ختاماً، يبرز روادنا الأربعة في الرسم اللبناني – خليل صليبي، وعمر الأنسي، وقيصر الجميل، ومصطفى فرّوخ – وهم ليسوا الوحيدين بالتأكيد، كفنانين أيقونيين لأمة في طور التكوين. هؤلاء الذين صقلوا مواهبهم في الخارج، استلهموا من المدارس الفنية الأوروبية في عصرهم، واستخلصوا منها الأفضل ثم طوّعوها لتتلاءم مع الضوء والحساسية المتوسطية والشرقية. وبذلك، ساهموا في تعزيز الهوية الوطنية اللبنانية الناشئة، وأبدعوا رسماً لبنانياً بامتياز، يتشابه مع الرسم الأوروبي في مطلع القرن العشرين ويختلف عنه في آن واحد. لقد أتاح لهم تأثير الرسم الغربي تحرير ريشة الرسم ولوحة ألوانهم، كما مكّنهم من الانعتاق من قيود التكليفات الدينية والرسمية، كاسرين بذلك المحرمات الاجتماعية التي كانت سائدة حينها. وإذا كان بعضهم قد استلهم من الانطباعية، فقد اقترب آخرون من الواقعية أو ما بعد الانطباعية. ومع ذلك، فقد ساهموا جميعاً في صياغة هوية وطنية لبنانية، وفي النهضة الفنية والاجتماعية للبنان. كما شكلت أعمالهم مصدراً لإلهام المجتمعات المشرقية في ذلك العصر. إقرأ في الموضوع نفسه – الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4) – الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4) – الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4)

الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4)

الفن الانطباعي اللبناني : قيصر الجميّل، رائد بين عالمين (3/4) يبرز قيصر الجميّل كأحد أعمدة الرسم الحديث في لبنان، بوصفه شخصيةً مؤسسية وفناناً من الطراز الرفيع. طبع مسيرته بتحوّلٍ لافت من الأكاديمية الجامدة إلى تعبيرية أكثر حسّية وارتباطاً بالواقع اللبناني. لقد ساهم الجميل في الانتقال من فنٍّ ديني وتوثيقي بحت إلى فنٍّ يستند إلى التعبير الشخصي، محوّلًا الفنّ اللبناني التقليدي إلى لغةٍ حديثة مشبعة بتأثيراتٍ الانطباعية الفرنسية. الإنسان وُلد قيصر الجميّل في 9 شباط 1898 في عين التفاحة، وهي قرية صغيرة في جبل لبنان قريبة من بكفيا (كانت آنذاك تحت الحكم العثماني)، لأسرة من الأعيان. بدأ دراسته في معهدٍ كهنوتي في قرنة شهوان، لكنه ما لبث أن غادره إثر وفاة والده، ليدرس الصيدلة في الجامعة الأميركية في بيروت. البدايات الفنية اتخذت حياته مساراً جديداً كلياً حين تقاطع دربه مع الفنان خليل الصليبي، أحد كبار أساتذة الرسم اللبناني. وإذ اضطلع الصليبي على رسومه، اتخذه تلميذاً في محترفه، حيث اكتسب الجميّل منه تقنية فنية استثنائية. عدل الجميّل عن الصيدلة ليتفرغ كلياً للرسم. وفي عام 1927، سافر إلى باريس، حيث التحق بـ«أكاديمية جوليان» و«المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وهما مؤسستان خرّجتا كبار الرسامين أمثال ماتيس، وبونار، وجبران خليل جبران. أمضى هناك ثلاث سنوات انكبّ فيها على دراسة المدارس الفنية الباريسية التي سادت في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، مثل الانطباعية، وما بعد الانطباعية، والوحشية، مع ميل جليّ نحو الانطباعية والوحشية. كما تأثر بشكل خاص بأعمال رينوار. كانت تلك الحقبة مفصلية في مسيرته؛ إذ ساهمت في تحرير ألوانه وطريقته بالرسم. النضج الفني في عام 1930، عاد الجميّل إلى بيروت. وفي العام التالي، نال الجائزة الأولى في "المعرض الاستعماري الدولي" في باريس، كما قُلّد وسام الأرز الوطني. وبدفعٍ من هذه التقديرات الرفيعة، قرر التفرغ كلياً لفنّه. خلال تلك الحقبة، شهد الفن في لبنان نهضةً كبيرة، بفضل رعاة الفن أمثال ألفريد سرسق، وعمر الداعوق، وهنري فرعون، وكميل إده. حتى وفاته إثر أزمة قلبية في بيروت عام 1958، ظل قيصر الجميّل يمارس الرسم والتعليم، مشاركاً بفاعلية في في الحياة الثقافية اللبنانية. وفي عام 1943، ساهم في تأسيس قسم الفنون والهندسة المعمارية في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة (ALBA)، حيث تولى التدريس فيها، لاعباً بذلك دوراً محورياً في نشأة استقلالية الفكر الفني اللبناني، ومساهماً في مأسسة التعليم التشكيلي في لبنان. رسّام الجسد والأرض كان الجميّل عاشقًا للّون والضوء، فاستطاع أن يجسد في لوحاته الهوية اللبنانية دون أن يقع في فخّ الفولكلور. وتتميز لوحته بضربة ريشة حيوية، وبطلاء زيتي كثيف وطبقات من الألوان المتراكمة. فهو يبحث في فنه على الانفعال البصري بدلاً من التفاصيل الفوتوغرافية الدقيقة. وإذا كان عمر الأنسي "سيد الضوء والشفافية"، فإن قيصر الجميّل يفرض نفسه سيد العري. ولعل هذا هو الجانب الأكثر جرأة في فنه؛ ففي مجتمع محافظ، استطاع الجميّل فرض العري الأكاديمي. فلوحاته كانت تضج بالحياة وهي أقرب الى المنحوتات منها الى الرسم. مع أن موضوع العديد منها كان العري، إلا أنها لا تقع أبداً في التزلف الرخيص، بل هي أقرب الى فن النحت الراقي. أما الضوء والطبيعة اللبنانية، وعلى نقيض الرسامين المستشرقين الذين اختزلوا الشرق في مجرد ديكور جميل، فقد رسمها الجميّل بروحٍ صادقة نابعة من أعماق حسه الوطني المرهف. نضاله الفني طوال مسيرته، عاش الجميّل صراعًا دائمًا بين التقاليد والحداثة. ففي بعض المعارض، أثارت لوحاته التي تمثل العري سجالات حادة. ومع ذلك، استطاع بفضل مهارته التقنية كسب احترام النخب ورجال الدين على حد سواء، فاتحاً بذلك الباب أمام حرية فنية أوسع للأجيال اللاحقة. وبإدخاله العري والواقعية الحسّية إلى الشرق الأوسط، ترك أثراً بالغاً في مسيرة فنانين لبنانيين كبار، أمثال شفيق عبود وبول غيراغوسيان. وفي عام 1988، في الذكرى المئوية لميلاده، أقام لبنان احتفالًاً وطنيًا تكريمًا له، في دليل قاطع على أنه لا يزال يمثل المرجع المطلق للجمالية اللبنانية في القرن العشرين. وحتى اليوم ، لا تزال أعماله تشكل درة المقتنيات في متاحف ومؤسسات مرموقة، مثل متحف سرسق، ومتحف (المتحف العربي للفن الحديث) في الدوحة، ومؤسسة دلّول الفنية. عملٌ أيقوني: «عُريٌ في استراحة» (Nude in Repose) يُعدّ "العري" موضوعاً ملازماً ورمزياً في أعمال الجميّل، سواء في لوحاته الزيتية أو في رسومه بالفحم. العُري عنده ينبض بالحياة، ترافقه ألوان زاخرة تنبض بالحياة؛ كان يميل إلى استخدام الواناً دافئة للبشرة، ولا يتوانى عن إدخال ظلال ملونة ببراعة فائقة. وتحت ريشته المتحررة، تشعر وكأن البشرة ترتعش وتتنفس. تجسد لوحة «عُريٌ في استراحة» (Nude in Repose) روحُ الريادة التي ميّزت فن الجميّل. فبحجبه وجهَ المرأة يوجه الرسام الانتباه كله إلى لعبة الضوء فوق الجسد. ضربات ريشته، الانسيابية والمتحررة، تلتقط انحناءة الظهر والعمود الفقري، متبعاً بذلك أرقى تقاليد الانطباعية الفرنسية وأسلوب رسامين كبار أمثال رينوار. فالعريّ عند الجميل ليس مبتذلاً، بل ينضح بشاعريةً رقيقة وشفافة ويجمع بين الجاذبية القوية والاحتشام الرقيق التي توحي به وضعية الجسد المتراخية. الجمال هنا متّزن، والخطوط منسابة تمنح اللوحة تناغماً تاماً. بعيداً عن التقنية، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان عرض جسد امرأة عارٍ، ولو من الخلف، يمثل خطوة ثورية بامتياز. فمن خلال لوحاته، قد كسر الجميّلُ القيود الاجتماعية بجرأة، وفرض حرية التعبير الفني، رافعًا الفن اللبناني إلى مصاف التجارب الطليعية الغربية. المقال المقبل الفن الانطباعي اللبناني : مصطفى فروخ، رسّام ومثقف ملتزم إقرأ في الموضوع نفسه – الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4) – الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4)

الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء (2/4)
بقلم
ميشا مسلم
نُشر
أبريل 8, 2026 - 14:52

كما أشرنا في مقالنا السابق، استطاع الرواد الأربعة للفن التشكيلي اللبناني الحديث، خليل صليبي، وعمر الأنسي، وقيصر الجميل، ومصطفى فروخ، أن يبثّوا روحاً لبنانية ومشرقية في المدرسة الانطباعية الغربية. يبرز عمر الأنسي كشخصية محورية في الرسم اللبناني الحديث، حيث تفرّد بقدرة فائقة على إتقان الشفافية و والضوء. ومن خلال اعتماده تقنية الألوان المائية في لوحاته، نجح في تجسيد جمالية الجبال وسحر الطبيعة اللبنانية بأبهى صورها. تأثراً بمدرسة مونيه، استبعد الأنسي اللون الأسود من لوحته، مستعيضاً عنه بتدرجات الأزرق والليلكي الداكن لرسم الظلال. وبفضل ممارسته الرسم في الهواء الطلق، واحترافه الاستثنائي في تجسيد الضوء، استحق عن جدارة لقب «سيّد الضوء» في لبنان. وبفضل ملاحظته الدقيقة للواقع وحسّه الفني الحديث، استطاع الأنسي تحرير فن الرسم اللبناني من جمود البورتريه الكلاسيكي، فرسم الحياة اليومية والطبيعة اللبنانية بكثير من الشاعرية والحس الجمالي المرهف. موهبة متجذرة منذ البدايات ولد عمر الأنسي في بيروت عام 1901، في كنف عائلة سنّية مثقفة ومنفتحة على الأفكار وأنماط العيش الأوروبية. اكتشف عمر الشاب عالم الرسم في سنّ مبكرة، بتشجيع من جده الشاعر الذي يحمل اسمه. بعد التحاقه بكلية الطب في الكلية السورية البروتستانتية (التي أصبحت لاحقاً الجامعة الأميركية في بيروت AUB))، قرر التوقف عن دراسته مخالفاً رغبة والديه، واختار طريق الفن بدفع من الرسام خليل صليبي. وفي محترف الأخير، بدأ يتمرس على تقنيات الرسم من البورتريه والعري وغيرهما. في عام 1921، فاز بالميدالية الفضية في معرض بيروت الدولي، وهو ما شكل أول اعتراف علني بموهبته. تأثيرات متعددة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، أمضى الأنسي سنوات عدة في الأردن، حيث عمل مدرساً للرسم واللغة الإنكليزية. هناك، اكتشف نور الصحراء الباهر وألوانها الجميلة، ، فكان لهذا الاحتكاك بالطبيعة المشرقية الجميلة أثر عميق على حسّه الجمالي ومخيلته الفنية؛ فشرع يرسم مشاهد من الحياة البدوية، والطبيعة الصحراوية بأسلوب يقترب من التوثيق الإثنوغرافي. ومع نهاية العقد، انتقل إلى باريس لصقل مهاراته، لا سيما في أكاديميات «جوليان» و«لا غراند شوميير» و«كولاروسي»، حيث تعرّف عن كثب على المدرسة الانطباعية، إضافة إلى مدرستي «باربيزون» و«فونتينبلو». رسم هناك مشاهد باريسية، ولوحات عري، وبورتريهات، كما توطدت صداقته مع فنانين لبنانيين في ديار الاغتراب، مثل النحات يوسف الحويك. في عام 1933، عاد إلى لبنان برفقة زوجته الثانية، بعد خلوة أمضاها في سوريا إثر وفاة زوجته الأولى. شكلت هذه المحنة نقطة تحول حاسمة في مسيرته الفنية، إذ إذ أخذت لوحاته تزداد إشراقاً، وألوانه تصبح أكثر حيوية وبريقاً، ليتكرس بوضوح تأثير المدرسة الانطباعية على فنه. العودة إلى بيروت والاعتراف الفني لدى عودته إلى لبنان، تفرّغ عمر الأنسي لفنّه وجعله مورداً يعيش منه. أقام معرضه الأول في مدرسة الفنون والمهن في بيروت في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي. وسرعان ما قدمته الصحافة كأحد أبرز رسامي المناظر الطبيعية، فيما بدأت النخب البيروتية باقتناء لوحاته وضمّها إلى مجموعاتهاالخاصة. اشتهر برسم المناظر الطبيعية والحياة العادية، لم يتردد في تناول مواضيع أكثر جرأة وحساسية في المجتمع اللبناني المحافظ آنذاك، مثل «لوحاتالعري». خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، عرض أعماله في أوروبا ومصر والشرق الأوسط، فأصبح فنه يجمع في آنٍ واحد بين الهوية اللبنانيةوالأبعاد العابرة للحدود. دوره في الرسم اللبناني الحديث لعب عمر الأنسي دوراً مؤسسياً بارزاً في الحياة الفنية اللبنانية؛ فكان من المشاركين في تأسيس جمعية الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت عام 1957. كما انضم، بدءاً من عام 1960، إلى المجلس الإداري لمتحف سرسق، الذي غدا أحد أبرز اقطاب الحداثة الفنية في بيروت. حتى وفاته في بيروت عام 1969، استمر الأنسي في تطوير موهبته الفنية في الرسم ولا سيما الطبيعة في لبنان، مساهماً في الوقت نفسه، عبر تدريسه وانخراطه في دعم الفن والثقافة، في ترسيخ البنية التحتية الثقافية للدولة اللبنانية الفتية. وفي عام 1997، جاء المعرض الاستعادي الضخم الذي أقيم في متحف سرسق ليكرّس مكانته نهائياً كأحد رواد الرسم الحديث في لبنان. تُحفظ أعماله اليوم في مؤسسات مرموقة مثل متحف (المتحف العربي للفن الحديث) في قطر. ، كما يمكن العثور عليها في مجموعات خاصة، وفي صالات عرض متخصصة، وفي دور مزادات عالمية مثل «كريستيز» و«ميتيوال آرت» وغيرها. «عمل أيقوني» من بين أعمال عمر الأنسي اللافتة، تبرز لوحة «في المعرض» التي رسمها عقب عودته من باريس عام 1932. تمزج هذه اللوحة الزيتية الجريئة بين الحداثة الغربية والتقاليد الاجتماعية الشرقية؛ وترمز هذه اللوحة إلى مرحلة تحوّل في أسلوب الأنسي وفكره، إذ يبتعد فيها عن البورتريه الكلاسيكي والرسم التقليدي ليتجه اكثر فأكثر نحو الأسلوب الانطباعي في الرسم. نرى في اللوحة نساءً شرقيات محجبات يتشحن بالسواد، يتأملن لوحة لجسد أنثوي عارٍ في أحد المتاحف؛ هنّ مشاهدات شرقيات أمام تجسيد«إيروتيكي» وافد من الغرب. إنه مشهد اعتُبر في تلك الحقبة تجاوزاً صريحاً للمألوف. على يمين السيدات في ما يبدو غرفة مجاورة، تظهر امرأة بلباس غربي وهي تحاور رجلاً يرتدي بذلة رسمية وطربوش، في لقاء – أو مواجهة - بين الحداثة الغربية والتقاليد الشرقية. تمنح البنية التركيبية ذات المستويات المتعددة للوحة عمقاً بصرياً واضحاً، فيما تضفي التدرجات البنفسجية والسوداء والزرقاء مسحة حميمية ودرامتيكية، تزيد من توهّج الضوء على الأجساد العارية. تختزل اللوحة صراع الحضارات بين مجتمع شرقي راسخ وآخَر حديث في طور التكوين. ففي لوحته هذه، قدم عمر الانسي صورة عميقة عن المجتمع اللبناني في الفترة ما بين الحربين العالميتين. المقال المقبل الفن الانطباعي اللبناني: قيصر الجميّل، رائد بين عالمين إقرأ في الموضوع نفسه الفنانون الانطباعيون اللبنانيون : من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع (1/4)

الأكورديون الذي يخدع العنف
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر
أبريل 7, 2026 - 17:20

بينما كنت أتجول في شوارع حيي، صادفت مشهدًا من أغرب المشاهد: عازف أكورديون يعزف لا لأحد وللجميع. ليقدم لحظة سعادة في بلد يبدو أنه مفتون بالعنف. إنه لا يبحث عن مال ولا اهتمام. يعزف ليشارك سحر الموسيقى مع أولئك الذين ما زالوا يعرفون كيف يشعرون بها. توماس قسيس. هذا هو اسمه. الاسم الذي منحه إياه والداه بالتبني بعد أن تنقل من دار إلى أخرى، واللذان اختارا الاحتفاظ به في النهاية. والداه البيولوجيان؟ لا يعرفهما. يعمل توماس أيضًا في قطاع البناء، وهو قطاع تضرر بشدة من الوضع الحالي. لكنه مع آلة الأكورديون يعيش قصة حب حقيقية. قصة حب عذري بدأت تتفتح في عام 2017. عندما كان طفلاً، كانت آلة الهارمونيكا التي يعزفها في المنزل تزعج العائلة. استسلم... حتى يوم من الأيام، وبصفته عصاميًا، قرر أن يعزفها في الشوارع، على أمل أن يلامس قلوب الأطفال. من بين 1000 طفل، يأمل أن ينجذب اثنان أو ثلاثة منهم إلى الآلة. الأكورديون، آلة موسيقية عمرها آلاف السنين وُلد الأكورديون في أوائل القرن التاسع عشر في أوروبا، وتم تسجيل براءة اختراعه رسميًا عام 1829 في فيينا على يد سيريل ديميان. ومع ذلك، يعتمد عمله على مبدأ أقدم بكثير: القصبة الحرة، الموروثة من آلة الشينغ، وهي آلة موسيقية صينية عمرها آلاف السنين. صُممت منذ البداية كآلة عملية، قادرة على إنتاج اللحن والمرافقة في آن واحد، وقد شهدت تطورًا سريعًا طوال القرن التاسع عشر بفضل الابتكارات التقنية التي أثرت لوحة مفاتيحه ووسعت إمكانياته الصوتية. سرعان ما تبناه الأوساط الشعبية، وسافر الأكورديون مع الهجرات الأوروبية واستقر بشكل دائم في العديد من الثقافات الموسيقية: من الموسيت الفرنسي إلى تقاليد أوروبا الشرقية، مروراً بالأنماط اللاتينية الأمريكية. يأتي في عدة أشكال - دياتوني، كروماتيكي، أو لوحة مفاتيح بيانو - ويزداد تعقيدًا تدريجيًا. بعد أن ارتبط لفترة طويلة بصورة فولكلورية، فرض نفسه اليوم في الموسيقى التقليدية، الجاز، الإبداع المعاصر، والمسرح الكلاسيكي. شغف يُورث لطالما ارتبط الأكورديون بالموسيقى الشعبية، لكنه يكتسب معناه الكامل عندما يقدمه توماس قسيس، العاشق الكبير لهذه الآلة، لأولئك الذين يعرفون كيف يُصغون. وكما يقول، هذه الآلة تغذي روحه وتفتح الأبواب السماوية. يعرف الأشخاص الذين يتمتعون بالإنسانية والحساسية كيف يقدرون البعد الروحي للأكورديون، الذي يهدده اليوم عالم "مُجرد من الإنسانية تمامًا"، كما يعرب توماس عن أسفه. بالنسبة له، الأهم هو أن يظل الأكورديون موجودًا. ومن هنا تأتي أهمية تعريفه للأطفال بطريقة طبيعية، وليس من خلال آلات مبسطة حيث يكفي الضغط على زر لإنتاج لحن. بالنسبة لتوماس، هذا هرطقة تخنق أي إبداع. قوة الموسيقى في بلد يمر بأزمة ربما لا تكون قصة توماس قسيس استثنائية، لكنها تصبح فريدة من نوعها في السياق الحالي للعنف المطلق، حيث يكافح الحلم والشعر لإيجاد مكانهما. ومن سخرية القدر، فإنه في خضم ربيع الشعراء، الذي كان موضوعه هذا العام "الحرية. قوة حيوية، منطلقة"، يجوب توماس الشوارع، ينثر بعض النغمات القادرة على بث القوة والطاقة في نفوس اللبنانيين، الذين أرهقتهم الحروب والأزمات، ولكنهم ما زالوا يحملون دافعًا هشًا للحياة. دليل آخر على أن هذه الآلة، التي يعود صوتها الفريد إلى البهجة، يمكن أن توحد، وتحفز على إعادة التفكير في السعادة، تلك اللحظة العابرة التي لا تتوقف عن الهروب منا.

الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع  (1/4)

يُصادف عام 2026 الذكرى المئوية لرحيل كلود مونيه، أحد رواد المدرسة الانطباعية. وللعلم، فإن إحدى لوحاته، «انطباع، شروق الشمس» ( Impression soleil levant )، هي التي أعطت اسمها للحركة الانطباعية. وُلدت هذه الحركة في فرنسا في سبعينيات القرن التاسع عشر، ، وقادها فنانون أمثال كلود مونيه، وأوغست رينوار، وكامي بيسارو... ومن خلال كسر القواعد الصارمة للفن الكلاسيكي، لم يعد الانطباعيون يسعون إلى رسم «الموضوع» بشكل مثالي، بل حاولوا التقاط الضوء، واللحظة الخاطفة، والانطباع الذي ينقله النموذج. لقد دافعوا، عبر فنهم، عن رؤية عفوية وطبيعية للعالم، بلا فلاتر ولا تراتبية، بلمسة مجزأة، وضربات ريشة سريعة وواضحة، واستخدام مكثف للألوان حيث تتلون حتى الظلال بالأزرق أو البنفسجي، وليس بالأسود. للمرة الأولى، ترك الفنانون محترفاتهم المغلقة ليرسموا في الهواء الطلق في قلب الطبيعة. وأصبح ذلك ممكناً بفضل اختراع شكل ثورة في عالم الرسم وهو الألوان الزيتية في أنابيب، مما سمح للفنانين بالخروج من مراسمهم للرسم مباشرة من الموقع، بأقرب ما يكون من الطبيعة. النهضة الثقافية في لبنان شهد لبنان في مطلع القرن العشرين نهضة ثقافية غير مسبوقة، تجلت في مختلف الميادين ولا سيما في فن الرسم. فقد سافر فنانون رواد للدراسة في باريس وروما، وحملوا في جعبتهم تقنيات الرسم الحديثة، وعلى رأسها الانطباعية. ولم يعد الأمر هنا يتعلق بإعادة إنتاج الضوء الرمادي الذي يميز سماء باريس، بل بتجسيد الضوء المتدفق في مناظر جبل لبنان. وفي الواقع، كان على انطباعيي المشرق أن يتعلموا كيفية طيوع الضوء «القوي» والشديد البياض الذي يميز المنطقة، وهو ما أدى إلى ولادة انطباعية أكثر تباينًا وحيوية. إن الانطباعية اللبنانية لا تنسخ الانطباعية الغربية، بل تطوعها لتلائم الحساسية الشرقية من أجل التعبير عن الحنين، والحياة الريفية، وجمالية التراث. الرباعي الرائد في مطلع القرن الماضي، برز أربعة روّاد للانطباعية ولفن الرسم الحديث في لبنان، وهم: خليل صليبي، وعمر الأنسي، وقيصر الجميل، ومصطفى فروخ. خليل صليبي، رائد الرسم اللبناني الحديث يُعدّ خليل صليبي المؤسس الفعلي للرسم الحديث في لبنان؛ فقد أدخل نهجاً أكثر تحرراً في رسم الوجوه (البورتريه) والمناظر الطبيعية، وبرع في التقاط البعد النفسي للشخصيات. وعلى غرار كبار أساتذة الرسم القدامى، استخدم صليبي الضوء والظلال («الكلاروسكورو») من اجل إبراز الأبعاد والأشكال في لوحاته مما جعل رسومه تنبض بالحياة. مسيرته وُلد خليل صليبي في بتلّون عام 1870. وبعد دراسته في الكلية السريانية البروتستانتية (الجامعة الأميركية في بيروت حالياً - AUB)، غادر لدراسة الفن في إدنبرة، ثم في الولايات المتحدة، ومن بعدها باريس. هناك التقى بكبار الأساتذة، ومن بينهم الأميركي جون سينغر سارجنت (John Singer Sargent) الذي ترك أثراً عميقاً في أسلوبه برسم البورتريه. عند عودته إلى بيروت عام 1900، افتتح محترفه الخاص في بيروت قبالة الجامعة الأميركية، وأصبح مُلهماً لأسماء ستغدو لاحقاً من كبار أعلام الفن اللبناني الحديث مثل قيصر الجميل وعمر الأنسي. انتهت حياته بشكل مأساوي عام 1928، حين قُتل مع زوجته الأميركية كاري في قريتهما، إثر نزاع محلي مع الجيران على حقوق المياه. أعماله نقل صليبي الفن في لبنان من ممارسة حرفية أو دينية إلى مهنة فكرية وحداثية قائمة بذاتها. تطور أسلوبه من الواقعية الكلاسيكية والأكاديمية نحو انطباعية حيوية؛ إذ لعب على وتر الأضواء واستخدم لوحة ألوان غنية طغى عليها الدرجات الوردية والزرقاء المتلألئة. وعلى الرغم من رسمه للمناظر الطبيعية والمشاهد القروية، إلا أنه اشتهر تحديداً برسم الوجوه (البورتريه) والجسد (العرِي). وقد كان من أوائل الفنانين في العالم العربي الذين تناولوا رسم العرِي بأسلوب أكاديمي، كاسراً بذلك المحرّمات الاجتماعية التي كانت سائدة بكثرة في ذلك العصر. أما مجموعته الشخصية، التي أنقذتها عائلته، فهي محفوظة اليوم في صالة العرض الفنية التابعة للجامعة الأميركية في بيروت (AUB Art Gallery)، وتُعدّ كنزاً وطنياً. عمل أيقوني: لوحة شخصية غير مكتملة رسم صليبي العديد من اللوحات الشخصية (البورتريه) لنفسه طوال مسيرته، حيث يظهر فيها دائماً بنظرة ثاقبة وفخورة، مستخدماً الضوء وضربات ريشة عريضة. وتجسد أعماله ببراعة قدرته على قنص الشبه الجسدي، ليس فحسب، بل وأيضاً سيكولوجية الشخصية. ومن بين أكثر أعمال صليبي تأثيراً، لوحته الشخصية غير المكتملة لعام 1928؛ فقد تُركت كما هي على مسند الرسم الخاص به لحظة اغتياله. ويختزل هذا العمل بوضوح أسلوب صليبي الناضج في أواخر حياته: لمسة حرّة وقوية، ونظرة ثاقبة تلخص اعماق ذاته وحالته النفسية، كما تظهر سيطرة صليبي الكبيرة على الضوء رغم عدم اكتمال اللوحة. المقال المقبل الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء

تحت الباروكات المعفَّرة
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر
مارس 29, 2026 - 17:46

من الثامن عشر من فبراير حتى الخامس من يوليو 2026، يقدّم متحف الفنون الزخرفية معرضَ "يومٌ في القرن الثامن عشر، سرديّةُ قصرٍ أرستقراطي" — عبوراً غامراً في ربوع إقامةٍ نبيليةٍ باريسيةٍ من ثمانينيات القرن الثامن عشر، عشيّةَ الثورة الفرنسية. من الصحو إلى المنام، كلّ شيء هنا يسير على إيقاع الساعة. يتيح هذا المعرض لنفسه أن يُستنشَق كعطرٍ طال انقضاؤه، معجزةٌ صغيرة لفنّ العيش في عصر الأنوار، حيث تروي كلٌّ من القطع الخمسمئة والخمسين المتناثرة على امتداد المسار حكايةً واحدةً بعينها: حكاية زمنٍ ولّى، رفعت جماليّاتُه الرفيعة باريسَ إلى مصافّ العواصم الأوروبية للموضة والفنون... وهو لقبٌ نادراً ما يُنازَع فيه حتى اليوم. اليقظة: حميميّةٌ مُهداة خلف واجهات القصر الأرستقراطي، تنبضُ المدينة. دويٌّ خافتٌ للعربات، نداءات الباعة، حفيفُ الخطى على الرصيف المبلَّل. في الداخل، ثمّة عالمٌ آخر يتشكّل — أبطأ، أكثف، شبه معلَّق. تبدأ اليوميّة في غرفة النوم، نحو الساعة السابعة، حول سريرٍ من طراز lit à la duchesse موضوعٍ عمودياً على الحائط. تتجلّى الراحة، غير أنّ الحميميّة تظلّ نسبيّة. إذ اليقظةُ لحظةٌ للمعاشرة الاجتماعية: يُستقبَل فيها الموردون والسكرتيرون ومرشدو الضمير، ويمتزج الكلام بالحركة. في الضوء اللبني للصباح، تنهض المواد من سباتها. خشبُ الأرضية المُشمَّع، الأقمشةُ المجعَّدة إثر النوم العميق الليلي، انعكاساتُ القصدير والخزف. تتكشّف حفلة التزيّن ببطء، وفق طقوسٍ مُقنَّنة. تُعفَّر الباروكات المصنوعة من الشعر الطبيعي، توضع شاماتُ الجمال بدقّةٍ على الوجوه، وتُعبِّق الغرفةَ العطورُ الناعمة والزهرية. في المحيط، تؤلّف الأشياء مشهداً حميميّاً: أباريق ماءٍ وأحواضٌ وصناديق صابون وعلبُ شاماتٍ مزيَّنة بإتقان، وبيديه، وبوردالو. والتقويماتُ، في متناول اليد دائماً، تذكِّر بأنّ الوقت منظَّمٌ، مجزَّأٌ، محكوم. تنتظر محفّةٌ مطليّة من الأربعينيات والخمسينيات من القرن الثامن عشر، مصنوعةٌ من الخشب والنحاس والقماش المرسوم، بهدوءٍ في الظلّ، مستعدّةً لمواصلة هذا الإخراج الجسدي في رحاب المدينة. الماء شحيح. يستلزم الحمّامُ سخّاناً نحاسياً، ويظلّ ترفاً. حفلةُ التزيّن هي، قبل كلّ شيء، جافّةٌ وملموسةٌ ودقيقة. التزيّن والمظهر: الأناقة بوصفها لغة أن تتزيّا في القرن الثامن عشر هو أن تحكي نفسَك للعالم. يجسّد رداءٌ à l'anglaise من حرير البيكان الأبيض، تتخلّله خطوطٌ وردية وأخرى خضراء متعرّجة، مطرَّزٌ بباقاتٍ زهرية، هذه المطلبيّة الجمالية. الألوان رقيقةٌ، لا صخب فيها أبداً، والتناسقات قائمةٌ على درجاتٍ متناغمة. أبيضُ ورماديٌّ وأزرق، تُضفي عليها لمساتٌ أكثر حيوية. الحريرُ والمخمل والأشرطة تقبض على الضوء وتردّه بنعومة. طقوس الجمال صارمة: كلّ شامة، كلّ مسحوق، كلّ عطر يضطلع بدوره في لغةٍ اجتماعية. في هذا العصر تفرض باريس نفسها عاصمةً للموضة. تتقاطع هنا العيون الأوروبية، مستجلبةً هذه الدقّة في الذوق. الضحى والحركة: الهواء والجسد والمدينة بعد حفلة التزيّن، يخرج الجسد ويتنفّس. تحت تأثير الطبيب تيودور ترونشان، الذي تتداول أفكاره في تلك الحقبة، يُستنّ التعوّدُ على المشي في ساعاتٍ متعدّدة من النهار — يمشي المرء على طريقة ترونشان. في حدائق القصور الأرستقراطية، يطقطق الحصى تحت الأقدام. يحمل الهواء روائح متمازجة. زهورٌ وتراب رطب، وفي المسافة روائح المدينة: الجلد والدخان والحياة. حين يخرج المرء ليُرى، تتقاطع الصور وتتحايا وتتراقب. تغدو الحركةُ هي الأخرى لغة. المكتبة والبودوار: الانتظام والانسحاب قبل الغداء أو بعده — وهكذا كانت تُسمّى وجبة الظهر في القرن الثامن عشر — تتيح المكتبة فضاءً للتأمّل. يقرأ السيّد ويفكّر ويرجع إلى التقويمات والروزنامات. تنتظم اليوميّة هنا بدقّة. ويشدّه العالم كذلك: الصين واليابان وأماكن أخرى متخيَّلة تغذّي فضوله. في المقابل، يكون بودوار السيدة أكثر حميميّة. تستقرّ في أريكة من الجوز المنحوت، مطليّةٍ بالرمادي والذهبي. تكتب أو تقرأ أو ترسم. وتعمل كذلك بيدها: تطرّز بالّلؤلؤ وخيوط الحرير والأسلاك الدقيقة. حركاتها ناعمة ومتكرّرة، شبه تأمّلية. الغداء: الضوء والإخراج يُتناول الغداء بين الساعة الثانية والرابعة بعد الظهر، ويهيكل اليوميّة. تنتظم قاعة الطعام تدريجياً: موائد جانبية وأبار تبريد ونافورة جدارية وكراسي مجدولة. تغدو الطاولة، التي كثيراً ما تُرفع فوق الدعائم، مسرحاً. تقدّم الخدمة بالطراز الفرنسي جميع الأطباق دفعةً واحدة. تتحاور ألوان المأكولات والخزف والزجاج. في وسط المائدة، تلتقط قطعةٌ من الزجاج المصهور الضوءَ وتكسّره. كلّ شيء مشهد، وكلّ شيء اتّزان. الوجبات الخفيفة والمتع: الحلاوة والتمييز بعد الغداء، يأتي وقت الوجبة الخفيفة. في صالونٍ أو بودوار، يُتناول الشوكولا والقهوة والشاي. العطور أكثر دفئاً، أكثر احتضاناً. الشوكولا، المشتهَر بأنّه منبِّه، يُشرب أحياناً من الصحن. الحركات دقيقة، شبه صامتة. الأشياء تمدّد التجربة: خزفيّات، ومصوغاتٌ ثمينة، وعلبُ السعوط النفيسة. يغدو شمّ السعوط طقساً اجتماعياً. وتقديم العلبة إلى الآخر — علامةُ اهتمامٍ وتمييز. الألعاب والحديث والموسيقى: فنّ التألّق في المساء، تبلغ المعاشرة الاجتماعية ذروتها. ألعاب الـ tric-trac والـ quadrille والـ bouillotte تنظم الفضاء إيقاعياً. الموائد والكراسي والهيئات مدروسةٌ كلّها لترى وتُرى. لكنّ الأهمّ أنّ الكلام يجري. الذكاء يتداول، حادٌّ ودقيق. تصبح المحادثة فنّاً. يستحضر المرء هنا فيلمَ Ridicule لباتريس ليكونت: الحقبة ذاتها، الافتنان اللفظي ذاته، والخطر ذاته من الكلمة في غير موضعها. تُرافق الموسيقى هذه اللحظات — هاربٌ من خشب القيقب ذو سبعة دواسات لسيباستيان رونو وفرانسوا شاتلان، وكلافسانٌ وناي عرضي، تُؤلِّف معاً موسيقى حجرةٍ حميميّة، بأصواتٍ خفيفة، شبه معلَّقة. العشاء الخفيف: نحو الحميميّة في وقتٍ لاحق، بين الثامنة والنصف والحادية عشرة ليلاً، يكون العشاء أكثر تحفّظاً وتكتّماً. ينسحب الخدم، تنخفض الأصوات، تتبسّط الحركات. تتيح الأثاث المتنقّلة خدمة النفس. يظهر شكلٌ من أشكال الحرية، ناعم، يكاد لا يُحسّ. النوم: الاستسلام الأخير الليل يطوي اليوم. قمصانٌ بيضاء، طواقي النوم، حركاتٌ تتباطأ. مصباحٌ ليلي صغير يذرّ ضوءاً هشّاً. في القاعة الأخيرة من المعرض، تُكثِّف لوحة Le Sommeil، المنسوبة إلى هوغز تارافال (نحو 1779)، هذا الانقلاب في جوهره: الجسد يستسلم، محمَّلاً بكلّ حواسّ اليوم. وجبةٌ خفيفة قد تبقى معدَّةً قرب السرير. في الخارج، لا تزال المدينة تهمس. حسيّةُ الزمن في متحف الفنون الزخرفية، يشارك كلّ شيء في منظومةٍ ينتظم فيها الوقت ويتشكّل فيها الجسد وتُخرَج فيها الحياة. ألوانٌ خافتة، وأصواتٌ مكتومة، وعطورٌ منتشرة: كلّ شيء يصبّ في تجربةٍ حسيّةٍ ومُقنَّنة في آنٍ معاً. هذا العالم لا يكتفي بالوجود؛ يُدبَّر بإحكام. وربّما ذلك ما يظلّ يسكننا: تلك الكثافة في التفصيل، حيث كان لكلّ لحظة نسيجُها الخاص، ورائحتُها، وضوؤها.

دِيور، مادلين بروست للأزياء الراقية
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر
مارس 8, 2026 - 03:59

في قلب مدينة النور، بين الأرشيفات والمنحوتات وأقمشة الفساتين وكُرَيّات الخياطة، تنبض دار تستولي فيها رائحة وردة مايو على الذاكرة الشمّية للزوار. دار يتحاور فيها الماضي والحاضر. منذ الظل الخصيب الذي خلّفه جون غاليانو ووصول جوناثان أندرسون، يبدو أن قراءةً جديدة لإرث ديور آخذة في الظهور: أكثر مفاهيميةً، أعمق فنيةً، غير أنها تبقى وفيّة في جوهرها لروح الدار التي أُسِّست عام 1946. دراسة في الشكل في متحف رودان، ذلك المعجزة المكتنزة بمنحوتات الأستاذ الكبير أوغست، تجلّت هذه المرحلة الجديدة. في أعقاب عرض الأزياء الراقية الذي أُقيم خلال الأسبوع الأخير من يناير 2026، فتحت التهيئة البصرية "نحو الأشكال" (Grammaire des Formes) أبوابها للجمهور في الخيمة العابرة ذاتها التي شهدت التقديم الأول للمجموعة. خمس عشرة لوحة لأندرسون جاورت هناك تسع تحفٍ تاريخية للمسيو ديور، وعدداً من السيراميك للنحاتة الكينية مجدلين أودوندو. كان الإطار يكاد يبلغ حد الجذرية. الأرضية، المكسوة بباركيه النقطة المجرية من الفضة العتيقة اللامعة، كانت تهمس لسقف غارق في أزهار السيكلامين الوردية. هذه العلبة المُرصَّعة احتضنت الفساتين كما احتضنت منحنيات أعمال أودوندو. صُنعت تلك الأعمال يدوياً وتطوّر لغةً من التوترات مستوحاة من الجسد الإنساني ومن تقاليد الفخار الموروثة. في مجموعة أندرسون، تجد هذه الأشكال صدىً واضحاً: خصور محدّدة، أحجام منحوتة، صورٌ كأنها معمارية. يصبح الخياطة هنا مادةً، حواراً بين اللباس والنحت. مجموعات من الأطفال، جلسوا على الأرض وأقلامهم بأيديهم، يرسمون ويلوّنون النماذج في دفاترهم. لحظة بسيطة صامتة تُذكِّر بأن الأزياء الراقية هي قبل كل شيء نظرة تتشكّل. هذه المجموعة الأولى لأندرسون في ديور لا تسعى إلى الأثر المبهر. بل تشتغل كدراسة. غاليانو، الظلُّ الخصيب لا يمكن تناول هذه اللحظة دون استحضار جون غاليانو. الطفل المشاغب في عالم الموضة، ذلك الذي أودت به استفزازاته المتكررة إلى مطهر ليجلو أوزاره. قبل أندرسون، كان هو الذي أحدث التحوّل الحقيقي في ديور. خلال التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، حوّل غاليانو تلك الدار العريقة إلى مسرح: عروض مبهرة، مراجع تاريخية، صور أزياء لافتة. أندرسون لا يسعى إلى إعادة إنتاج تلك الدرامية. لكنه يبدو أنه احتفظ بجوهرها: فكرة أن على ديور أن تظل مكاناً للتجريب. حيث اشتغل غاليانو على السرد والمشهد الزيّي، يستكشف أندرسون الأرشيف والشكل. طريقة أخرى في أن تكون جذرياً، مع الوعي ذاته بالإرث. وأزهار السيكلامين في السقف ليست سوى امتداد لتلك الباقة الصغيرة التي أهداها الأستاذ للتلميذ، حين دعاه هذا الأخير، في معاينة خاصة، ليكتشف مجموعة من حلّ محلّه فعلاً. زهرة تُسكر كرجّة ميزان، جميلة كتحية. السترة Bar، مركز الثقل في صميم هذا التأمل تبقى قطعة تأسيسية: سترة Bar. أُنجزت عام 1947 لتُرافق الـ"نيو لوك"، ولا تزال تشكّل مصفوفة الدار بأكملها: خصر مقبوض، أوراك منحوتة، صورة معمارية. عند أندرسون، تظهر هذه السترة أحياناً سليمة، وأحياناً مزاحة أو مفكّكة، مقصّرة أو ممدودة، كمنحوتة تُفحَص من زوايا متعددة. هذا دليل على أن داراً يمكنها أن تتطور دون أن تتنكر لأصلها. استمر هذا الإثبات خلال عرض مجموعة الـ"بريت-أ-بورتيه" الأخيرة في حديقة التويلري بباريس، أمام بركة مزيّنة بأزهار اللوتس… أُشيدَ بالكلاسيكيات المُعاد تفسيرها لتوازنها بين الدقة التاريخية والنفَس المعاصر؛ لحظة بدت فيها الدار وهي تتبنّى هذا التوتر بين الأرشيف والطليعة. في الأدب والإنسانية يحافظ ديور منذ زمن على حوار خفيّ مع الثقافة. نجده اليوم في حقائب ديور بوك توت الواسعة التي باتت أشبه بأشياء أدبية. بعضها يحمل عناوين الكلاسيكيات الكبرى مطبوعةً على قماشها. من "أزهار الشر" إلى "مدام بوفاري"، ومن "العلاقات الخطرة" إلى "دراكولا"، باتت هذه الإكسسوارات تشبه كتباً يحملها المرء فوق كتفه، كما لو أن الأزياء الراقية نفسها باتت مكتبة. بيد أن تاريخ ديور ليس جمالياً أو فكرياً فحسب. فخلال الاحتلال، واصل كريستيان ديور عمله خياطاً في باريس بينما كانت أخته كاترين ديور تنخرط في المقاومة. اعتُقلت ثم رُحِّلت إلى معسكر الاعتقال في رافنسبروك، وعادت بعد الحرب… يُهدى إليها عطر ميس ديور. هذا التوتر بين الظل والنور يشكّل جزءاً من ذاكرة الدار. وهو يفسّر لماذا لم يكن ديور يوماً مجرد علامة تجارية، بل قصة إنسانية. دار تُعيد تعريف نفسها عرف ديور مراحل متعددة. كان ثمة جذرية الـ"نيو لوك"، ورؤى المديرين الفنيين المتعاقبة، ثم سنوات بدت فيها الدار تبحث عن هويتها. الشعارات، التي كانت ذات يوم خفيّة، تضخّمت قبل أن تجد شكلاً أكثر رقة. اليوم، تحت الدفع المتأمّل لدلفين أرنو، تبدو الدار وكأنها تريد استعادة التوازن بين الإرث والاختراع. يندرج وصول جوناثان أندرسون بوضوح في هذا الاتجاه. ذاكرة حيّة أحياناً يكفي أن تلمس جلداً، أو تتأمل قصّةً وترتديها، أو تشمّ عطراً رفيعاً، أو تفتح برفق حقيبة Lady Dior لتفهم الحمض النووي لهذه الدار. ديور ليس مجرد صورة، وليس مجرد جمالية. إنه ذاكرة إبداعية في حركة دائمة، أزياء وُلدت تحت نجم سعيد إذ لا تنسى أبداً من أين جاءت؛ وتواصل استكشاف ما يمكن أن تصبح: مادلين بروست للأزياء الراقية، في إعادة اختراع دائمة.

انفجار و صخب: يونغبلود في أقصى طاقته
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر
فبراير 27, 2026 - 20:55

عيون محددة بالأسود، نقية، عاصفة، متناقضة. جميلة لدرجة الغرق فيها. دومينيك هاريسون، المعروف بيونجبلاد، ينطلق على المسرح ويصرخ بفنيته الوحشية بكل رئتيه. حياة من الغضب، والاتساع، والثقة بالنفس المكتسبة، والتي أصبحت الآن ساحرة. كل إيماءة منه هي وميض؛ كل حركة منه حريق. إنه لا يؤدي أغانيه. بل يتركها تتفجر نارًا. تشتعل الحفرة بمجرد ظهوره. أصوات الجهير تدوي كالرعد. ابنتي وصديقتها تقفان بعيدًا بعض الشيء، وأنا في الخلف. كل اهتزاز في الهواء يخترقنا. ثم يظهر فجأة. جسد منحوت تحت الأضواء، حضور حيواني، عيون زرقاء مكحلة كالعاصفة. يونجبلاد يقتحم المسرح، إنه نار جامحة. سيجارة بين أصابعه، سيشعلها لاحقًا، وبالفعل الحرارة لا تُطاق. حضوره أسدي. كل إيماءة، كل حركة تجرف كل شيء في طريقها. إنه لا يغني فقط: إنه يستهلك الهواء، والجمهور، والليل. بين إمضائين fucking-signature يطربان آذاننا بطريقة الروك أند رول، تنفجر وقاحته. تختفي الحدود بين المسرح والجمهور. نحن في قلب عاصفته. كثافة فورية في ساحتنا التي سخّنها حتى الغليان فريق "باليه رويال" الكاليفورني، تتوالى أغاني دومينيك. "هالو هيفن"، "ذا فيونيرال"، "لابسيك لولاباي"، "لو لايف"، "تشينجز"... لم أشهد مثل هذا المشهد منذ تلك التي كانت تقدمها لنا شاشاتنا البيروتية الصغيرة، عندما كانت تعمل حسب توفر التيار الكهربائي، في التسعينيات. العرض الموسيقي ليونجبلاد خام وحقيقي. روك بديل، لمحات بانك، ترانيم تردد كالأيمان. تنهش القيثارات. تدق الإيقاعات. الكتابة المعلنة هي مزيج حساس من الغضب، والضعف المقبول عوضًا عن كونه مختارًا. جمالية مميزة الجمهور مبتهج. حولنا، شباب رائع. من المراهق إلى الأربعيني، كل منهم اهتم بمظهره. أزياء سوداء، ألسنة لهب المسرح التي تضيء مكياجًا يقترب من القوطي، قليل أو كثير من تيم بيرتون بنسخة الروك البديل، وهذا أمر حتمي بحكم هوية نجمنا. إنه ليس مغنيًا خجولًا بل أسد؛ يمكننا كتابة ذلك. انتماؤه للروك مؤكد: أصداء نيرفانا، ديفيد بوي، وخاصة أوزي أوزبورن، تأثير مركزي على هويته الفنية. أغنية "Changes" تحتل بعدًا مركزيًا ليونجبلاد. أيضًا، في الأول من فبراير من هذا العام، فاز دومينيك بجائزة جرامي لأفضل أداء روك عن إعادته الحية لهذا العنوان الأخير، وهو أداء لـ "بلاك سابث" مخصص لأوزبورن نفسه. خارج المسرح، يوجه هاريسون طاقته نحو الملاكمة. يشارك على إنستغرام لحظات من التمارين الحية، وكلابه، ولحظات من القرب مع جمهوره. يطلب المعجبون المزيد لأن معبودهم حقيقي. صوت للجيل الجديد يونجبلاد ليس مجرد مؤدي. في الثامنة والعشرين من عمره، هو مرآة للشباب. ضعيف ولكنه قوي، بدون تزييف ولكنه دائمًا جيد وسخي. يتناول الصحة العقلية، الحرية وقبول الذات كمحرك يسمح بالوجود دون مساومة. كل حفلة من حفلاته هي تجربة مشتركة. في أكتوبر الماضي في باريس، لحظة إقامة هذا الحفل، كانت الطاقة خامًا والحرية ملموسة. كان التزام LGBTQ+ واضحًا بشكل طبيعي، بدون مبالغة. ومنذ ذلك الحين، أعلن دومينيك علنًا أمام جمهوره دعمه للشعب الإيراني المذبوح. إنه أحد الفنانين القلائل الذين يحملون صوت هذا الشباب الحر والمستنير، الذي يضحي به اليوم. بجانبي، ابنتي وصديقتها مكهربتان، حرفيًا. تغنيان كل كلمة. نحن نهتز معًا، جسدًا وروحًا، تعبرنا نفس الموجة. لقد خلق هذا الحفل العابر للأجيال دفئًا منشطًا. شخصية دومينيك المميزة، وفنيته الموسيقية الوحشية أربكتني. إنه فنان يكسر القواعد واليقينيات ويجسد ما يؤمن به بطريقة ساحرة. يحرق ويمحو الحدود الباهتة للبرود الصوتي المحيط، الذي غالبًا ما يكون معايرًا. يونجبلاد ليس مجرد مغني. إنه محفز للعواطف، نار تستهلك وتضيء في آن واحد. شكرًا لابنتي التي سمح حبها ومساعدتها الثمينان بكتابة هذا المقال الملتهب.

المتحف الإيراني الوطني: مرآة لتاريخ يمتد لآلاف السنين (2/2)

تلعب المتاحف في إيران دوراً فاعلاً في تعزيز الاستراتيجية السياسية والدبلوماسية للبلاد. كما أنها تقوم بدور محوري في حفظ وإبراز كنوز الحضارة الفارسية. يُعتبر المتحف الوطني الإيراني أبرز المتاحف الأثرية والتاريخية في البلاد. فهو يعكس غنى التراث الفارسي ويضمّ مجموعات عالية القيمة تغطي تاريخ إيران منذ العصر الحجري، مروراً بعصور الميديين والإيلاميين والأخمينيين والبارثيين والساسانيين، وصولاً إلى الحقبة الإسلامية. داخل جدرانه يُصاغ السرد الرسمي لما يُعرف بـ«إيران « : امتداد تاريخي متواصل من إيلام والإمبراطورية الأخمينية وصولاً إلى الجمهورية الإسلامية، عبر أكثر من 300 ألف قطعة تشكّل نسيج التاريخ العريق للبلاد. وفي هذا الإطار، يتألف المتحف الوطني من كيانين رئيسيين: متحف إيران القديم ومتحف الحقبة الإسلامية. متحف إيران القديم تم إنشاء المبنى الرئيسي في ثلاثينيات القرن العشرين خلال عهد رضا شاه، وهو مخصص للفترة ما قبل الإسلامية، مستوحى من العمارة الساسانية، لا سيما نصب طاق كسرى (Taq-e Kasra) أو قوس كتيسفون (Arche de Ctésiphon). صممه المهندسان الفرنسيان أندريه جودار وماكسيم سيرو، وتم افتتاحه عام 1937. ولا يقتصر المتحف على عرض جواهر خزينة الشاه الأسطورية، بل يقدم التاريخ الكامل للبلاد من خلال آلاف القطع الأثرية، بما في ذلك الأختام والنقوش البارزة والفخار والمخطوطات والتماثيل وغيرها. من بين أبرز القطع في المتحف، نقوش ونصوص تعود إلى فترة أورك المتأخرة – Late Uruk – (حوالي 3350–3000 قبل الميلاد)، والتي نُقلت خلال العقد 2010 إلى مخازن حديثة ومؤمّنة. يضم المتحف أيضاً أحد «رجال الملح» في زنجان، وهي مومياء طبيعية لعمال منجم، حافظت عليها الأملاح الموجودة في المنجم حيث وُجد، ويُقدّر تاريخها بين 550 و330 قبل الميلاد. ومن بين القطع الاستثنائية الأخرى، البرونز الضخم لشامي، الذي يبلغ ارتفاعه 1.94 متر، ويعدّ تحفة في فن النحت البارثي. كما يحتفظ المتحف بنقوش بارزة ورؤوس أعمدة على شكل ثور قادمة من برسيبوليس (القرن السادس–الرابع قبل الميلاد)، وهي ذات جودة استثنائية وتشكل خلاصة رائعة للهندسة المعمارية الأخمينية. يضم المتحف أيضاً فخاريات وسيراميك من العصور البدائية من تل سيالك (Tepe Sialk) قرب كاشان، وهي قطع فنية أصيلةتعود إلى الألفية السادسة حتى الرابعة قبل الميلاد. كما يضم برونزيات من لوريستان (حوالي 1000–650 قبل الميلاد)، وكؤوساً ورهونات من الذهب الخالص من مارليك (1400-1200 قبل الميلاد)، والتي تُعتبر أرقى تجسيد للفن الإيراني في العصر الحديدي. متحف الحقبة الإسلامية يقع قسم الفن الإسلامي في المتحف الوطني الإيراني في مبنى حديث مخصص، افتُتح عام 1996. ويضمّ مجموعة قيّمة تتتبع تاريخ فارس بعد الإسلام، وتظهر مدى رقي الفن الإسلامي في إيران. تشمل المجموعة أعمالاً فنية من العصر الصفوي، وفخاريات، ومخطوطات، ومصنوعات معدنية، ومنسوجات، والعديد من الكنوز الأخرى. من أبرز قطع المتحف المحراب الإلكانيدي في دار الجنة، المعروف باسم «بوابة الفردوس». وتعود هذه الفسيفساء من البلاط المزجج إلى القرن الرابع عشر الميلادي في عهد السلالة الإلكانيدية، وتشتهر بخطوطها المعقدة (الكوفي، الثلث، النسخ) وزخارفها النباتية والهندسية الدقيقة. كما يعرض المتحف وعاءً خزفياً من القرن التاسع من جرجان مزيناً بصورة بشرية برأس ثور، وألوان مائية للفنان صني الملك، من الحقبة القاجارية (القرن الثامن عشر)، إلى جانب أسطرلابات أنيقة وتحف فنية أخرى. دور أمناء المتاحف بين قبضة السلطة وواجب الحفاظ على التاريخ، يتحرك أمناء المتاحف في إيران بحذر شديد. فهم يواجهون رقابة غالباً ما تكون غير مباشرة: ليست دائماً على شكل حظر صريح، بل عبر إشارات وتوصيات و«حساسيات» يجب مراعاتها. وحتى في اختيار الأعمال المعروضة والسرد الذي يتم تقديمه، تصبح بعض المواضيع شائكة، مثل التعددية الدينية في العصور القديمة، ودور المرأة في المجتمعات القديمة، أو التأثيرات الأجنبية. وتكمن الصعوبة الأساسية للأمناء في التوفيق بين السرد ما قبل الإسلامي، الذي يعرض صورة لأمة قديمة وإمبراطورية، والسرد الإسلامي واستراتيجية الهوية الوطنية للدولة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الصرامة الفكرية اللازمة لأي رواية تاريخية موثوقة. أخيراً، يجدر الإشارة إلى الجهود المهنية التي بُذلت في بعض متاحف العاصمة، مثل تحديث المخازن وأنظمة الأمن، وتعيين أمين مخصص لقسم النقوش، وغيرها من الإجراءات. وتعكس هذه الجهود توجهاً أكثر منهجية في إدارة التراث. وفي الختام، يطرح سؤال مهم: في الفترات الحرجة التي تمر بها أي دولة، هل من اللائق أن ينشغل المرء بمصير المتاحف والأعمال الفنية بدل الانشغال بالناس؟ على العكس تماماً، فكلما اشتدت الأزمات في العالم، زادت الحاجة إلى الفن وحراس الذاكرة ليشهدوا على تاريخنا، ولينقلوا، بالدرجة الأولى، تاريخنا الإنساني إلى الأجيال المقبلة... اقرأ في نفس الموضوع: المتاحف في إيران: تراث تحت الحصار (1/2)